وسائل الإثبات

وسائل الإثبات

تعتبر وسائل الإثبات من أهم دعائم الدعوى فبها يثبت الادعاء ويدفع الادعاء، ووسائل الإثبات ليس حديثة النشأة فلقد عرفها الإنسان منذ آلاف السنين، فقد عرف الإثبات قبل التدوين ومن أمثلة تلك الوسائل المستخدمة قديمًا الشهادة واليمين، وقد وردت تلك الوسائل حصرًا بنص المادة (2) من قانون البينات حيث نصت على (وسائل الإثبات تقسم البينات إلى: (1. الأدلة الكتابية. 2.الشهادة. 3.القرائن. 4.الإقرار. 5.اليمين. 6. المعاينة والخبرة.)، وسنناقش تلك الوسائل من خلال النقاط الأتية:

أولًا: الأدلة الكتابية

ثانيًا: الشهادة

ثالثًا: القرائن

رابعًا: الإقرار

خامسًا: اليمين

سادسًا: المعاينة والخبرة

سابعًا: تطبيقات قضائية

ثامنًا: خاتمة

أولًا: الأدلة الكتابية

الكتابة هي من أقوى وسائل الإثبات حيث إنها تتميز بأنها دليل معد مسبقًا قبل حدوث النزاع في أغلب الأحوال، كذلك فهو دليل واضح لا يحتاج للكثير من البحث والتأويل، وقد أيد ذلك التشريع السماوي إذ قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ …. ﴾[1]. وتنقسم تلك الأدلة الكتابية إلى:

1- السندات الرسمية

أ- تعريف السند الرسمي

يمكن تعريف السند الرسمي على أنه المستند الذي يتدخل فيه موظف حكومي فيتم بواسطته وفق القوانين واللوائح المنظمة، وتنقسم تلك السندات إلى سندات تعد بواسطة الموظف، وسندات يصدق عليها الموظف بمناسبة ممارسته لعمله. والموظف عرفته المادة (2) من قانون الخدمة المدنية الأردني والتي جاء به تعريف الموظف العام (الشخص المعين بقرار من المرجع المختص، في وظيفة مدرجة في جدول تشكيلات الوظائف الصادر بمقتضى قانون الموازنة العامة أو موازنة إحدى الدوائر والموظف المُعين بموجب عقد ولا يشمل الشخص الذي يتقاضى أجراً يومياً.). ويشترط أيضًا في المستند الرسمي موضوع حديثنا أن يصدر من موظف مختص من حيث المكان والسلطة.

نصت المادة )6/1) من قانون البينات الأردني على (أ- السندات التي ينظمها الموظفون الذين من اختصاصهم تنظيمها طبقاً للأوضاع القانونية ويحكم بھا دون أن يكلف مبرزها إثباته ما نص علیه فيها ويعمل بھا ما لم يثبت تزويرها، ب- السندات التي ينظمها أصحابها ويصدقها الموظفون الذين من اختصاصهم تصديقها طبقاً للقانون، وينحصر العمل بھا في التاريخ والتوقيع فقط).

ب- حجية السند الرسمي

وللعقود التوثيقية حجية لا تقبل مواجهتها إلا عن طريق الدفع بالتزوير، لذلك فهي تتمتع بنفس القوة التنفيذية الممنوحة للأحكام القضائية، كما تخول حائزها سلطة تنفيذية دون حاجة للجوء للقضاء[2]. وذلك في المطلق فيما حرر بواسطة الموظف في ممارسة سلطاته، وفي ذلك نصت المادة (7/1) من قانون البينات الأردني على (تكون الأسناد الرسمية المنظمة حجة على الناس كافة بما دون فيها من أفعال مادية قام بھا الموظف العام في حدود اختصاصه، أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره وذلك ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانونا).

