الغرامة التهديدية

الغرامة التهديدية

من المتفق عليه أن التنفيذ العيني هو الأصل في تنفيذ الالتزامات، سواء كان بشكل اتفاقي بين اطراف أو كان جبريا بواسطة السلطة التنفيذية بناء على حكم قضائي، ولما كان التنفيذ العيني يعني أن يقوم الدين بأداء الالتزام الواقع عليه نفسه وبذاته وليس شيئا آخر غيره، مما يعني قيامه بأداء الالتزام بالطريقة المتفق عليها بين اطراف العقد أو بالطريقة التي قضى بها الحكم محل التنفيذ العيني، إلا أنه في بعض الحالات يتعنت المدين في أداء الالتزام المقرر عليه ويمتنع عن تنفيذه عينيا مع القدرة على تنفيذية، وفي هذه الحالة أجاز المشرع للقضاء أن يوقع على المدين غرامة تهديدية لإجباره على تنفيذ الحكم تنفيذا عينيا وهي غرامة مؤقتة لا تحوز حجية الأمر المقضي به إلا إذا انتهت المدة المقررة لها وصدر الحكم بالغرامة التهديدية القطعية بعد التصفية، والتي بصدورها تتحول من غرامة تهديدية الى تعويض يجوز تنفيذه عن طريق الحجز التنفيذي أو حجز ما للمدين لدى الغير، وقد لجأ المشرع الى تقرير الغرامة التهديدية لإضفاء الاحترام والتقدير للأحكام القضائية الصادرة منه، ووضع المدين خلال فترة عنته عن التنفيذ تحت الضغط المالي من مخافة زيادة الغرامة التهديدية أو القضاء بشكل قطعي بها، مما يحمله الى تنفيذ التزامه، مع الأخذ في الاعتبار جواز القضاء بالغرامة التهديدية وتحولها الى تعويض حتى إذا قام المدين بتنفيذ التزامه وذلك عن المدة التي تأخر فيها في التنفيذ.

– وخلال هذا المقال سوف نوضح مفهوم الغرامة التهديدية وخصائصها وأحكامها على التفصيل الآتي:

أولا: مفهوم الغرامة التهديدية

ثانيا: خصائص الغرامة التهديدية

ثالثا: الأساس القانوني للغرامة التهديدية في القانون الأردني

رابعا: شروط الحكم بالغرامة التهديدية

خامسا: المحكمة المختصة بإصدار الحكم بالغرامة التهديدية وسلطاتها

سادسا: الأثار المترتبة على الحكم بالغرامة التهديدية

سابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالغرامة التهديدية

ثامنا: الخاتمة

أولا: مفهوم الغرامة التهديدية

  • لم يضع المشرع الأردني تعريفا للغرامة التهديدية إذ أن هذه المهمة موكوله أكثر للفقه القانوني وليس للمشرع، وعلى ذلك فسوف نعرف الغرامة لتهديدية من منظور الفقه القانوني على النحو الآتي:
  • حيث عرف بعض الفقه القانوني الغرامة التهديدية على أنها المبلغ المالي الذي يصدر به حكما قضائيا يلزم المدين بدفعه، وذلك عن كل يوم اتو أسبوع أو شهر أو فترة زمنية يثبت فيها امتناع المدين عن التنفيذ العيني الصادر فيه حكما مصحوبا بتلك الغرامة.

  • كما عرفها البعض بأنها النظام القانوني الذي يسمح للقاضي بأن يحكم على المدين المتأخر عن الوفاء لمدة معينة بغرامة مالية يلتزم بدفعها عن تلك المدة من التأخير.[1]

