الطابع الحمائي لقانون العمل

الطابع الحمائي لقانون العمل

بداية ومن المستقر عليه أنه قد أطلق على هذا الفرع من القوانين تسميات مختلفة، إلا أن معظمها تعرض للنقد إلى أن انتهى الأمر بتسميته (قانون العمل – وهو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم علاقات العمل سواء أكانت فردية أم جماعية بين العمال وأصحاب الأعمال، فالتبعية القانونية في العمل هي معيار تطبيق قانون العمل، وحيث تنعدم هذه التبعية يمتنع تطبيقه.

وقد قامت شركة حماة الحق بإطلاق حاسبة الحقوق العمالية الإلكترونية لحساب مقدار حقوق العامل عن فترة عمله.

ولقانون العمل أهمية اجتماعية واقتصادية: إن لهذا القانون أهمية اجتماعية بالغه، بكونه شريحه كبيرة من طوائف المجتمع – هم العمال وأصحاب الأعمال، وبموجب هذا القانون يتحدد الوضع الإنساني، واللا إنساني لحياة العمال، وقانون العمل يعتبر من أهم عوامل إقرار السلم الاجتماعي، كما أن تحقيق الأمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية إلى حد كبير يعتمد على درجة رقي قانون العمل وتقدمه، فضلاً عن أهميته الاقتصادية من حيث إعادة توزيع الدخل القومي، وزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته وتوجيه الاقتصاد الوطني بصورة عامة.

ومن هذا المنطلق فقد ارتأينا التطرق في هذا المقال إلى ماهية قانون العمل من حيث تعريفاته المختلفة، وطبيعته الحمائية المميزة له عن سائر القوانين، وكذا الأسس والمبادئ التي تحكم تلك الطبيعة الحمائية، وأخيراً بعض الاجتهادات القضائية الصادرة من محكمة التمييز بشأن تلك الذاتية وذلك بشيء من التوضيح بالتفصيل التالي: –

أولاً: مفهوم وتعريفات قانون العمل

ثانياً: تعريف الطبيعة الآمرة الحمائية لقواعد قانون العمل

ثالثاً: الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الطبيعة الذاتية الحمائية لقانون العمل

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالطابع الحمائي لقانون العمل

خامساً: الخاتمة

 

 

أولاً: مفهوم وتعريفات قانون العمل

من المتعارف عليه أن الفقه في التشريعات الدولية قد اختلف في شأن التعريف لقانون العمل وذلك نتيجة لحداثته من جهة، واختلاف تسمياته من جهة أخرى وذلك على النحو التالي: –

حيث هناك من عرفه على أنه: – “مجموعة من القواعد التي تنظم وتحكم علاقات العمل القائمة بين شخص طبيعي يعمل لحساب شخص آخر من الأشخاص الطبيعية، أو الاعتبارية من أشخاص القانون الخاص في ظل إدارته وتحت إشرافه، وتوجيه مقابل أجر متفق عليه “.

وهناك من عرفه على أنه: “مجموعة القواعد القانونية التي تنظم علاقات العمل الخاص التابع المأجور – أي تلك التي تربط العمال بأصحاب الأعمال سواء نشأت تلك العلاقة عن عقد عمل فردي بين العامل وصاحب العمل أو علاقات عمل جماعية، فالعمل التابع يثير إلى جانب المشاكل الفردية مشاكل جماعية تتعلق بالتشكيلات النقابية وعقود العمل المشتركة أو الجماعية وتسويتها عن طريق التوفيق والتحكيم”.

  • كما يعرف باللغة الإنجليزية باسم (Labor Law)، وهو عبارةٌ عن القانون الذي يحدد حقوق وواجبات العمال، والموظفين في مختلف قطاعات العمل، ويعرف أيضاً بأنه مجموعة الأحكام والنصوص القانونية التي تنظم كافة مجالات العمل، وينظم المهام الوظيفية في بيئة العمل، ويرتب الأدوار بين المدراء والموظفين، ويعد قانون العمل من القوانين التي استمدت أحكامها القانونية من التشريعات الموجودة في القانون الدولي الخاص، مع أن أغلب نصوص قانون العمل تتشابه بين كافة دول العالم تقريباً، ولكن يتميز قانون العمل في بعض الدول بنصوص قانونية تحتوي على أحاكم خاصة في تلك الدول، وهذا ما يمنح قانون العمل الخصوصية القانونية والتشريعية معاً.
  • ويُعرف قانون العمل والعمال الأردني على أنه: “مجموعة من القواعد القانونية التي تحكم علاقات العمل التابع المأجور، والذي يقوم به أشخاص مقابل أجر لحساب أشخاص آخرين وتحت توجيههم ورقابتهم”.

  • وقد كانت قواعد قانون العمل والعمال الأردني تخضع قديمًا لأحكام القانون المدني، إلّا أنه بعد الثورة الصناعية التي حدثت بالعالم، وبسبب الكثرة في استخدام الآلات الثقيلة، وزيادة قوة أصحاب العمل، ترتّب على ذلك ردة فعل عنيفة من قبل العمال دفاعًا عن حقوقهم ومصالحهم، وبسببِ هذه التطوّرات كان لزامًا على المشرِع التدخل لتنظيم علاقات العمل وفقًا لأسس ومبادئ جديدة تحافظ على حقوق العمال، ودون أن تنتقص من عمليات الإنتاج،  فخرج قانون العمل إلى حيز النفاذ وتأثرت أحكامه بالمبادئ الاجتماعية التي حرصت على إعادة التوازن إلى علاقة العمل، وبالتالي انفصل قانون العمل عن القانون المدني في العديد من أحكامه، ومن هذا المنطلق أصبح قانون العمل فرعًا من فروع القانون العام له ذاتية خاصة ذات طابع حمائي.

ومن ثم نزولاً على ما سبق – فإن قانون العمل بمفهومه العام هو جملة التشريعات والإجراءات التي تهدف بشكل مباشر إلى إيجاد سبل للتفاهم بين كل من المسؤولين عن التوظيف في المؤسسات المختلفة وبين المتقدمين للوظائف والعاملين فيها، بحيث يضمن تعريف كل من هذه الأطراف بحقوقها وكذلك بواجباتها بصورة تضمن عدم ضياع حقوق أي منهم – علماً بأنه يعتبر أحد الفروع الرئيسية للقانون، ويدخل كعنصر رئيسي في القوانين المنظمة للأعمال الخاصة بكل دولة حول العالم، وفي حال نشوب الخلافات بين أطراف العمل يتمّ رفع هذه القضايا إلى القضاء للبت فيها  في ضوء نصوص قانونية وضعها المشرع خصيصاً حماية للعامل، ودرءاً للإجحاف بحقوقه الوظيفية، وذلك بخصائص ذاتية مميزة لتلك النصوص، والتي من أهمها الطبيعة الحمائية التي يتميز بها قانون العمل عن سائر القوانين الأخرى .

ثانياً: تعريف الطبيعة الآمرة الحمائية لقواعد قانون العمل

يتميز قانون العمل بذاتية خاصة تميزه عن غيره من فروع القانون، ويؤكد الفقه، والتشريع على أن ذاتية قانون معين تتحقق إذا بنيت قواعده وأسست على مجموعه من المبادئ الرئيسية المستقلة، التي تهدف إلى تحقيق غرض معين، لظروف اجتماعية معينة  – كتلك التي ينظمها قانون العمل والذي يحكم علاقة العمل وتحديد الالتزامات الملقاة على كلاً من العامل وصاحب العمل، وكذا حقوق كلاً منهما قبل الأخر، والتي تعتبر قواعده المنظمة لتلك العلاقة قواعد  أمرة تتعلق بالنظام العام الحمائي، وهذا على عكس معظم فروع القانون الخاص مثل القانون المدني الذي يحكمه أساساً مبدأ سلطان الِإرادة.

