النظام القانوني للبيع سيف (C.I.F)

النظام القانوني للبيع سيف (C.I.F)

تعد البيوع البحرية هي البيوع التي تتم على أي بضائع يتم بيعها ونقلها عن طريق البحر، لذلك ونظراً لاختلاف ظروف وطبيعة كل بيع فإننا نجد أن هذه البيوع تشتمل على أكثر من نوع من أنواع البيع، وبكل شكل منها مجموعة من البيوع التي يمكن للمتعاقدين اختيار النوع الذي يناسبهما منها، وبوجه عام تنقسم البيوع البحرية إلى نوعين رئيسيين، النوع الأول وهو النوع الذي ظهر في بادئ الأمر ويطلق عليه البيوع بميناء الوصول، إلا أنه وبعد أن حصلت تلك البيوع على قبول منخفض لدى المتعاملين في التجارة البحرية، فقد ظهر نوع آخر وهو النوع الثاني من البيوع البحرية والمسمى بالبيوع بميناء القيام، وحقق هذا النوع من البيوع البحرية نجاحاً وانتشاراً وقبولاً كبيراً في الواقع العملي، ومن أهم أشكال هذا النوع من البيوع هو البيع فوب (F.O.B) والبيع سيف (C.I.F)، وحيث قد سبق وأن تناولنا البيع فوب في مقال سابق لنا، فسوف يكون موضوع هذا المقال هو التعريف بالبيع سيف.

أولاً: ما هو المقصود بالبيع سيف (C.I.F)

ثانياً: فوائد وعيوب البيع سيف (C.I.F)

ثالثاً: التمييز بين البيع سيف (C.I.F) والبيع فوب (F.O.B)

رابعاً: التزامات طرفي العقد سيف (C.I.F)

خامساً: تبعة المخاطر في العقد سيف (C.I.F)

سادساً: نموذج لأحكام محكمة التمييز الأردنية ذات العلاقة

سابعاً: الخاتمة

 

أولاً: ما هو المقصود بالبيع سيف (C.I.F)

1- تعريف البيع سيف (C.I.F)

يعد هذا البيع من البيوع التي تندرج تحت مسمى “البيوع بميناء القيام”، وينبغي علينا قبل بيان مضمون هذا العقد أن نتعرض لتعريف البيوع بميناء القيام.

يقصد بذلك النوع من البيوع البحرية البيوع التي يتم فيها الاتفاق بين طرفي التعاقد (البائع والمشتري) على أن تتم عملية تسليم البضاعة المبيعة من البائع للمشتري في ميناء القيام، والذي تنتقل فيه حيازة وملكية تلك البضائع معاً من البائع للمشتري بمجرد تعيينها بميناء القيام[1]، وميناء القيام هو الميناء الذي غالباً – وإن لم يكن دائماً – هو ميناء بلد البائع.

أما عقد البيع سيف (C.I.F) فهو اختصار للحروف الأولى من مصطلحات “Cost” أو ثمن البضائع، و”Insurance” أو قيمة التأمين، و”Freight” أو أجرة النقل، وهو ما يعد ملخص لمضمون عملية البيع سيف، حيث أن هذا البيع – وفقاً لتعريف جانب من الفقه – يعرف بأنه البيع الذي يكون البائع فيه محملاً بالتزامات تتمثل في تسليم البضائع المبيعة في ميناء القيام، وشحنها على ظهر سفينة يستحضرها هو، وإبرام عقد النقل وسداد أجرته، وأيضاً التأمين على تلك البضائع، بينما يتحمل المشتري التزامه بدفع ثمن إجمالي للبضاعة يشتمل على الثمن الفعلي للبضائع، بالإضافة إلى أجرة النقل وقيمة أقساط التأمين على البضائع[2].