  • ويتضح من خلال هذه التعريفات أن الغرامة التهديدية هي وسيلة قانونية للضغط على المحكوم عليه بالتنفيذ العيني حتى يبادر إلى  تنفيذ الحكم الصادر ضده، وإلا أوقع  عليه القاضي الغرامة التهديدية، وهي بذلك تمثل ضغطا ماليا عليه يدفعه لاحترام الأحكام القضائية جبرا، خاصة في الحالات التي لا يمكن تنفيذ الحكم الصادر بالتنفيذ العيني إلا عن طريق المحكوم ضده بنفسه، وفي هذه الحالة أتاح المشرع للمحكوم له ( الدائن ) أن يتقدم بطلب للقضاء لإلزام المدين بتنفيذ الحكم  وتكون هذه الغرامة واجبة عن كل يوم يؤخر فيه المدين الوفاء عن الميعاد المحدد له. [2]

ثانيا: خصائص الغرامة التهديدية

تتميز الغرامة التهديدية باعتبارها وسيلة لإجبار المدين على تنفيذ التزامه عينيا بعدة خصائص منها:

أ- ذات طبيعة مؤقتة

وتظهر تلك الخصيصة بشكل واضح في السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي مصدرها من حيث سلطته في زيادة قيمتها أو في الانقاص  منها أو إلغائها كلية عند القيام بتصفيتها، ومؤدى ذلك أن الغرامة التهديدية لا يكون لها حجية الشي المقضي به وما يترتب على ذلك من عدم إمكانية تنفيذها إلا بعد اتخاذ إجراءات تصفيتها لتحديد قيمة المبلغ الذي يلتزم المدين بدفعه مع الأخذ في الاعتبار عدم تقيد القاضي عند الحكم بها على المدين بتحديد مقدار الضر الذي أصاب الدائن جراء امتناع المدين عن تنفيذ الحكم العيني بل لا يشترط من حيث الأصل وقوع ضررا للدائن من عدمه، [3] وعلى ذلك فيمكن القول أن تقدير القاضي للغرامة التهديدية يكون تقديرا تحكميا لا يراعى فيه سوى مركز المدين المالي، ومن ناحية أخرى درجة عنته وامتناعه عن تنفيذ الحكم،[4]  وذلك حتى يسهل على القاضي رفع قيمة الغرامة التهديدية أو خفض قيمتها على أساس الظروف المحيطة بالمدين وامتناعه عن التنفيذ العيني.

  • إلا أن النص في المادة (360) من القانون المدي الأردني قرر وجوب تقدير الضرر الذي لحق بالدائن الى جانب العنت الحاصل من المدين عند تحويل الغرامة التهديدية بعد تصفيتها الى تعويض.

ب- ذات طبيعة تهديدية

ويمكن الوقوف على هذه الخصيصة فيما تقوم به هذه الغرامة من وضع المدين تحت شعور القلق والضغط لجهله بالمبلغ الذي سوف يحكم عليه بأدائه جراء امتناعه عن تنفيذ الحكم أو الالتزام العيني، وفي هذه الحالة قد تحقق الغرامة الهدف المنشود لها، وهي جعل المدين يتراجع عن عنته وامتناع عن التنفيذ مخافة الغرامة التهديدية لآن المدين يجد أن كل تأخر منه في تنفيذ الحكم تنفيذا عينيا يزيد من قيمة الغرامة التهديدية.

ج- غير محددة المقدار

ويرجع سبب عدم تحديدها بشكل قاطع الى أنها لا تكون واجبة الدفع إلا بعد القيام بتصفيتها عن طريق حساب عدد الأيام أو الشهور أو أي مدة زمنية أخرى قد تأخر المدين فيها عن الوفاء، إذ بعد هذه التصفية يمكن تحديد مجمل قيمتها بشكل قاطع وتتحول الى دين متعلق بذمة المدين.

