تقديم الكمبيالة للوفاء
الكمبيالة أو ما تسمى بسند الأمر وتسمي كذلك بالسند الإذني هي أحد أقدم وأهم الأوراق التجارية، وذلك باعتبارها أكمل الأوراق التجارية وأشملها لضمها كافة العلاقات المتواجدة في الأوراق التجارية الأخرى، كما أن قانون التجارة الأردني رقم (12) لسنة 1966 أفرد للحديث عن الأحكام المتعلقة بها في الباب الثاني منه باعتبارها من الأوراق التجارية القابلة للتداول، وعلى الرغم من الكمبيالة أو ما تعرف أيضا بالسند الأمر من أكثر الأوراق والوثائق التجارية التي يعتد بها، ويستخدمها قاعدة عريضة من التجار بهدف حفظ حقوق طرفي السند لأمر، وهذه الكمبيالة أو السند لأمر لا يقل قيمة عن سند السحب والشيك بل يعترف به كمستند رسمي معمول به في القانون، وعلى الرغم من ذلك إلا أن نصوص قانون التجارة الأردني لم تتضمن أحكام تفصيلية خاصة بالكمبيالة ولكن أحالت لتلك الأحكام الخاصة بسند السحب فيما لا يتعارض مع ماهية الكمبيالة، كما أن مؤتمر جنيف – حول الأوراق التجارية – أولى تنظيم أحكام سند السحب بمزيد من الدقة والتفصيل، واكتفي حين تعرض للسند الأمر إلى الإحالة للقواعد والأحكام التي سبق وأن أقرها لسند السحب والتي لا تتعارض مع ماهية السند لأمر، وهو الأمر الذي معه يثور تساؤل هام حول ضمانات وأحكام حصول المستفيد أو الحامل للكمبيالة على حقه حال تقديمه الكمبيالة للوفاء، وهو ما سوف نحاول الإجابة عليه في هذا المقال من خلال التعرف على الكمبيالة وشروطها، والفرق بينها وبين سند السحب، ثم تقديم الكمبيالة للوفاء، ومكانها وموعد استحقاقها ، وكذلك الآثار المترتبة على الامتناع عن الوفاء، وبعض التطبيقات القضائية المتعلقة بها، وذلك على النحو التالي:
أولا: التعريف بالكمبيالة وشروطها في القانون الأردني:
ثانيا: أوجه الشبه والاختلاف بين الكمبيالة وسند السحب:
رابعا: الآثار المترتبة على الامتناع عن الوفاء بالكمبيالة:
خامسا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بالكمبيالة:
أولا: التعريف بالكمبيالة وشروطها في القانون الأردني:
1- ماهية الكمبيالة:
وتسمى أيضاَ السند لأمر، أو السند الإذني، وتعتبر الكمبيالة من ضمن الأوراق المالية التي حددها قانون التجارة الأردني باعتبارها من الأوراق القابلة للتداول، والتي تضمنتها المواد من (222 – 227) من قانون التجارة الأردني رقم (12) لسنة 1966.
هذا وقد عرفتها المادة (123/ب) من ذات قانون التجارة الأردني على أنها (ب – سند الأمر ويسمي أيضا السند الإذني ومعروف باسم الكمبيالة وهو محرر مكتوب وفق شرائط مذكورة في القانون ويتضمن تعهد محرره بدفع مبلغ معين بمجرد الاطلاع أو في ميعاد معين أو قابل للتعيين لأمر شخص هو المستفيد أو حامل السند).
فالكمبيالة أداة للوفاء وأداة ائتمان، وتحمل طرفان فقد هما محرر السند أو المدين والذي قام بالتوقيع على الكمبيالة بما يفيد انشغال ذمته بالمبلغ المحدد بها والتزامه بدفع هذا المبلغ في الموعد المحدد بالكمبيالة، أما الطرف الثاني فهو المستفيد أو حامل الكمبيالة وهو الدائن وصاحب الحق والصادر لمصلحته السند لأمر (الكمبيالة)، ويفترض وجود علاقة سابقة بينهما تبرر قيام المحرر بالتعهد بدفع هذا المبلغ، وقد ينتظر المستفيد ميعاد الاستحقاق للحصول على النقود، وقد يقوم بتظهيرها لشخص آخر، وقد يقوم الأخير بتظهيرها لغيره وهكذا حتى تستقر في يد الحامل الأخير ليقوم باستيفاء حقه في موعد الاستحقاق، ومن ثم فالكمبيالة قد تتداول بالتظهير أو بالمناولة أو بالتسليم لحاملة، كما أنها تعتبر عمل تجاري مطلق أياَ كانت طبيعة أطرافها أو طبيعة الأعمال التي تم إنشاؤها من أجلها.