كما عرف أيضاً من وجهة نظر جانب آخر من الفقه بأنه البيع الذي تتشكل التزامات البائع فيه من إبرام عقد نقل البضائع المبيعة من ميناء الشحن لميناء الوصول، وإبرام عقد التأمين عليها ضد المخاطر وسداد أقساطه، وشحنها على سفينة النقل، والتزامه بسداد قيمة ذلك جميعه، وإضافته على ثمن البضائع ليسدده له المشتري.

وغيرها من التعريفات الأخرى التي وإن كانت تختلف في ظاهرها، إلا أنها تتفق في مضمونها على أن البيع سيف هو البيع الذي يكون فيه الثمن متضمناً بجانب قيمة البضائع المبيعة أجرة النقل وقيمة التأمين، وتنتقل بموجبه تبعة المخاطر من عاتق البائع إلى عاتق المشتري منذ لحظة الشحن.

2- الطبيعة القانونية للبيع سيف (C.I.F)

نظراً لما تمثله المستندات – سواء مستندات البيع أو الشحن أو التأمين – من أهمية كبيرة في البيع سيف، فقد انقسم الفقه في تحديد الطبيعة القانونية لهذا البيع إلى قسمين، حيث ذهب قسم منهما إلى تكييف العقد سيف بأنه عقد بيع مستندات، في حين ذهب القسم الآخر إلى تكييفه بأنه بيع بضائع.

بداية قام قسم من الفقه بتكييف عقد البيع سيف (C.I.F) بأنه عقد تنصب فيه عملية البيع على المستندات وليس على البضائع، ولعل هذا الرأي كان منبعه الأهمية التي تشغلها المستندات في البيع سيف بشتى مراحله، سواء في مرحلة البيع والتي تمثلها أوراق الملكية، أو مرحلة النقل ويمثلها عقد النقل، أو مرحلة الشحن والتي يمثلها سند الشحن، أو مرحلة التأمين ويمثلها عقد التأمين، بجانب أن البيع سيف غالباً ما يكون مرتبطاً بعملية اعتماد مستندي أو غيره من العمليات المصرفية الأخرى، وعلى وجه العموم فإن المستندات الخاصة بهذا البيع تمثل عملية البيع ذاتها من وجهة نظر هذا القسم من الفقه، فاعتبروه في حقيقته بيعاً لمستندات وليس للبضائع.

ونحن إذ نقر بأهمية المستندات في البيع سيف، لا سيما وأنها تمثل العنصر الجوهري والرئيسي في عملية التسليم كما سنرى في الجزء القادم من المقال، إلا أن تلك الأهمية لا تصل إلى درجة اعتبار أن البيع سيف هو بيع ينصب على المستندات، وذلك لكون المستندات لا تمثل السبب أو الباعث الذي دفع المشتري لإبرام العقد، ولكن الباعث الأساسي على البيع هو تملك البضائع، وهو ما جعل قسم آخر من الفقه – وهو صاحب الرأي الراجح – يرى على النقيض من ذلك أن البيع سيف هو بيع ينصب على البضائع، وأن المستندات المتعددة والمختلفة التي يستلزمها هذا العقد هي وسائل إثبات وتنفيذ للعقد وليست هي محل العقد، وما يمثله الرأي الذي نادى به القسم الأول من أن البيع ينصب على المستندات هو خلط واضح بين الملكية ذاتها وبين الأدوات التي تستخدم في إثبات قيامها.

ويؤيد الرأي الأخير أيضاً ما كفلته القواعد العامة في هذا البيع للمشتري من أحقية في الرجوع على البائع متى تبين له وجود أي عيب في البضائع المبيعة، حتى وإن كانت تلك العيوب غير ثابتة في أياً من مستنداته، فالعبرة بحالة البضائع الفعلية وليس بما هو ثابت بالمستندات، وبالتالي تعد البضائع هي محور عملية البيع سيف، لأنه لو كانت المستندات هي محل البيع لكانت هي المستهدفة بالتملك وليس البضاعة المبيعة ذاتها[3].