د- يتم تقديرها عن كل وحدة زمنية

حتى يتم تقدير الغرامة التهديدية يقوم القاضي بحساب المدد الزمنية التي امتنع فيها المدين عن الوفاء بالتزامه بحيث يكون إجمالي هذه المدد الزمنية هو أساس تقدير القاضي للقيمة النهائية للغرامة التهديدية

ثالثا: الأساس القانوني للغرامة التهديدية في القانون الأردني

  • من الملاحظ أن القانون الأردني لم ينظم أحكام الغرامة التهديدية على التفصيل مقارنة بغيره من التشريعات خاصة التشريع المصري والعراقي، وقد أكدت المذكرة التفسيري للقانون المدني الأردني على ذلك عند شرحها لنص المادة (360) مدني حيث جاء قولها: (مصدر حكم هذه المادة يعرف من مراجعة المواد 278 و280 و284 من المجلة وشرحها لعلي حيدر و454 و455 من مرشد الحيران والمادة 35 تقنين حنفي مع مذكرتها الإيضاحية، وهي تقابل المواد 424 و426 مشروع أردني و427 سوري و579 عراقي).
  • حيث نجد أن المادة (360) من القانون المدني الأردني قد نصت على: (إذا تم التنفيذ العيني أو أصر المدين على رفض التنفيذ حددت المحكمة مقدار الضمان الذي تلزمه المدين مراعية في ذلك الضرر الذي أصاب الدائن والعنت الذي بدا من المدين).

  • ويظهر من نص هذه المادة أنها قد اقتصرت في الحديث عن الغرامة التهديدية عند مجرد النص على حق القاضي في توقيعها على المدين المتعنت عن الوفاء، دون أن تتطرق الى كيفية الحكم بها أو إجراءات تنفيذها وغيرها من إجراءات، و المشرع الأردني بذلك لم يحذو حذو المشرع المصري بل اكتفى بذكر الجزء الأخير فقط من نص  المادة ( 214 ) من القانون المدني المصري، في حين أن المشرع المصري قد نص على أحكام الغرامة التهديدية بشكل أكثر وضوحا ويظهر ذلك من خلال نصوص المواد (213 ، 214) من القانون المدني المصري حيث نصت المدة 213 على : ( 1- إذا كان تنفيذ الالتزام عيناً غير ممكن أو غير ملائم إلا إذا قام به المدين نفسه، جاز للدائن أن يحصل على حكم بإلزام المدين بهذا التنفيذ وبدفع غرامة تهديدية إن امتنع عن ذلك. 2- وإذا رأى القاضي أن مقدار الغرامة ليس كافياً لإكراه المدين الممتنع عن التنفيذ جاز له أن يزيد في الغرامة كلما رأى داعياً للزيادة).

  • –  كما نصت المادة 214 من ذات القانون على 🙁 إذا تم التنفيذ العيني أو أصرّ المدين على رفض التنفيذ حدد القاضي مقدار التعويض الذي يلزم به المدين مراعياً في ذلك الضرر الذي أصاب الدائن والعنت الذي بدا من المدين).

    • كما يرى بعض الفقه أنه رغم أن المشرع لم ينص صراحة على الغرامة التهديدية في المادة (360) سالفة الذكر إلا أنه قد نص عليها صراحة من خلال المادة (961 /1) من القانون المدني الأردني فيما يتعلق بالكفالة بالنفس حيث جاء النص فيها على: (1- الكفالة بالنفس تلزم الكفيل بإحضار المكفول في الوقت المعين عند طلب المكفول له فان لم يفعل جاز للمحكمة أن تقضي عليه بغرامة تهديدية ولها أن تعفيه منها إذا اثبت عجزه عن إحضاره).  إلا أن هذا النص متعلق بعقد الكفالة وحده وهو إن كان نص على الغرامة التهديدية إلا أن النص فيها في حدود أحكام الكفالة فقط، وعلى ذلك فنرى أن النص في المادة( 360 ) من القانون المدني الأردني أكثر ملائمة للتطبيق باعتباره وسيله من وسائل إجبار المدين للتنفيذ العيني، مع المطالبة بضرورة تعديل النص في المادة( 360 ) ليصبح اكثر وضوحا ومبينا لأحكام الغرامة التهديدية ووسائل وطريقة تنفيذيها بما يكفل إجبار المدين تنفيذ التزامه باعتبار أن الغرض منها في الأساس هو حمل المدين على الوفاء وهو هدف لن يتحقق إلا اذا تم تعديل النص  بالشكل الذي يٌمكن القضاء من تطبيقها بشكل مجدي ويحقق الغرض منها.