2- شروط الكمبيالة:
لسند الأمر أو الكمبيالة عدد من الشروط التي يجب توافرها لصحها، ومن هذه الشروط الأساسية الشروط التي حددها المادة (222) من قانون التجاري الأردني والتي نصت على (يشتمل السند لأمر على البيانات الآتية: أ – شرط الأمر أو عبارة سند لأمر أو كمبيالة مكتوبة في متن السند باللغة التي كتب بها.
ب – تعهد غير معلق على شرط بأداء قدر معين من النقود.
ج – تاريخ الاستحقاق. د – مكان الأداء. هـ – اسم من يجب الأداء له أو لأمره.
و – تاريخ إنشاء السند ومكان إنشاؤه. ز – توقيع من أنشأ السند “المحرر”.)
- وسؤال هنا يطرح نفسه ماذا لو تم إغفال أي من البيانات الواردة حصراَ في هذه المادة، هل تكون الكمبيالة باطلة، أم أن هناك معالجة للأمر؟
هذا ما أجاب عنه المشرع الأردني في المادة (223) من ذات القانون وعدد الحلول آلات التي إذا خلت فيها الكمبيالة أو السند لأمر من بعض البيانات الواردة في المادة السابقة حيث نصت على (السند (الخالي) من أحد البيانات المذكورة في المادة السابقة لا تعتبر سند لأمر إلا في الحالات المبينة في الفقرات الآتية: أ – السند الخالي من ذكر تاريخ الاستحقاق يكون مستحق الأداء لدى الاطلاع عليه.
ب – إذا لم يذكر في سند لأمر مكان الأداء فالمكان الذي يذكر بجانب اسم المحرر يعد مكاناَ للدفع وموطناَ للمحرر في الوقت نفسه.
ج – وإذا لم يذكر مكان الأداء بجانب اسم المحرر أو في أي موضع آخر من السند لأمر فيعتبر مكان عمل المحرر أو مكان إقامته مكاناَ للأداء.
د – السند لأمر الخالي من ذكر مكان إنشاؤه يعتبر منشأه في المكان المبين بجانب اسم محرره. وإذا لم يذكر مكان محرره صراحةَ في السند فيعتبر مكان إنشاؤه في المحل الذي وقع فيه المحرر السند فعلاَ.
هـ – إذا كان السند لأمر خالياَ من ذكر تاريخ إنشاؤه فيعتبر التاريخ الحقيقي الذي تم فيه تسليم السند للمستفيد أو للحامل هو تاريخ إنشاؤه.
و – إذا خلا متن السند لأمر من ذكر كلمة (سند لأمر أو كمبيالة) وكان المعني المستخلص من المتن يدل على أنه سند لأمر فيعتبر كذلك).
ومن خلال ما جاء في المادتين سالفي البيان يتضح أن ما أورده المشرع في المادة (222) من شروط يجب أن يشملها السند لأمر، قام بمعالجتها في المادة (223) من ذات القانون، وهو ما يعني أن المشرع حاول بشتى الطرق الحفاظ على العلاقات التجارية وحماية حقوق التجار من الضياع، فلو فرضنا جدلا أن المشرع لم يأت بالمادة (223) وتخلف أحد الشروط المنصوص عليها في المادة (222) لفقدت الكمبيالة شروط صحتها وبالتالي لم تعد ورقة تجارية وفقاَ لقانون التجارة، وهذا الأمر يحسب للمشرع الأردني في قيامة بمعالجة هذا الأمر.
