التعويض عن الضرر النفسي في حوادث النقل الجوي
يعتبر النقل الجوي من الركائز الرئيسية التي تعتمد عليها الاقتصاديات الحديثة للدول باعتباره أحد أهم الوسائل التي ساعدت في سهولة عملية الاتصال والتقارب بين الشعوب، بل وساعد كذلك في تطوير وازدهار العلاقات التجارية بين الدول، هذا ويتميز النقل الجوي عن غيره من وسائل النقل الأخرى بأنه يعد الأفضل في مجال الربط بين الدول، ونقل الأشخاص والبضائع، بل إن تقدم الدول ورقيها يقاس بمدى تطور النقل الجوي لديها ومدى انتشار خطوطه في كافة الأنحاء.[1]
فالطائرات تجوب وتعبر الدول والبحار والمحيطات غير عابئة بحواجز طبيعية أو صناعية أو سياسية، وهو ما جعل النقل الجوي يتمتع بالصفة الدولية، غير أنه وبالرغم من هذه المميزات الملاصقة للنقل الجوي، وما صاحب ذلك من تقدم وتطور علمي وتكنولوجي رهيب في هذا المجال إلا أن احتمالات الأخطار التي يتعرض لها النقل الجوي عديدة ومتنوعة، ولما كان ذلك وكان النقل الجوي يتمتع بأهمية اقتصادية كبيرة فكان لزاماَ أن يتم إخضاعه لنظام قانوني محدد يقوم على تنظيمه وترتيب أحكامه، ومن ثم ترتيب المسؤوليات، ومن أجل ذلك أبرمت العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بهذا المجال، والتي بدأت باتفاقية باريس عام 1919 والتي تعد بمثابة عملية التنظيم الأولي لأحكام النقل الجوي، ثم جاءت العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية كاتفاقية وارسو عام 1929 والتي وضعت المبادئ القانونية الأولي لقانون موحد خاص بتنظيم أحكام النقل الجوي، واتفاقية مونتريال 1999، ولما كانت مسؤولية الناقل الجوي هي أهم المسائل التي يتم إثارتها في مجال النقل الجوي وبالتالي فإن المجتمع الدولي قد أولي لها اهتماماَ بالغاَ عند تنظيم أحكام النقل الجوي، من خلال وضع قواعد تنظيمية لمسؤولية الناقل الجوي، ولما كان التعويض هو من الآثار المترتبة على المسؤولية فبدون تحديد المسؤولية لا يمكن المطالبة بالتعويض، فيجب أولاَ حال وجود خطأ أو ضرر تحديد المسؤول عنه، ومدى هذه المسؤولية، ثم تحديد مقدار الضرر، ومقدار التعويض الجابر له ونوعه، وهو ما سوف نحاول الإجابة عليه في هذا المقال، وذلك على النحو التالي:
أولا: مدلول ومفهوم عقد النقل الجوي وأنواعه والالتزامات المترتبة عليه:
ثانيا: أساس مسؤولية الناقل الجوي والآثار المترتبة عليها:
ثالثا: التعويض عن الضرر النفسي الناشئ عن حوادث النقل الجوي:
رابعا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بالنقل الجوي:
أولا: مدلول ومفهوم عقد النقل الجوي وأنواعه والالتزامات المترتبة عليه:
1- التعريف بعقد النقل الجوي:
لما كان عقد النقل الجوي كغيره من عقود النقل الأخرى فقد حدد المادة (68) من قانون التجارة الأردني المقصود بالنقل بشكل عام على أنه ” يقصد بالنقل العقد المتبادل الذي يكون الغرض الأساسي منه تأمين انتقال شخص أو شيء من موضوع إلى آخر”
هذا وقد عرفته المادة الأولى من اتفاقية وارسو عام 1929 على أنه ” كل نقل دولي للأشخاص أو الأمتعة أو البضائع تقوم به طائرة بمقابل يتم بين نقطتين تسمي الأولي نقطة القيام وتسمي الثانية نقطة الوصول”، وقد عرفته المادة (208) من قانون التجارة المصري الجديد رقم (17) لسنة 1999 بأنه ” عقد النقل اتفاق يلتزم بمقتضاه الناقل بأن يقوم بوسائله الخاصة بنقل شخص أو شيء إلى مكان معين مقابل أجرة.”، ويذهب البعض إلى أن عقد النقل الجوي هو عقد بمقتضاه يلتزم شخص يسمي الناقل بنقل أشياء أو أشخاص من مكان إلى آخر في مقابل أجر، ويسمي متلقي خدمة النقل الشاحن أو الراكب”[2]
ومن هنا يمكن القول بأن عقد النقل الجوي كغيره من عقود النقل الأخرى، وأن جوهر الاختلاف بينهم هو وسيلة النقل فقط وهي في عقدنا هذا تكون الطائرة، وهو الأمر الذي معه قام المشرع الأردني والمشرع المصري وغالبية التشريعات العربية إلى إخضاع النقل الجوي إلى أحكام قانون التجارة والقانون المدني مع مراعاة أيه أحكام خاصة وردت في قانون الطيران المدني أو المعاهدات الدولية الخاصة بالنقل الجوي كاتفاقية وارسو عام 1929 والاتفاقيات المعدلة والمكملة لها.