3- خصائص البيع سيف (C.I.F)

يتميز البيع سيف بأن له بعض الخصائص التي لا تميزه فقط عن البيوع البحرية بوجه عام، ولكنها تميزه أيضاً عن سائر صور البيع عند القيام الأخرى، وهذه الخصائص تمثل في غالبيتها العظمى طبيعة الالتزامات الملقاة على عاتق طرفيه، لذلك سنتعرض إلى تلك الخصائص تفصيلاً عند التعرض لالتزامات طرفي العقد، وسنقتصر في النقاط التالية على إيراد تلك الخصائص بصورة موجزة على النحو التالي:

  • يتحمل البائع فيه تبعة المخاطر التي قد تصيب البضائع المبيعة من تلف أو هلاك، وذلك منذ اللحظة التي يتم فيها شحن البضائع.
  • تنتهي مسؤولية البائع عن البضائع المبيعة منذ الوقت الذي ينتهي فيه من شحنها.

  • يقع على عاتق البائع الالتزام بإبرام عقد النقل والتعاقد مع الناقل، واستحضار السفينة التي يختارها هو، ويقوم بسداد أجرة النقل والشحن، وإبرام عقد التأمين على البضائع وسداد أقساطه.

  • يستطيع المشتري أن يبيع البضائع حتى أثناء رحلة النقل البحري لها وقبل وصولها إلى ميناء الوصول، وذلك عن طريق المستندات التي تمثل تلك البضائع، والتي تعتبر مستندات الإثبات الخاصة بملكية ونقل وشحن البضائع.

  • لا يتم تسليم البضائع المبيعة تسليماً صحيحاً إلا بشحن البضائع وتسليم المستندات معاً، فلا يعد تسليماً قانونياً صحيحاً مرتباً لآثاره مت اقتصر على تسليم البضائع فقط دون المستندات، أو تسليم المستندات دون البضائع.

ثانياً: فوائد وعيوب البيع سيف (C.I.F)

يحقق البيع سيف العديد من الفوائد والمميزات على الصعيد العملي، سواء لصالح البائع أو لصالح المشتري، ولا ينال من ذلك أن هذا البيع يتسم ببعض العيوب التي قد تجعل البعض يبتعد عن سلوك طريق البيع سيف في بعض الحالات، وسنتعرض لفوائد ومميزات هذا البيع لكل من طرفيه، والعيوب التي يتسم بها، وذلك بتناول كل منهما بشكل مستقل فيما يلي.

1- مميزات وفوائد البيع سيف

يحقق البيع سيف العديد من المميزات والفوائد للطرف البائع، ويمكننا أن نوجز أهم هذه المميزات والفوائد في أنه:

  • يقيه من أخطار تلف البضائع أو هلاكها خلال رحلة نقلها البحرية، حيث تكون تبعة المخاطر هنا على عاتق المشتري، كما أن التأمين يغطي تلك المخاطر.
  • يستطيع البائع أن يحصل على ثمن البضائع المبيعة بمجرد شحنها، وذلك عن طريق سحب مستند على المشتري، والقيام بخصمها لدى مصرف من المصارف، وذلك بعد إرفاق سند الشحن ووثيقة التأمين بهذا المستند.

  • وعلى صعيد آخر فإن البيع سيف يحقق أيضاً العديد من المميزات والفوائد لصالح المشتري، والتي يمكننا أن نذكر منها:

    • يرفع من عليه عبء إبرام عقود النقل والتأمين، والتي تعد أيسر في إبرامها على المشتري، وذلك نظراً لكونها تتم مع شركات نقل وتأمين في دولة البائع، فتوفر على المشتري جهد وتكاليف الانتقال لإبرامها.
  • تنتقل إليه ملكية البضائع المبيعة منذ شحنها في ميناء القيام على السفينة، وهو ما يمنحه القدرة على التصرف فيها بالبيع حتى قبل وصولها إلى ميناء الوصول أو التفريغ، وذلك عن طريق مستندات إثبات الملكية الخاصة بالبضائع، والتي تشمل وثيقة الشحن وعقد التأمين وغيرها.

