قرارات التغريم الجمركية

قرارات التغريم الجمركية وفقاً للتشريع الجمركي الأردني

في مستهل الحديث عن قرارات التغريم الجمركية وطبيعتها القانونية، لابد أن أشير إلى أن العديد من الدراسات القانونية والأبحاث تناولت جرائم التهريب الجمركي تحليلاً ودراسة، لكن القليل منها الذى انتبه إلى المخالفات الجمركية على الرغم من أنها تشكل حجم كبير من الجرائم الجمركية، وبالتالي فإن دراستها أصبحت ضرورية ومن الأهمية بمكان، ومن المسلم به أن معظم تشريعات دول العالم قد فرضت على المخالفات الجمركية عقوبة الغرامة بصورها المختلفة، سواء ذات الحد الأدنى والحد الأقصى، أو بنسبة من الفائدة التي عادت علي الجاني من ارتكابه للمخالفة أو الضرر المترتب على الجريمة، وعلاوة علي ذلك فيوجد نوع اخير  تطبق فيه الغرامة عن فترة زمنية معينة، والمشرع الأردني في قانون الجمارك سار على هذا النهج كما انه قد أسند سلطة فرض الغرامات في المخالفات الجمركية لجهة الإدارة بدلاً من القضاء.

  • وترتيباً على ما تقدم يلزم في هذا المقال أن نتعرض بشيء من التفصيل للمخالفات الجمركية وعقوباتها، ثم نتعرف على ماهية وطبيعة قرارات التغريم الجمركية ومدى دستوريتها، وكيفية الرقابة عليها، ولذلك سأحاول أن أسلط الضوء في هذا المقال على كل هذه الأمور وذلك من خلال العناصر الآتية: –

أولاً: تعريف المخالفة الجمركية والعقوبة التي تفرض على مرتكبيها:-

ثانياً: ماهية قرار التغريم الجمركي وطبيعته القانونية ومدى دستوريته:-

ثالثاً: الرقابة على سلطة الإدارة في فرض الغرامات الجمركية:-

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية الهاشمية فيما يتعلق بالطبيعة القانونية لقرارات التغريم الجمركية:-

خامساً: خاتمة:-

أولاً: تعريف المخالفة الجمركية والعقوبة التي تفرض على مرتكبيها: –

  • غنى عن البيان أن الأحكام العقابية في التشريع الجمركي الأردني تقسم الأفعال الإجرامية إلى نوعين: –

النوع الأول: وهو المسمى ب (جرم التهريب) وحدد المشرع الأردني أفعال جريمة أو جنحة التهريب الجمركي بالمواد (203 و204) من قانون الجمارك ووضع لمرتكبيها عقوبة قاسية، من الممكن أن تصل إلى الحبس خاصة إذا تكررت هذه الجرائم، ومن ثم يدخل هذا النوع في نطاق عقوبة الجنح في قانون العقوبات العام.

أما النوع الثاني: فقد وصفه بالمخالفات، وحدد قانون الجمارك أفعال المخالفات في المواد (117 حتى 202)، وفرض على مرتكبها عقوبة أخف جسامة من النوع الأول.

  • واستخلاصاً مما سبق يمكن تعريف المخالفة الجمركية بأنها :(كل عمل أو امتناع عن عمل، يمثل عدم التزام بالواجبات التي فرضها التشريع الجمركي، ويقرر المشرع لها عقوبة الغرامة على مرتكبها، ولا يدخل فيها جنح التهريب الجمركي). ([1])
  • أما بالنسبة للعقوبات المقررة على مرتكبي المخالفات الجمركية فهي تنحصر في الغرامة، ولكن يلاحظ أن الغرامات المقررة بالتشريعات الجمركية لارتكاب المخالفات الجمركية تتجاوز الحدود العليا المقررة للمخالفات الجزائية وفقاً للأحكام العامة في قانون العقوبات، فقانون الجمارك يعاقب بالغرامات الجمركية التي تتنوع الغرامات فيها فيما بين الغرامة المحددة بحد أدنى وحد أقصى وهى ما بين خمسون دينار وألف دينار، أو الغرامة النسبية المقدرة نسبياً حسب القيمة الجمركية للبضاعة التي ارتكبت المخالفة في إطار التخليص عليها أو مقدار الرسوم المعرضة للضياع، علاوة على الغرامة المرتبطة يتجاوز المدد الزمانية المحددة حيث يكون مقدار الغرامة مرتبطاً بمدة التأخير والتي قد فرض عن كل يوم أو كل أسبوع يحدث فيه تأخير مبلغاً محدداً ما بين عشرة دنانير وثلاثون ديناراً.

