الشكوى كقيد على تحريك الدعوى الجزائية في القانون الأردني
رأى المشرع الجزائي ضرورة تعليق تحريك بعض الدعاوى الجزائية على اتخاذ إجراء قانوني سابق على تحريكها من قبل المجني عليه، رغبة من المشرع أن يترك الحرية الكاملة للمجني عليه في تقدير ما إذا كان الفعل الواقع عليه يستحق تحريك الدعوى الجنائية ضد فاعله من عدمه ولم يجعل المشرع هذا الأمر كحق مطلق للمجني عليه في كل الجرائم، بل حدد الجرائم التي يجب تقديم الشكوى فيها لتتمكن النيابة من مباشرة التحقيقات فيها وكان ذلك التحديد على سبيل الجزم والحصر، ويظهر أن المشرع رأى من ذلك التحديد أن الضرر الناتج عن تلك الجرائم لا يمتد أثره بشكل ملحوظ لغير المجني عليه، ولا يصيب المجتمع بضرر كبير يستلزم معاقبة الجاني، بل تتوقف ضرورة عقاب الجاني من عدمه أو على الأقل تحريك الدعوى الجزائية فيه على إرادة المجني عليه وحده.
- وفي خلال هذا المقال سوف نتطرق الى الشكوى كقيد على تحريك الدعوى الجزائية في القانون الأردني على التفصيل الآتي
ثانيا: الخصائص التي تتميز بها الشكوى
رابعا: النطاق القانوني للحق في الشكوى .
سادسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالشكوى كقيد على تحريك الدعوى الجزائية
أولا: تعريف الشكوى
- عرف الفقهاء القانونين الشكوى في مجال القانون الجزائي بعدة تعريفات منها: (قيام الشخص المتضرر من وقوع جريمة بتقديم بلاغ الى السلطة المختصة يتهم فيه شخص معين بارتكاب فعل إجرامي ضده مع شمول البلاغ على طلب الشاكي اتخاذ الإجراءات اللزمة ضد المشكو في حقه). [1]
-
كما تعرف أيضا بأنها: (الإجراء الذي يقصد به إخبار المجني عليه للسلطات المختصة بوقوع جريمة عليه مع طلبه تحريك الدعوى الجزائية وذلك في الجرائم التي لا يجوز للنيابة تحريك الدعوى الجزائية فيها إلا بعد تقديم شكوى من المجني عليه). [2]
ومن خلال تلك التعريفات يمكن القول أن هناك بعض الجرائم لا تملك النيابة العامة التحقيق فيها أو تحريك الدعوى الجنائية فيها، إلا إذا سبقها إبلاغ من المجني عليه بوقوع جريمة ضده وطلبه صراحة تحريك الدعوى الجنائية ضد الجاني، وقد نصت المادة( 52 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على الشكوى كسبب من أسباب تحريك الدعوى الجنائية، حيث جاء نصها ( مع مراعاة أحكام المادة (58) من هذا القانون لكل شخص يعد نفسه متضرراً من جراء جناية أو جنحة أن يقدم شكوى يتخذ فيها صفة الادعاء الشخصي الى المدعي العام أو للمحكمة المختصة وفقاً لأحكام المادة (5) من هذا القانون ).
ثانيا: الخصائص التي تتميز بها الشكوى
1- محدودة النطاق: ويقصد بذلك أن الشكوى ترد على واقعة أو جريمة محددة وهي الواقعة التي تم تقديم الشكوى بشأنها، دون الظر الى وقائع أخرى سابقة أو لاحقة عليها ما دام لم يتعرض الشاكي لها.
2- قاطعة وباتة: من خصائص الشكوى أيضا أنها تكون قاطعة من حيث موضوعها وواضحة، كما يجب ألا تعلق على شرط أو حدوث فعل أو الامتناع عن فعل حتى تنتج اثرها القانوني.
3- تعيين المشكو في حقه: حتى نكون أمام شكوى بالمفهوم السابق ذكره يجب أن يكن الشاكي قد قام بتحديد شخصية المتهم، إذ يترتب على جهالة المتهم عدم إحداثها لأثرها القانوني حيث يستحيل تحريك الدعوى الجزائية ضد مجهول [3]، ويرى البعض عدم اشتراط تحديد الجاني بشكل يقيني يكفي أن يقدم الشاكي بعض الدلائل التي قد تشير الى ارتكاب المشكو في حقه الجريمة، ومن ثم تقوم النيابة العامة بدورها الذي خوله القانوني في تحريك الدعوى الجنائية ضده.