    رابعا: شروط الحكم بالغرامة التهديدية

    أ- ثبوت امتناع المدين عن تنفيذ الحكم العيني

    يشترط للحكم بالغرامة التهديدية أن يثبت يقينا أن سبب التأخر في تنفيذ الحكم العيني راجعا الى المدين ذاته ومؤكدا لامتناعه وعنته عن التنفيذ، وعلى ذلك إذا كان السبب في عدم التنفيذ راجعا الى سبب أجنبي لا يد للمدين فيه، أو لقوة قاهرة كحادث أو زلزال أو حريق، فلا تطبق الغرامة التهديدية على المدين كون تطبيقها لن يجبر المدين على التنفيذ لكونه لم يمتنع من حيث الأصل عن تنفيذ الحكم العيني.

    ب- إمكانية التنفيذ العيني

    يشترط للحكم بالغرامة التهديدية أن يبقى في مقدرة المدين تنفيذ الحكم عينيا وأن السبب في عدم تنفيذه يرجع الى امتناعه عن التنفيذ، وعلى ذلك إذا كان من المستحيل تنفيذ الالتزام فلا مجال للغرامة التهديدية، إذ تفتقد الغرامة لهدفها الأساسي وهو إجبار المدين على تنفيذ التزامه.

    ج – أن يتوقف التنفيذ على تدخل المدين بشخصه

    يجب أن يكون تنفيذ الالتزام متوقفا على تدخل المدين شخصيا لتنفيذه بحيث إذا لم يتدخل في تنفيذ الالتزام لم يكن في الإمكان تنفيذه، ومن الأمثلة على ذلك إذا كان الالتزام يقتضي تسليم المدين لشيء لا يعرف مكان تواجده غيره هو فقط، وبالتالي إذا كان التزام المدين يمكن تنفيذه دون أن يتوقف عليه، فلا فائدة من تطبيق الغرامة التهديدية إلا أنه في بعض الحالات يجوز تطبيق الغرام التهديدية بالرغم من إمكانية تنفيذ الالتزام دون أن يقوم به المدين بشخصه، وذلك لاعتبارات الملائمة ولطبيعة العقد الذي يحكم العلاقة بين الدائن والمدين الذي قد يكون مبينا على الاعتبار الشخصي للمدين، ومثال ذلك عقد الجراحة الطبية الذي يلتزم فيه المدين بالقيام بالعملية الجراحية للدائن ثم ينكل عن هذا الالتزام فيصدر حكما قضائيا بإلزامه بأداء العملية الجراحية محل هذا العقد إلا انه يتعنت ويمتنع عن القيام بها، ففي هذه الحالة يجوز القضاء بالغرامة التهديدية في مواجهته عن كل يوم أو مدة زمنية يتأخر فيها عن تنفيذ التزامه، رغم إمكانية تنفيذه من قبل غير وذلك لاعتبارات الملائمة والالتزام العقدي.

    د- أن يكون الحكم المراد تنفيذه عيني وليس نقدي

    إذ يتوقف الحكم بالغرامة التهديدية على أن يكون الالتزام الذي يقع على المدين الوفاء به هو التزام بتنفيذ حكم عيني، إذ في هذه الحالة تظهر قيمة الغرامة التهديدية في إجبار المدين على تنفيذ الالتزام وذلك بالضغط ماليا عليه، أما إذا كان الحكم المراد تنفيذه على المدين هو أصلا نقديا فلا توجد فائدة محققة من الحكم بالغرامة التهديدية عليه لإجباره على التنفيذ، إذ أن التنفيذ في هذه الحالة يمكن إتمامه بوسائل أخرى من وسائل التنفيذ مثل الحجز على مال المدين وكذلك حجز ما للمدين لدى الغير.