  • ولما كان من المستقر عليه أن الذي يحكم تشريع الدول هو دستور تلك الدول، والذي يتضمن جميع الأسس، والمبادئ، والأنظمة القانونية المختلفة التي تمتلكها الدولة، وتتجلى ذاتية قانون العمل الأردني وطبيعته الحمائية من خلال ما تضمنه نصوص الدستور الأردني، وما حواه من قواعد، مستهدفا في ذلك الحفاظ على حقوق، وحريات كافة شرائح المجتمع المختلفة – بقواعد أمرة وملزمة للمشرع لا يجوز بأي حال مخالفتها.

ومن أهم الفئات التي عني بها الدستور، واستهدف حمايتها هي الطبقة العاملة، وذلك ما أكده الدستور الأردني في المادة (23/2) على أن: ” تحمي الدولة العمل، وتضع له تشريعاً خاصاً يقوم على المبادئ التالية: –

  • إعطاء العامل أجراً يتناسب مع كمية عمله، وكيفيته.
  • تحديد ساعات العمل الأسبوعية، ومنح العامل راحة أسبوعية، وسنوية مع الأجر.

فضلاً عما تناوله في المادة (6) بشأن حماية العمال، والأجر، والمساواة بين المواطنين بالنص على أن: ” الأردنيون أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات، وإن اختلفوا في العرق، أو اللغة، أو الدين – وتكفل الدولة لهم العمل والتعليم ضمن حدود إمكانيتها، كما تكفل الطمأنينة، وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين” [[1]]

ثالثاً: الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الطبيعة الذاتية الحمائية لقانون العمل

يتميز قانون العمل عن غيره من القوانين الأخرى بارتكازه وقيامه على مجموعة من المبادئ والأُسس الخاصة به، والتي على رأسها ومن أهمها: مبدأ حرية العمل، ومبدأ استقرار علاقات العمل، ومبدأ الطابع الحيوي للأجر – وسوف نعرض لهذه المبادئ بإيجاز توضيحي في السطور القادمة: –

المبدأ الأول/ مبدأ حرية العمل

قام مبدأ حرية العمل  في الأنظمة والدساتير الحديثة، وتشريعات العمل المقارنة، والاتفاقات الدولية، وكذا في التفسيرات الفقهية والقضائية –  كرد فعل لتسلط أصحاب الأعمال في ظل فترة الإقطاع، ونظام الطوائف وما بعدهما وصولاً إلى الثورة الصناعية وما خلفتها من تسلط أصحاب الأعمال على العمال، ويعني مبدأ حرية العمل أن العامل حر في أن يعمل أو لا يعمل، وإذا قرر العمل فمن حقه أن يختار صاحب العمل الذي يعمل تحت إدارته وتوجيه وإشرافه، وإذا اختار العامل صاحب العمل الذي يعمل لديه، يبقى من حقه أن يختار العمل الذي يتناسب ويتفق مع إمكاناته، ومؤهلاته، وقدراته ورغباته .

 ويترتب على هذا المبدأ قاعدتان هامتان من القواعد ذات الطابع الحمائي للعامل: –

تتمثل القاعدة الأولى في: – عدم جواز إجبار الشخص على العمل مهما كانت الأسباب والدوافع، وما يتماثل معها من عدم جواز تكليف العامل بعمل آخر غير المتفق عليه إلا في الأحوال الاستثنائية التي ينص عليها القانون، وفي أضيق الحدود.

ويتضح من ذلك أن كل عمل يؤديه الشخص خارج نطاق وظيفته، وعلى غير إرادته هو من قبيل العمل الجبري المحذور قانوناً، وعلى الرغم من النص على ذلك بالتشريعات القانونية الدولية المختلفة، فضلاً عن الاتفاقيات والمواثيق الدولية أيضاً – إلا أن مظاهر العمل الجبري، أو القسري ما زالت موجودة في جميع مواطن العالم وأركانه ولكن بدرجات ومظاهر متغيرة ومتفاوتة، وهو ما يشكل خرقاً واضحاً وجلياً لمبدأ حرية العمل. [[2]]

وهذا ما أكد عليه الدستور الأردني، وأفرده في المادة (23) منه حينما قرر: – ” اعتبار حق العمل حقاً للمواطنين، وألزم سلطات الدولة بتوفيره لجميع المواطنين، فضلاً عما أورده بشأن حماية الدولة وضمانها لحق العمل، وتقرير حقوق العمال بوضع تشريع يرتكز على ذاتية خاصة بخصائص معينة تحمي العمال وحقوقهم”.

أما عن القاعدة الثانية: – فتتعلق بتقييد شرط عدم المنافسة بضوابط وقيود تضمن عدم إهدار مبدأ حرية العمل للعامل، ومن تلك الضوابط والقيود أن يكون لصاحب العمل مصلحة حقيقية مشروعه من وراء اشتراطه لهذا الشرط، فإن انعدمت مصلحة صاحب العمل بطل الشرط، واسترد العامل حريته في أي مجال مهني أو وظيفي، ولما كان هذا شرط عدم المنافسة يمثل أهمية بالغة بشأن حقوق العامل والحد منها، فكان لزاماً أن نقف على الطبيعة القانونية له ومدى نفاذ حجيته في حق العامل، وكذا الضوابط والقيود التي ترد عليها في النقاط التالية: –

أ – الطبيعة القانونية لشرط عدم المنافسة

من المتفق عليه باﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﻌﺎﻣﺔ أن اﻟﻌﻘﺪ ﺷﺮﯾﻌﺔ اﻟﻤﺘﻌﺎﻗﺪﯾﻦ، وأن ﻛﻞ طﺮف ﻣﻦ أطراف اﻟﻌﻘﺪ ﻟﮫ اﻟﺤﻖ ﺑﺎﻻﺗﻔﺎق ﻣﻊ اﻟﻄﺮف اﻵﺧﺮ ﻓﻲ وﺿﻊ اﻟﺸﺮوط اﻟﺘﻲ إرﺗﻀﻮا ﺑﮭﺎ، وإﺗﻔﻘﻮا ﻋﻠﯿﮭﺎ، وأﻻ ﺗﻜﻮن اﻟﺸﺮوط ﺑﺎطﻠﺔ، وأن ﺗﻜﻮن ﻣﻮاﻓقة لما أوجبته النصوص اﻠﻘﺎﻧﻮنية، وأﻻ ﺗﻜﻮن ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﻟﻠﺪﺳﺘﻮر، وﺧﺎﺻﺔ ﻋﻘﻮد اﻟﻌﻤﻞ، إذ أن ھﺬا اﻟﻌﻘﺪ ﯾﺮﺗﺐ اﻟﺘﺰاﻣﺎت ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ واﻟﻌﺎﻣﻞ، وﻗﺪ ﯾﺘﻔﻖ اﻟﻄﺮﻓﺎن ﻋﻠﻰ ﺷﺮط ﻋﺪم اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ اﺳﺘﻨﺎداً إﻟﻰ اﻟﻤﺎدة (818، 819) ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻷردﻧﻲ إﻻ أن ھﺬا اﻻﺗﻔﺎق ھﻮ ﻗﯿﺪ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ وﯾﺼﻄﺪم ﺑﺎﻟﻤﺎدة (23) ﻣﻦ اﻟﺪﺳﺘﻮر اﻷردﻧﻲ، واﻟﻤﺎدة (23) ﻣﻦ اﻹﻋﻼن اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻟﺤﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن، واﻟﻤﺎدة (4) ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮن اﻟﻌﻤﻞ.