4- يحدد في الشكوى الأفعال المادية التي كونت الجريمة محل الشكوى دون اشتراط إسباغ وصف قانوني على تلك الأفعال، غاية ما في الأمر أن يكون فعل الجاني قد تضرر منه الشاكي، إذ أن إسباغ الوصف القانوني هو من مهمات النيابة العامة ولا تتقيد فيه بوصف الشاكي. [4]
ثالثا: الشروط الشكلية للشكوى
رغم عدم النص صراحة على شكل معين يجب أن تكون عليه الشكوى سواء أن تكون مكتوبة أو شفهية إلا إن المادة (54) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني قد ساوى في الأحكام بين الشكوى والإخبار عن الجريمة، حيث نصت على: (تسري على الشكاوى أحكام المادة (27) المتعلقة بالإخبار)
وبالرجوع الى المادة (27) من قانون أصول المحاكمات الجزائية فيما يتعلق بالإخبار نجد أن المشرع اشترط فيها أن يكون الإخبار بطريق الكتابة، وهو ما يعني وجوب أن تكون الشكوى مكتوبة حيث جاء نصها: (1. يحرر الإخبار صاحبه أو وكيله أو المدعي العام إذا طلب إليه ذلك ويوقع كل صفحة من الإخبار المدعي العام والمخبر أو وكيله.
- اذا كان المخبر أو وكيله لا يعرف كتابة إمضائه فيستعاض عن إمضائه ببصمة إصبعه وإذا تمنع وجبت الإشارة الى ذلك).
- وتأكيدا لذلك فان الناظر للمادة (55) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني يجد أنها اشترطت حتى يعد الشاكي مدعيا شخصي، أن يتخذ تلك الصفة في شكوى أو في طلب خطي مكتوب، حيث جاء نصها: (لا يعد الشاكي مدعياً شخصياً إلا إذا اتخذ صفة الادعاء الشخصي صراحة في الشكوى أو في طلب خطي لاحق قبل فراغ المحكمة الناظرة في الدعوى من سماع بينة النيابة ودفع الرسوم القانونية المترتبة على التعويضات المطالب بها).
رابعا: النطاق القانوني للحق في الشكوى.
ينقسم النطاق القانوني للقانوني لجرائم الشكوى الى نطاق شخصي يتمثل في أشخاص الشكوى من حيث الشاكي والمشكو في حقه والجهة التي يقدم إليها الشكوى، أما القسم الثاني للنطاق القانوني لجرائم الشكوى فيتمثل في طبيعة ونوع الجرائم التي يتقيد حق تحريك الدعوى الجنائية فيها من قبل النيابة العامة على تقديم المجني عليه شكوى سابقة، وسوف نبين كل نطا على التفصيل الآتي
أولا: النطاق الشخصي للشكوى
أ- من له الحق في تقديم الشكوى؟
لا تقدم الشكوى إلا من المجني عليه أو من وكيله وإذا كان المجني عليهم جماعة فيجوز لأي منهم تقديم الشكوى، كما يجوز لجميعهم تقديمها ولا يترتب على تقديم بعض المجني عليهم للشكوى ومعارضة البعض تقديمها أي بطلان للشكوى، بل تبقى صحيحة ومنتجة لأثارها، ويشترط أن تقدم الشكوى عن طريق المجني عليه أو عن طريق وكيله، إلا أنه في حالة تقديم الشكوى من قبل وكيل المجني عليه فيجب أن تكون تلك الوكالة خاصة بتقديم الشكوى عن الجريمة المقترفة من قبل الجاني، ويعتبر تقديم الشكوى من الوكيل وكالة عامة سببا في بطلان الشكل القانوني للشكوى، كما يجب أن يتوافر في المجني عليه الأهلية اللازمة للقيام بالتصرفات القانونية فإذا كان المجني عليه قاصرا تُقدم الشكوى من وليه.
