مسؤولية الوسيط العقاري
أدي النمو والتطور الرهيب الذي لحق بالمجتمع إلى تشعب العلاقات والمعاملات بين الناس، وهو ما أدي بالضرورة إلى زيادة نسبة العقود المبرمة بينهم، وقد اتجهت الأفكار والمعتقدات إلى التسليم بفكره المصالح المتعارضة في العقود، فكل طرف يبحث عن تحقيق أهدافه ومصالحة وفق اطار قانوني يحميه، ولما كانت المعاملات العقارية بصفه خاصة تحتاج لمن يتمتعون بالخبرة في هذا المجال فقد لجأ الناس في إنهاء معاملاتهم العقارية للوسيط العقاري أو السمسار لإنهاء هذه المعاملات والتوسط بين البائع والمشتري لما يتمتع به من خبرة ودراية بالاستثمار العقاري، ولما كانت العقود تتمتع بالقوة الإلزامية وأن عدم تنفيذها يعتبر مخالفة للقانون، وأن هذه القوة الإلزامية للعقود جاءت بناء علي سلطان الإرادة والتي تقيد الأطراف وتلزمهم بما اتفقوا عليه، وهو ما أكدت عليه المادة (241) من القانون المدني الأردني بالنص على ” إذا كان العقد صحيحاَ لازماَ فلا يجوز لأحد العاقدين الرجوع فيه ولا تعديله ولا فسخه إلا بالتراضي أو التقاضي أو بمقتضي نص في القانون “.
ـ كما أن المسؤولية العقدية لا تقوم إلا بتوافر عدة شروط وهي وجود عقد صحيح بين المتعاقدين، ومتي كان العقد باطلاَ انتفت معه المسؤولية العقدية، وأن يكون الإخلال الواقع من المسؤول ناشئ عن التزام في العقد،/ وأن يصاب أحد المتعاقدين بضرر، وأن يكون هذا الضرر ناتج عن إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه العقدي، وهو ما يسمي علاقة السببية بين الخطأ والضرر، ولما كانت عقود الوسيط العقاري أو ما يسمي بالسمسار من العقود الملزمة للجانبين ولها قوتها الملزمة ومن ثم فإنه يترتب عليه مجموعة من الالتزامات على كل طرف متعاقد، وبالتالي فإن إخلال الوسيط العقاري بإلزامه التعاقدي يترتب عليه مسؤولية عقدية لصالح الطرف المتعاقد، وهو ما سوف نحاول بيانه في هذا المقال، وذلك على النحو التالي:
أولا: التعريف بعقد الوساطة العقاري
ثانيا: نطاق المسؤولية العقدية للوسيط العقاري
ثالثا: المسؤولية العقدية للوسيط العقاري وأركانها:
رابعا: الآثار المترتبة على المسؤولية العقدية
رابعا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بالمسؤولية العقدية:
أولا: التعريف بعقد الوساطة العقاري
يمكن القول بأن عقد الوساطة أو السمسرة بصفه عامة هو العقد الذي بمقتضاه يلتزم الوسيط العقاري أو السمسار بالتفاوض نيابة عن العميل لإقناع الغير بإبرام العقد معه مقابل أجر يتقاضاه الوسيط.
ـ هذا وقد عرفت المادة (99) من قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 عقد السمسرة بأنه: ” عقد يلتزم به فريق يدعى السمسار لأن يرشد الفريق الآخر إلى فرصة لعقد اتفاق ما أو أن يكون وسيطاَ له في مفاوضات العقد، وذلك مقابل أجر”.
ـ وقد عرفته المادة (192) من قانون التجارة المصري رقم (17) لسنة 1999 بأنه ” عقد يتعهد بمقتضاه السمسار لشخص بالبحث عن طريق طرف ثان لإبرام عقد معين والتوسط في إبرامه”.