وﯾﺠﺐ  ﻋﻨﺪ ﺗﻄﺒﯿﻖ ھﺬا اﻻﺗﻔﺎق أن ﯾﺆﺧﺬ ﺑﻌﯿﻦ اﻻﻋﺘﺒﺎر أﻧﮫ ﻗﯿﺪ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ، وﺷﺮط اﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻲ وﺿﻊ ﻟﻤﺼﻠﺤﺔ ﻣﺸﺮوﻋﺔ ﻟﺼﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ، بحيث ﻻ ﯾﻜﻮن ﻗﯿﺪاً ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﻤﻞ، أو أن ﯾﺤﺒﺲ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻋﻦ اﻟﻌﻤﻞ ﻧﺘﯿﺠﺔ وجود ھﺬا اﻟﺸﺮط، وأن ﻻ ﯾﻜﻮن اﻟﮭﺪف ﻣﻦ ھﺬا اﻟﺸﺮط ھﻮ إﺟﺒﺎر اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﺒﻘﺎء باﻟﻌﻤﻞ رغماً عنه، أو أن ﯾﺤﺒﺲ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻋﻦ اﻟﻌﻤﻞ ﻧﺘﯿﺠﺔ ھﺬا اﻟﺸﺮط، كما يجب أن ﯾﻜﻮن ﻣﻘﺎﺑﻞ ذﻟﻚ ﺗﻌﻮﯾﺾ ﻟﻠﻌﺎﻣﻞ ﻓﻲ ﺣﺎﻻت ﻣﻌﯿﻨﺔ، وأن ﯾﻜﻮن ﻟﻠﻘﻀﺎء دور ﻓﻲ اﻻﺗﻔﺎق وﺗﻔﺴﯿﺮه ﺗﻔﺴﯿﺮاً ﺿﯿﻘﺎً ﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﺣﺘﻰ ﻻ ﺗﻜﻮن ھﻨﺎك ﺑﻄﺎﻟﺔ – إذ أن ﻛﺜﯿﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﮭﻦ واﻟﺤﺮف واﻟﺼﻨﺎﻋﺎت ﺣﺎﻟﯿﺎً ﻟﯿﺴﺖ أﺳﺮاراً ﯾﻤﻜﻦ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﯿﮭﺎ، ﻧﻈﺮاً ﻟﻠﺘﻘﺪم اﻟﻌﻠﻤﻲ واﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻲ وﺳﮭﻮﻟﺔ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﯿﮭﺎ.[3]

 الضوابط والقيود التي ترد على شرط عدم المنافسة كضمانة لعدم إهدار مبدأ حرية العمل 

جاءت اﻟﻤﺎدﺗﯿﻦ (818، 819) ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻷردﻧﻲ: لتنظم إﻟﺘﺰام اﻟﻌﺎﻣﻞ ﺑﻌﺪم ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﻌﺪ اﻧﺘﮭﺎء اﻟﻌﻘﺪ، وﻟﯿﺲ ﺧﻼل ﻓﺘﺮة اﻟﻌﻤﻞ – إذ ﻻ ﯾﺤﺘﺎج ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻟﺼﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﺧﻼل ﻓﺘﺮة ﻋﻤﻠﮫ إﻟﻰ ﻧﺺ ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ، إذ ﯾﻌﺪ ذﻟﻚ ﻣﻦ اﻻﻟﺘﺰاﻣﺎت اﻟﻤﻠﻘاه ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ اﻟﻌﺎﻣﻞ للتفرغ ﻟﻌﻤﻠﮫ، واﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺮار اﻟﻌﻤﻞ اﺳﺘﻨﺎداً إﻟﻰ ﻣﺒﺪأ ﺣﺴﻦ اﻟﻨﯿﺔ اﻟﺬي ﯾﻔﺮﺿﮫ اﻟﻌﻘﺪ ﻋﻠﻰ أطﺮاف اﻟﻌﻼﻗﺔ [[4]]

وﻟﻢ ﯾﺮد ﻧﺺ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮن اﻟﻌﻤﻞ اﻷردﻧﻲ ﯾﺸﺘﺮط ﻓﯿﮫ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﺑﻌﺪم ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻋﻨﺪ اﻧﺘﮭﺎء ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ، إذ ورد ھﺬا اﻟﻨﺺ ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻷردﻧﻲ (اﻟﻔﻘﺮة /1ﻣﻦ اﻟﻤﺎدة818) التي نصت على أن : ” إذا ﻛﺎن اﻟﻌﺎﻣﻞ ﯾﻘﻮم ﺑﻌﻤﻞ ﯾﺴﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﺎﻻطﻼع ﻋﻠﻰ أﺳﺮار اﻟﻌﻤﻞ وﻣﻌﺮﻓﺔ ﻋﻤﻼء اﻟﻤﻨﺸﺄة – ﺟﺎز ﻟﻠﻄﺮﻓﯿﻦ أن ﯾﺘﻔﻘﺎ ﻋﻠﻰ أﻻ ﯾﺠﻮز ﻟﻠﻌﺎﻣﻞ أن ﯾﻨﺎﻓﺲ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ أو ﯾﺸﺘﺮك ﻓﻲ ﻋﻤﻞ ﯾﻨﺎﻓﺴﮫ ﺑﻌﺪ اﻧﺘﮭﺎء اﻟﻌﻘﺪ “، وكذا (اﻟﻔﻘﺮة /2) من ذات المادة ﻋﻠﻰ أن : اﻻﺗﻔﺎق ﻻ ﯾﻜﻮن ﻣﻘﺒﻮﻻً إﻻ إذا ﻛﺎن ﻣﻘﯿﺪاً ﺑﺎﻟﺰﻣﺎن واﻟﻤﻜﺎن، وﻧﻮع اﻟﻌﻤﻞ ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﻀﺮوري ﻟﺤﻤﺎﯾﺔ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ ﻟﺼﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ.

ثم لحقتها اﻟﻤﺎدة (819) ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ الأردني بالنص على أن: “إذا اﺗﻔﻖ اﻟﻄﺮﻓﺎن ﻋﻠﻰ ﺗﻀﻤﯿﻦ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻹﺧﻼل ﺑﺎﻻﻣﺘﻨﺎع ﻋﻦ اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ ﺗﻀﻤﯿﻨﺎً ﻣﺒﺎﻟﻐﺎً ﻓﯿﮫ ﺑﻘﺼﺪ إﺟﺒﺎره ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻘﺎء ﻟﺪى ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻛﺎن اﻟﺸﺮط ﻏﯿﺮ ﺻﺤﯿﺢ”.