    هــ – أن يكون المحل في التزام المدين هو القيام بعمل

    تبرز أهمية الغرامة التهديدية في كونها أداة أو سيلة في يد القضاء لإجبار المدين بالتنفيذ العيني، وهو ما يعني ضرورة أن يكون طبيعة محل الالتزام هو قيام المدين بأداء عمل معين، سواء كان هذا العمل التزاما ماليا مثل التزام المدين بتقديم كشف حساب لموكله، أو كالتزام المدين بتقديم الأوراق والسندات التي تكون في حوزته، كما قد يكون الالتزام الواقع على المدين هو أداء عمل غير مالي مثل التزامه بتسليم الصغار الى من تجب عليه حضانتهم، وغيرها من أفعال غير مالية، ورغم ذلك يرى البعض جواز توقيع الغرامة التهديدية في بعض الحالات التي يكون محل الالتزام فيه هو امتناع المدين عن القيام بعمل، ويبرر أصحاب هذا الرأي أن المصلحة تقتضي تطبيق الغرامة لتهديدية في هذه الحالة رغم استحالة التنفيذ العيني لحمل المدين على عدم تكرار هذا الإخلال بالالتزام مرة أخرى، ومن اشهر الأمثلة على ذلك إذا كان إخلال المدين متمثلا في إفشاء أسرار موكله اذا كان محاميا، أو إفشاء معلومات خاصة بالمريض إذا كان طبيبا.

    خامسا: المحكمة المختصة بإصدار الحكم بالغرامة التهديدية وسلطاتها

    أ- المحكمة المختصة

    لم ينص المشرع الأردني في القانون المدني الأردني أو قانون التنفيذ على المحكمة المختصة بإصدار الحكم بالغرامة التهديدية، إلا أن الفقه القانوني يرى أن المحكمة المختصة في هذه الحالة هي محكمة الموضوع وليس قاضي التنفيذ، وهذه الغرامة لا تصدر فقط من المحاكم المدنية بل يمكن صدورها من المحاكم التجارية أو المحاكم الجزائية وذلك في حالة التنفيذ العيني للحصول على تعويضات مدنية مصدرها حكم جزائي. [5]

    ب- سلطات القاضي في تقدير الغرامة التهديدية

    يمنح القاضي سلطة واسعة في قبول طلب الدائن بالحكم بالغرامة التهديدية على المدين، فله قبول ذلك الطلب أو رفضه، وكذلك له الحق في الحكم بها دون أن يطلبها الدائن وذلك وفقا لمفهوم نص المادة (360) من القانون المدي الأردني، فهو يقرر ذلك وفقا لاعتبارات الملائمة ومدى جدوى تقدير الغرامة التهديدية لحمل المدين على تنفيذ الحكم العيني، كما تمتد سلطة القاضي لتقدير قيمة الغرامة التهديدية المؤقتة وتعديلها بزيادتها أو نقصانها أو أن يقوم بإلغائها كلية.

    • ومن الجدير بالذكر أن سلطة المحكمة في تقدير قيمة الغرامة التهديدية القطعية يتوقف على شرطين أساسين
      1- أن يصدر حكما من المحكمة بتقرير الغرامة التهديدية المؤقتة

    2- أن تتم تصفية الغرامة التهديدية وتحديد قيمتها النهائية بناء على احتساب عدد الأيام أو الشهور أو الفترة الزمنية المعينة التي امتنع فيها المدين عن تنفيذ الحكم، والحكم بالقيمة النهائية للغرامة وهي في هذ الحالة غرامة تهديدية قطعية، كما يجب على القاضي عند حكمه بالغرامة القطعية أن يحدد المدة الزمنية التي تسري فيها الغرامة التهديدية، ولا يجوز للقاضي التعديل في هذه المدة بعد تقريرها إلا في حالة وجود سبب أجنبي مبررا لهذا التعديل.