ـ وقد عرفت المادة الثانية من قانون الوكلاء والوسطاء التجاريين الأردني رقم (28) لسنة 2001 الوساطة بأنها” قيام شخص بالوساطة بين طرفين لعقد العقود أو تسهيل عقد المعاملات التجارية وما يتفرع عنها لقاء أجر دون أن يتحمل تبعتها”.
ـ هذا وقد حددت المادة الثالثة من نظام تنظيم المكاتب العقارية الأردني وتعديلاته رقم (53)لسنة 2001 بعض الشروط فيمن يتقدم بطلب للحصول على رخصة مكتب عقاري وهي كالتالي:
1ـ أن يكون أردنياَ.
2ـ أن يكون حسن السيرة والسلوك وغير محكوم بجناية أو بجنحة مخلة بالشرف أو الأخلاق العامة. 3ـ لا يقل عمره عن عشرين سنة.
4ـ أن يكون حاصلاً على شهادة الدارسة الثانوية العامة على الأقل.
5 ـ أن يجتاز الفحص المقرر في معاملات تسجيل الأراضي وقراءة الخرائط والمخططات وفقاً لتعليمات يصدرها المدير لهذه الغاية .
6- أن لا يكون موظفاً في أي من الدوائر الحكومية أو المؤسسات الرسمية العامة أو المؤسسات العامة أو البلديات.
ـ كما حدد المادة الخامسة من ذات النظام الجهة المختصة بإصدار ترخيص المكاتب العقارية وهي لجنة ترخيص ومراقبة المكاتب العقارية المشكلة في دائرة الأراضي والمساحة الأردنية في العاصمة عمان. وتتولى هذه اللجنة ثلاث مهمات:
1 ـ دراسة طلبات الترخيص المقدمة لها.
2ـ التحقق من التزام المكتب العقاري بالشروط والمتطلبات القانونية.
3ـ تقديم التوصيات الى المدير لاتخاذ القرار المناسب.
ـ هذا ويترتب على عقد الوساطة العقارية أن يقوم الوسيط العقاري أو السمسار بتنفيذ العمل المكلف به وأن يقوم ببذل العناية اللازمة التي يبذلها الشخص العادي في تنفيذ العمل المكلف به، كما لا يجوز له أن يكون طرفاَ ثانياَ في العقد الذي يتوسط لإبرامه، وهو ما أقرته المادة (549) من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 بأن نصت على: ” لا يجوز للوسطاء أو الخبراء أن يشتروا بأسمائهم أو باسم مستعار الأموال التي عهد إليهم في بيعها”.
ـ كما أنه لا يجوز للوسيط أن يكلف غيره بالعمل الموكل إليه إلا إذا كان مأذونا له بذلك في عقد الوساطة من قبل العميل، فعقد الوساطة من العقود الشخصية، وهو ما أكدت عليه المادة (843) ذات القانون ” بالنص علي: ” 1ـ ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وكل به كله أو بعضه إلا إذا كان مأذونا من قبل الموكل أو مصرحا له بالعمل برأيه ويعتبر الوكيل الثاني وكيلا عن الموكل الأصلي.
2 ـ فإذا كان الوكيل مخولا حق توكيل الغير دون تحديد فإنه يكون مسؤولا تجاه موكله عن خطئه في توكيل غيره أو فيما أصدره له من توجيهات”، ويلتزم العميل بدفع الأجرة المتفق عليها للوسيط، وعادة ما يكون الأجر متفق عليه في عقد الوساطة، ويجب أن يكون الأجر المتفق عليه متناسب مع ماهية العمل والجهود المبذولة من قبل الوسيط ، ومن هذا المنطلق يمكن القول أن الوسيط العقاري هو الشخص أو المكتب المرخص له والذي يقوم بالتوسط بين طرفين البائع والمشتري لتسهيل عملية البيع والشراء والإيجار للممتلكات العقارية وذلك مقابل أجر يتم الاتفاق عليه، فقد يكون الوسيط العقاري وسيط للبائع، وقد يكون وسيط للمشتري، وقد يكون وسيط مزدوج للبائع والمشتري.