ب- صفة المشكو في حقه في جرائم الشكوى
يكون الجاني هو المعنى بالاتهام في جرائم الشكوى وهو امر بديهي، إلا أنه إذا كانت الجريمة المرتكبة قد تم ارتكابها بواسطة عدد من الجناة، فإن تقديم الشكوى ضد أحدهم يعتبر بمثابة تقديم الشكوى ضدهم جميعا/ وبالتالي يجوز للنيابة بعد إجرائها التحقيقات اللازمة تحريك الدعوى الجنائية ضد كل من ثبت لها مشاركته أو تحريضه على ارتكاب الجريمة محل الشكوى.[5]
ج- لمن تقدم الشكوى؟
تقدم الشكوى الى المدعي العام المختص مكانيا بالتحقيق فيها وذلك وفقا لما قررته المادة (20) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، كما يجوز تقديم الشكوى مباشرة الى محكمة الصلح، والتي يجوز لها الفصل فيها إعمالا لأحكما المادة (11) من قانون محاكم الصلح والتي تنص على: (أ. يباشر قاضي الصلح النظر في الدعاوى الجزائية الداخلة في اختصاصه بناء على:
- شكوى المتضرر أو المجني عليه في الجرائم التي تتوقف الملاحقة فيها على الشكوى.
- الادعاء بالحق الشخصي المقترن بالشكوى في الجرائم التي تتوقف فيها الملاحقة على اتخاذ صفة المدعي بالحق الشخصي.
3- الشكوى أو الادعاء بالحق الشخصي أو تقرير من مأموري الضابطة العدلية في حالات الجرائم التي لا تزيد العقوبة المقررة لها على الحبس مدة سنتين بصرف النظر عما إذا كانت تلك العقوبة مقترنة بغرامة أو لا…..).
ثانيا: النطاق النوعي للشكوى
ويقصد بالنطاق النوعي لجرائم الشكوى أي الجرائم التي اشترط القانون تقديم شكوى لإزالة قيد تحريك الدعوى الجنائية من أمام النيابة العامة، وقد أورد قانون العقوبات الأردني بعض الجرائم التي لا يجوز تحريك الدعوى الجنائية فيها ضد الجاني إلا إذا سبقها تقديم شكوى من المجني عليه وهي:
1- جريمة خرق حرمة المنازل
وقد تناول قانون العقوبات الأردني هذه الجريمة في المادة( 347 ) منه ونص صراحة في الفقرة( 3 ) من تلك المادة على عدم جواز تحريك الدعوى الجنائية ضد فاعل تلك الجريمة إلا بناء على شكوى يقدمها المجني عليه، وهو ما يترتب عليه بطلان أي إجراءات تتخذ في مواجهة المتهم مثل فتح التحقيق أو ملاحقة الجاني أو إحالته الى المحاكمة، إذا ثبت عدم تقدم المجني عليه بشكوى ضده، وقد رأى المشرع أن في سكوت المجني عليه عن طلب تحريك الدعوى الجنائية قبولا لفعل الجاني أو تصالحا منه مع الجاني، كما أن المجني عليه هو الذي يمكنه تحديد ما إذا كانت أفعال المجني عليه قد نالت من حرمة منزله وحياته الخاصة من عدمه، لذا رأى المشرع ضرورة تقييد حق النيابة العامة بتحريك الدعوى الجنائية في هذه الجريمة، وجعل الأمر متوقفا على تقديم المجني عليه بشكوى في الجاني، وقد نصت المادة( 347 ) من قانون العقوبات الأردني على (2. خرق حرمة المنزل والأماكن والحياة الخاصة:
1- من دخل مسكن آخر أو ملحقات مسكنه خلافا لإرادة ذلك الآخر وكذلك من مكث في الأماكن المذكورة خلافا لإرادة من له الحق في إقصائه عنها عوقب بالحبس مدة لا تتجاوز الستة اشهر.
2- ويقضى بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة إذا وقع الفعل ليلا وبالحبس من ستة أشهر إلى سنتين إذا وقع الفعل بواسطة العنف على الأشخاص أو الكسر أو باستعمال السلاح أو ارتكبه عدة أشخاص مجتمعين.
3- لا تجري الملاحقة في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الأولى، إلا بناء على شكوى الفريق الآخر).