  • وبالنسبة لسلطة الإدارة في فرض الغرامات الجمركية، فتجدر الإشارة إلى أن التشريع الجمركي الأردني ألزم الإدارة عند ممارستها لسلطتها بمعاقبة مرتكبي المخالفات الجمركية أن تتخذ مجموعة من الإجراءات الشكلية، حتى يضمن عدم إساءة استعمالها لهذه السلطة، لكى يوفر الحقوق القانونية الأساسية المقررة للأفراد في التشريعات الجزائية، كحق الدفاع، والاطلاع على أوراق الدعوى، وتقديم البيانات الدفاعية لإثبات عدم ارتكابهم المخالفات المنسوبة إليهم، أو السماح لهم بالتنفيذ الطوعي للحد الأدنى من العقوبات المقررة بما يجنبهم التنفيذ الجبري، ويوفر عليهم الوقت والجهد والنفقات في سبيل إنهاء موضوع المخالفات الجمركية.([2])

  • وبناء على ذلك وبمجرد أن تتأكد الضابطة العدلية من ارتكاب المخالفة الجمركية ويتم التعرف على المسئولين عنها، فإنها ووفقاً للتشريع الجمركي الأردني تحيل ضبط المخالفة للمرجع الإداري المختص لإصدار القرارات اللازمة بملاحقة مرتكبي هذه المخالفات، وفرض الغرامات الجمركية المقررة عليهم وذلك وفقاً للصلاحية المخولة له في النصوص القانونية، حيث نصت المادة (209/ أ) من قانون الجمارك الأردني على أنه :(تفرض الغرامات المنصوص عليها في الفصل الثالث من هذا الباب بقرار من المدير أو من يفوضه).

  • وقد يتبادر في الأذهان عدة تساؤلات أولها يدور حول مدى وجوب عرض المخالفات الجمركية على لجنة فنية لضمان سلامة القرار من العيوب قبل صدوره؟ في الحقيقة إن التشريع الجمركي الأردني لم يشترط هذه الضمانة الشكلية، بيد أنه لا يوجد ما يمنع المرجع الإداري المختص من عرض المخالفات الجمركية المرفوعة إليه على لجان فنية لفحصها وتقديم أسبابها، حتى تزداد الثقة في سلامة قرارات التغريم التي يوقعها على مرتكبي هذه المخالفات، وهذا الأمر لا يحتاج لنص قانوني يقرره.

  • وهناك تساؤلاً آخر يلزم التعرض له، وهو هل يجب تبليغ المخالف بالمخالفة المنسوبة إليه لإزالتها إن أمكن، أو ليبدي دفوعه قبل إصدار أية قرارات عقابية؟