كما أن عقد النقل الجوي يخضع للقواعد العامة للانعقاد والمتعلقة بشروط صحة العقود (الرضا – المحل – السبب) وسوف نتحدث عنهم بشيء من الإيجاز حيث إنهم ليسوا مجال بحثنا على النحو التالي:
1- الرضا: عقد النقل الجوي من العقود الرضائية والتي تنعقد بمجرد تلاقي القبول بالإيجاب وتطابقهما سواء أكان ذلك العقد خاص بنقل الأشخاص أم البضائع، وهو ما أكدت عليه المادة (3/2) من اتفاقية وأرسوا 1929 بالتأكيد على الطبيعة الرضائية لعقد النقل الجوي، كما قررت ذلك المادة (77/1) من قانون التجارة الأردني بالنص على أن انعقاد نقل الأشخاص وعقد النقل عموماَ ” بمجرد حصول الرضا”.
إلا أن البعض ذهب إلى أن عقد النقل الجوي يعتبر من عقود الإذعان وذلك نظراَ لاختلاف القوة الاقتصادية بين الناقل الجوي والذي يتمتع بمركز القوي والراكب وهو الطرف الضعيف في العقد.[3]
وقد أكدت على ذلك محكمة استئناف القاهرة ومحكمة التمييز الأردنية في بعض أحكامها، وقد أجاز المشرع الأردني والمصري وبعض التشريعات العربية للمحكمة أن تعدل أو تعفي الطرف الضعيف من الشروط التعسفية التي وضعت بموجب عقد تم عن طريق الإذعان، وهو ما أكدت عليه اتفاقية وارسو 1929 في مادتها رقم (23) عندما قررت بطلان الشروط التعسفية التي يضعها الناقل الجوي التي تخالف أحكام الاتفاقية ويكون هدفه منها تحقيق مصلحة له تضر بالطرف المتعاقد معه كشروط الإعفاء من المسؤولية أو التخفيف من الحد المقرر للتعويض.
2- المحل: طبقا لما تضمنته اتفاقية وارسو 1929 فإن الغرض من العقد بصفة عامة هو إنشاء التزام، ومن ثم يجب أن تتوافر في العقد الشروط العامة للصحة وهي أن يكون مالاَ متقوماَ وممكن الوجود ومعين أو قابل للتعيين ومشروع.
3- السبب: يفترض أن يكون السبب في كل عقد وأن يكون مشروع، وقد أخذ المشرع الأردني بالسبب لقيام صحة العقد، وأكد أن السبب هو الغرض المباشر المقصود من العقد ويجب أن يكون مشروع وغير مخالف للنظام العام والآداب.