ـ ومن مهام الوسيط العقاري العمل على إتمام عمليات البيع أو الإيجار ، وكذلك التأكد من صحة مستندات الملكية وتوثيقها وإنهاء المعاملات القانونية، وتسويق العقارات والأراضي، وهنا يتضح الفرق جلياَ بين التسويق العقاري، والوسيط العقاري، فالأول يقوم بتسويق العقارات من خلال الترويج لها ولو لم يكتمل إنشاء المشروع بل يتم الترويج بمجرد بداية الإنشاء مقابل نسبة من الربح، في حين الوسيط العقاري يقوم بالوساطة على مشروع متواجد بالفعل وليس تحت الإنشاء، وذلك من خلال التفاوض مع البائع والمشتري أو المؤجر والمستأجر لإتمام عملية البيع أو الإيجار مقابل أجر يتم الاتفاق عليه.
ثانيا: نطاق المسؤولية العقدية للوسيط العقاري: إن المسؤولية العقدية تقابل المسؤولية التقصيرية فالأولي جزاء العقد والثانية جزاء العمل غير المشروع، والمسؤولية العقدية جاءت كجزاء للإخلال بالقوة الملزمة للعقد[1].
ـ ومن أجل قيام المسؤولية العقدية، ومن ثم ترتيب الالتزامات التعاقدية، يجب أن تتوافر الشروط الآتية:
1ـ وجود عقد صحيح: من أجل أن تنعقد المسؤولية التعاقدية بين الوسيط العقاري والعميل أن يتم إبرام عقد صحيح بينهما موضح به التزامات كل طرف من الأطراف، فبدون العقد لا تكون هناك مسؤولية عقدية كون الأخيرة تقع كجزاء للعقد، ولا يكفي لقيام المسؤولية العقدية وجود عقد فقط بل يجب أن يكون هذا العقد صحيح، هذا وقد عرفت المادة (167) من القانون المدني الأردني العقد الصحيح بأنه: “العقد الصحيح هو العقد المشروع بأصله ووصفه بأن يكون صادراَ من أهله مضافا الى محل قابل لحكمه وله غرض قائم وصحيح ومشروع وأوصافه صحيحة ولم يقترن به شرط مفسد له”.
ـ وقد يكون العقد باطل، أو قابل للإبطال، وهنا تنعدم المسؤولية العقدية ولا يثور بين طرفيه إلا المسؤولية التقصيرية إن وجد محل لها، وقد عرفت المادة (168/1)من ذات القانون العقد الباطل على أنه: “1ـ العقد الباطل ما ليس مشروعا بأصله ووصفه بأن اختل ركنه أو محله أو الغرض منه والشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة”.
ـ ولكن سؤال هام يطرح نفسه في هذا المقال وهو هل من الممكن أن يقتصر جزاء بطلان العقد على تعطيل بعض الآثار فقط، ونفاذ باقي الآثار؟
ـ يمكن القول بجواز ذلك، حيث نصت المادة (169) من ذات القانون على أنه: ” 1- اذا كان العقد في شق منه باطلا بطل العقد كله إلا إذا كانت حصة كل شق معينة فإنه يبطل في الشق الباطل ويبقى صحيحا في الباقي 2ـ وإذا كان العقد في شق منه موقوفا، توقف في الموقوف على الإجازة فإن أجيز، نفذ العقد كله، وإن لم يجز بطل في هذا الشق فقط بحصته من العوض وبقي في النافذ بحصته”.
2ـ أن يكون العقد بين المسؤول والمتضرر: يجب لكي تكتمل المسؤولية العقدية أن يكون الإخلال الواقع من المسؤول حقق ضرر ينصرف إليه أثر العقد، ومن ثم فإن وقع الإخلال ممن لا تنصرف إليه آثار العقد فإن المسؤولية هنا تصبح مسؤولية تقصيرية لا مسؤولية عقدية، ولو كان المسؤول مكلف بتنفيذ التزام تعاقدي[2].