  • في واقع الأمر أن التشريعات الجمركية الأردنية لم تتضمن نصا يقضى بذلك، أو يسمح للمسند إليه ارتكاب المخالفة أن يتدخل في القضية الجمركية الموجهة إليه، ولكن لا مانع أيضاً من تدخله ليفند الأدلة المقدمة ضده، ويقدم دفوعه، وبيناته الدفاعية، ليثبت عدم ارتكابه لها قبل إصدار أي قرارات نهائية فيها ضده بالإدانة والتغريم، ولا يفوتنا في هذا الشأن أن ننوه على أن المادة( 209 / ب ) من قانون الجمارك الأردني نصت على أنه :(يبلغ المخالف بالذات أو من يمثله بالغرامة المفروضة عليه بموجب إشعار خطى أو بالبريد المسجل، وعلى المخالف دفع الغرامات خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغه بها، أو رفض التوقيع على إشعار التبليغ)، وهكذا فإن المشرع الجمركي الأردني ألزم الإدارة الجمركية أن تقوم بإبلاغ القرار الصادر بفرض الغرامة في المخالفة الجمركية لمرتكبيها، وذلك على آخر عنوان متوفر لدى الإدارة وحسب الأصول التي تحددها التشريعات الجمركية، كما  ويلاحظ أنه بدون قيام الإدارة الجمركية بهذا التبليغ، فإن القرار بفرض الغرامة لا يكون قابل للتنفيذ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تشرع الإدارة الجمركية في تحصيل هدف الغرامات.

ثانياً: ماهية قرار التغريم الجمركي وطبيعته القانونية ومدى دستوريته: –

1- ماهية قرار التغريم الجمركي وطبيعته القانونية: –

يلاحظ من خلال القراءة الأولية لقانون الجمارك الأردني أن المشرع الأردني لم يتعرض لماهية قرار الإدارة بفرض الغرامة الجمركية، وترتيباً على ذلك يتعين البحث فيما إذا كان هذا القرار هو قراراً إدارياً صادر عن جهة الإدارة بصفتها ذات اختصاص إداري؟ أم أنه قراراً قضائياً صادر عنها بصفتها ذات اختصاص قضائي، وحري بنا وللإجابة عن هذا التساؤل التطرق ولو بإيجاز لتعريف القرار الإداري، والتمييز بينه وبين القرار القضائي.

  • وفى هذا الإطار لعله من المفيد أن نؤكد على تعدد التعريفات الفقهية والقضائية للقرار الإداري، فلقد عرفته محكمة العدل العليا الأردنية بأنه :(إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين والأنظمة، بقصد إحداث أو تعديل مركز قانوني معين، متى كان ذلك ممكناً وجائزاً قانوناً). ([3])
  • أما القرار القضائي فلقد عرفته محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في القرار رقم 119 لسنة 1975 الصادر بتاريخ 8/5/1975، في مجلة نقابة المحامين لسنة 1975 بأنه :(القرار الذي يصدر عن هيئة تستمد ولايتها القضائية من قانون محدد لاختصاصها، مبين لإجراءاتها حاسماً بصورة نهائية في نزاع بين طرفين على حقوق ذاتية، موضحاً بالقانون القواعد التي يطبق عليها النزاع ووجهة الفصل فيه).

  • ولا يخفى عن الفطنة أن فقهاء القانون العام قد اختلفوا فيما بينهم حول معيار التفرقة بين القرار القضائي والقرار الإداري، فالبعض يأخذ بالمعيار الشكلي، والبعض الأخر يؤمن بالمعيار الموضوعي للتمييز بين العمل الإداري والعمل القضائي، بيد أنه يكاد القضاء في معظم دول العالم يأخذ بالمعيارين معاً، فيعتبر القرار قضائياً اذا صدر عن هيئة تستمد ولاية القضاء من قانون محدد لاختصاصاتها مبين لإجراءاتها، موضحاً للقواعد التي ينطبق عليها النزاع ووجه الفصل منه، وأن يكون القرار حاسماً بصورة نهائية بين طرفين على حقوق ذاتية، وهو ما يطلق عليه بالمعيار القانوني والذى يجمع بين مزايا المعيار الشكلي والموضوعي.([4])

  • وهناك اتجاه فقهى وقضائي كان يرى أن قرارات التغريم هي قرارات إدارية تصدرها الإدارة الجمركية بصفتها سلطة إدارية، وأنها لا تحمل طبيعة أخرى، ويبررون ذلك بأن الإدارة الجمركية تملك سلطة إصدار العديد من القرارات التي تتضمن فرض غرامات وجزاءات، وأن فرض الغرامات الجمركية لا تختلف عن ذلك فيطبق عليها القواعد القضائية المختصة بنظر الطعون عليها. ([5])