2- أنواع عقد النقل الجوي:
يمكننا في هذا البند تقسيم عقد النقل الجوي إلى قسمين الأول يكون خاضع لأحكام اتفاقية وارسو 1929 والثاني غير خاضع لها، وذلك على النحو التالي:
أ – عقد النقل الجوي الخاضع لأحكام اتفاقية وارسو 1929:
حددت المادة الأولى من الاتفاقية المذكورة نوع النقل الجوي الذي يخضع لأحكامها بالنص على ” كل نقل دولي للأشخاص والبضائع والأمتعة يتم على طائرة في مقابل أجر، كما يسري على عمليات النقل التي تقوم بها مجاناَ على طائرة إحدى مؤسسات النقل الجوي”
ومن خلال هذه المادة يمكن القول بأن النقل الجوي الخاضع لهذه الاتفاقية يجب أن تتوافر فيه عدة شروط كالتالي:
1- أن يكون النقل الجوي دولياَ: بمعني أن يتجاوز الحدود الإقليمية للدولة الواحدة بأن يتم بين نقطتين واقعتين على إقليم دولتين متعاقدتين في الاتفاقية أو على الأقل تكون إحدى هذه الدول طرف فيها.
2 – أن يكون هناك مقابل لهذا النقل: وهو ما ذكرت الاتفاقية ولم تحدد معناه وهو ما جعل تحديد مقابل النقل وفقاَ للتشريعات الوطنية وهو ما فعله المشرع الأردني والذي اعتبر النقل عملاَ تجارياَ، ومن ثم يجوز أن يكون المقابل نقدياَ أو عينياَ أو بمقابل عمل أو خدمة ما، وقد أكدت المادة (112/ ح) من قانون الطيران المدني الأردني على أنه ” على مؤسسات النقل الجوي الوطنية والأجنبية الالتزام بما تصدره سلطات الطيران المدني من تعليمات وتنظيمات وأوامر حكومية متعلقة بما يلي : 1- أجور وأسعار النقل الجوي سواء بتخفيضها أو بزياداتها”.
ب – عقد النقل الجوي غير الخاضع لأحكام اتفاقية وارسو 1929:
اتضح من البند السابق أن اتفاقية وارسو قد وضعت شروط وقواعد لخضوع النقل الجوي لأحكامها ومن ثم إذا لم تنطبق هذه الشروط أو تتوافر فإن النقل الجوي لا يخضع لأحكامها ، فإذا لم تكن الدولة عضو في الاتفاقية وتقوم هي بتولي مسؤولية النقل الجوي فهذه العملية لا تخضع لأحكام اتفاقية وارسو، كما أن الرسائل والطرود البريدية لا تخضع كونها تخضع لاتفاقيات دولية خاصة بها، كما أن النقل الجوي على سبيل التجارب لا تخضع لهذه الاتفاقية، كما أن النقل الجوي المجاني لا يخضع، والنقل الجوي الداخلي أيضاَ، إلا أنه واستثناء من الأصل فقد أخذ كل من المشرع الأردني في المادة (122) من قانون الطيران المدني الأردني رقم (50) لسنة 1985، والمشرع المصري في المادة (72) من قانون الطيران المدني المصري رقم (28) لسنة 1981 بإخضاع النقل الجوي الداخلي الخاص بنقل الركاب والبضائع والأمتعة لأحكام اتفاقية وارسو 1929 والاتفاقيات المعدلة والمكملة لها، غير أن المشرع المصري تراجع عن ذلك وأخضع النقل الجوي الداخلي لقانون التجارة المصري الجديد، وذلك وفقاَ لما تضمنته المادة ( 285) من قانون التجارة المصري الجديد رقم (17) لسنة 1999.
3- الالتزامات المترتبة على عقد النقل الجوي:
لما كان عقد النقل الجوي من العقود الملزمة للجانبين ومن ثم فإنه يرتب مجموعة من الالتزامات على كل من الناقل الجوي والراكب أو الشاحن ويمكن بيانها على النحو التالي:
أ – التزامات الناقل الجوي:
هناك مجموعة من الالتزامات الواجب تنفيذها والقيام بها من قبل الناقل الجوي ويمكن توضيحها كالتالي:
1- الالتزام بإعداد طائرة صالحة للملاحة البحرية: وذلك من خلال صيانتها ومتابعتها والتفيش عليها بما يضمن صلاحيتها للطيران، وهو ما أوضحه المشرع الأردني في نص المادة (45) من قانون الطيران المدني من أنه أجاز لسلطات الطيران المدني القيام بتفتيش الطائرة أو إجراء اختبارات أو القيام بالطيران لغرض الاختبار، على أن تتم عملية التفتيش على نفقة مستثمر الطائرة.