    • كما تجدر الإشارة الى أن تلك السلطة الكبيرة الممنوحة للقاضي يتم تقييدها بمجرد صدور حكمه بالغرامة التهديدية القطعية، فلا يجوز له بعد إصدار هذا الحكم التعرض لهذه الغرامة بالتعديل سواء بالزيادة أو النقصان أو الإلغاء، ويستثنى من ذلك وجود سببا أجنبيا لهذا التعديل كان خفيا على المحكمة وقت الحكم بالغرامة القطعية.

    سادسا: الأثار المترتبة على الحكم بالغرامة التهديدية

    يتوقف أثر الحكم بالغرامة التهديدية على الفعل الذي يصدر من المدين بعد الحكم عليه بها فهو إما أن يبادر الى تنفيذ الحكم أو يظل ممتنعا ومصرا على عدم التنفيذ العيني على النحو الآتي:

    الحالة الأول: أن يبادر المدين الى تنفيذ التزامه

    إذا بادر المدين الى تنفيذ الحكم عينيا بعد الحكم بالغرامة التهديدية المؤقتة وقبل صدور الحكم بالغرامة القطعية تكون الغرامة التهديدية قد حققت الغرض الأساسي منها، وهو إجبار المدين على تنفيذ التزامه وفي هذه الحالة يجوز للقاضي إلغائها أو إنقاصها على قدر الضرر الذي لحق بالدائن نتيجة تأخير المدين في الوفاء بالتزامه، إلا أن ذلك شرطه كما وضحنا من قبل أن يكون الحكم بالغرامة التهديدية القطعية لم يصدر بعد، إذ بعد صدوره تغل سلطة القاضي في تعديل أو إلغاء الغرامة إلا في حالة وجود سببا أجنبيا.

    الحالة الثانية: أن يصم المدين على عدم تنفيذ التزامه

    وفي هذه الحالة يصدر الحكم القطعي بالغرامة التهديدية بعد إجراء التصفية، و يصبح من حق الدائن اقتضاء التعويض الذي قضت به المحكمة عن عدم تنفيذ المدين لالتزامه، [6]  حيث تتحول الغرامة التهديدية الى تعويض نهائي،  و لكي يستحق هذا التعويض يجب أن يتم تحديد الضرر الذي أصاب الدائن ومدى ارتباطه بعلاقة سببية بالخطأ الواقع من المدين، مع بيان مقدار العنت الذي بدأ من المدين، وفقا لما قررته المادة (360)  من القانون المدني الأردني، والذي عبرت عنه بشكل اكثر وضوحا المذكرة الإيضاحية في مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، حيث نصت على: (الحكـم الـصادر بالغرامـة التهديديـة حكـم موقـوت، تنتفـي علـة قيامه متى اتخذ المدين موقفاً نهائياً منه، إما بوفائه بـالالتزام، و إمـا بإصـراره علـى التخلـف، فإن استبان هذا الموقف، وجب على القاضي أن يعيد النظـر فـي حكمـه ليفـصل فـي موضـوع الخصومة، فإن كان المدين قد أوفى بالتزامه حطَّ عنـه الغرامـة، إزاء اسـتجابته لمـا أمـر بـه، وألزمه بتعويض عن التأخير، لا أكثر، وإن أصر المـدين علـى عنـاده نهائيـاً، قـدر التعـويض الواجب عن الضرر الناشئ عن عدم الوفاء. ولكن ينبغي أن يراعى فـي هـذا التقـدير مـا يكـون من أمر ممانعة المدين تعنتـاً باعتبـار هـذه الممانعـة عنـصراً أدبيـاً مـن عناصـر احتـساب َ التعويض).[7]

    • ويترتب على الحكم بالتعويض النهائي الذي يشمل الغرامة التهديدية بعد تصفيتها وقيمة الضرر الذي لحق بالدائن جراء فعل المدين الغير مشروع الموجب للتعويض أن يصبح من حق المدين اتخاذ إجراءات حجز أموال المدين بطريق الحجز التنفيذي، لكي يتمكن من الحصول على المبلغ المقضي به تعويضا، أما قبل صدور الحم بالتعويض فيتوقف حق المدين عند المطالبة باتخاذ إجراءات الحجز التحفظي فظي فقط كضمان لوفاء المدين بالمبلغ الذي سوف ينتهي القضاء الى تقريره بعد التصفية وإصدار حكم التعويض.

     سابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالغرامة التهديدية

    1-  تطبيق نص المادة( 360 ) من القانون المدني الأردني يستلزم أن يكون طلب التنفيذ عيني وليس نقدي، حيث قضى الحكم رقم 125 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 20-4-2022 بالآتي: (إن الدعوى وكما تشير لائحتها أن المميز ضدهم تقدموا بها للمطالبة بمبلغ ( 17 ) ألف دينار وهي ثمن المخبز المبيع وهذا ليس تنفيذاً عينياً للعقد بين الطرفين على مقتضى المادة ( 355 ) من القانون المدني إذ للدائن ( المميز ضدهم ) بما له من حق عملاً بنص المادة ( 56 ) من قانون أصول المحاكمات المدنية تحديد موضوع دعواه ويكون له الخيار في طلب التنفيذ بطريق التعويض بحدود المادة ( 360 ) من القانون المدني أو اللجوء لطريق التنفيذ العيني ولما كان موضوع الدعوى هو المطالبة بمبلغ نقدي فلا مجال لإعمال هذا الخيار مما يتعين معه رد هذا السبب).

    2- الحكم رقم 751 لسنة 1987 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 7-10- 1987 حيث جاء منطوقه: (إذا أصر المدين في العقود على رفض التنفيذ حددت المحكمة مقدار الضمان الذي تلزمه فيه مراعية في ذلك الضرر الذي أصاب الدائن والتعنت الذي بدا من المدين.

    2- يلزم المقاول الذي أصر على عدم تنفيذ باقي التزامه بتعويض صاحب العمل على الوجه المبين في المادة 360 من القانون المدني، بحيث تلزمه المحكمة بمقدار الضمان الذي يجبر الضرر ما دام أن التعويض غير مقدر بالعقد، ولا تعتبر الأجرة المتفق عليها والمقدرة حسب وحدات العمل تعويضا عن الضرر، إذ قد يزيد أو ينقص أو يساويها بحسب الأسعار الرائجة عند النكول وليس عند التعاقد).

    ثامنا: الخاتمة

    ختاما فقد تبين لنا من خلال هذا البحث الوجيز مفهوم الغرامة التهديدية وخصائصها وشروط الحكم بها، وقد ظهر جليا مدى الحاجة الملحة الى إصدار تعديل تشريعي يخص المادة( 360 ) من القانون المدني الأردني بإضافة مادة مكررة لها، يوضح فيها المشرع أحكام وإجراءات الغرامة التهديدية و المحكمة المختصة بالفصل فيها، وعدم ترك الأمر غامضا كما هو حال النص الحالي والذي ترتب عليه ندرة الأحكام القضائية الخاصة بتطبيق الغرامة التهديدية، وعدم تفعيل النص القانوني بشكل يتلاءم مع الغرض من سنه، وهو سرعة تنفيذ الأحكام القضائية باعتبار الغرامة التهديدية أحد وسائل الإجبار على التنفيذ

    كتابة: محمد إسماعيل حنفي

     فتحي والي، التنفيذ الجبري، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1995، ص 6  [1]

    [2]  احمد أبو الوفا، إجراءات التنفيذ في المواد المدنية والتجارية، منشأة المعارف، ط7، 1978، ص 15

    [3]  عبد الفتاح عبد الباقي، أحكام الالتزام، مطبعة نهضة مصر، القاهرة، ص 61

    [4]  أنور سلطان، أحكام الالتزام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993، 62

     شفيق الجراح، الغرامة التهديدية والتعويض، دار الكتب، دمشق، ص 195   [5]

    [6] عبد الرازق السنهوري الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، الطبعة الثالثة ن منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ،2000، ص 842 ليبي

    [7] مجموعة الأعمال التحضرية للقانون المدني المصري، الجزء الثاني، ص 540

    Scroll to Top