  • يقيه من مخاطر الرحلة البحرية التي يتم نقل البضائع المبيعة من خلالها، وذلك نظراً لأن التأمين الذي تم إبرامه من قبل البائع على تلك البضائع يغطي هلاكها بمبلغ التأمين الذي يتم منحه للمشتري حال حدوث ذلك.

  • 2- عيوب البيع سيف

    على الرغم من تلك الفوائد والمميزات التي يحققها البيع سيف لطرفيه، إلا أنه مشوب ببعض العيوب التي يمكن أن تصيب كلا المتعاقدين فيه، فعلى سبيل المثال فإن المشتري لا يستطيع تحديد أو اختيار السفينة الناقلة للبضائع المبيعة، حيث يكون ذلك التحديد والاختيار للقائم على إبرام عقد النقل ألا وهو البائع، كما أنه يلتزم بسداد قيمة ثمن البضائع قبل أن يتمكن من فحصها والتأكد من مطابقتها للمواصفات المتفق عليها، وهو ما يصعب عليه عملية إثبات توقيت حدوث العيب أو التلف هل قبل الشحن أم بعده، وبالتالي يصعب عليه عندئذ الحصول على تعويض يجبر تلك الأضرار.

    وعلى جانب آخر فهناك عيوب تتعلق بالبائع، والتي من أبرزها أنه يتحمل مخاطر أي زيادة أو ارتفاع في قيمة أجرة النقل، أو في قيمة أقساط التأمين، والتي تتحقق بعد إبرام العقد بينه وبين المشتري، لاسيما وأن الثمن الإجمالي المتفق عليه في عقد البيع سيف والذي يشتمل على عدة مكونات من ضمنها قيمة أجرة النقل وقيمة أقساط التأمين هو ثمن نهائي، بحيث لا يتحمل المشتري أي زيادة تحدث في القيم المتفق عليها بعد إبرام العقد، وبالتالي يقع عبء تحملها على المشتري[4].

    ثالثاً: التمييز بين البيع سيف (C.I.F) والبيع فوب (F.O.B)

    يخلط الكثير من المتعاملين بمجال التجارة والنقل البحري بين نوعين من أنواع البيوع البحرية بميناء القيام، أحد هذين البيعين هو البيع سيف، والثاني هو البيع فوب أو (Free On Board).

    والبيع فوب هو البيع الذي لا يقع على عاتق البائع فيه سوى التزام وحيد يتمثل في شحن البضائع على ظهر السفينة التي يحددها البائع للنقل، بينما يتولى المشتري مهمة إبرام عقود النقل والتأمين، وبمجرد الشحن تنتقل ملكية البضائع للمشتري، الذي يتحمل تبعة المخاطر منذ قيام رحلة النقل وحتى وصول البضائع لميناء التفريغ.

    ويتشابه البيع سيف مع البيع فوب في أكثر من وجه، ولعل ذلك التشابه هو السبب الأساسي للخلط الذي يقع فيه البعض بشأنهما، فكلا البيعين من البيوع البحرية بميناء القيام، كما أن ملكية البضائع تنتقل بموجبهما للمشتري منذ شحن البضائع على سفينة النقل بميناء القيام، ولا يتحقق ركن التسليم فيهما إلا بوضع البضائع على ظهر تلك السفينة، كما أن مخاطر الرحلة وتبعة التلف أو الهلاك خلالهما تقع على عاتق المشتري.