كما أن هناك مجموعة من الشروط الأخرى اللازمة لصحة الكمبيالة والتي أوردتها المواد من (116 – 166) من نصوص القانون المدني الأردني، والتي تتمثل في الشروط الرئيسية للصحة وهي الرضا فالكمبيالة يتم تحريرها عادة لتسوية عملية تجارية بين المحرر والمستفيد، ولا تتم هذه التسوية إلا برضا الأطراف ، ويلزم أن يتم الرضا سليما وعن قصد دون توافر سبب من أسباب عيوب الإرادة، ومن ثم فمن يقوم بالتوقيع على الكمبيالة وهو مكره يجوز له التمسك ببطلان التزامه تجاه المستفيد، إذا كان الأخير هو من صدر عنه الإكراه، أو كان على علم به.[1]
والمحل وهو أساس وسبب التزام محرر الكمبيالة والذي يكون موضوعها التزام بدفع مبلغ من المال، وما دام محل الالتزام في الكمبيالة هو مبلغ من النقود ومن ثم يكون المحل القائم عليها مشروع ومباح وغير مخالف للنظام العام والآداب، كما يجب أن يكون المحل موجود أو ممكن الوجود في المستقبل، ويجب كذلك أن يكون محدداَ أو قابل للتحديد وذلك من أجل ترتيب كافة آثاره، ولكي تكون الإرادة منصبه على شيء محدد تتجه إليه، كما يجب أن يكون مشروعاَ وقابلاَ لحكم الشرع، وإلا وقع باطلاَ، والسبب وهو سبب التزام محرر الكمبيالة أو السند لأمر والذي من أجله تم تحرير السند، ويجب أن يكون السبب مشروعاَ ومباحاَ وغير مخالف للنظام العام والآداب، وأن يكون موجوداَ وصحيحاَ، وإلا بطل الالتزام بين المحرر والمستفيد، ويمتنع التمسك بهذا الالتزام تجاه أي شخص آخر، والأهلية والتي نصت عليها لمادة (15) من قانون التجارة الأردني بأن ” تخضع الأهلية التجارية لأحكام القانون المدني”، وبمقتضي نصوص القانون المدني الأردني فإن محرر الكمبيالة يصح تصرفه إذا كان كامل الأهلية أو مأذوناَ له بالتجارة، وهو ما يعني وبمفهوم المخالفة أنه وإذا كان محرر الكمبيالة قاصر أو غير مأذون له بالتجارة، فمن ثم فإنه لا يعتد بتوقيعه على الكمبيالة ويعتبر هذا التوقيع والالتزام المترتب عليه باطلاَ حتى في مواجهة الحامل حسن النية.[2]
ثانيا: أوجه الشبه والاختلاف بين الكمبيالة وسند السحب:
يخلط كثير من غير المتخصصين بين الكمبيالة أو السند لأمر أو السند الإذني وبين سند السحب نظراَ لوجود تشابه بينهما، ومن هنا رأينا أنه يجب بيان أوجه الشبه والاختلاف بينهما، وذلك على النحو التالي:
- أوجه الشبه:
في البداية نود أن نشير إلى أن كل من الكمبيالة وسند السحب يعتبر من الأوراق التجارية وفقاَ للقانون التجاري الأردني، وأن كل منهما يتضمن التزام بدفع مبلغ من النقود، كما وأن سحبهما وتظهيرهما متشابهان، ولا يؤديان إلى انقضاء الالتزام الأصلي بين أطرافه، بل يظل هذا الالتزام قائم بجانب الالتزام الصرفي الناشئ عن التوقيع على أي منهما، كما أن المشرع الأردني اشترط لهما نفس الشروط الشكلية، وكذلك اشتراكهما في الأحكام التفصيلية الواردة في المواد أرقام (224، 225، 226) من ذات القانون، كما أن كل منهما يعتبر إقرار بالدين، ويجوز أن يشترط الدفع في كل منهما بمجرد الاطلاع، وتنتقل الملكية فيهما بالتظهير وبذات الشروط، كما أن الملتزمون في كل من الكمبيالة وسند السحب يتحملون المسؤولية التضامنية، وأن المظهر فيهما ضامن بوفاء قيمته.