  • وفى مقابل هذا الاتجاه يوجد اتجاه فقهى وقضائي آخر، يرى أن السلطة الإدارية التي تصدر هذه القرارات هي جهة إدارية ذات اختصاص قضائي، وبالرجوع للطبيعة القانونية للمخالفة الجمركية ذاتها كجريمة جزائية تم ضبط مرتكبيها من قبل أفراد الضابطة العدلية، وأن الحكم فيها كأصل من اختصاص القضاء، لكنه تم منحه استثناء للإدارة الجمركية، بيد انها تلتزم بمبادئ العقوبات العامة فهى من الناحية الموضوعية قرار قضائي خول المشرع إصداره للإدارة الجمركية، مع اتباع الإجراءات القضائية الواجب اتباعها في أصول المحاكمات.

  • 2- مدى دستورية قرارات التغريم الجمركي: –

    مما لا شك فيه أن الدستور الأردني نص على مبدأ الفصل بين السلطات، وأوكل مهمة القضاء للسلطة القضائية، ولا يخفى عن الفطنة أن المخالفات الجمركية هي جرائم جزائية، وأن الغرامات المقررة على من يرتكبها هي عقوبات جزائية ذات أحكام خاصة، ومن ثم فالأصل أن يكون الاختصاص بالحكم في المخالفات الجمركية للسلطة القضائية، إلا أنه على الرغم من ذلك فالتشريع الجمركي أسند مهمة الفصل في المخالفات الجمركية وفرض العقوبة المقررة على مرتكبيها للإدارة الجمركية وليس للقضاء، فهل ذلك الأمر يعد مخالفاً لمبدأ الفصل بين السلطات.

    • يرى البعض أن منح لإدارة الجمركية الاختصاص بمعاقبة مرتكبي بعض الجرائم لا يشكل تعديا على اختصاص القضاء حيث يوجد العديد من النصوص في التشريعات المختلفة التي تسند اختصاصاً قضائياً لجهات إدارية أو مجالس أو لجان خاصة ولا يقتصر الأمر على التشريع الجمركي فقط، وقد استقر الاجتهاد القضائي في الأردن على دستورية القوانين التي تمنع الأفراد من اللجوء للقضاء في بعض المنازعات كون المشرع فوض حق القضاء فيها إلى هيئات أو لجان خاصة باعتبارها بمثابة محاكم خاصة وفقاً لأحكام المادة (102) من الدستور. ([6])
  • وجدير بالذكر أن موضوع منح الإدارة الجمركية سلطة فرض الغرامات عُرض على المحكمة الدستورية العليا في مصر في عام 1997 فقضت بعدم دستورية المادة( 119 ) من قانون الجمارك والتي تمنح مدير عام الجمارك سلطة فرض الغرامات وأوضحت المحكمة أن هذه الغرامات لا تعتبر تعويضاً مدنياً بل هي عقوبات بالمعنى القانوني مما يتطلب أن يكون إيقاعها بحكم قضائي طبقاً للمادة( 66 ) من الدستور، وهو ما اقتضى تدخل المشرع المصري في عام 2000 بتعديل المادة( 119 ) ليتم فرض الغرامات والتعويضات الجمركية بأمر جنائي وفقاً للقواعد الواردة في قانون الإجراءات الجنائية، على اعتبار أن الأمر الجنائي بمثابة حكم قضائي.

  • وأرى أن عيب عدم الدستورية لا يزول بمجرد إخضاع الفصل في هذه المخالفات للمبادئ والضمانات الدستورية وإنما لابد أن ينص الدستور في مواده على جواز نزع الاختصاص بالفصل فيها من القضاء ومنحها للإدارة أو ينص على المبررات التي تدعو لذلك، ويبدوا أنه من الأصوب إعادة الاختصاص للجهة صاحبة الاختصاص الأصيل، ويمكن مراعاة خصوصية هذه المخالفات من خلال إخضاعها لإجراءات وأصول خاصة وموجزة، تحقق المزايا التي توفرها الملاحقات الإدارية من حيث توفير الوقت والجهد، أو من خلال منح النيابة العامة سلطة إصدار مثل هذه القرارات كما في نظام الأمر الجنائي المعمول به في مصر.