2- الالتزام بسلامة الركاب أثناء عملية النقل: وهو ما أكدت عليه المادة (17) من اتفاقية وارسو من أنه ” يكون الناقل مسؤولاَ عن الضرر الذي يقع في حالة وفاة أو جرح أو أذى بدني آخر يلحق بالراكب إذا كانت الحادثة تولد منها الضرر قد وقعت على متن الطائرة أو في أثناء أية عملية من عمليات صعود الركاب ونزولهم”.
ب – التزامات الراكب أو الشاحن: يلتزم الراكب أو شاحن البضاعة بدفع أجرة النقل المتفق عليها، واحترام التعليميات والتزام الأماكن والمقاعد المخصصة له.
ثانيا: أساس مسؤولية الناقل الجوي والآثار المترتبة عليها:
1- أساس مسؤولية الناقل الجوي:
تعتبر مسؤولية الناقل الجوي هي من أهم موضوعات النقل الجوي وأكثرها تأثيراَ، وتتعدد وتتنوع المسؤولية وتقوم على أسس مختلفة وفق الاتفاقيات والقوانين المعمول بها، ومن هنا كان لزاماَ علينا بيان أساس تلك المسؤولية وفقاَ للاتفاقيات الدولية الهامة في هذا المجال، وكذلك في القانونين الأردني والمصري، وذلك على النحو التالي:
أـ أساس مسؤولية الناقل الجوي وفقاَ لاتفاقية وأرسوا 1929:
قامت اتفاقية وارسو بوضع نظام خاص بمسؤولية الناقل الجوي يهدف في مجملة إلى إقامة التوازن بين المصالح المتعارضة للناقلين الجويين من ناحية، ومستخدمي الطائرة من ناحية أخرى، وتقوم هذه المسؤولية على ثلاث مبادئ أساسية تتمثل فيما يلي:
1 – تضمنت المواد أرقام (17، 18، 19، 20، 21) من اتفاقية وارسو على قيام مسؤولية الناقل الجوي على أساس الخطأ المفترض، بما يعني أنه لا يوجد التزام على الراكب أو الشاحن بالبحث عن الدليل لوجود الخطأ من قبل الناقل، فالأخير لا يمكن له التحلل من المسؤولية إلا متى أقام الدليل على أنه قام بكافة الإجراءات والاحتياطيات الضرورية واللازمة لتجنب وقوع الضرر، وكان من المستحيل تفاديه.
2 – ومراعاة لمصلحة الناقل الجوي قامت الاتفاقية في مادتها رقم (22) بتحديد التعويض الجابر للضرر، والذي يلتزم الناقل بدفعه في مواجهة الراكب الواحد وهو مبلغ (125000 فرنك) مائة وخمسة وعشرون ألف فرنك، ومبلغ (250 فرنك) مائتين وخمسون فرنك عن كل كيلو جرام من البضائع والأمتعة المسجلة.
3 – قامت اتفاقية وارسو بإبطال كل اتفاق أو شرط يخالف ما جاء بأحكام هذه الاتفاقية بشأن المسؤولية المدنية للناقل والتعويض المحدد بشأن الضرر المترتب عليها، وإن أي شرط أو اتفاق يخالف ذلك يعد باطل بطلاناَ مطلقاَ.
ب – أساس مسؤولية الناقل الجوي وفقاَ لاتفاقية مونتريال 1999:
نصت المادة (17) من هذه الاتفاقية على أنه ” يكون الناقل مسؤولا عن الضرر الذي ينشأ في حالة وفاة الراكب أو تعرضه لإصابة جسدية، بشرط أن تكون الحادثة التي سببت الوفاة أو الإصابة قد وقعت على متن الطائرة أو أثناء أي عملية من عمليات صعود الركاب أو نزولهم”.