    إلا أن هناك بعض الفروق وأوجه الاختلاف الجوهرية بين هذين البيعين، وتتمثل تلك الفروق والاختلافات فيما يلي:

    • في البيع سيف يكون اختيار وتحديد السفينة التي ستقوم بنقل البضائع المبيعة من الأمور التي يقوم بها المشتري، في حين أنه في البيع فوب يكون البائع هو من يقوم باختيار السفينة التي ستقوم بالنقل.
  • يقع الالتزام بإبرام عقود النقل والتأمين على البضائع المبيعة في عقود البيع سيف على عاتق البائع، والذي يقوم بها كالتزام رئيسي وأساسي عليه، في حين يقع الالتزام بإبرام هذين العقدين على عاتق المشتري في عقود البيع فوب، وإن كان يمكن أن يتضمن الاتفاق في عقد الفوب على أن يتحمل البائع بإبرام هذين العقدين، إلا أنهما يظلا التزامين إضافيين وغير أساسيين في هذا البيع، بينما يعدا من الالتزامات الأساسية في عقد البيع سيف[5].

  • ينتهي التسليم في البيع فوب وتنتقل البضاعة بملكيتها وتبعة مخاطرها من البائع إلى المشتري بمجرد شحن البضائع المبيعة ووضعها على ظهر سفينة النقل، في حين أن التسليم في البيع سيف لا يتم بمجرد شحن البضائع فقط، بل يلزم بجانب ذلك أن يتم تسليم المستندات الخاصة بعملية البيع سيف (والتي تشمل عقد النقل ووثيقة التأمين ووثيقة الشحن) من البائع إلى المشتري، فلا تكتمل عملية التسليم إلا باكتمالهما معاً.

  • رابعاً: التزامات طرفي العقد سيف (C.I.F)

    كما هو المعتاد في العقود الملزمة للجانبين والتي من ضمنها العقد سيف، فإنه يقع على عاتق طرفي التعاقد – البائع والمشتري – التزامات محددة، لا تبرأ ذمتهما إلا بأدائها كل فيما يخصه، وسوف نتناول في هذا القسم من المقال الالتزامات الأساسية لكلاً من طرفي العقد سيف.

    1- التزامات البائع

    يلتزم البائع في البيع سيف بمجموعة من الالتزامات الأساسية والرئيسية، والتي يمكن أن نجملها في النقاط التالية.

    أ- تسليم البضائع المبيعة للمشتري

    يعد أحد أهم التزامات البائع الجوهرية التي يتحملها البائع هو نقل حيازة البضائع المبيعة إلى المشتري، وذلك بتسليمها له عبر شحنها على ظهر سفينة النقل، ولا يعد البائع قد نفذ هذا الالتزام إلا إذا كانت البضائع التي تم تسليمها هي ذات البضائع المتفق عليها، وبذات المواصفات من أوصاف أو كم أو وزن أو غيرها من المواصفات المتفق على توافرها في البضائع بين البائع والمشتري، فإن خالفت أياً من تلك المواصفات ما هو متفق عليه، فإن البائع يعد مخلاً بالتزامه بالتسليم، ويكون تسليم البضائع في البيع سيف هو تسليمها على ظهر سفينة النقل، أي بعد شحنه لها لتصبح على ظهر السفينة.

    ب- إبرام عقد نقل البضائع المبيعة واختيار سفينة النقل

    يلتزم البائع أيضاً في عقد البيع سيف بأن يتعاقد مع الناقل الذي سيتولى نقل البضائع المبيعة من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول والتفريغ، وذلك باعتبار أن الثمن الإجمالي للبضائع يشتمل على قيمة أجرة النقل، كما يلتزم أيضاً بمصاريف نقل وشحن البضائع من مكان وجودها وحتى ميناء القيام، ووضعها على سفينة النقل، كما يلتزم بكافة نفقات عملية النقل والتعاقد عليها.

    ويدخل في التزامات البائع أيضاً في هذا الشأن اختيار وتحديد السفينة التي سيتم نقل البضائع على متنها، ويلزم أن يكون البائع حريصاً في اختياره لها، بحيث تتوافر فيها الشروط والمقومات التي تجعلها صالحة للملاحة والقيام بعملية النقل.