أما ما كان على لسان أي من أطراف المستند الرسمي أو قائم على معلومات مقدمه منه فتكون صحيحة حتى يثبت العكس، وفي ذلك نصت المادة (7/2) من قانون البينات الأردني على (أما ما ورد على لسان ذوي الشأن من بينات فيعتبر صحیحا حتى يقوم الدليل على ما يخالفه).

والمشرع عندما ينظم المستند الرسمي فإنه ينظم طرق إدخال التعديل على هذا المستند، وفي بعض الأحيان قد يلجأ أطراف المستند الرسمي، ولكن بطريقة غير التي رسمها القانون حيث يقومون بتحرير أوارق فيما بينهم تعدل على تلك الأوراق الرسمية، ففي هذه الحالة لا تكتسب تلك الاتفاقات الغير رسمية الحجية التي للمستند الرسمي، وتظل حجة بين طرفيها فقط، وفي ذلك نصت المادة (7/3) من قانون البينات الأردني على (وأما الأوراق السریة التي یراد بھا تعدیل الأسناد الرسمیة أو الأسناد العادیة فلا مفعول لھا الا بین موقعیھا.

وكما قلنا فلابد من توافر بعض الشروط ليكون المستند الرسمي ذا حجية مطلقة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا إذا تخلف أحد تلك الشروط؟ الإجابة هي أن السند في تلك الحالة ينتقل إلى المرتبة الثانية من حيث الحجية فيكون مستند عادي لكن لابد من توقيع الأطراف عليها، والمستند الرسمي لا يطعن فيه كدليل للإثبات إلا بطريق واحد وهو الطعن بالتزوير على المستند. إذا لم تستوف ھذه الأسناد الشروط الواردة في الفقرة السابقة فلا یكون لھا الا قیمة الأسناد العادیة بشرط أن یكون ذوو الشأن قد وقعوا علیھا بتواقیعھم أو بأختامھم أو ببصمات أصابعھم)

ج- حجية الصورة المأخوذة من السند الرسمي

نظم المشرع الأردني حجية الصور المأخوذة من المستندات الرسمية، حيث فرق بين الصورة المأخوذة من الأصل حيث تكون حجة طالما صدرت عن موظف ضمن اختصاصه، والصورة المأخوذة من الصورة الأولى في حالة عدم وجود الأصل هي أيضًا حجة، أما الصورة المأخوذة من الصورة الثانية فلا تكون إلا على سبيل الاستئناس، وفي ذلك نصت المادة (8) من قانون البينات الأردني على (اذا كان اصل السند الرسمي موجودا فان الصور الخطیة والفوتوغرافیة التي نقلت منه وصدرت عن موظف عام في حدود اختصاصه تكون لها قوة السند الرسمي الأصلي بالقدر الذي یعترف فيه بمطابقة الصورة للأصل)، وكذلك المادة (9) من قانون البينات الأردني نصت على (اذا لم يوجد اصل السند الرسمي كانت الصورة الخطیة أو الفوتوغرافية حجة على الوجه الآتي:- 1- یكون للصورة الأولى قوة الأصل اذا صدرت عن موظف عام مختص وكان مظهرها الخارجي لا يتطرق معه الشك في مطابقتھا للأصل.2-ویكون للصورة الخطیة أو الفوتوغرافية المأخوذة من الصورة الأولى نفس القوة اذا صدرت عن موظف عام مختص یصادق على مطابقتھا للأصل الذي أخذت منه ويجوز لكل من الطرفين أن يطلب مراجعة هذه الصورة على الأولى على أن تتم المراجعة في مواجهة الخصوم.3- أما الصورة المأخوذة عن الصورة الثانیة فیمكن الاستئناس بھا تبعا للظروف)

2-السند العادي

أ- تعريف السند العادي

عرفت المادة (10) من قانون البينات الأردني السند العادي حيث نصت على (السند العادي ھو الذي یشتمل على توقیع من صدر عنه أو على خاتمه أو بصمة أصبعه ولیست له صفة السند الرسمي.)