كما نصت المادة (21) من ذات الاتفاقية على ” 1- فيما يتعلق بالأضرار المنصوص عليها بالمادة (17) والتي لا تتجاوز قيمتها (10000) وحدة حقوق سحب خاصة عن كل راكب، ولا يجوز للناقل أن ينفي مسؤوليته أو أن يحد منها. 2- فيما يتعلق بالأضرار المنصوص عليها في المادة (17) والتي تتجاوز قيمتها (10000) وحدة حقوق سحب خاصة عن كل راكب، لا يكون الناقل مسؤولا إذا أثبت ما يلي:
أ – أن هذا الضرر لم ينشأ عن الإهمال أو الخطأ أو الامتناع من جانب الناقل أو تابعيه أو وكلائه.
ب – أو أن هذا الضرر قد نشأ فعلاَ عن الإهمال أو الخطأ أو الامتناع من جانب الغير”.
ج – أساس مسؤولية الناقل الجوي في للقانون الأردني:
بداية نشير إلى نص المادة (256) من القانون المدني الأردني والتي نصت على ” كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو كان غير مميز بضمان الضرر”.
هذا وقد نصت المادة (122) من قانون الطيران المدني الأردني رقم (50) لسنة 1985 على أنه ” 1- تطبق أحكام (اتفاقية توحيد بعض قواعد النقل الجوي الدولي) الموقعة في وارسو بتاريخ 12 تشرين الأول 1929 والاتفاقيات الأخرى المعدلة والمكملة لها والتي انضمت إليها المملكة والمنشورة ذيل هذا القانون وذلك فيما يتعلق بنقل الأشخاص والأمتعة والبضائع بطري الجو.
2- تطبق أحكام الفقرة (أ) فيما يتعلق بالنقل الداخلي إلا إذا نص على خلاف ذلك”.
دـ أساس مسؤولية الناقل الجوي في القانون المصري:
نصت المادة (264) من قانون التجارة المصري رقم (17) لسنة 1999 على أنه ” يضمن الناقل سلامة الراكب أثناء تنفيذ عقد النقل ويقع باطلاَ كل اتفاق يعفي الناقل من هذا الضمان” والبين من هذا النص أن التزام الناقل هنا هو التزام قائم على هدف معين وهو سلامة الراكب طوال مراحل تنفيذ العقد.
كما نصت المادة (287) من ذات القانون على ” يسأل الناقل الجوي عن الضرر الذي يحدث عند وفاة الراكب أو إصابته بجروح أو بأي ضرر بدني آخر” وهو ما يعني التأكيد على مسؤولية الناقل الجوي والتزامه بضمان سلامة الراكب، وهو ما أكدت عليه المادة (290) من ذات القانون من أنه لا يجوز للناقل الجوي نفي المسؤولية عنه إلا بإثبات القوة القاهرة أو خطأ الراكب، ومن هنا فالمسؤولية في القانون المصري ناتجة عن التزام عقدي محله ضمان سلامة الراكب.
هذا وقد نصت المادة (21) من اتفاقية وارسو على أنه ” إذا أثبت الناقل الجوي أن خطأ الشخص المصاب هو الذي تسبب عنه الضرر أو ساعد على وقوعه، فللمحكمة تطبيقاَ لأحكام قانونها الخاص أن تستبعد مسؤولية الناقل أو تخفيضها”، كما أن بروتوكول لاهاي 1955 ألغي المادة سالفة الذكر واستبدلها بالمادة رقم (7) منه ونص فيها على “إذا أثبت الناقل أن الشخص الذي يطالب بالتعويض هو الذي تسبب في إحداث الضرر أو شارك فيه بإهماله أو خطئه أو امتناعه، فيعفي الناقل من مسؤوليته قبل هذا الشخص كلياَ أو جزئياَ بنسبة ما تسببه من هذا الإهمال أو الخطأ أو الامتناع عن ضرر أو بمقدار ما يكون قد شارك فيه”
2- الآثار المترتبة على قيام مسؤولية الناقل الجوي:
يترتب على انعقاد مسؤولية الناقل الجوي بعض الأحكام الإجرائية والتي نظمتها اتفاقية وأرسوا 1929، وهذه الأحكام الإجرائية تتعلق بدعوى المسؤولية على الناقل الجوي، والجزاء المترتب على قيام المسؤولية، وذلك على النحو التالي:
أـ دعوي المسؤولية: وتسمي أيضاَ دعوى التعويض، ويمكننا أن نتناول هذه الدعوى بإيجاز من خلال تحديد أطرافها، والمحكمة المختصة بنظرها، والقانون الواجب التطبيق عليها وذلك على النحو التالي:
1- أطراف دعوى المسؤولية: لم تتضمن نصوص اتفاقية وارسو نص صريح يحدد أطراف دعوى المسؤولية باعتبار أن أطراف هذه الدعوى هم أطراف عقد النقل الجوي، غير أن محكمة النقض المصرية قد حددت الأشخاص الذين لهم حق تحريك دعوى التعويض في حالة وفاة الراكب بأنهم الخلف العام أي كل من يخلف الراكب في ذمته المالية كلها أو بعضها باعتباره وارثاَ لكل التركة أو جزء منها أو الوصي له بحصته فيها، وهو ما أكدت عليه المادة (206) من القانون المدني الأردني بنصها على انصراف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ما لم يتبين من العقد أو من طبيعة التعامل أو من نص القانون أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام، وهو ما أقرته محكمة التمييز الأردنية باعتبار الوارث خلفاَ عاماَ لمورثه.
كما أن المدعى عليه في هذه الدعوى هو عادة الناقل الجوي الذي تكون مسؤولاَ عن الأضرار التي تنتج للركاب من وفاة أو إصابة بجروح أو أي أذى بدني إذا وقع الضرر على متن الطائرة أثناء أي عملية من عمليات الصعود والهبوط للركاب، وهو ما أكدت عليه محكمة التمييز الأردنية باعتبار الناقل الجوي هو المدعى عليه في حالة وفاة الراكب في دعوى التعويض المرفوعة عليه من قبل المدعى.
كما أن هناك طرف ثالث في الدعوى غير المدعى (المضرور)، والمدعى عليه (الناقل الجوي) وهذا الطرف الثالث هو شركة التأمين، حيث إنه ومع زيادة المخاطر الجوية وأن الطائرات تحتاج لاستثمارات مالية ضخمة فقد تم الاعتماد واللجوء إلى عقد التأمين الجوي وهو عقد بمقتضاه يلتزم المؤمن أن يؤدي للمؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغ من المال أو أي تعويض مالي آخر في حالة وقوع حادث مؤمن ضده أو تحقق الخطر المبين في عقد التأمين.
2 – المحكمة المختصة بنظر دعوى التعويض:
تضمنت المادة رق (28) من اتفاقية وارسو 1929 النص على حق المضرور بتحريك دعوى التعويض في دولة طرف في الاتفاقية بحسب اختياره على النحو التالي:
1- أمام محكمة موطن الناقل الجوي أي محل إقامة الناقل الجوي متى كان شخصاَ طبيعياَ.
2- أمام محكمة المركز الرئيسي لنشاطه الاقتصادي أي أمام المحكمة التي يوجد ضمن اختصاصها مركز إدارة الناقل الجوي الرئيسي وليس مكان ممارسته نشاطه إذا كان شخصاَ اعتبارياَ.
3- أمام محكمة الجهة التي يكون له فيها منشأة تولت عنه إبرام عقد النقل الجوي بمعرفتها أي أمام المحكمة التي يوجد ضمن اختصاصها أحد الفروع الرئيسية للناقل الجوي.
4- أمام محكمة جهة الوصول أي محكمة مكان وصول الطائرة فعلاَ أو المحدد لوصولها فيه المنصوص عليها في عقد النقل الجوي.
3 – القانون الواجب التطبيق في دعوى التعويض:
بالنسبة للقواعد القانونية الموضوعية فإنها تخضع للقواعد الموضوعية المنصوص عليها في المواد أرقام (1، 2، 17- 24، 32) من اتفاقية وأرسوا 1929 وتعديلاتها، وكذلك المواد أرقام (1، 2، 17- 25، 34) من اتفاقية مونتريال 1999.[4]
- أما بالنسبة للقواعد القانونية الإجرائية فقد أحالت غلى القواعد المعمول بها في قانون الدولة التي ينظر فيها القاضي النزاع.