    ج- إبرام عقد التأمين على البضائع المبيعة  

    يقع على عاتق البائع أيضاً التزاماً جوهرياً يتمثل في التزامه بالتأمين على البضائع المبيعة[6]، ويقع على عاتقه اختيار مؤمن ذو سمعة جيدة، كما يلتزم بسداد قيمة أقساط التأمين، والحصول على وثيقة التأمين لتسليمها إلى المشتري كما سنرى في الالتزام التالي.

    د- تسليم المستندات للمشتري

    كما سبق وأن أوضحنا فإن ركن التسليم في عقد البيع سيف يتمتع بطبيعة مزدوجة، فهو يشمل تسليم البضائع من جهة، ومن جهة أخرى يشمل تسليم المستندات الخاصة بعملية البيع، والتي تشمل مستندات الملكية من فواتير، وسند الشحن، ووثيقة التأمين، وأي مستندات أو وثائق أخرى يطلبها المشتري ويشملها اتفاق البيع، ولا يكتمل التسليم إلا بتسليم المستندات بجانب تسليم البضائع، فإذا لم يتم تسليم أياً منهما، أو كانت البضائع معيبة أو المستندات ناقصة، فإن البائع يعد مخلاً بركن التسليم.

    2- التزامات المشتري

    تقابل التزامات البائع في عقد البيع سيف التزامات مقابلة تقع على عاتق المشتري، وتتمثل التزامات المشتري في التزامين أساسيين وهما الالتزام بالتسلم والالتزام بسداد الثمن.

    أ- تسلم البضائع والمستندات من البائع

    يتمثل أول التزامات المشتري في عقد البيع سيف في التزامه بتسلم البضائع والمستندات التي يرسلها إليه البائع، وذلك الالتزام لا يقوم في حق المشتري إلا إذا كانت البضائع تتفق مع المواصفات المتفق عليها فيما بينهما، وإذا كانت المستندات كاملة وفقاً لما هو لازم على البائع وما هو متفق عليه فيما بينه وبين المشتري، فإذا قام المشتري بتسلم البضائع والمستندات، فإن ذلك الاستلام وعدم الاعتراض يعد قرينة على تطابق البضائع والمستندات مع ما هو متفق عليه، ويعد قبولاً من المشتري للبضائع والمستندات على حالتها.

    وقد قررت اتفاقية فيينا في هذا الشأن أن تسلم المشتري للمستندات قبل الموعد الذي اتفق مع البائع عليه، وتبين للمشتري وجود نقص فيها، فإن للبائع فرصة يمكنه خلالها أن يستكمل المستندات الناقصة، وتمتد معه حتى تاريخ موعد التسليم المحدد، شريطة ألا يصاب المشتري بضرر من جراء ذلك.

    ب- سداد الثمن

    والمقصود بالثمن الذي يلتزم المشتري بسداده للبائع هو الثمن الإجمالي المتفق عليه فيما بينهما وليس ثمن البضائع فقط، فالثمن هنا يقصد به ثمن البضائع، مضافاً إليه قيمة أجرة النقل، وأيضاً قيمة أقساط التأمين على البضائع، وغيرها من التكاليف والنفقات التي يتم الاتفاق على أن يشملها الثمن الإجمالي.

    فإذا كان كامل الثمن مستحقاً عليه فيجب أن يسدده للبائع، وإذا كان جزء من الثمن هو المستحق فيلزم عليه أيضاً أن يسدد الجزء المتبقي من الثمن، وإن كان في الغالب يتم سداد الثمن عن طريق الخصم المستندي.