ومن خلال قراء نص المادة (818) من القانون المدني سالف الإشاره إليه يتضح أنه لا يجوز أن يكون المنع مطلقاً، بل يجب أن يكون محدد بمدة زمنية معقولة، فلا يجوز أن تكون المدة أبدية، أو مطلقة، ومسألة ما إذا كانت مدة المنع معقولة أم لا يفصل فيها قاضي الموضوع في ظل الظروف، والملابسات المحيطة بالعمل. [[5]]

وﻛﺬﻟﻚ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻟﻤﺼﺮي باﻟﻤﻮاد (259)، (686)، (687) أﯾﻀﺎً ﻧﺺ ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻟﻘﯿﺪ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﻌﺪ اﻧﺘﮭﺎء ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ، ” ﺷﺮط اﻻﺗﻔﺎق ﺑﻌﺪم اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ “، إذ ﯾﻜﺜﺮ ھﺬا اﻟﺸﺮط ﻓﻲ اﻟﻌﻘﻮد اﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﺼﻨﺎﻋﺎت اﻟﻜﯿﻤﺎوﯾﺔ، وﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻮﺳﻄﺎء اﻟﺘﺠﺎرﯾﯿﻦ، وﻛﺒﺎر اﻟﻌﺎﻣﻠﯿﻦ ﻓﻲ اﻷﻋﻤﺎل اﻟﻤﺼﺮﻓﯿﺔ.

كما أن شرط عدم المنافسة الذي يلزم فيه العامل تجاه صاحب العمل مبنياً على مبدأ حسن النية في تنفيذ العقد، وإحترام القاعده الفقهيه بأن العقد شريعة المتعاقدين، في أن يحافظ العامل على أسرار العمل أياً كانت طبيعة تلك الأسرار تجارية كانت، أو صناعية، أو معلوماتية – على أن تكون تلك الأعمال سرية بالنسبة لصاحب العمل، أو مهارة في العمل إطلع العامل على تفاصيلها، مما قد تؤثر على صاحب العمل بشكل سلبي إن قام العامل بإذاعتها، وإفشائها بعد إنتهاء عقد العمل وﺑﺎﻟﺮﻏﻢ أن ھﺬا اﻟﺸﺮط ﻓﻲ ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ ﯾﻌﺘﺒﺮ ﻗﯿﺪاً ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﻤﻞ، أو ﺣﺮﯾﺔ اﻟﺘﺠﺎرة – إﻻ أﻧﮫ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ اﻟﺘﺴﻠﯿﻢ ﺑﺈﻏﻼق اﻟﺒﺎب أﻣﺎم أﺻﺤﺎب اﻟﻌﻤﻞ، وﻋﺪم اﻻﻋﺘﺮاف ﺑﻤﺜﻞ ھﺬه اﻟﺸﺮوط ﻟﻤﺎ ﻗﺪ ﯾﻠﺤﻖ إﺿﺮار ﺑﮭﻢ في حالة إطلاع اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻋﻠﻰ أﺳﺮار اﻟﻌﻤﻞ والخشية من إفشائها، فكان لزاماً ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺸﺮع أن ﯾﺘﺪﺧﻞ، وﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ ﻟﺼﺤﺔ ھﺬا اﻟﺸﺮط ﻟﻠﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﻤﻞ واﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ، إﻻ أن ھﺬه اﻟﻨﺼﻮص اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﯿﺔ ﻟﻢ ﺗﻀﻊ ﻣﻌﺎﯾﯿﺮ ﻟﮭﺬه اﻟﺸﺮوط اﻟﺘﻲ أوردﺗﮭﺎ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ، وﺗﺮﻛﺖ ذﻟﻚ ﻟﺤﺮﯾﺔ اﻟﻘﺎﺿﻲ وأھﻞ اﻟﺨﺒﺮة ﻓﻲ ﺗﻘﺪﯾﺮ ھﺬه اﻟﺸﺮوط وﺑﯿﺎن ﻓﯿﻤﺎ إذا ﻛﺎﻧﺖ ھﺬه اﻟﺸﺮوط ھﻲ ﺷﺮوط ﺑﺎطﻠﺔ أم ﺻﺤﯿﺤﺔ، في ضوء اﻟﺒﯿﺎﻧﺎت اﻟﻤﻘﺪﻣﺔ ﻓﻲ الخصومه أمام القضاء ومستنداتها ﻟﺘﻄﺒﯿﻖ ھﺬه اﻟﺸﺮوط – تلك الشروط المتمثلة في الأتي:-

 الشرط الأول: وجود مصلحة مشروعة لصاحب العمل من الشرط : يجب لصحة شرط عدم المنافسة – أن يكون لصاحب العمل مصلحة حقيقية مشروعة من وراء اشتراطه لهذا الشرط بعقد العمل، فإن انعدمت مصلحته في ذلك بطل الشرط، وإسترد العامل حريته في العمل في أي مجال، ولم تقتصر معظم التشريعات العربية على ذلك، بل أوضحت المعيار التي تُقاس به هذه المشروعية – إذ ﻧﺼﺖ اﻟﻔﻘﺮة ( ب/ ﻣﻦ اﻟﻤﺎدة 19)  ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮن اﻟﻌﻤﻞ اﻷردﻧﻲ : “ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺎﻣﻞ  اﻟﻤﺤﺎﻓﻆة ﻋﻠﻰ أﺳﺮار ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﺼﻨﺎﻋﯿﺔ واﻟﺘﺠﺎرﯾﺔ، وأن ﻻ ﯾﻔﺸﯿﮭﺎ ﺑﺄي ﺻﻮرة ﻣﻦ اﻟﺼﻮر وﻟﻮ ﺑﻌﺪ إﻧﻘﻀﺎء ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ وﻓﻘﺎً ﻟﻤﺎ ﯾﻘﺘﻀﯿﮫ اﻻﺗﻔﺎق أو اﻟﻌﺮف” –  إذ هنا فقط  تتوافر الحكمة من المنع، والمتمثلة في الخشية من إستغلال العامل لأسرار العمل أو صلته بالعملاء في منافسة صاحب العمل، أما إذا كان العمل الموكول إلى العامل لا يتضمن إطلاعاً  على أسرار، أو صلة بعملاء العمل فتنعدم كل مصلحة لصاحب العمل في اشتراط عدم المنافسة، وإذا انعدمت المصلحة على هذا النحو بطل الشرط ، وصح العقد ما لم يكن الشرط هو الباعث الدافع على التعاقد فهنا يبطل الشرط والعقد معاً، لأن الشرط هنا ظهر كسبب للعقد.

الشرط الثاني: رضاء الطرفين ﻋﻠﻰ ﻋﺪم اﻟﻤﻨﺎفسة

ﯾﺸﺘﺮط ﻟﻐﺎية اﻷﺧﺬ ﺑإﺗﻔﺎق اﻟﻌﺎﻣﻞ وﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺷﺮط ﻋﺪم اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ ﻓﻲ ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ المحرر بينهما أن ﯾﻜﻮن ھﻨﺎك ﺗﺮاﺿﻲ ﻓﯿﻤﺎ ﺑﯿﻦ اﻟﻌﺎﻣﻞ وﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ھﺬا وجود هذا اﻟﺸﺮط وإعمال أثاره، وذﻟﻚ ﺑﻌﺪ اﻧﻘﻀﺎء ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ، وأن ﯾﺘﻀﻤﻦ ھﺬا اﻟﻌﻘﺪ اﺗﻔﺎﻗﺎً كتابياً صريحاً ﻋﻠﻰ ﻋﺪم اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ، ولكن ﻻ ﯾﺸﺘﺮط ﻟﮭﺬا اﻻﺗﻔﺎق ﺻﯿﻐﺔ ﺧﺎﺻﺔ [ ]- إذ ﯾﺠﺐ أن ﯾﺒﯿﻦ ﻓﻲ اﻟﻌﻘﺪ ﺑﻮﺿﻮح إرادة اﻟﻄﺮﻓﯿﻦ إﻟﻰ ﻣﻨﻊ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﻨﻔﺲ اﻟﻌﻤﻞ واﻟﺬي ﻣﺎرﺳﮫ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﺧﻼل ﻓﺘﺮة ﻋﻤﻠﮫ، أو إﻟﻰ عدم ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻦ طﺮﯾﻖ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻋﻤﻼء ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻣﻊ ﺗﺤﺪﯾﺪ اﻟﺰﻣﺎن واﻟﻤﻜﺎن، وﻧﻮع اﻟﻌﻤﻞ، وﻛﺬﻟﻚ ﻋﺪم ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﺄن ﻻ ﯾﻌﻤﻞ ﻟﺪى ﺟﮭﺔ أو ﺷﺮﻛﺔ أﺧﺮى أو اﻟﻘﯿﺎم ﺑﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻣﺆﺳﺴﺔ أﺧﺮى تعمل بذات المجال، أو أن ﯾﻘﻮم ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ ﻟﺤﺴﺎﺑﮫ اﻟﺨﺎص ﺑﻤﺸﺮوع ﻣﻨﺎﻓﺲ ﻟﺼﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ.