ـ كما أن العقد ينتج آثاره في مواجهة المتعاقدين فإنه يتعداهم إلى من يحل محلهم في الحقوق التي ينظمها العقد، وهم الخلف العام والخلف الخاص، والخلف العام هو الذي تنتقل إليه الذمة المالية أو جزء منها من قبل سلفه بعد وفاه الأخير.
ـ هذا وقد نصت المادة (206) من القانون المدني الأردني على أنه: ” ينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ما لم يتبين من العقد أو من طبيعة التعامل أو من نص القانون أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام”.
ـ ومن خلال هذه المادة يتضح أنها أوردت بعض الاستثناءات من انصراف أثر العقد على الخلف العام وهي أن المتعاقدان قد يتفقا في العقد على عدم امتداد آثاره للورثة، كما أنه ومن الممكن أن تكون طبيعة العمل التعاقد عليه نفسها تمنع من أن ينتقل الأثر للورثة، وقد ينص القانون ذاته على ذلك.
ـ كما أن التزامات الخلف العام تنحصر في حدود الأموال التي يتلقاها من سلفه، ومن ثم فإنه لا يسأل في أمواله الخاصة عن ديون سلفه.
ـ أما الخلف الخاص فهو كل من تلقي مالاَ من سلفه، سواء كان هذا المال حق عيني أو حق شخصي، وهذا الخلف لا يعتبر خلفاَ إلا في الحق الذي تلقاه من سلفه، وقد نصت المادة (207) من ذات القانون على :” إذا أنشأ العقد حقوقا شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى خلف خاص فإن هذه الحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه”.
ثالثا: المسؤولية العقدية للوسيط العقاري وأركانها:
1ـ ماهية المسؤولية العقدية: بداية نود أن نشير إلى نص المادة (87) من القانون المدني الأردني والتي عرفت العقد بأنه: ” العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للأخر”.
ـ ومن ثم فإن المسؤولية العقدية هي تلك المسؤولية التي تنشأ عن الإخلال بما التزم به المتعاقد من التزامات في العقد المبرم بينه وبين الطرف الآخر، ومن ثم فإن المسؤولية العقدية تترتب على عدم تنفيذ الالتزام الناشئ عن العقد على الوجه المتفق عليه.
ـ ومن ثم تقوم المسؤولية العقدية للوسيط العقاري بمجرد توافر وتحقق أركان هذه المسؤولة والمتمثلة في الخطأ والضرر وعلاقة السببية[3].
2ـ أركان المسؤولية العقدية للوسيط العقاري: إن أركان المسؤولية العقدية للوسيط العقاري هي ذات أركان المسؤولية العقدية في القواعد العامة والتي تتكون من الخطأ والضرر وعلاقة السببية، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:
أ ـ خطأ الوسيط العقاري: يعتبر الخطأ هو الركن الأول من الأركان التي ترتكز عليها المسؤولية العقدية، وقد اختلف فقهاء القانون المدني في تعريف الخطأ العقدي، وقد عرفه البعض بأنه ” انحراف المدين بالالتزام، لا يأتيه الرجل المعتاد إذا وجد نفس ظروف المدين العادية”[4].
ـ ويختلف الخطأ باختلاف نوعيه الالتزام العقدي فقد يكون التزام بتحقيق نتيجة، وقد يكون التزام ببذل عناية، وما يحدد ذلك هي إرادة الأطراف، وحال تعذر الوصول لإرادة الأطراف فيجب الرجوع إلى طبيعة النتيجة التي يسعى الأطراف المتعاقدة لتحقيقها.