  • ثالثاً: الرقابة على سلطة الإدارة في فرض الغرامات الجمركية: –

    • إن جمع الإدارة لسلطتي الاتهام والحكم في يد واحدة قد يؤثر على ممارستها لصلاحيتها لذا قرر المشرع نوعين من الرقابة على أعمال الإدارة هي رقابة إدارية ورقابة قضائية.

    1- الرقابة الإدارية: –

    • تنص التشريعات الجمركية على حق من يسند له ارتكاب مخالفة جمركية ويفرض عليه أداء الغرامات الجمركية المقررة بالاعتراض لدى الجهات الإدارية التي يقررها التشريع كجهة إدارية العليا للجهة التي قررت فرض العقوبة كما هو في التشريع الجمركي الأردني، بحيث يكون هذا الاعتراض خلال مدة محددة ولا يجوز اللجوء إلى غير هذه الجهة، وفى حال فوات المدة دون الاعتراض على قرارات التغريم فإن قرار فرض الغرامة الجمركية يتحصن ضد الطعن بكافة الوسائل الإدارية أو القضائية، وتأكيداً لذلك نصت المادة 201 فقرة أ من قانون الجمارك الأردني على أن :(يجوز الاعتراض لدى الوزير على قرارات التغريم الصادرة بمقتضى المادة 209 من هذا القانون خلال المدة المحددة، وللوزير تثبيت قرار التغريم أو إلغاؤه أو تخفيض الغرامة اذا تبين له ما يبرر ذلك).
  • ويثور التساؤل حول ماهية القرار الصادر بهذا الاعتراض فيما إذا كان ذو طبيعة إدارية أو قانونية.

  • مما لا شك فيه أن الاعتراض المقدم حول قرار التغريم يقوم وبصفة رئيسية على الفصل في القضية الجمركية التي تنشأ بمجرد ضبط المخالفة الجمركية مما يوجب معاقبة مرتكبها، وبذلك فهو مثل قرار التغريم ذاته يصدر من ناحية شكلية من جهة إدارية بحته، إلا أنه من ناحية موضوعية يشكل قراراً في موضوع منازعة جزائية من اختصاص القضاء في الأصل.

  • وتشرك قرارات التغريم أو القرارات الصادرة في الاعتراض المقدم بخصوصه، مع القرارات القضائية في أن الجهة التي تصدرها لا تملك سحب قرارها أو الغاؤه أو تعديله ولو كان معيبا، حيث ترتفع يدها عنه بمجرد إصداره، إلا أنه يجوز الاعتراض عليه لدى المحكمة المختصة، وهو ما جرى القضاء الإداري على الحكم بسريانه على كافة القرارات الإدارية التي يوجب التشريع التظلم عليها، حيث تعتبر قرارات نهائية لا يجوز إعادة النظر بها إلا بطرق الطعن المقررة بالقانون. على أنه يلاحظ على المشرع الأردني أنه جعل الاختصاص بالرقابة الإدارية على فرض الغرامات بحق مرتكبي المخالفات الجمركية للسلطة الرئاسية للإدارة الجمركية المتمثلة بوزير المالية وهو كجهة إدارية غير مختص بالجوانب الفنية للفصل في المنازعات الجمركية ولم يلزم المشرع باستطلاع رأى أي جهة فنية متخصصة بالموضوع، وإن كان ذلك لا يمنعه من عرض الموضوع على جهات متخصصة كما يحدث بالواقع العملي.