ب- حجية المستند العادي

المحرر العادي أو ما يطلق عليه المحرر العرفي هو عبارة مستند يزيل بتوقيع أو ختم أصحابه، والمستند العرفي يكون حجه على أطرافه من وقت تحريره وحجه على الغير من وقت ثبوت تاريخه، والعلة من ذلك أن المستند العرفي لا يخضع لضوابط في كتابة تاريخ تحرير فقد يختار أطرافه تاريخ لسابق لتفويت حق لأخر، وثبوت التاريخ يعني أن يدخل على المستند عمل أو واقعة يكون المستند من ذلك الوقت ثابت التاريخ ويكون حجه على الغير، وحجية المستند العرفي تعد قوية متى صح توقيع أصحابها عليها. وقد نظم ذلك المشرع الأردني ذلك من خلال مواد قانون البينات فقد نصت المادة (12) منه على: –

1- لا یكون السند العادي حجة على الغیر في تاريخه إلا منذ أن یكون له تاريخ ثابت.

2- ویكون له تاريخ ثابت: –

أ – من یوم أن یصادق عليه الكاتب العدل.

ب – من یوم أن یثبت مضمونه في ورقة أخرى ثابتة التاریخ رسمیاً.

ج – من یوم أن یؤشر علیه قاض أو موظف مختص.

د – من یوم وفاة أحد ممن لھم على السند أثر ثابت أو معترف فيه من خط أو توقیع أو ختم أو بصمة أصبع أو من یوم أن یصبح مستحیلا على أحد ھؤلاء أن یكتب أو یبصم لعلة في جسمه.)

ثانيًا: الشهادة

تعد الشهادة من أقدم وسائل الإثبات حيث أنها كانت تستخدم قبل ظهور المحاكم النظامية، والشهادة كوسيلة إثبات تحتاج إلى قدرة عقلية قوية للقاضي، حيث أن دور القاضي فيها لا يقف على مجرد تسجيل أقوال الشهود، بل يمتد عمل القاضي لأكثر من ذلك، حيث أن الشهادة في الأساس تعتم على ضمير الشاهد والذي قد يكون خرب لذا يجب على القاضي أن يحاول جاهدًا للوصول للحقيقية من الشاهد، كذلك يلعب القاضي دورًا في بحث شهادة الشهود متى تعددت للوصول إلى نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف، وعلى أساس هذا البحث يقرر أن يأخذ بشهادة الشهود أو ألا يطمئن لها فيطرحها ولا يأخذ بها.

والشهادة ذات حجية متوسطة حيث إن للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في تقدير كفاءة الشهادة لحسم النزاع، ولا معقب على تلك السلطة متى كانت مبنية على أسباب سائغة مثل تضارب أقوال الشهود.

وفي ذلك نصت المادة (28/2/ ب) من قانون البينات الأردني والتي نصت على (مع مراعاة أحكام أي قانون خاص یجوز الإثبات بالشھادة في الالتزامات التجاریة مھما بلغت قیمتھا وفي الالتزامات المدنیة إذا لم تزد قیمتھا على مئة دینار).

وكذلك نصت المادة (34) من قانون البينات الأردني على (1- للمحكمة أن ترجح بینة على أخرى وفاقا لما تستخلصه من ظروف الدعوى.2- لا یجوز للمحكمة أن تصدر حكما في أیة قضیة بالاستناد إلى شھادة شاھد فرد إلا إذا لم یعترض علیھا الخصم أو تأیدت ببینة مادیة أخرى ترى المحكمة أنھا كافیة لإثبات صحتھا)، وكذلك المادة (31/1) من فانين البينات والتي نصت على (الإجازة لاحد الخصوم بإثبات واقعة بشھادة الشھود تقتضي دائما. ً -1 أن یكون للخصم الآخر الحق في دفعھا بھذا الطریق)، وقد نظمت مواد قانون البينات الأردني الشروط الواجب توافرها في الشهادة في المواد من 35حتى 39

ثالثًا: القرائن

القرائن هي الأمارة المعلومة التي تدل على أمر مجهول على سبيل الظن، والأمارة هي ما يلزم به من العلم به الظن بوجود المدلول كالغيم بالنسبة للمطر فإنه يلزم من العلم به الظن بوجود مطر[3].