وأﯾﺎً ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺼﻮرة اﻟﺘﻲ ﯾﺘﺨﺬھﺎ شكل هذا اﻻﺗﻔﺎق، ﻓﺈن ھﺬا اﻟﺸﺮط ﯾﻨﻈﺮ إﻟﯿﮫ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره ﻗﯿﺪاً ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ وﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﺘﺠﺎرة، وحركة الإقتصاد وتعطيل عجلته الإنتاجيه.

 الشرط الثالث: أهلية العامل للتعاقد

ﯾﺸﺘﺮط اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻷردﻧﻲ – وبشكل عام وﻗﺖ إﺑﺮام اﻟﻌﻘﺪ أن ﯾﻜﻮن اﻟﻤﺘﻌﺎﻗﺪ ﺑﺎﻟﻐﺎً ﺳﻦ اﻟﺮﺷﺪ، وذلك ﺣﺘﻰ ﯾﺪرك اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻣﺎھﯿﺔ اﻟﺸﺮط اﻟﺬي ﺗﻢ اﻻﺗﻔﺎق ﻋﻠﯿﮫ ﻓﻲ ﻋﻘﺪ اﻟﻌﻤﻞ وقت اﻟﺘﻌﺎﻗﺪ، ونحن بصدد هذا الشرط يثار تساؤل: ھﻞ ﯾﺤﻖ ﻟﻠﻮﻟﻲ أو اﻟﻮﺻﻲ أن ﯾﻮاﻓﻖ ﻋﻠى ھﺬا اﻟﺸﺮط ﻓﯿﻤﺎ إذا ﻛﺎن اﻟﻤﺘﻌﺎﻗﺪ ﻟﻢ ﯾﺒﻠﻎ ﺳﻦ اﻟﺮﺷﺪ؟؟؟

وإﺟﺎﺑﺔ ھﺬا اﻟﺴﺆال هي إعتبار هذا  اﻟﺸﺮط ﺑﺎطﻞ بطلاناً مطلقاً لا يجوز الأخذ به أو التعويل عليه قانوناً، ومن ثم فيحق للعامل اﻟﺬي ﻟﻢ ﯾﺒﻠﻎ ﺳﻦ اﻟﺮﺷﺪ، أو ﻛﺎﻣﻞ اﻷھﻠﯿﺔ أن ﯾﺘﻤﺴﻚ ﺑﺒﻄﻼن ھﺬا اﻟﺸﺮط ﻓﻲ أي ﺣﺎﻟﺔ كانت ﻋﻠﯿﮭﺎ اﻟﺪﻋﻮى – واﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻦ ﺗﺸﺪد اﻟﻤﺸﺮع ﺑﺘﻄﻠﺐ اﻷھﻠﯿﺔ اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻟﺼﺤﺔ اﻟﺸﺮط ھﻲ ﺧﻄﻮرة ھﺬا اﻟﺸﺮط ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ في العمل اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺪ ﻣﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎم، ﺣﺘﻰ ﯾﻜﻮن اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻋﻠﻰ ﺑﯿﻨﺔ ﻣﻦ أﻣﺮه ﻣﺪرﻛﺎً ﻟﻠﻨﺘﺎﺋﺞ اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ھﺬا اﻻﺗﻔﺎق، وترتيباً على ذلك ﻓﺈن إﺑﺮام ﻋﻘﺪ متضمن لهذا الشرط ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻗﺎﺻﺮ ﯾﻜﻮن اﻟﻌﻘﺪ ﺻﺤﯿﺤﺎً منتجاً لكافة أثاره القانونية وﻟﻜﻦ اﻟﺸﺮط ﺑﺎطﻞ.

اﻟﺸﺮط اﻟﺮاﺑﻊ: أن ﯾﻜﻮن اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻤﻮﻛﻮل إﻟﻰ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﯾﺴﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﻤﻌﺮﻓﺔ ﻋﻤﻼء ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ أو اﻻطﻼع ﻋﻠﻰ أﺳﺮار أﻋﻤﺎﻟﮫ: ﺟﺎء ھﺬا اﻟﻨﺺ صراحة ﻓﻲ اﻟﻔﻘﺮة/1ﻣﻦ اﻟﻤﺎدة (818) ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ الأردني حين قررت أنه : “إذا ﻛﺎن اﻟﻌﺎﻣﻞ ﯾﻘﻮم ﺑﻌﻤﻞ ﯾﺴﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﺎلإطﻼع ﻋﻠﻰ أﺳﺮار اﻟﻌﻤﻞ وﻣﻌﺮﻓﺔ ﻋﻤﻼء اﻟﻤﻨﺸﺄة – ﺟﺎز ﻟﻠﻄﺮﻓﯿﻦ أن ﯾﺘﻔﻘﺎ ﻋﻠﻰ أﻻ ﯾﺠﻮز ﻟﻠﻌﺎﻣﻞ أن ﯾﻨﺎﻓﺲ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ أو ﯾﺸﺘﺮك ﻓﻲ ﻋﻤﻞ ﯾﻨﺎﻓﺴﮫ ﺑﻌﺪ اﻧﺘﮭﺎء اﻟﻌﻘﺪ، ذﻟﻚ أن ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ اﻟﻤﻮﻛﻞ إﻟﯿﮫ اﻟﻌﻤﻞ ﻟﻌﻤﻼء ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ، أو ﻷﺳﺮاره ھﻲ اﻟﺘﻲ ﯾﺨﺸﻰ ﻣﻌﮭﺎ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻟﺼﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﻌﺪ اﻧﻘﻀﺎء اﻟﻌﻘﺪ وﻟﻜﻦ إذا ﻟﻢ ﯾﻜﻦ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﯾﻌﻤﻞ ﺑﻌﻤﻞ ﻻ ﯾﻤﻜﻨﮫ، أو ﯾﺴﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﻤﻌﺮﻓﺔ أﺳﺮار اﻟﻌﻤﻞ أو ﻋﻤﻼء ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ‘ ﻓﺈن ھﺬا الحال ﯾﻌﻔﻰ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻣﻦ ﻋﺪم اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ، وﻟﯿﺲ ﻟﺼﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺟﺪﯾﺔ ﺗﺒﺮر اﻟﺤﺪ ﻣﻦ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ بشأن هذا الصدد [ ] – هذا وقد إﻋﺘﺒﺮ اﻟﻤﺸﺮع اﻟﻤﺼﺮي أن اﻟﺸﺮط اﻟﺬي ﯾﻨﺺ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻊ اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ إذا ﻛﺎﻧﺖ طﺒﯿﻌﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻻ ﺗﺴﻤﺢ ﻟﮫ ﺑﺎلإطﻼع ﻋﻠﻰ أﺳﺮار ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ، أو ﻋﻤﻼؤه ﯾﻌﺘﺒﺮ ﺑﺎطﻼً. ”

(الشرط الخامس) أن ﯾﻜﻮن اﻟﻤﻨﻊ من المنافسه  ﻧﺴﺒﯿﺎً  وليس على إطلاقه: لما كانت اﻟﻔﻘﺮة /2 ﻣﻦ اﻟﻤﺎدة (818) ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻷردﻧﻲ تنص ﻋﻠﻰ أن : “اﻻﺗﻔﺎق على المنع من المنافسه ﻻ ﯾﻜﻮن ﻣﻘﺒﻮﻻً إﻻ إذا ﻛﺎن ﻣﻘﯿﺪاً ﺑﺎﻟﺰﻣﺎن واﻟﻤﻜﺎن، وﻧﻮع اﻟﻌﻤﻞ ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﻀﺮوري ﻟﺤﻤﺎﯾﺔ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ ﻟﺼﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ”.