  • 2- الرقابة القضائية: –

    • جدير بالذكر أن التشريعات الضريبية تمنح الحق لمن ينسب إليه ارتكاب مخالفة ضريبية ويفرض عليه أداء الغرامات الضريبية المقررة بالاعتراض لدى المحكمة المختصة بشرط أن يكون قد سبق له أن اعترض لدى الجهات الإدارية التي يقررها التشريع، وبحيث يكون هذا الطعن خلال المدة القانونية المحددة، وبفوات المدة دون الاعتراض فإن القرار بفرض الغرامة عليه يتحصن ضد الطعن.
  • ولقد نصت المادة (222 فقرة أ/ب -5) من قانون الجمارك على أنه :(تنشأ محكمة بداية تسمى (محكمة الجمارك البدائية) تؤلف من رئيس وعدد من القضاة العاملين في الجهاز القضائي وتختص بالنظر فيما يلي: الطعون المقدمة على قرارات التغريم وفقاً لأحكام المادة 210 من هذا القانون).

  • وجدير بالإشارة أن التشريع الجمركي قرر بعض القيود على المعترض في دعوى الاعتراض على قرار التغريم حيث يجب على المعترض دفع( 25% ) من المبلغ المعترض عليه ضماناً لجدية الدعوى، وترد الدعوى إذا لم يدفع هذا المبلغ على ذلك الوجه، كما يلاحظ أن قرارات محكمة البداية قابلة للاستئناف لدى محكمة الاستئناف الجمركية ([7]) والتي تكون قرارتها الاستئناف قابلة للطعن أمام محكمة التمييز إذا كانت قيمة الغرامات الجمركية والمصادرات لا تقل عن خمسة آلاف دينار، إلا إذا تضمنت الدعوى نقطة قانونية مستحدثة أو على جانب من التعقيد أو انطوت على أهمية عامة فيمكن الطعن بالتمييز بإذن محكمة استئناف الجمارك أو الإذن محكمة التمييز في حال رفض طلب الإذن من قبل محكمة الاستئناف المختصة.

  • رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية الهاشمية فيما يتعلق بالطبيعة القانونية لقرارات التغريم الجمركية: –

    1- الحكم رقم 3554 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 17-7-2022: –

    والتي قضت فيه 🙁 وفي ذلك نجد أن محل جرائم التهريب الجمركي والتهرب الضريبي هو المال العام حيث ينجم عن اقتراف هذه الجرائم نقص في الرسوم الجمركية والضرائب المستحقة والواجب دفعها ولذا فإن المشرع وفي المادة (206/ب) من قانون الجمارك والمادة (31) من قانون الضريبة العامة على المبيعات فرض عقوبة جزائية وكذلك غرامة جمركية بمثابة تعويض مدني عن الضرر الذي لحق بالخزينة وحيث من الثابت إدانة المدعية بجرم التهريب وفرض غرامة جزائية وغرامات جمركية/ تعويضاً مدنياً بموجب قرار حكم جزائي مكتسب الدرجة القطعية على الفرق بالقيمة ذاته فإن استيفاء رسوم جمركية عن مقدار النقص غير محق وبلا سند قانوني يتوجب رده).

    2- الحكم رقم 2930 لسنة 2007 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 28- 11-2008: –

    والتي قضت فيه بأنه 🙁 1. تعتبر الغرامات الجمركية تعويض مدني لدائرة الجمارك وفق أحكام المادة 194 من قانون الجمارك وكذلك بالنسبة للغرامات المتعلقة بالضريبة العامة على المبيعات وفقاً لأحكام المادة 40/ج من قانون الضريبة العامة على المبيعات. وما استقر عليه اجتهاد محكمة التمييز في العديد من القضايا. فإن الطعن بقرارت وزير المالية الصادرة نتيجة الاعتراض على قرارات مدير عام دائرة الجمارك المتعلقة بقرارات التغريم يتم بدعوى مدنية وتتبع بها إجراءات الدعاوى المدنية ويترتب عليها رسوم وفق نظام رسوم المحاكم. وحيث لم تجز المادة السادسة من نظام رسوم المحاكم استعمال أية لائحة دعوى خاضعة للرسوم ما لم يدفع عنها الرسوم المحددة. فإن عدم دفع الرسوم عن لائحة الدعوى المتعلقة بالطعن بقرار وزير المالية يوجب عدم قبولها. وحيث لم يدفع المدعي الرسوم الواجب دفعها عن طعنه فإنه يتوجب عدم قبول طعنه ولا يرد القول بأن على المحكمة تكليفه بدفع الرسوم إذ أن ذلك يتم بحال دفع رسوم أقل مما هو محدد في جدول رسوم المحاكم الملحق بنظام الرسوم).