والقرائن قد تكون قانونية وفي هذه الحالة تكون حجه قوية ما لم يثبت عكسها فهي الأصل، وفي ذلك نصت المادة (40) من قانون البينات الأردني على (القرینة التي ینص علیھا القانون تغني من تقررت لمصلحته عن أیة طریقة أخرى من طرق الإثبات على أنه یجوز نقض ھذه القرینة بالدلیل العكسي ما لم یوجد نص یقضي بغیر ذلك.)

وأما أن تكون قضائية وهي ذات حجيه بسيطة حيث إنها تخضع لقدرات القاضي والتي قد تتفاوت من قاضي لأخر، وهي في مرتبة مساوية للشهادة وفي ذلك نصت المادة (43) من قانون البينات الأردني على (1- القرائن القضائیة ھي القرائن التي لم ینص علیھا القانون ویستخلصھا القاضي من ظروف الدعوى ویقتنع بان لھا دلالة معینة ویترك لتقدیر القاضي استنباط ھذه القرائن .2- لا یجوز الإثبات بالقرائن القضائیة الا في الأحوال التي یجوز فیھا الإثبات بالشھادة.)

والقرينة القانونية لها أهمية في مجال الأثبات فهي مسألة تخضع لرقابة محكمة النقض، ذلك لأن المحكمة إذا اتكأت على قرينة ضعيفة فإن حكمها يشوبه النقض من حيث الخطأ في تطبيق القانون، وأما إذا لم تتح الفرصة للخصم إثبات عكس هذه القرينة فإنها تكون قد أخلت بحقوق الدفاع[4].

رابعًا: الإقرار

عرفت المادة (44) من قانون البينات الأردني الإقرار حيث نصت على ( الإقرار ھو إخبار الإنسان عن حق علیه للآخر.)، والإقرار نوعان إما قضائي وعرفته المادة (45) من قانون البينات الأردني والتي نصت على (الإقرار القضائي ھو اعتراف الخصم أو من ینوب عنه اذا كان مأذوناً له بالإقرار بواقعة ادعى بھا علیه وذلك أمام القضاء أثناء السیر في الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة) وإما غير قضائي وعرفته المادة (46) من قانون البينات الأردني والتي نصت على  ( الإقرار غیر القضائي ھو الذي یقع في غیر مجلس الحكم أو یقع في مجلس الحكم في غیر الدعوى التي أقیمت بالواقعة المقر بھا)

ونصت المادة (51) من قانون البينات الأردني على (الإقرار حجة قاصرة على المقر)، مما يتبين معه أن حجية الإقرار محدودة حيث يكون إعماله بخصوص المقر فقط، فلا يرتب الإقرار أثر فيما أورده المقر في إقراره ويكون متعلق بالغير.

خامسًا: اليمين

اليمين نوعان أما أن تكون بناء على طلب من أحد الخصوم (اليمين الحاسمة) وأما أن توجها المحكمة من تلقاء نفسها في الحالة الواردة حصرًا بالقانون.

اليمين في مجال الإثبات ينقسم إلى نوعين الأول هي اليمين التي يوجها أحد الخصوم للأخر متى عجز عن تقديم دليل على دعواه، وللمحكمة السلطة التقديرية في إفهام أحد أطراف الدعوى أن من حقه توجيه اليمين متى عجز عن الإثبات بالطرق الأخرى، وفي ذلك نصت المادة (53) من قانون البينات الأردني على (1-الیمین الحاسمة ھي التي یوجھھا أحد المتداعین لخصمه لیحسم بھا النزاع .2- ویجوز للمحكمة من تلقاء نفسھا أن تفھم الخصم أن من حقه توجیه الیمین في حال عجز أحد طرفي الدعوى عن إثبات دعواه أو دفعه). وفي هذه الحالة لا يكون للمحكمة سلطة تقديرية تجاه هذا الدليل حيث إنها تحسم النزاع فهي ذات حجية عالية.