- ويلاحظ من النص السابق أن المشرع قد استثنى حالة وقوع الفعل الإجرامي ليلا من قيد تحريك الدعوى إلا بناء على شكوى، إذ قرر معاقبة الجاني بالحبس مدة ثلاثة أشهر دون أن يشترط تقديم شكوى من المجني عليه، وفقا لما قررته الفقرة( 3 ) من ذات المادة و التي تشير الى أن اشتراط تقديم شكوى يكون في الحالة الواردة في الفقرة( 1 ) فقط، كذلك لم يشترط المشرع تقديم شكوى إذا وقعت الجريمة بواسطة العنف على الأشخاص أو الكسر، أو باستعمال سلاح، أو أن يكون قد تم ارتكاب الفعل الإجرامي بواسطة اكثر من شخص، ويرجع ذلك الى أن تلك الأفعال الإجرامية لا يمكن ترك مسالة تحريك الدعوى الجنائية فيها للإرادة المنفردة للمجني عليه، نظرا لخطورتها وامتداد اثرها على غير المجني عليه وانعدام الشعور بالأمان لدى المواطن الذي رأى الجريمة بصورتها الخطيرة ولم يرى حق الدولة في عقاب الجاني عليها
2- جريمة التسلل بواسطة الكسر أو العنف
ذكرت المادة( 348 ) من قانون العقوبات جريمة أخرى من الجرائم التي لا يجوز تحريك الدعوى الجنائية فيها إلا بناء على شكوى وهي جريم التسلل بواسطة الكسر أو العنف، وعلى الرغم من التشابه بين هذه الجريمة والجريمة الواردة في المادة( 347 ) والسابق ذكرها إلا انهما يختلفان في أن تلك الجريمة تقع على أماكن غير الأماكن المذكورة في المادة( 347 ) إلا أنهما يتفقان في أن كل منهما يتوقف حق النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية بشأنهما على تقديم شكوى من المجني عليه، وقد نصت المادة( 348 ) من قانون العقوبات صراحة على ذلك حيث جاء نصها : ( 1. يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز الأسبوع أو بغرامة لا تتجاوز العشرة دنانير من تسلل بواسطة الكسر أو العنف على الأشخاص الى أماكن غير المذكورة في المادة السابقة تخص الغير وليست مباحة للجمهور، أو مكث فيها على الرغم من إرادة من له الحق في إقصائه عنها.
- ولا يلاحق المجرم إلا بناء على شكوى الفريق المتضرر).
3- جريمة خرق الحياة الخاصة
وهذه الجريمة مستحدثة بالقانون رقم 8 لسنة 2011 القانون المعدل لقانون العقوبات حيث أضاف المشرع نصا عقابيا جديدا بالمادة( 348 مكرر)، والذي يوجب معاقبة كل من ثبت في حقه خرق الحياة الخاصة للغير سواء باستراق السمع أو البصر أو بأي وسيلة أخرى، مثل التسجيل للغير بدون إذنه أو التقاط الصور له دون موافقته أو استخدام المنظار، وقرر معاقبة الجاني بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر وغرامة لا تقل عن مائتي دينار، إلا أن المشرع اشترط لتحريك الدعوى الجنائية ضد الجاني أن يسبقها تقديم شكوى من المجني عليه، حيث نصت المادة( 48 مكرر) من قانون العقوبات على : ( يعاقب بناء على شكوى المتضرر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبالغرامة مائتي دينار كل من خرق الحياة الخاصة للآخرين باستراق السمع أو البصر بأي وسيلة كانت بما في ذلك التسجيل الصوتي أو التقاط الصور أو استخدام المنظار ، وتضاعف العقوبة في حال التكرار).
4- جريمة زانا احد الزوجين
رأى المشرع ولاعتبارات خاصة بالحفاظ على الكيان الأسري عدم جواز تحريك الدعوى الجنائية في حالة جريمة زنا أحد الزوجين إلا بناء على شكوى مقدمة من احدهما ضد الأخر وكذلك بشكوى ولي المرأة المتهمة بالزنا، بحيث تغل يد النيابة العامة عن تحريك الدعوى الجنائية ما دام لم يقدم أحد الزوجين شكوى ضد الأخر متهما إياه بارتكاب جريمة الزنا، كما أورد المشرع قيد على اشتراط الشكوى وهو أن تكون علاقة الزوجية مازالت قائمة بينهما، حيث نصت المادة (284/1) من قانون العقوبات الأردني على: (1. لا يجوز ملاحقة الزاني أو الزانية إلا بشكوى الزوج أو الزوجة ما دامت الزوجية قائمة بينهما، وكذلك بشكوى ولي الزانية، وفي حال الشكوى ضد احدهما أو كليهما يلاحق الاثنان معا بالإضافة الى الشريك والمحرض والمتدخل في فعل الزنا إن وجدوا، وتسقط الدعوى والعقوبة المحكوم بها بإسقاط الشاكي شكواه).
4- جرائم أخرى يتوقف تحريك الدعوى الجنائية فيها على شكوى من المجني عليه
نصت المادة (426) من قانون العقوبات على عدد أخر من الجرائم التي لا تتم فيها الملاحقة الجنائية إلا بعد تقديم شكوى من المتضرر حيث جاء نصها: (1. الجنح المنصوص عليها في المواد في المواد (415) و(416) و(419) و(420/1) و(422) و(423/1) و(424) و(425)) لا تلاحق إلا بناء على شكوى المتضرر، ما لم يكن المتضرر مجهولا.