ـ ولعل الالتزام العقدي في عقد الوساطة العقارية هو التزام بتحقيق نتيجة أو غاية، ومن ثم يكون الوسيط العقاري قد أخل بالتزامه العقدي إذا لم يحقق الغاية المطلوبة، كما أنه لا يقبل منه تقديم الدليل على انعدام الخطأ منه، لأن الخطأ قد وقع بالفعل نتيجة لعدم تنفيذ التزامه[5].
ـ وإذا كان الإخلال التعاقدي يقع من الوسيط العقاري نفسه فإنه قد يقع من شخص آخر استعان به الأخير لمساعدته في تنفيذ التزامه التعاقدي، وفي حالة إخلال هذا الذي استعان به الوسيط العقاري فإن الأخير يكون مسؤول عن ذلك وهنا تطبق المسؤولية العقدية للوسيط العقاري عن فعل الغير، كما أن المسؤولية العقدية لا تقتصر علي الالتزامات الواردة في العقد فقط بل تمتد وتشمل إلى ما سكت عنه المتعاقدين ونظمه القانون، ومن ثم فإن المسؤولية العقدية لا تقتصر على إلزام المتعاقد بما ورد في العقد فحسب، بل يتناول أيضاَ ما هو من مستلزماته وفقاَ للقانون، والعرف، والعدالة، بحسب طبيعة الالتزام.
ب ـ الضرر: تضمنت المواد من (360 ـ 364) من القانون المدني الأردني المسؤولية العقدية والأضرار التي يشملها التعويض، وحيث أنه ووفقاَ لأحكام المادة (263) من هذا القانون فإن التعويض عن الضرر الناتج عن الإخلال بالعقود يكون بما يساوي الضرر الواقع فعلاَ حين وقوعه إذا لم يكن الضمان مقدراَ في القانون أو في العقد.
ـ كما أنه لا يستقيم حق العميل في المطالبة بالتعويض إلا إذا توافر ركن الضرر، والذي هو بمثابه الركن الأهم من أركان المسؤولية بصفه عامة والمسؤولية العقدية بصفه خاصة، حيث أنه من الممكن أن يتم الاكتفاء به في بعض الأحيان من أجل إقرار التعويض دون النظر إلى ركن الخطأ.
ـ وينقسم الضرر إلى ضرر مادي وضرر معنوي، والضرر المادي هو ذلك الضرر الذي يصيب العميل نتيجة الخطأ والإخلال بالالتزام التعاقدي من قبل الوسيط العقاري كأن يتكبد العميل خسائر مالية ضخمة في استثماراته العقارية.
ـ أما الضرر المعنوي أو الضرر الأدبي فهو الضرر الذي لا يمس العميل في حق أو مصلحة مالية، تتمثل في الآلام النفسية التي تلحق بالعميل من جراء المساس بالاعتبارات الأدبية والمعنوية التي يحرص عليها.
ـ والتعويض عن الضرر المعنوي الناتج عن إخلال الوسيط العقاري بالالتزامات الناشئة عن العقد شأنه في ذلك شأن التعويض عن الضرر المادي والذي يخضع في تقديره للقواعد العامة، إلا أنه يختلف عنها في أن الضرر المعنوي يعتبر من الحقوق الشخصية والتي لا تنتقل بالميراث أو بغيره من أسباب كسب الحقوق، وذلك ما لم يظهر وجود إرادة حقيقية للعميل المضرور في المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي، فيجب من أجل أن ينتقل الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي للورثة أو للغير إما أن يكون قد تحدد ذلك في التعاقد، أو أن العميل نفسه قد طالب به أمام القضاء.