والنوع الثاني هي اليمين التي يكون للمحكمة الحق في توجيهها، وذكرت حالتها حصرًا حيث نصت المادة (54/2) من قانون البينات الأردني على (على المحكمة من تلقاء نفسھا تحلیف الیمین في أي من الحالات التالیة:

أ. إذا اثبت أحد ادعاءه بحقه في التركة فتحلفه المحكمة على انه لم یستوف بنفسه أو بواسطة غیره ھذا الحق من المیت ولم یبرؤه منه ولم یحله على غیره ولم یستوف دینه من الغیر ولم یكن للمیت رھن مقابل ھذا الحق.

ب. إذا استحق أحد المال واثبت ادعاءه تحلفه المحكمة على انه لم یبع ھذا المال ولم یھبه لاحد ولم یخرجه من ملكه باي وجه من الوجوه.

ج. إذا أراد المشتري رد المبیع لعیب فیه تحلفه المحكمة انه لم یرض بالعیب صراحة أو دلالة.

د. إذا اثبت طالب الشفعة دعواه تحلفه المحكمة بانه لم یسقط شفعته باي وجه من الوجوه.)

تلك اليمين لا تكون منهية للدعوى حيث إن النزاع يظل مطروحًا يقبل المناقشة، فبذلك تكون حجيتها متوسطة ويكون للمحكمة سلطة تقديرية أكبر فيها.

سادسًا: المعاينة والخبرة

1- المعاينة

في بعض الأحيان لا يكفي مجرد مطالعة الأوراق إلى حل النزاع ومن تلك المنازعات النزاعات الخاصة بملكية وحيازة العقار، ففي هذه الحالة يلجأ القاضي للمعاينة حيث إن المعاينة تضع الحق المتنازع عليه بين يدي القاضي ليصل إلى الحكم السديد. والمحكمة تقضي بها بناء على طلب الخصم أو من تلقاء نفسها. والمعاينة قد تكون بواسطة القاضي نفسه أو من يعينه لذلك.

جاء في رسالة الإثبات للأستاذ احمد نشأت: “المعاينة هي الكشف الحسي المباشر لا ثبات حالة الشيء أو الشخص من خلال الرؤية أو الفحص المباشر[5]. ومن خلال هذا التعريف نجد أن المعاينة كوسيلة من وسائل الإثبات في مكانة أعلى من شهادة الشهود من حيث الحجية حيث إنها لا تحتاج إلى الكشف عن الحقيقة كما بينا في الشهادة، إنما تكون كاشفة عن ذاتها.

2- الخبرة

القاعدة تقول إن القاضي لا يحكم بعلمه، فالقاضي فله من نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم أن يلجأ لأهل الخبرة للوصول للحكم السديد.

الخبرة هي المعرفة المتخصصة في أحد العلوم الفنية ووسيلة علمية تقرر المحكمة اللجوء إليها في المسائل التي تحتاج إلى تفسير علمي لكشف الغموض وإظهار الحقيقة في القضية المتنازع عليها[6].

وسلطة القاضي التقديرية تقل أمام رأي الخبرة وخاصة العلمية وذلك لما بينا من قبل من أن القاضي لا يحكم بعلمه فلابد أن يقيم حكمه على أسباب صحيحة، وكذلك لأن له السلطة في الإحالة إلى درجة خبرة أعلى أو ذات الدرجة متى أحتاج إلى مزيد من الإيضاح أو التفسير، وبذلك فالخبرة ذات حجية قوية في مجال الإثبات.