وأﻣﺎ اﻟﻤﻨﻊ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﺰﻣﺎن: فقد إﺷﺘﺮط اﻟﻤﺸﺮع اﻷردﻧﻲ ﺳﺮﯾﺎن ھﺬا اﻟﺸﺮط ﻟﻤﺪة زﻣﻨﯿﺔ ﻣﻌﯿﻨﺔ، إذ ﻻ ﯾﺠﻮز أن ﯾﻜﻮن اﻟﻤﻨﻊ ﻣﻄﻠﻘﺎً، بل يجب أن ﯾﺤﺪد بمدة زﻣﻨﯿﺔ ﻣﺤﺪدة وﻣﻌﻘﻮﻟﺔ، إذ ﻻ ﯾﺠﻮز أن يكون المنع ﻣؤبداً أو مطلقاً، وإﻻ ﻋﺪ ھﺬا اﻟﺸﺮط  ﺑﺎطﻼً، وﻗﯿﺪاً ﻋﻠﻰ ﺣﺮﯾﺔ اﻟﻌﺎﻣﻞ، واﻟﺘﺠﺎرة، والإقتصاد[ ]

أﻣﺎ اﻟﻤﻨﻊ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﻜﺎن: فصاحب اﻟﻌﻤﻞ ذو ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻣﺸﺮوﻋﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﻊ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻻت اﻟﻤﺬﻛﻮرة ﺳﺎﺑﻘﺎً ﻓﻲ اﻟﻤﻜﺎن اﻟﺬي ﯾﺒﺎﺷﺮ ﻓﯿﮫ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻋﻤﻠﮫ فقط، وﻻ ﯾﻤﺘﺪ لأي مكان أخر لا يوجد ﻧﺸﺎط لصاحب اﻟﻌﻤﻞ فيه، كما لا يجوز أن يمتد لكافة أﻧﺤﺎء اﻹﻗﻠﯿﻢ أو اﻟﺪوﻟﺔ، وﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ورود ھﺬا اﻟﺸﺮط

ﻋﻠﻰ ﻛﺎﻓﺔ إﻗﻠﯿﻢ اﻟﺪوﻟﺔ ﻓﺈن ھﺬا اﻟﺸﺮط يقع ﺑﺎطﻼً، وﻗﺪ أﺻﺪرت ﻣﺤﻜﻤﺔ اﻟﺘﻤﯿﯿﺰ اﻷردﻧﯿﺔ ﻓﻲ ﻗﺮاراً لها بما مؤداه: ان الإﺳﺘﺜﻨﺎء واﻟﻘﯿﺪ اﻟﻮارد ﻓﻲ اﻟﻤﺎدة (818 ) ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻷردﻧﻲ ﻗﺼﺪ ﺑﮫ ﺣﻤﺎﯾﺔ ﻣﺼﻠﺤﺔ رب اﻟﻌﻤﻞ – ﻓﯿﺠﺐ ان ﯾﻜﻮن ھﺬا اﻟﻘﯿﺪ ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﻀﺮوري ﻓﻘﻂ ﻟﺤﻤﺎﯾﺔ اﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ ﻟﺮب اﻟﻌﻤﻞ، وذلك حيث أن المنع بكامل تراب الجمهورية، ولمدة خمس سنوات سيحرمه من حق العمل الذي تكفل له الدستور بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان بفصله الثالث والعشرون، والإتفاقية الدولية للتشغيل رقم( 122)، أﻣﺎ ﻧﺴبية ﺷﺮط اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ ﻧﻮع اﻟﻌﻤﻞ: فلا ﯾﺘﺤﻘﻖ ﺷﺮط اﻟﻤﻨﻊ من اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ إذا ﻟﻢ ﯾﺘﻢ ﺗﺤﺪﯾﺪ الأعمال، فلابد من قصر اﻟﻤﻨﻊ ﻋﻠﻰ اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺘﻲ ﯾﺒﺎﺷﺮھﺎ اﻟﻌﺎﻣﻞ فقط اﻟﺘﻲ ﻟﮭﺎ ﺻﻠﺔ ﺑﻨﺸﺎط ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ، وأﯾﻀﺎ ﯾﺠﺐ أن ﯾﻜﻮن اﻟﻤﻨﻊ ﻣﺤﺪداً ﺑﺎﻟﻘﺪر اﻟﻀﺮوري ﻟﺤﻤﺎﯾﺔ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ، واذا وﻗﻊ اﻟﻤﻨﻊ ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻓﺈﻧﮫ ﯾﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﺑﻄﻼن ﺷﺮط ﻋﺪم اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ.

اﻟﺸﺮط اﻟﺴﺎدس: ﯾﺠﺐ اﻻ ﯾﻘﺘﺮن الإﺗﻔﺎق ﺑﻌﺪم اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ ﺑﺸﺮط ﺟﺰاﺋﻲ ﻣﺒﺎﻟﻐﺎ ﻓﯿﮫ: وهذا الشرط جاء هدياً لما أوردته ﻧص اﻟﻤﺎدة (819) ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻻردﻧﻲ بمقالة: ” اذا إﺗﻔﻖ اﻟﻄﺮﻓﺎن ﻋﻠﻰ ﺗﻀﻤﯿﻦ اﻟﻌﺎﻣﻞ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻹﺧﻼل ﺑﺎﻻﻣﺘﻨﺎع ﻋﻦ اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ ﺗﻀﻤﯿﻨﺎ ﻣﺒﺎﻟﻐﺎ ﻓﯿﮫ ﺑﻘﺼﺪ اﺟﺒﺎره ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻘﺎء ﻟﺪى ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻤﻞ ﻛﺎن اﻟﺸﺮط ﻏﯿﺮ ﺻﺤﯿﺢ”.