    خامساً: تبعة المخاطر في العقد سيف (C.I.F)

    يقصد بتبعة المخاطر المسؤولية عن ضمان تلف أو هلاك البضائع المبيعة نتيجة تحقق أي خطر من المخاطر التي قد تصيبها، وتتحدد تبعة المخاطر والمتحمل بها في عقد البيع سيف استناداً إلى حدوث التسليم، حيث تظل تبعة المخاطر على عاتق البائع منذ الاتفاق على البيع وإبرام عقد البيع، وحتى شحن البضائع ووضعها على ظهر السفينة التي ستقوم بنقلها للمشتري، وبمجرد تمام ذلك وتسليم البائع البضائع للمشتري، فإن تبعة المخاطر تنتقل من على عاتق البائع لتصبح على عاتق المشتري.

    والمقصود بتسليم البضائع هنا التسليم الحكمي وليس الفعلي، حيث إن الوسيط بين البائع والمشتري والذي يقوم باستلام البضائع من البائع ليسلمها إلى المشتري هو الناقل، والناقل هو من يتسلم البضائع من البائع، وبذلك الاستلام تنتقل تبعة المخاطر إلى المشتري على الرغم من الأخير لم يتسلمها بعد، وهو ما يسمى بالتسليم الحكمي، والذي يكتمل بالتسليم الفعلي الذي يقوم فيه الناقل بتسليم البضائع للمشتري في ميناء الوصول والتفريغ، وتنتهي مسؤولية البائع عن تبعة الهلاك بمجرد التسليم الحكمي للناقل.

    سادساً: نموذج لأحكام محكمة التمييز الأردنية ذات العلاقة

    حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 177 لسنة 2006، والصادر بجلسة 31/7/2006 والمتضمن أنه (ان المقصود بالأحرف الواردة بعقد البيع CIF  أو الاعتماد المستندي الصادر بتسديد ثمن المبيع تعني بالمصطلحات التجارية المتعارف عليها والتي تتعلق بشروط التسليم أن الثمن المتفق عليه يشمل مصاريف النقل والتأمين والتوقيع وأن شروط التسليم التي يشار إليها بالأحرف المذكورة إنما تعني أن التسليم يكون للمشتري في موقعه المحدد بالعقد الأمر الذي بني على ذلك أن البضاعة وما يلحق بها من تلف أو أضرار قبل التسليم تكون مضمونة على البائع).

    سابعاً: الخاتمة

    يعتبر البيع سيف من أكثر البيوع البحرية انتشاراً على صعيد الواقع العملي في مجال التجارة الدولية، لاسيما وأن المتعاملين في هذا المجال قد وجدوا ضالتهم فيه، وذلك بعد أن فشل البيع فوب في تحقيق آمالهم وطموحاتهم، وإن كانت هناك بعص العيوب التي تشوب البيع سيف والتي نقر بوجودها، إلا أنها لا تمثل شيئاً يذكر بجانب الفوائد والمميزات التي يحققها هذا البيع لكل من طرفيه البائع والمشتري.

    كتابة: أحمد عبد السلام

    [1] – هاني دويدار – الوجيز في القانون البحري – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2004 – ص303.

    [2] – عادل المقدادي – القانون البحري: السفينة وأشخاص الملاحة والنقل البحري والبيوع البحرية والحوادث البحرية والتأمين البحري ط1 – الإصدار الثالث – دار الثقافة – الأردن – 2002 – ص164 وما يليها.

    [3] – علي البارودي – القانون البحري اللبناني – ط3 – الدار الجامعية – لبنان – 1984 – ص294.

    [4] – ليندة أكلي – البيع البحري سيف (CIF) – المجلة الجزائرية للقانون البحري والنقل – مج (5) – ع (7) – ص302.

    [5] – محمد الفقي – القانون البحري: السفينة وأشخاص الملاحة البحرية وإيجار السفن والنقل البحري – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2006 – ص380.

    [6] – أمينة دريسي – أنواع البيوع البحرية – مجلة الفكر القانوني والسياسي – العدد الثالث – جامعة عمار ثليجي الأغواط – الجزائر – مايو 2018 – ص419.

    Scroll to Top