وفي ذلك نصت المادة (83) من قانون البينات الأردني على:

  1. للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من خبير أو أكثر على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه على أن تبين المحكمة في قرارها الأسباب الداعية لإجراء الكشف والخبرة والغاية من ذلك وتحدد بدقة تفاصيل المهمة الموكلة إلى الخبير
  2. إذا طلب المدعي أو المدّعى عليه إجراء الخبرة ضمن قائمة بيناته، فيجوز له أن يرفق بلائحة دعواه أو بجوابه وفق مقتضى الحال مذكرة معدّة من خبير يختاره لتوضيح موضوع الخبرة التي يسعى لإثباتها، ويحق للخصم الأخر تقديم مذكرة معدّة من خبير آخر يختاره للرد عليها ضمن قائمة بيناته الدفاعية أو بيناته الداحضة وفق مقتضى الحال، وعلى الخبير الذي تعينه المحكمة الاطلاع على كل مذكرة مقدمة وفق أحكام هذه الفقرة وإبداء الرأي على ما ورد فيها ما لم تر المحكمة غير ذلك.
  3. على الخبير أن يكون مؤهلا للقيام بالخبرة في المهمة المكلف بها علمياً، أو فنياً، أو مهنياً، أو بالممارسة الفعلية، وأن يقوم بمهمته بتجرد وصدق وأمانة، وأن يقوم بالإفصاح، سواء في محضر المحاكمة أو بكتاب منفصل، عن وجود أو عدم وجود أي ظروف أو أسباب من شأنها إثارة شكوك حول حيدته واستقلاله عن أي من أطراف الدعوى أو وكلائهم أو هيئة المحكمة، وإذا ثبت عدم صحة هذا الإفصاح أو في حالة عدم تقديمه يبطل تقرير الخبرة ويلزم الخبير في هذه الحالة برد ما قبضه من أجور.
  4. تنظم شؤون الخبرة أمام المحاكم النظامية بمقتضى نظام يصدر لهذه الغاية يتم بموجبه تشكيل مجلس لشؤون الخبرة برئاسة وزير العدل ولجان فنية لانتقاء الخبراء وإعداد سجل للخبرة وجدول للخبراء المعتمدين وأنواع الخبراء وأجورهم ولتحديد جميع الشؤون الإدارية والمالية الأخرى ذات العلاقة بعمل الخبراء.

سابعًا: تطبيقات قضائية

الحكم رقم 2085 لسنة 2022 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-07-25

وفي ذلك نجد أن الخبرة إحدى وسائل الإثبات المقررة بمقتضى أحكام المادتين (2/6 و71) من قانون البينات ولمحكمة الاستئناف بصفتها محكمة موضوع السلطة التامة في وزنها وتقديرها وفي اعتماد تقرير الخبرة عملاً بأحكام المادة (34) من القانون ذاته دون معقب عليها في ذلك من محكمة التمييز متى كان تقرير الخبرة مستوفياً لشروطه القانونية.

ولما كان ذلك وكان البين من أوراق الدعوى أن محكمة الاستئناف استندت بحكمها المطعون فيه على تقرير الخبرة الجارية أمام محكمة الدرجة الأولى بمعرفة الخبيرين المساح والمقدر العقاري جهاد أحمد حمدان والمهندس الكهربائي محمد عبد الحليم الإبراهيم.