ثالثا: التعويض عن الضرر النفسي الناشئ عن حوادث النقل الجوي:
بداية نود أن نشير إلى أن فكرة التعويض عن الضرر النفسي أو المعنوي لم تكن من المبادئ المستقر عليها في السابق بصفة عامة وفي ظل إبرام اتفاقية وارسو 1929 بصفة خاصة، حيث ترددت المحاكم في إقرار التعويض عن الضرر النفسي والمعنوي والغير مقترن بأي أثر بدني، كون الآلام النفسية من الآلام غير الملموسة وهس أيضا سريعة الزول، ولا يمكن توقعها، ويصعب إيجاد علاقة سببية بينها وبين الفعل.
هذا وقد نصت المادة رقم (17) من اتفاقية وارسو 1929 على أن المقصود بالضرر الموجب للمسؤولية هو ذلك الضرر المتسبب في وفاة الراكب أو إصابته بجروح أو أي أذى بدني آخر، ولم تنص المادة أو الاتفاقية عن الضرر المعنوي أو النفسي للراكب، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن مدى أحقية الراكب في المطالبة بالتعويض عن الضرر النفسي الذي لحق به نتيجة حادث للنقل الجوي.
وقد اختلفت آراء الفقهاء في ذلك بين اتجاهين، الاتجاه الأول يرى بعدم أحقية الراكب بالمطالبة بالتعويض عن الضرر النفسي عن حوادث النقل الجوي واستندوا في ذلك إلى أن اتفاقية وارسو 1929 تم تحريرها باللغة الفرنسية وأن القانون الفرنسي قد ميز بين الضرر البدني والضرر النفسي وبالرغم من ذلك فلم تتضمن الاتفاقية الضرر النفسي أو الضرر المعنوي بما يفيد عدم أحقية الراكب في المطالبة بالتعويض عنه، ورغم ذلك إلا أن الأحكام القضائية التي أخذت بهذا الاتجاه ألزمت الناقل الجوي بالتعويض عن الآلام والاضطرابات العصبية إذا اقترنت بأذى بدني متى كانت نتيجة مباشرة له.
أما الاتجاه الثاني فقد أخذ بمسؤولية الناقل الجوي عن الأضرار النفسية التي يتعرض لها الراكب ولو لم يتعرض لأذى بدني واستدلوا على ذلك بأن صياغة اتفاقية وارسو 1929 باللغة الفرنسية لا يعني حتماَ الالتزام بمفاهيم القانون الفرنسي، هذا وقد سارت قوانين الدول على هذا المنوال فمنها من يعتبر أن الناقل الجوي مسؤول عن التعويض عن الأضرار النفسية التي تلحق بالراكب نتيجة لحادث حوي، ومنها من لا يأخذ بذلك، كما أنه وبالنسبة للقانون الأردني فإن نص المادة (256) من القانون المدني الأردني نصت على أن ” كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر” وهو ما طبقه المشرع الأردني بالأخذ بالتعويض عن الأضرار النفسية.
- وعلى خلاف ما جاء باتفاقية وارسو 1929، فإن التعويض عن الضرر النفسي قد لقي اهتمام كبير لدى عدد من الدول المشاركة في اتفاقية مونتريال 1999، هذا وقد أشار مندوب مصر في الاتفاقية إلى أن المحاكم المصرية استقرت على تفسير عبارة ” الإصابة البدنية” الواردة باتفاقية وارسو على أنها تشمل الضرر الأدبي المقتن بالإصابة الجسدية، واقترح أن تعكس سجلات المؤتمر ذلك بهدف توحيد تفسير معنى العبارة كما هو متبع في الدول التي تتبع النظام القانوني المشترك أو الأنجلوسكسوني، والدول التي تتبع النظام المدني أو اللاتيني.[5]
رابعا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بالنقل الجوي:
1- ذهبت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في الدعوى رقم (2925/ 2022) بأن ” المدعى عليهما مسؤولتان عن التعويض عن كافة الأضرار التي لحقت بالمؤمن له الأولى بصفتها الناقل الجوي والثانية بصفتها وكيل الشحن للبضاعة وبالنتيجة عن كامل قيمة هذه الدعوى”.