- إن إساءة الائتمان المعاقب عليها بموجب المادة (422) تلاحق عفوا اذا رافقتها احدى الحالات المشددة المنصوص عليها في الفقرات (2) و (3) و(4) و(5) من المادة (423)).
- وبالرجوع الى المواد المذكورة في هذا لنص نجد إن تلك الجرائم هي
ا- جريمة الابتزاز
ب- جريمة استعمال أشياء الغير بدون حق.
ج- جريمة الاحتيال على الدائنين بقصد الاحتيال.
د- جريمة إخفاء مستندات جوهرية عن الشاري أو المرتهن.
ه- جريمة التصرف بالمنقول المملوك بهفوة من المالك.
- أما بالنسبة للجرائم الواردة في الفقرة الأولى من هذه المادة، فقد راعى المشرع التفرقة بين أمرين أولهما أن يكون المتضرر من أحد هذه الجرائم معلوما وفي هذه الحالة لا يحق للنيابة العامة تحريك الدعوى الجنائية ضد المتهم إلا بعد تقديم الشكوى منه.
أما الحالة لثانية أن يكون المتضرر (المجني عليه) مجهولا وغير معلوم وفي هذه الحالة يجوز للنيابة العامة أن تحرك الدعوى الجنائية ضد المتهم ويرفع عنها قيد تقديم الشكوى الذي اشترطه القانون.
أما بالنسبة للجرائم الواردة في الفقرة الثانية من ذات المادة وهما:
و – جريمة إساءة الأمانة
ي- جريمة إساءة الأمانة من قبل الخادم بأجرة أو العامل
فقد رأى المشرع ضرورة التفرقة بين حالات جريمة إساءة الأمانة حيث اشترط تقديم شكوى من المجني عليه إذا كانت جريمة إساءة الأمانة في صورتها البسيطة المنصوص عليها في المادة( 422 ) وكذلك اشترط تقديم شكوى من قبل المجني عليها، إذا كانت إساءة الأمانة قد حدثت من قبل أحد خدم المجني عليه الذين يتقاضون اجرأ أو أحد عماله، أما في الحالات الأخرى من حالات إساءة الأمانة التي وقعت تحت ظرف مشددة غير ما ورد بالفقرة الأولى من المادة( 23) من قانون العقوبات، فلم يشترط المشرع تقديم شكوى من قبل المجي عليه بحيث يكون للنيابة العامة الحق في تحريك لدعوى الجنائية دون انتظار تقديم المتضرر شكوى، و هذه الحالات الأربع المنصوص عليها في المادة( 423 ) من قانون العقوبات حيث جاء نصها: ( ….. 2. مدير مؤسسة خيرية وكل شخص مسؤول عن أعمالها.
- وصي ناقص الأهلية أو فاقدها.
- محامياً أو كاتب عدل.
- كل شخص مستناب عن السلطة العامة لإدارة أموال تخص الدولة أو الأفراد أو لحراستها).
- ويستفاد مما سبق ذكره حول النطاق النوعي لجرائم الشكوى أن المشرع قد راعى ذكرها على وجه الدقة وعلى وجه التحديد مما يفهم منه أن هذه الحالة هي على سبيل الحصر لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها.
خامسا: حالات انقضاء الشكوى
تخضع الشكوى كغيرها من التصرفات القانونية لأحكام الانقضاء والتقادم، إذ رأى المشرع أن في مرور مدة طويلة دون تقديم الشاكي شكواه الى النيابة العامة أو محكمة الصلح ما يفيد ضمنيا تنازله عنها، ولا يتوقف انقضاء الشكوى عند فوات ميعاد تقديمها فقط، فقد تنقضي أيضا بوفاة المشكو في حقه وكذلك بوفاة الشاكي، وأخيرا تنقضي الشكوى بتنازل مقدمها عنها، وسوف نوضح كل حالة من هذه الحالات على التفصيل الاتي:
أ- فوات ميعاد تقديم الشكوى أو ميعاد متابعتها
حدد القانون الأردني مدة ثلاث شهور يجب على الشاكي خلالها تحرير شكوى وتقديمها ضد المجني عليه وإلا سقط حقه في تقديمها أو في تحريك الدعوى الجنائية ضد الجاني، كما يجب على الشاكي متابعة شكواه فاذا مرت مدة ثلاثة شهور بعد تقديم الشكوى دون أن يتابعها الشاكي، فيحق لمحكمة الصلح إسقاط دعوى الحق العام ، كما قرر المشرع إسقاط دعوى الحق العام اذا مرت مدة ستة اشهر من وقت رفع الدعوى الجزائية مباشرة بشكوى أمام محكمة الصلح، إذا لم يقم الشاكي بمتابعة الدعوى خلال هذه المدة، حيث نصت المادة( 3/ في فقرتيها 2 ، 3 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على (2. في الدعاوي الجزائية الواردة في البند (أ) من الفقرة (1) من هذه المادة.