ـ هذا وقد انقسم الفقه بين مؤيد ومعارض للتعويض عن الضرر الأدبي والمعنوي، فيري الفريق المؤيد إلى أن القانون المدني الأردني يفرض التعويض عن الضرر الأدبي، واستدلوا على ذلك بنص المادة (267/1) من القانون المدني والتي نصت على ” يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك فكل تعدي على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسؤولاَ عن الضمان”، بينما يري الفريق المعارض عدم الأحقية في التعويض عن الضرر الأدبي واستندوا على أن نص المادة السابق قد اقتصر على المسؤولية التقصيرية دون المسؤولية العقدية، واستدلوا على ذلك بقرار محكمة التميز رقم (526/1999) والذي تضمن على أنه: ” ووفقا لنص المادة( 363 ) من القانون المدني بأن التعويض يكون بما يساوي الضرر الواقع فعلاَ أي لا يحكم بالضرر الأدبي ولا بما فات من كسب أو ربح”.
ـ إلا أن المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني فيما جاء بها للمادة (267) مدني تضمنت: ” لذا رؤي في المشرع الأخذ بالرأي الذي يجيز التعويض عن الضرر الأدبي” ، أما المذكرة الإيضاحية للمادة (363) مدني والمتعلقة بالمسؤولية العقدية أشارت إلى عدم التعويض عن الضرر الأدبي في المسؤولية العقدية، حيث نص على: ” … وبناء على ذلك اكتفي في التعويض عن الضرر الأدبي بما جاء في المادة 267 من المشروع الواردة في الفعل الضار”.
ـ كما أن أحكام واجتهادات محكمة التمييز الأردنية قد استقرت على أن الضرر الأدبي يكون محله الفعل الضار ولا يعوض عنه في مجال المسؤولية العقدية، ومن ثم فلا مجال للمطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي في المسؤولية العقدية وفقاَ لأحكام القانون والقضاء، ما لم يرتكب الوسيط العقاري غشاَ أو خطأ جسيماَ.
جـ ـ علاقة السببية بين الخطأ والضرر: لا يكفي لقيام المسؤولية المدنية بصفه عامة والمسؤولية العقدية بصفه خاصة حصول ضرر للشخص ووقوع خطأ من شخص آخر بل لابد من أن يكون هذا الخطأ هو السبب المباشر في إحداث الضرر وإلا انعدمت المسؤولية، وهو ما نصت عليه المادة (266) من القانون المدني الأردني بالنص على: ” يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار”.
ـ إلا أنه إذا قام الوسيط العقاري بإثبات أن الضرر الواقع على العميل ناشئ عن سبب أجنبي لا يد له فيه فإنه يكون غير ملزم بالضمان، وهو ما أكدته المادة (261) من القانون المدني الأردني بالنص على: ” إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كآفة سماوية أو حادث فجائي أو قوة قاهرة أو فعل الغير أو فعل المتضرر كان غير ملزم بالضمان ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك”.
ـ ومن هنا يمكن القول أنه إذا لم يؤدي الخطأ الواقع من الوسيط العقاري إلى إحداث ضرر بالعميل، أو أن الضرر الواقع بالعميل لسبب أجنبي لا يد للوسيط العقاري فيه، فإن المسؤولية العقدية تنتفي ولا يجوز للمتعاقد المطالبة بالتعويض.
رابعا: الآثار المترتبة على المسؤولية العقدية
بداية نود أن نشير إلى ما جاء به المشرع الأردني من خلال اشتراطه إنذار المسؤول برغبته في استيفاء حقه من جراء الضرر الذي تسبب فيه هذا المسؤول، حيث نصت المادة(361) من القانون المدني الأردني على: ” لا يستحق الضمان إلا بعد إعذار المدين ما لم ينص على غير ذلك في القانون أو في العقد”، وهو ما يعني أنه يمكن أن يتم الإعفاء من الإنذار حال تم الاتفاق على ذلك في العقد أو أن القانون أعفي من ذلك.
ـ وقد عدد القانون الحالات التي يتم الإعفاء فيها من الإنذار، وذلك وفقاَ لما قررته المادة (362) من ذات القانون من خلال النص على أنه ” لا ضرورة لإعذار المدين في الحالات الأتية:ـ
1ـ إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعل المدين.