المبدأ الثاني/ مبدأ استقرار علاقات العمل

 يعد مبدأ استقرار علاقات العمل من أهم المبادئ ذات الثقل في صياغة، وتفسير، وتطبيق تشريعات العمل في كافة دول العالم تقريباً، ويعني هذا المبدأ وجوب كفالة الثبات، والاستقرار لعلاقات العمل كلما أمكن ذلك، ويترتب على هذا المبدأ الأصولي مجموعة من القواعد المهمة يجب مراعاتها نخص منها بالذكر: قاعدة عدم مشروعية الإنهاء التعسفي، وقاعدة وجوب تحديد شرط الاختبار بمدة معينة، وعدم جواز تعيين العامل تحت الاختبار أكثر من مرة لدى نفس جهة العمل، وقاعدة أن التجديد الضمني لعقد العمل المحدد المدة يُحوله إلى عقد غير محددة ولو ذُكرت فيه مدة معينة، وعدم جواز إنهاء العقد المحدد المدة إلا بنهاية مدته، أو إنجاز العمل الذي أٌبرم العقد من أجله، وهو ما نتولى بيانه على التفصيل في فروع ثلاثة على النحو التالي:

(الفرع الأول) قاعدة عدم مشروعية الإنهاء التعسفي لعلاقة العمل:

يعني مبدأ استقرار علاقة العمل بقاء هذه العلاقة قائمة مستمرة، وعدم جواز إنهائها إلا للأسباب المشروعة التي يقرها القانون كسبب للإنهاء، فإذا انعدم وجود المبرر المشروع لحل عري علاقة العمل أصبح قرار الإنهاء تعسفياً، وكان حرياً بالإلغاء وموجباً للتعويض.

وقد تناول المشرع الأردني موضوع الفصل التعسفي في قانون العمل حيث نص في المادة (25) منه على أنه : – ” إذا وجدت المحكمة المختصة في دعوى أقامها العامل خلال ستين يوماً من تاريخ عزله أن الفصل كان تعسفيا ومخالفة لأحكامه، فيجوز لها أن تأمر صاحب العمل بإعادته إلى وظيفته الأصلية، أو بدفع تعويض له يعادل راتب أجر نصف شهر عن كل سنة من سنوات الخدمة بحد أدنى لا يقل عن راتب شهرين، فضلاً عن مقابل مهلة الإخطار وباقي المستحقات الأخرى المنصوص عليها في المادتين (32 و 33 ) من هذا القانون – على أن يتم احتساب التعويض على أساس آخر أجر يتقاضاه العامل.

الفرع الثاني: ذاتية التنظيم القانوني لشرط الاختبار وطابعه الحمائي:

  في كثير من الأحيان قد لا يرغب أصحاب الأعمال في إبرام عقد العمل منجزاً، بل يفضلون إبرامه معلقاً على شرط  ثبوت صلاحية العامل لأداء العمل المكلف وإتقانه ومهارته له، وإن كان الغالب أن يأتي شرط الاختبار من جانب صاحب العمل، فليس هناك ما يمنع من اشتراطه من جانب العامل كذلك بهدف التعرف إلى ظروف جهة العمل المقدم على العمل لديها، وعلى أوصاف ونوعية وبيئة العمل المكلف به، ومدى تناسب الأجر معه من عدمه، هذا ويمثل شرط الاختبار إذا تُرك دون ضوابط، خطورة كبيرة بالنسبة للعامل لما يسببه له من قلق وعدم استقرار[[6]]، لإنه لن يستطيع ترتيب حياته الاقتصادية والاجتماعية لمدة طويلة في ظل شرط الاختبار –  لما كان ما تقدم وكان وجود شرط الاختبار يعطي صاحب العمل صلاحية إنهاء العقد أثناء مدة الاختبار بإرادته المنفردة دون التقييد بالأحكام التي يقررها قانون العمل في هذا الشأن، فإن أصحاب الأعمال قد يسبغون هذا الوصف على عقود العمل ليحتفظوا لأنفسهم بتلك الصلاحية.

ولعل من المفيد بالذكر التمييز بين الامتحان الذي يخضع له العامل قبل إبرام عقد العمل وبين فترة التجربة المنصوص عليها في عقد العمل، والهدف من وراء وجود فترة تجربة في قانون العمل الأردني هو تحقيق مصلحة الطرفين، وبمعنى أدقّ إنّ من تَقرّر الشرط لمصلحته يحقّ له استخدامه إذا وجد نفسه غير ملائم للعقد، لكنْ من الناحية العمليّة تعدّ فترة التجربة في قانون العمل الأردني لها أهمية كبيرة بالنسبة لصاحب العمل؛ لأنه يتأكد بواسطتها من مدى قدرة العامل وكفاءته الوظيفية للقيام بالعمل المطلوب منه، وبخصوص مدة التجربة نص المشرع الأردني في المادة (24) من قانون العمل على أنه : ” لا يجوز تعيين العامل تحت الاختبار لمدة تزيد على ثلاثة تشهر لمن يتقاضى أجره شهرياً، ولمدة تزيد على شهر واحد لمن يتقاضى أجره على خلاف ذلك، ولا يجوز تعيين العامل تحت الاختبار أكثر من مرة لدى نفس صاحب العمل….. وفي جميع الأحوال يتعين تحديد مدة الاختبار إن وجدت في عقد العمل، ويجوز لأي من طرفي العقد إنهاؤه خلال مدة الاختبار إذا تبين له عدم ملاءمة الاستمرار في العمل، ولكن بعد إخطار الطرف الأخر بسبعة أيام على الأقل”.

ومن نافلة القول أن العقد الذي تضمّن شرط التجربة – يعدّ عقدَ عملٍ يلتزم العامل من خلاله بجميع الالتزامات المفروضة عليه تجاهَ ربّ العمل، وعلى صاحب العمل أن يوفّر للعامل جميع حقوقه المنصوص عليها في قانون العمل الأردني، وهذا يعني أن فترة التجربة مدفوعة الأجر، ولا يجوز أن يقلّ أجرها عن الحد الأدنى للأجور المنصوص عليها في قانون العمل.

 الفرع الثالث: خصوصية تجديد العقد المحدد المدة ووجوب الاستمرار في تنفيذه إلى نهاية مدته: اقتضى مبدأ استقرار علاقة العمل وجوب النص في كافة التشريعات الدولية على تحول عقد العمل المحدد المدة إلى عقد غير محدد المدة عند تجديده من ناحية، فضلاً عن عدم جواز إنهائه قبل نهاية مدته من ناحية أخرى، فقد تقرر أن الاستمرار في تنفيذ عقد العمل بعد انتهاء مدته يعد تجديداً ضمنياً له لمدة غير محددة، ولو حصل ذلك بتعاقد جديد يتضمن شروطاً ببنود جديدة، والعلة التي من أجلها تقرر هذا المبدأ هي الإسراع في استقرار علاقة العمل والقضاء على قلق العامل والخوف على مستقبله.

المبدأ الثالث / مبدأ الطابع الحيوي للأجر

لما كان من المسلم به والمستقر عليه أن شريحة العمال تعد من أكبر شرائح المجتمع، الأمر الذي يرتب بطريق اللزوم القانوني والمنطقي، ارتباط استقرار المجتمع بتوفير حماية حقيقية لتلك الشريحة من خلال حماية وتأمين مصدر رزقهم الوحيد المتمثل فيما يتقاضونه من أجر مقابل العمل ارتباطا لا يقبل التجزئة، مما ترتب عليه اهتمام كبير به على المستوى التشريعي ونظيره القضائي، ومن ثم فقد نظّم المشرع الأردني قانون العمل بهدف إرساء قواعد قانونية لحماية العامل في عقد العمل، ولضمان عدم وضع أصحاب العمل في وضع شروط ظالمة بحق العامل، حيث أنّه عندما قام المشرع الأردني بتنظيم القواعد القانونية الخاصة بالعمل، قام بإعطاء العامل مجموعة من الحقوق وقضى ببطلان أي اتفاق على أي انتقاص يصيب تلك الحقوق، وجدير بالذكر أن من أهم تلك الحقوق – هي ” الحقوق المالية”

وقد نص قانون العمل الأردني على مجموعة من الحقوق المالية التي يتمتع بها العامل، ولو لم ينص عليها عقد العمل، ومن هذه الحقوق حق العامل في الحصول على أجره بما لا يقل عن الحد الأدنى للأجور، والذي تم زيادته في عام 2021 من مائتي وعشرون دينار إلى مائتي وستون دينار، كما يلزم صاحب العمل بدفع الأجر خلال 7 أيام من موعد استحقاقه، ومن الحقوق المالية الأخرى التي نص عليها قانون العمل الأردني مكافأة نهاية الخدمة – إذ يحق للعامل الحصول على مكافأة نهاية خدمة بما يعادل أجر شهر عن كل سنة من سنوات خدمته لدى صاحب العمل، إذا كان العامل غير خاضع لأحكام قانون الضمان الاجتماعي، أما في حال كان العامل خاضعًا لأحكام قانون الضمان الاجتماعي فلا يحق له الحصول على مكافأة نهاية الخدمة – ما لم ينص الاتفاق على غير ذلك.