أ. يسقط الحق في تقديم الشكوى أو الادعاء الشخصي بعد مرور ثلاثة اشهر من تاريخ علم المجني عليه بوقوع الجريمة ولا اثر لهذا السقوط على الحقوق المدنية للمجني عليه.
ب. اذا لم يقم المشتكي بمتابعة هذه الشكوى مدة تزيد على ثلاثة اشهر فعلى محكمة الصلح إسقاط دعوى الحق العام تبعا لذلك.
- في الدعاوى الجزائية الصلحية الأخرى التي ترفع من المشتكي مباشرة، إذا لم يقم المشتكي بمتابعة شكواه مدة تزيد على ستة أشهر جاز للمحكمة إسقاط دعوى الحق العام).
- وتطبيقا لذلك فقد قضي في الحكم رقم 366 لسنة 2022 – الصادر من محكمة بداية الرصيفة بصفتها الاستئنافية بتاريخ 22-5-2022 على: (وحيث يستفاد من المادة (3) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أن سقوط الحق في تقديم الشكوى بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ علم المجنى عليه بوقوع الجريمة تطبق في جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجزائية وجود شكوى أو ادعاء شخصي من المجني عليه. وحيث أن جنحة إساءة الأمانة وفقاً للمادة (422) من قانون العقوبات من الجرائم التي تتوقف الملاحقة فيها على وجود شكوى، وحيث أن الثابت من البينة المقدمة أن واقعة أخذ المشتكى عليه ( المستأنف) للمركبة والامتناع عن ردها حصلت في نهاية عام 2016، وحيث أن المشتكي تقدم بشكواه لدى مدعي عام الرصيفة بتاريخ 9/9/2019، فتكون شكواها مقدمة خارج المدة القانونية مما يستوجب معه إسقاط دعوى الحق العام عن المشتكى عليه ( المستأنف) عن هذا الجرم لعدم تقديم المشتكي لشكواه خلال المدة القانونية وهي مدة تقادم خاصة بالجرائم التي تتوقف الملاحقة فيها على شكوى أو اتخاذ صفة الادعاء بالحق لشخصي).
ب- الوفاة
ينقضي الحق في الشكوى بوفاة المجني عليه، ويرجع ذلك الى خصوصية الشكوى باعتبارها مبنية على الاعتبار الشخصي للشاكي فهي حق للشاكي نفسه لا ينتقل الى غيره من بعده، إلا أن المسالة التي تثار في هذا الشأن حالة إذا ما قام المجني عليه بتقديم الشكوى ثم توفى بعد تقديمها، فهل يمنع ذلك النيابة العامة من استكمال السير في الدعوى الجزائية؟
- لم يتعرض المشرع الأردني الى هذه الحالة إلا أن الفقه القانوني قد اتجهت اغلب آرائه الى أن وفاة المجني عليه بعد تقدمه بالشكوى لا يؤثر على وضع الشكوى القانوني، ويبقى للنيابة الحق في استكمال السير في الدعوى الجزائية وتكون منتجة لأثرها،[6] أما في حالة وفاة الجاني (المتهم) فتضحى الشكوى غير منتجة لأثرها القانوني، لامتناع العقاب واستحالته بوفاة الجاني وبالتالي تنقضي الشكوى وما ترتب عليها من دعوى جزائية بوفاة المتهم.
ج- التنازل عن الشكوى
والمقصود بالتنازل هو إبداء المجني عليه رغبته اليقينية بوقف السير في الدعوى الجزائية في مواجهة المشكو في حقه، والتنازل لا يكون إلا في الجرائم التي يتوقف تحريك الدعوى الجزائية فيها على شكوى من المتضرر ويجب أن يكون التنازل صادرا من المشكو في حقه بشخصه، أو من وكيله الخاص، واذا كان المجني عليهم اكثر من شخص فلا يكفي التنازل من أحدهما لانقضاء الدعوى الجنائية ومع السير فيها بل يجب أن يكون التنازل من صادرا من جميعهم وقد نصت المادة (53 /3) من قانون العقوبات الأردني على: (3. لا يعتبر الصفح اذا تعدد المدعون بالحقوق الشخصية أو المشتكون ما لم يصدر عنهم جميعهم).
سادسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالشكوى كقيد على تحريك الدعوى الجزائية
1- الحكم رقم 812 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 24-5-2022 حيث قضي فيه 🙁وفي الحالة المعروضة علينا: – نجد أن المادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية تعاقب كل من أرسل ما يتضمن ذماً أو قدحاً أو تحقيراً إلى شخص آخر.
وحيث إن هذه المادة قد عالجت الوسيلة التي ترتكب فيها جرائم الذم أو القدح أو التحقير ورفعت مقدار العقوبة إلا أنها لم تتضمن أي أحكام جديدة في مسألة الإجراءات والشروط التي يجب توافرها عند إقامة دعوى الذم والقدح والتحقير وذلك وفقاً لما هو وارد بالمادة (364) من قانون العقوبات والتي تنص على أنه (تتوقف دعاوى الذم والقدح والتحقير على اتخاذ المعتدى عليه صفة المدعي الشخصي) مما يعني أن الأحكام العامة الواردة في قانون العقوبات تبقى سارية المفعول إلى جانب تطبيق المادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية.
وحيث إن المشتكي في هذه الدعوى لم يتخذ صفة المدعي الشخصي فإنه والحالة هذه يتوجب على المحكمة وقف ملاحقة المشتكى عليه عن الجرم المسند إليه.
وحيث إن محكمة بداية جزاء عمان بصفتها الاستئنافية وبقرارها الاستئنافي رقم (1300/2020) تاريخ 21/5/2020 انتهت إلى خلاف ذلك فإنها بذلك تكون قد خالفت القانون ويكون سبب الطعن وارداً على القرار المطعون فيه.)
2- الحكم رقم 65 لسنة 2018 – صلح جزاء مادبا الصادر بتاريخ 22-4-2018 حيث قضي فيه: (وحيث أن نص المادة 3/2/ب من قانون أصول المحاكمات الجزائية:(ب. اذا لم يقم المشتكي بمتابعة هذه الشكوى مدة تزيد على ثلاثة اشهر فعلى محكمة الصلح إسقاط دعوى الحق العام تبعا لذلك).فإن النص جاء بصيغة الأمر والوجوب أنه إذا لم يقم المشتكي بمتابعة هذه الشكوى مدة تزيد على ثلاثة اشهر فعلى محكمة الصلح… )، وبما النص هو نص آمر، ومن النظام العام، ولا تملك محكمة الصلح إلا أن تُعمِـــــــــــل الإسقاط في حال عدم متابعة المشتكي لشكواه لمدة تزيد على الثلاثة أشهر، وإن المدد المحددة في القانون هي مدد سقوط لا يرد عليها أي وقف أو انقطاع، الأمر الذي يتوجب فيه على محكمة الصلح والحالة هذه إلا إسقاط دعوى الحق العام لعدم متابعة المشتكي لشكواه لمرور المدة المحددة بالقانون).