2ـ إذا كان محل الالتزام تعويضا ترتب على عمل غير مشروع.
3ـ إذا كان محل الالتزام رد شيء يعلم المدين أنه مسروق أو شيء تسلمه دون حق وهو عالم بذلك.
4ـ إذا صرح المدين كتابة أنه لا يريد القيام بالتزامه”.
ـ ومتي اكتملت أركان المسؤولية العقدية، يترتب على ذلك قيام دعوى المسؤولية على الوسيط العقاري، ومن حق العميل المطالبة بالتعويض، وعلى القاضي إجابة طلب المدعى، والتعويض يأخذ أحد صورتين، إما تعويض عيني بمعني أن القاضي يحكم بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل أن يرتكب الوسيط العقاري الخطأ الذي تسبب في وقوع الضرر للعميل[6].
ـ هذا وقد نصت المادة (269/2) من القانون المدني الأردني على: “2- ويقدر الضمان بالنقد، على أنه يجوز للمحكمة تبعا للظروف وبناء على طلب المضرور أن تأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو أن تحكم بأداء أمر معين متصل بالفعل الضار وذلك على سبيل التضمين”، كما أنه من الممكن أن تقوم المحكمة بالقضاء بالتعويض بمقابل من أجل إزالة الضرر الواقع على العميل من جراء فعل الوسيط العقاري، والأصل أن يتم دفع التعويض المادي دفعه واحده للمضرور، إلا أنه لا يوجد ما يمنع القاضي من الحكم بتقسيط التعويض المادي وفقاَ للظروف التي يراها، وهو ما تضمنته المادة (269/1) من ذات القانون بالنص على:” 1ـ يصح أن يكون الضمان مقسطا كما يصح أن يكون إيرادا مرتبا ويجوز في هاتين الحالتين إلزام المدين بأن يقدم تأمينا تقدره المحكمة”.
ـ وما يجدر ذكره هنا هي هل يجوز إعفاء الوسيط العقاري من المسؤولية العقدية؟
ـ نصت المادة (247) من القانون المدني الأردني على أن: ” في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا انقضى معه الالتزام المقابل له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل ومثل الاستحالة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة وفي كليهما يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين”، كما نصت المادة (261) من ذات القانون على ” إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كآفة سماوية أو حادث فجائي أو قوة قاهرة أو فعل الغير أو فعل المتضرر كان غير ملزم بالضمان ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك”.
ـ هذا عن الإعفاء من المسؤولية حال استحالة التنفيذ أو أن الخطأ وقع من سبب أجنبي أو فعل الغير أو فعل المتضرر، فهل يجوز الإعفاء من المسؤولية في العقد نفسه؟
ـ أجابت عن هذا التساؤل المادة (358) من القانون المدني الأردني بالنص على أن: ” 1- إذا كان المطلوب من المدين هو المحافظة على الشيء أو القيام بإدارته أو توخي الحيطة في تنفيذ التزامه فإنه يكون قد وفي بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود. هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك.
2ـ وفي كل حال يبقى المدين مسؤولا عما يأتيه من غش أو خطأ جسيم”.
ـ وهو ما يعني أن المشرع أجاز شرط الإعفاء من المسؤولية العقدية إلا في الحالات التي يقوم فيها المسؤول باستخدام أساليب الغش أو الخطأ الجسيم، فيكون فيها الوسيط مسؤولاَ حتي ولو تضمن الاتفاق شرط الإعفاء من المسؤولية.