وبالاطلاع على تقرير الخبرة المعتمد نجد أن الخبيرين قدرا سعر المتر المربع الواحد من المساحة المتضررة من قطعة الأرض موضوع الدعوى قبل إنشاء وتمرير خطوط كهرباء الضغط العالي بمبلغ (30) ديناراً وقيمته بعد تمرير تلك الخطوط بمبلغ (10) دنانير وقد أشارا بتقريرهما إلى أنهما راعيا أسعار العقارات المجاورة لقطعة الأرض موضوع الدعوى والمماثلة لها في صفتها التنظيمية إلا أنهما لم يبينا أسعار القطع المجاورة وفيما إذا اطلعا على عقود بيع من هذا القبيل والأسعار الواردة في تلك العقود ومن جهة أخرى لم يرد في تقرير الخبرة ما يفيد اطلاع الخبيرين على سعر الأساس لقطعة الأرض موضوع الدعوى لدى دائرة الأراضي والمساحة كما أن المحكمة لم تطلعهما على كتاب دائرة الأراضي والمساحة رقم 4/103/7324 تاريخ 21/3/2021 المبرز ضمن بينات المميزة المتضمن بأن سعر الأساس للمتر المربع الواحد من قطعة الأرض موضوع الدعوى يبلغ دينارين ومؤدى ذلك وجود فرق شاسع بين سعر الأساس والسعر المقدر من قبل الخبيرين الأمر الذي يتعين معه على محكمة الاستئناف إجراء خبرة فنية جديدة تحت إشرافها وبمعرفة خبراء أكثر عدداً ودراية بغرض الوصول إلى التعويض العادل الذي يستحقه المدعي وحيث إنها لم تفعل فإن قرارها المطعون فيه يكون والحالة هذه سابقاً لأوانه ومخالفاً للقانون مما يستوجب نقضه .

الحكم رقم 2362 لسنة 2019 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2019-11-24

ورداً على أسباب التمييز:

وعن الأسباب جميعها ومحصلتها واحدة ومفادهـــــا تخطئة محكمة الاستئناف بتطبيق القانون على الوقائع والبينات وإن الدعوى صرفية للمطالبة بقيمة سند إقرار عدلي والقانون حدد وسائل الإثبات ولم تعلل قرارها بإجازة سماع البينة الشخصية والاعتراض على سماعهم ولم تعلل سبب طرحها دليل كتابي وخالفت المحكمة القواعد العامة للإثبات والبينة الخطية لإثبات انشغال ذمة المميز ضده والقرار مبني على الاستنتاج.

في ذلـــــــــــــــك نجد أن المادتين ( 30/5 و 70) من قانون البينات تنص على أنه يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب تزيد قيمته على مئة دينار لبيان الظروف التي أحاطت بتنظيم السند وكذلك في حال الادعاء بأن السند أخذ لغايات عمل المدعى عليه وتبعاً لسياسة العمل لدى المدعية وأنه سند مجاملة لغايات قبول المدعى عليه بالعمل لدى الشركة المدعية وهذا ما جاء في اللائحة الجوابية المقدمة من المدعى عليه أمام محكمة الدرجة الأولى وطلب المدعى عليه سمـــاع البينة الشخصية لإثبات هذه الوقائع وسبب توقيع الإقرار .

حيث استقر الاجتهاد القضائي لمحكمة التمييز الهيئة العامة على سماع البينة الشخصية في الالتزامات التعاقدية وفي الظروف التي أحاطت بتنظيم السند تمييز حقوق رقم (3875/2006) هيئة عامة.

وحيث إن محكمة الاستئناف قررت سماع البينة الشخصيـــة لإثبات الظروف التي أحاطت بتنظيم الإقرار.

وحيث توصلت إلى أن البينة الشخصية جاء بها أن تنظيم الإقرار لغايات العمل وهي سياسة متبعة بالشركة المدعية ولتأمين السيارة التي تم تسليمها للمدعى عليه

(انظر تمييز حقوق 975/2016 و 551/2017).

وحيث إن وزن وتقدير البينة من صلاحيات وإطلاقات محكمة الموضوع ولا رقابة عليها من محكمتنا طالما أنها توصلت إلى نتيجة سليمة وإن استنتاجها جاء سائغاً ومقبولاً نقرها على ذلك وإن سند الإقرار لم يكن إلا لغايات العمل وإن ذمة المدعى عليه غير مشغولة للمدعية بأية مبالغ الأمر الذي يتعين معه رد هذه الأسباب كونها لا ترد على القرار المطعون فيه.

الحكم رقم 2626 لسنة 2017 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2017-07-16

وفي ذلك نجد أن الشهادة هي من وسائل الإثبات الواردة في المادة الثانية من قانون البينات.