    3– الحكم رقم 293 لسنة 2021 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية – الصادر بتاريخ 9/3/2021: –

    والتي قضت فيه :(وللرد على البند الأول المتعلق برد الدعوى شكلاً، نجد أن المدعية تبلغت قرار التغريم الصادر عن مدير عام الجمارك: بتاريخ 7/12/2016، واعترضت عليه لدى وزير المالية بتاريخ 5/1/2017، وتبلغت بقرار وزير المالية بتاريخ 4/11/2016 وتقدمت بدعواها لدى المحكمة بتاريخ 1/12/2019، وبالتالي فإن اعتراض المدعية ودعواها مقدمان ضمن المدد القانونية المنصوص عليها في المادتين (209و2010) من قانون الجمارك، مما يستوجب رد هذا البند). كما قضت أيضاً :(وعن البند الأخير بأنه لم يتم تقديم التأمينات المنصوص عليها في المادة (231) من قانون الجمارك، فإننا نجد أن المعية قامت بإيداع تأمين نقدي بما يعادل 25% من المبالغ المطلوبة منها، وفقاً لمتطلبات المادة (231/5) من قانون الجمارك (بند 9 من قائمة بنيات المدعية، مما يجعل هذا البند مستوجب الرد).

    خامساً: خاتمة: –

    وفى ختام هذا المقال لعله من المفيد أن نؤكد على أن المخالفة الجمركية هي جريمة جزائية تم ضبط مرتكبها من قبل أفراد الضابطة العدلية، وأن الحكم فيها تأصل من اختصاص القضاء، لكن التشريع الجمركي منح استثناءً للإدارة الجمركية سلطة فرض الغرامات الجمركية، ومن زاوية أخرى فإن قرار التغريم شكلاً هو قرار إداري، لكنه ن الناحية الموضوعية هو قرار قضائي، كما نأمل من المشرع الأردني تعديل نصوص قانون الجمارك وجعل نظر الاعتراضات المقدمة على قرارات التغريم بموجب دعوى جزائية، لأن المخالفات الجمركية هي جرائم جزائية ذات أحكام خاصة، وقرارات التغريم هي من القضايا الجزئية.

    كتابة الأستاذ: جمال مرعي

    [1]– أنظر البستنجي، محمد خليل، الطبعة القانونية لقرارات التغريم الجمركية وفقاً للتشريع الأردنى والتشريع المقارن، المجلة القانونية، ص5149.

    [2]– أنظر البستنجي، محمد خليل، الطبعة القانونية لقرارات التغريم الجمركية وفقاً للتشريع الأردنى والتشريع المقارن، المجلة القانونية، ص5151.

    [3] – انظر قرار محكمة العدل العليا الأردنية رقم 271 لسنة 2005 تاريخ 26/9/2005، والقرار رقم 512 لسنة 1999 تاريخ 29/3/2000، منشورات مركز العدالة.

    [4]– انظر موفق سمور على المحاميد، الطبيعة القانونية لقرارات تقدير ضريبة الدخل، الدارة العلمية الدولية مكتبة دار الثقافة، ط1، عمان 2001 ص131.

    [5]– انظر د. زكريا محمد بيومي، شرح قانون الضريبة العامة على المبيعات، ص222.

    [6]– أنظر قرار محكمة التمييز رقم 12/67 مجلة النقابة ص1094 لسنة 1967.

    [7]– انظر المادة 223 فقرة أ، ب-5 من قانون الجمارك.

    Scroll to Top