رابعا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بالمسؤولية العقدية:
1ـ في شأن التعويض عن الضرر الأدبي فقد قررت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في القضية رقم (288) لسنة 2007 على أنه: ” إذا كانت المدعية تستند في دعواها إلى الإخلال بالالتزام العقدي المنسوب للجهة المدعى عليها فإن التعويض الواجب الحكم به هو الضرر الواقع فعلاَ حين وقوعه في حاله عدم النص على مقداره في القانون أو العقد كما تقضي بذلك المادة (363) ق.م أردني والتي نصت إذا لم يكن الضمان مقدراَ في القانون أو في العقد فالمحكمة تقدره بما يساوي الضرر الواقع فعلاَ حين وقوعه أي أن التعويض الواجب الحكم به في مثل هذه الحالة هو المقدار الثابت من الضرر والخسارة اللاحقين فعلاَ بالعاقد الآخر، ولا يشمل الربح الفائت والضرر المعنوي، إذ أن هذا التعويض الربح الفائت والضرر المعنوي محله الفعل الضار”.
2ـ في شأن توافر أركان المسؤولية العقدية فقد جاء في حيثيات الحكم الصادر من محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية في الدعوى رقم (5534) لسنة 2021 أنه: ” استناداَ لأركان المسؤولية العقدية وهي:1ـ الخطأ، وهو الإخلال بالتزام تعاقدي. 2ـ الضرر الناجم عنه. 3ـ إعذار الدائن للمدين. 4ـ العلاقة السببية بين الإخلال والضرر.
وإنّ الإخلال بالالتزام التعاقدي هو انحراف في سلوك المدين بهذا الالتزام لا يأتيه الرجل المعتاد، ويُشترط لقيام الإخلال بالالتزام العقدي والذي تقوم به مسؤولية المدين هو وجود التزام عقدي وعدم قيام المدين بتنفيذ التزامه كلياَ أو جزئياَ أو تأخره في تنفيذه أو تنفيذه له بشكل معيب وأن ينسب هذا الإخلال إلى تعد أو تقصير من المدين”.
3ـ وفي شأن صحة إقامة الدعوى دون توجيه إنذار، فقد تضمنت حيثيات الحكم رقم (109) لسنة 2022 والصادر من محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية أنه: ” توجيه الإنذار العدلي لزوم ما لا يلزم، وأن إقامة الدعوى دون توجيه إنذار عدلي موافقاَ لأحكام القانون والعقد ولا يخالف أحكام المادة (246) من القانون المدني من أن توجيه الإنذار أمر غير متعلق بالنظام العام لأنها ليست من القواعد الآمرة، كما أنه يجوز الإعفاء من الإنذار في المسؤولية العقدية”.
4ـ وعن جواز الإعفاء من المسؤولية العقدية فقد جاء في حيثيات الحكم رقم 6990 لسنة 2019 – بداية اربد بصفتها الاستئنافية أنه ” تم الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية عن أي ضرر يلحق بالمدعي نتيجة هذا العقد وحيث أن شرط الإعفاء من المسؤولية العقدية هو شرط صحيح حيث يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أي مسؤولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه التعاقدي إلا ما ينشأ عن الغش أو عن الخطأ الجسيم من قبل المدين”.
كتابة: د/محمد سعيد
[1] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مصادر الالتزام، بيروت، منشورات الحلبي الحقوقية، 1998، صــ 733
[2] جلال على العدوي، أصول الالتزامات، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1997، صــ 270.
[3] دسوقي محمد إبراهيم، تقدير التعويض بين الخطأ والضرر، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، بدون تاريخ طبع، صــ 14.
[4] عدنان إبراهيم السرحان، نوري حمد، شرح القانون المدني ـ مصادر الحقوق الشخصية “الالتزامات”، الطبعة الأولي، الدار العلمية للنشر والتوزيع ودار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2002، صــ 313
[5] عبد الناصر موسي أبو البصل، دراسات في فقه القانون المدني الأردني ـ النظرية العامة للعقد، الطبعة الأولي، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، 1999، صــ 331.
[6] نصير صبار الجبوري، التعويض العيني ـ دراسة مقارنة، الطبعة الأولي، دار قنديل للنشر والتوزيع، عمان، بدون تاريخ، صـ 21.