ومن ثم فلا يجوز النزول بالأجر عن الحد الأدنى المنصوص عليه، ولو ارتضى العامل ذلك ؛ وذلك على اعتبار أن الحد الأدنى للأجر عادة ما يُقدر بالقدر الضروري اللازم لتوفير ضرورات الحياة للعامل وما يعول من أفراد أسرته، وإذا تضمن الاتفاق أجراً يقل عن الحد الأدنى المقرر للأجور بطل الشرط واستحق العامل الحد الأدنى وبقى العقد قائماً ومنتجاً لكافة أثاره، ومن نافلة القول للتذكير بإمكانية الاتفاق على زيادة أجر العامل عن الحد الأدنى المقرر قانوناً ؛ لأن ذلك في مصلحة العامل دائماً، كما من المقرر قانوناً  أنه لا يجوز بأي حال أن يزيد ما يقتطع من أجر العامل وفاءاً لما يكون قد اقترضه من صاحب العمل عن نسبة معينة اختلفت التشريعات الدولية فيها اختلافاً طفيفا بشأن تحديد مقدارها.

ومن أهم الحقوق التي أعطاها قانون العمل للعامل: هو عدم جواز إنهاء عقد العمل من قبل صاحب العمل إلا بطريقة مشروعة، فلا يجوز إنهاء عقد العمل محدد المدة قبل انتهاء مدته، وفي حال تم إنهاؤه قبل ذلك يستحق العامل باقي أجور المدة العقدية كاملةً، ما لم يكن إنهاء عقد العمل مستند لسبب مشروع، وفي حال إنهاء عقد العمل لسبب غير مشروع يستطيع العامل اللجوء إلى القضاء دون سداد أية رسوم أثناء المطالبة القضائية لاقتضاء حقوقه المالية المسلوبة منه.

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالطابع الحمائي لقانون العمل

1 –  حيث قضي في الحكم رقم حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1111لسنة 2018  (إن البند الخامس من بنود قانون العمل تم إيراده استنادا لنص المادة (818) من القانون المدني، وأن هذه المادة هي قيد واستثناء ورد على نص المادة (23) من الدستور، والذي هو القانون الأعلى في المرتبة، وقد كفلت حق العمل للجميع، والمادة (4/ب) من قانون العمل، وبالتالي فإن هذا القيد والاستثناء يجب فهمه وتفسيره في أضيق الحدود، وألا يتوسع في إطلاق ما تضمنه من أحكام، كون نص المادة (818) من القانون المدني استثناء، أو قيد قصد به مصلحة رب العمل، فيجب أن يكون هذا القيد بالقدر الضروري فقط لحماية المصالح المشروعة لرب العمل ومن القيود التي قيد بها المشرع شرط عدم المنافسة في المادة (818) من القانون المدني، وأن يكون العمل الذي مارسه العامل من شأنه أن يتيح له الاطلاع على أسرار العمل، والنشاط الذي يمارسه صاحب العمل، ومن ذلك معرفة عملاء المنشأة الخاصة برب العمل، كما قيد هذا الشرط من حيث الزمان والمكان، نوع العمل بالقدر الضروري فقط لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل).

2- قضي في الحكم رقم حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 203 لسنة 1998 (إثبات المميز ضده (العامل) من خلال بيانه أنه يقوم بعمله على الوجه المطلوب، وأنه كان جيداً في عمله، ولا يوجد عداء بينه وبين المميز (صاحب العمل)، وأن المميز قد أنهى عمله لديها دون سبب، وعليه وحيث أن المميز لم يرغب في تقديم أي بينه في هذه الدعوى، ولم تقدم ما يثبت أن فصل المميز ضده كان لأسباب مبرره في نظرها، فيكون الفصل تعسفياً موجباً للتعويض عملاً بأحكام المادة (25) من قانون العمل).

خامساً: الخاتمة

ختاما فان العمل هو واجب على كل عاقل، بالغ، قادر، ويجب أن يكون  العمل بضمير وبنية سليمة قويمة، وذلك لأن الله يحب اذا عمل احد عملاً فليتقنه وسوف يرفع الله من شأنه، ومن هذا المبدأ السليم، والركن الركين كان لزاماً وواجباً على الهيئات التشريعية، والقضائية معاً أن يصنعوا المناخ الآمن للعامل الذي يطمئن من خلاله بالعمل بجد واجتهاد وإخلاص عالماً بما ضمنه له المشرع من حقوق مادية ومعنوية قبل صاحب العمل، من خلال قواعد قانونية تنظيمية أمرة، لا يجوز بأي حال الاتفاق على مخالفتها، أو انتهاكها، وإلزام الأخير بها في حالة إخلاله بتلك الحقوق في حق العامل متى استحقت له، بل ومهد التشريع والقضاء، ويسراً معاً سبل إثبات تلك الحقوق من قبل العامل بطرق يسيرة وبكافة وسائل الإثبات لكونه الطرف الضعيف في مواجهة صاحب العمل، كما رتب المشرع طرق الجزاء المدنية، والجنائية في حالة مخالفة تلك القواعد القانونية الأمرة.

كتابة: الأستاذ محمد جلال

[1] المادة (23/2)، المادة (6) من الدستور الأردني وفقاً لأخر تعديلاته لعام 2022

[2] تقرير المدير العام لمنظمة العمل الدولية تحت عنوان ” تحالف عالمي لمكافحة العمل الجبري”  بمناسبة مؤتمر العمل الدولي –  الدورة (93) لسنة 2005، مكتب العمل الدولي جنيف.

[3] – ديب محمد، في شرط عدم المنافسة بشكل عام الالتزام بعدم المنافسة في علاقة العمل – مذكرة تخرج لنيل درجة الماجيستير في القانون الخاص – تخصص قانون العلاقات الاقتصادية – كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة وهران بالجزائر عام 2012/2013.

[4] – في هذا المعنى :  ﻗﺮار ﻣﺤﻜﻤﺔ اﻟﺘﻤﯿﯿﺰ اﻷردﻧﯿﺔ رﻗﻢ 1120/2014 ، بتارﯾﺦ 23/9/2014

[5] – إنظر د/محمد خليل يوسف أبو بكر- إلتزام العامل بعدم منافسة صاحب العمل بين الفقه والتشريع وأحكام القضاء، جامعة الزيتونة الأردنية، الأردن، صـ465.

[6] – ذات المعنى د / محمد بنداري – حماية العامل في مدة الاختبار- دراسة مقارنة في القانون الفرنسي، والمصري، والإماراتي – منشورات جامعة الإمارات – الطبعة الأولى 2004- صـ2.

Scroll to Top