2-ذهبت محكمة استئناف عمان في القضية رقم (7828 ) لسنة 2019 – والذي جاء به ” وحيث نجد ابتداء أن العلاقة ما بين المستأنفة والمستأنف ضدها هي علاقة عقدية وهو عقد نقل لغايات نقل المستأنفة جوا من عمان إلى دولة سيرلانكا عبر مسقط وأن هناك استراحة لبعض الوقت في مطار مسقط أي (ترانزيت) ومن الرجوع إلى أحكام المادة 122/أ من قانون الطيران المدني والمادة 17 من اتفاقية وارسو تنص يكون الناقل مسؤولا عن الضرر الذي ينشأ في حالة وفاة أو جرح الراكب أو أي إصابة بدنية أخرى تلحق به إذا كانت الحادثة التي سببت الضرر قد وقعت على متن الطائرة ، وأنه لغايات تطبيق ما ورد في أحكام اتفاقيات النقل الجوي وتحقيق مسؤولية الناقل وهي المدعى عليها ( المستأنف ضدها ) لا بد من إثبات وقوع الحادث على متن الطائرة حتى تتحقق مسؤولية الناقل”
3 – قضت محكمة استئناف عمان في القضية رقم (14784) لسنة 2019 – والذي جاء به “في ذلك نجد أن ما يستفاد من أحكام المادة 79/2 من قانون التجارة الأردني أن عقد النقل الجوي يخضع للقواعد الواردة في هذا الباب ولقواعد القانون المدني مع مراعاة أي أحكام مغايرة وردت بهذا الخصوص في قانون الطيران المدني المعمول به وفي أي معاهدات دولية حول الملاحة الجوية نافذة قانونا في المملكة والمادة 4 من قانون الطيران المدني نص على “تطبق في المملكة أحكام المعاهدات والاتفاقية الدولية الجماعية والثنائية المتعلقة بالطيران المدني والتي تكون المملكة طرفا فيها” وتنص المادة 18/1 من اتفاقية وارسو وتعديلاتها لسنة 1929 على “يكون الناقل مسؤولا عن الضرر الذي ينشأ في حالة تلف البضائع أو ضياعها أو تعيبها بشرط أن يكون الحدث الذي ألحق الضرر على هذا النحو قد وقع خلال النقل الجوي”.
4- قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في القضية رقم (2028 لسنة 2021) والقاضي منطوقه:
“أن ما نصت المادة (55) من اتفاقية مونتريـال صراحة على ترجيحها في التطبيق على اتفاقية وارسو وتعديلاتها والبروتوكولات المتصلة بها فتكون اتفاقية مونتريال هي الواجبة التطبيق على عقد النقل الجوي موضوع الدعوى تمييز حقوق (4302/2017) ولا محل لتطبيق أحكام القواعد العامة في القانون المدني عليها تمييز حقوق (2729/2004) لا سيما وأن الفقه والقضاء قد أجمعا على أن الاتفاقيات الدولية التي تبرمها الدول هي أسمى مرتبة من القوانين المحلية”.
إعداد/ د. محمد سعيد خضر.
[1] فاروق زاهر، تحديد مسؤولية الناقل الجوي، دار النهضة العربية، مصر، 1985، صــ 14.
[2] عدلي خالد، عقد النقل الجوي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1997، صــ 5.
[3] زهير كريم، مبادئ القانون التجاري، دار الثقافة للنشر، عمان، 1995، صــ 277.
[4] ثروت الأسيوطي، مسؤولية الناقل الجوي، الطبعة الأولى، المطبعة العالمية، القاهرة، 1960، صـ 762.
[5] – منال محمد السيد – سامر محمد الزعبي، مسؤولية الناقل الجوي بالنسبة للتعويض عن الضرر المعنوي بموجب اتفاقيتي وارسو ومونتريال، مجلة روح القوانين – العدد الرابع والتسعون، البحرين، 2017، صـ 172.