وحيث إن المدعية قدمت البينة الشخصية لإثبات وقائع مادية يجوز إثباتها بالبينة الشخصية وانصبت هذه الشهادات على نشاط المدعية المتمثل في تأجير بدلات العرائس وأن هذه الواقعة وكما جاءت على لسان شهودها قد بدأت في عام 2013.

وحيث جاءت هذه الشهادات وحول هذه الواقعة متساندة ومتفقة مع بعضها البعض وغير متناقضة فإنه لا يوجد ما يمنع من الاعتماد عليها في تقرير واقع أن الجهة المدعية مارست عملية تأجير بدلات العرائس اعتباراً من عام 2013 على خلاف ما ذهب إليه المقدر من أن نشاطها بدأ منذ عملها.

وحيث إن المادة 57/ه من قانون الضريبة العامة على المبيعات قد أجازت للمكلف إقامة الدليل على أن المبالغ التي حددها القرار المطعون فيه باهظة وحيث إن الشهود الذين قدمتهم المدعية قد أثبتوا أن عملية تأجير بدلات العرائس كانت منذ عام 2013 ولم تبدأ منذ عملها في عامي 2011و2012 فتكون المدعية والحالة هذه غير ملزمة في التسجيل في شبكة مكلفي دافعي الضرائب لعدم بلوغ مبيعاتها حد التسجيل ويتعين منع الجهة المدعى عليها من مطالبتها بالتسجيل.

وحيث إن محكمة الاستئناف قد توصلت إلى النتيجة ذاتها التي توصلنا إليها فإن قرارها يكون متفقاً وأحكام القانون وهذا السبب لا يرد على القرار المميز ويتعين رده.

 ثامنًا: خاتمة

تحدثنا في هذا المقال عن وسائل الإثبات كأحد الدعائم الأساسية في الدعوى المدنية، حيث بها يثبت الحق ويدفع الادعاء، وبينا أن تلك الوسائل ليست على درجة واحدة من الحجية حيث تختلف ممارسة سلطة المحكمة التقديرية باختلاف وسيلة الإثبات، وعلى الرغم من التطور الحاصل إلا أن كل وسيلة من وسائل الإثبات التقليدية ما زالت تحتفظ بذاتيتها وتؤدي دورًا فعالًا في مجريات الدعوى، لذا يجب على المشتغل بالمجال القانوني أن يقف على كل  وسيلة من تلك الوسائل ويفهمها الفهم الجيد، وذلك لسببين الأول أن يعرف استخدام كل وسيلة من تلك الوسائل ومدى فاعليتها في الإثبات، والثاني أن يستخدم كل وسيلة في الوقت المناسب لها فلا يقدم وسيلة أضعف على وسيلة أقوى، فيلجأ إلى تلك الوسائل بالترتيب الذي يخدم دعواه.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] سورة البقرة، الآية 282

[2] عبد الرحمان بربارة، طرق التنفيذ في المسائل المدنية، منشورات بغدادي، الرويبة الجزائر، دون طبعة، سنة 2002، ص65.

[3] علي زكريا العرابي، 1996، المبادئ الأساسية للتحقيقات والإجراءات الجنائية، القاهرة، ج2، صـ196، 197

[4] – خليفة محمود عبد العزيز، النظرية العامة للقرائن في الإثبات الجنائي في التشريع المصري والمقارن، مطابع الطوبجي التجارية، مصر: 1987، ص 295.

[5] احمد نشأت: رسالة الإثبات ٢/٤٣٠ – الناشر: دار الفكر العربي ط٧– ١٩٧٢

[6] د. عياد: الوسيط ٢/٣٠٨ / د. الجوخدار: شرح المحاكمات الجزائية ص ٣٥٩/ د. القضاة: البينات في المواد المدنية والتجارية ص٢٣٩ / د. النداوي: دور الحاكم المدني في الإثبات ص ٤٦٩

Scroll to Top