3- الحكم رقم 4233 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 12-4-2020 حيث قضي فيه:(حيث إن البين من أوراق الدعوى وبيناتها ارتكاب الظنين جنحة الذم بحدود المادة (189) من قانون العقوبات كون المشتكى عليه قام بتاريخ 3/11/2016 بتوزيع منشورات تضمنت أن المشتكي يقوم ببيع أدوية مهربة ومسروقة هو وزوجته مما شكل مساساً بشرف وكرامة واعتبار المشتكيين والحكم عليه بالحبس مدة شهرين والرسوم وجنحة التهديد بحدود المادة (354) من قانون العقوبات كون المشتكى عليه قام في شهر 2/2017 بتهديد المشتكية سوسن بقوله (والله لاصفيكي تصفاية) وتهديدها بابنها بقوله ( والله لأضبلك إياه في المخابرات وأخليه ما يشوف ضو الشمس سنين) مما أدخل الخوف والرعب في قلبها والحكم عليه بالحبس مدة أسبوع والرسوم و جنحة خرق حرمة الحياة الخاصة بحدود المادة (348) مكرر من قانون العقوبات كون أن المشتكى عليه قام بتاريخ 15/10/2016 بالتقاط صورة للمشكين أثناء تواجدهما في المحكمة دون إذن منهما أو موافقتهما والحكم عليه بالحبس شهرين والرسوم والغرامة (200) دينار والرسوم وتنفيذ العقوبة الأشد وهي الحبس شهرين والرسوم والغرامة 200 دينار والرسوم ، وحيث إن الشكوى قدمت من المشتكيين بتاريخ 3/1/2017 فيكون تقديمهما للشكوى تم قبل مرور الثلاثة أشهر المنصوص عليها في المادة (3/2/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وسبب الطعن يغدو غير وارد.(
4- الحكم رقم 2018 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 22-9-2019 حيث قضي فيه: (- إذا انصب سبب الاستئناف على تخطئة محكمة الاستئناف بمخالفة أحكام المادة (3/2/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية بزعم أنه قد سقط حق المشتكية بتقديم الشكوى والادعاء بالحق الشخصي بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ علمها بوقوع الجريمة ، وحيث أن محكمة بداية الجزاء بصفتها الاستئنافية ردت على أسباب الاستئناف بالمجمل دون أن ترد على هذا السبب بما له من أثر على فرض ثبوته وبالتالي تكون محكمة البداية بصفتها الاستئنافية قد خالفت القانون الأمر الذي يستوجب نقض قرارها دون حاجة للبحث في السببين الباقيين مع الإشارة إلى أن محكمة البداية بصفتها الاستئنافية ملزمة بالرد على كافة ما يثيره المستأنف في لائحة استئنافه وإن كان الرد بالمجمل على الأسباب إلا أنه يجب أن يغطي الرد كل ما يثار في الأسباب).
5- الحكم رقم 1695 لسنة 2022 – بداية الزرقاء بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 15-6-2022
(وأنه وبرجوع محكمتنا إلى الجرم المسند للمستأنف ضده وهو جرم إساءة الأمانة بحدود المادة (422) من قانون العقوبات وعلى فرض الثبوت فان هذا الجرم من ضمن الجنح الواردة في المادة 426 من قانون والتي لا تلاحق إلا بناء على شكوى المتضرر ويترتب على ذلك أن المشرع بالمادة (3/2/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد رتبت سقوط الحق في تقديم الشكوى أو الادعاء بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ علم المجني عليه بوقوع الجريمة ولا اثر لهذا السقوط على الحقوق المدنية للمجني عليه بمعنى أن مدة الثلاثة أشهر الواردة بالمادة 3/2/أ من قانون أصول المحاكمات الجزائية هي مدة سقوط للحق بالشكوى في الجرائم التي يتوقف رفعها ومباشرتها تقديم شكوى وبمعنى أدق فانه يتوجب لرفع الدعوى الجزائية وجود شكوى من المتضرر يستوجب رفعها خلال مدة المحددة في المادة (3/2/أ) المذكورة وإلا ترتب على ذلك عدم جواز ملاحقة المشتكى عليه).
سابعا: الخاتمة
ختاما فقد حاولنا في هذا المقال التطرق الى الشكوى من حيث معناها وخصائصه وشروطها الى جانب دورها كقيد عل تحريك الدعوى الجنائية والسير في إجراءاتها من قبل النيابة العامة وقد ظهر لنا من خلال هذا البحث وجود طائفة من الجرائم التي علق المشرع الأردني السير في ملاحقة المتهمين فيها على تقديم المتضرر شكوى، بحيث يمتنع على النيابة العامة القيام بأي إجراء من إجراءات الدعوى الجنائية إلا بعد تقدم المتضرر بشكوى ليزيل هذا القيد من أمام النيابة العامة.
كتابة: محمد إسماعيل حنفي
[1] محمد علي سالم الحلبي، الوجيز في قانون أصول المحاكمات الجزائية، دار الثقافة، عمان، ص 2005
[2] في ذات المعنى، احمد فتحي سرور، الوسيط في الإجراءات الجنائية، القاهر، دار النهضة العربية، ص 179
[3] عبد القادر سعيد المجيدي، شكوى المجني عليه، رسالة ماجيستير، جامعة عدن 2000، ص 54
[4] عبد القادر سعيد المجيدي، مرجع سابق، ص 85، انظر المزيد مقال محامي استئناف منشور على موقع حماة الحق.
[5] صبري علي الحشكي، الشكوى في القانون الجزائي، مكتبة المنار ط، ط1، الأردن 1986، ص 125
[6] عبد السلام مقلد، الجرائم المعلقة على الشكوى، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ص 35