- أوجه الاختلاف:
تختلف الكمبيالة عن سند السحب من حيث الأطراف فسند السحب له ثلاث أطراف هما الساحب والمسحوب عليه والمستفيد فهو أمر صادر من الساحب وموجه للمسحوب عليه بدفع مبلغ معين من النقود لصالح طرف ثالث وهو المستفيد، فأطراف سند السحب ثلاثة هم الساحب والمسحوب عليه والمستفيد، وينشأ عنها ثلاث علاقات بقبول المسحوب عليه، فالعلاقة الأولي بين الساحب والمستفيد وأساسها هو سبب إنشاء سند السحب، والعلاقة الثانية بين الساحب والمسحوب عليه وأساسها هو مقابل الوفاء، أما العلاقة الثالثة فهي بين المسحوب عليه القابل والمستفيد وأساسها هو القبول.
وذلك على خلاف الكمبيالة والتي تكون بين طرفين فقط هما المحرر والمستفيد، فهي تضمن تعهد من محرر الكمبيالة بدفع مبلغ معين أو قابل للتعيين من النقود في تاريخ معين أو قابل للتعيين ، لصالح شخص آخر هو المستفيد، ومن ثم فإن العلاقة في الكمبيالة عند إنشاؤها تكون بين المحرر والمستفيد وأساسها سبب إنشاء الكمبيالة، كما أن لا محل لمقابل الوفاء في الكمبيالة لأن المحرر هو من يلتزم بالوفاء، بعكس سند السحب والذي يكون فيه مقابل الوفاء دين للساحب تجاه المسحوب عليه، كما أن الكمبيالة تكون بصيغة التعهد بالوفاء، في حين يكون سند السحب بمثابة أمر دفع، ومن هنا يمكن القول أنه لا يجوز توكيل آخر بالدفع للمستفيد بالنسبة للكمبيالة، في حين يجوز ذلك في سند السحب، ولا يجوز الدفع بعدم القبول في الكمبيالة، وذلك على عكس سند السحب الذي يجوز الدفع فيه بعدم القبول.
كما أن الوفاء بالتدخل لا يجوز أن يقع لمصلحة محرر الكمبيالة، لإن الرجوع يكون على الموقعين الآخرين عندما يمتنع هو كمدين أساسي عن الوفاء، وعلى الرغم من أن استخدام واستعمال الكمبيالة هو الأكثر شيوعا في المعاملات الداخلية، كونه يتم تحريره في الغالب لتوثيق ديون التجار إلا أن استعمال سند السحب هو الأكثر شيوعاَ في المعاملات التجارية الدولية وهو ما جعل مؤتمر جنيف للأوراق التجارية ينظم أحكام سند السحب بمزيد من الدقة والتفصيل، واكتفي في الكمبيالة بالإحالة للقواعد والأحكام الخاصة بسند السحب والتي لا تتعارض مع ماهية الكمبيالة.[3]
ثالثا: الوفاء بالكمبيالة:
نصت المادة (224) من قانون التجارة الأردني على (الأحكام المتعلقة بسند السحب فيما يختص بتظهيره واستحقاقه ووفائه والرجوع بسبب عدم الوفاء والاحتجاج والوفاء بالواسطة والصور والتحريف والتقادم وأيام العطل الرسمية وحساب المهل والمواعيد وحظر منح المواعيد القضائية والقانونية والحجز الاحتياطي تتبع جميعاَ في السند لأمر ذلك كله بالقدر الذي لا يتعارض مع ماهيته).
ومن ثم يمكن القول بأن قانون التجارة الأردني لم يقم بوضع قواعد خاصة بالكمبيالة واكتفي بالإحالة إلى أحكام سند السحب، وحيث أنه ووفقاَ لذلك فإن المحرر في الكمبيالة ملتزم بدفع مبلغ من النقود للمستفيد وهذا المبلغ ناتج عن علاقة قانونية بينهما، بشكل يكون فيه المحرر مدين والمستفيد هو الدائن، ومن ثم فإن ذمة المحرر للكمبيالة لا تبرأ إلا إذا وفي بقيمتها في موعد الاستحقاق، ومن هنا سوف نتناول بشيء من الإيجاز الحديث عن ميعاد الاستحقاق في الكمبيالة، والأحكام الخاصة بالوفاء، والآثار المترتبة على الامتناع عن الوفاء بالكمبيالة على النحو التالي:
1- ميعاد استحقاق الكمبيالة:
لما كانت الأحكام المتعلقة بالوفاء بالكمبيالة هي ذات الأحكام المتعلقة بالوفاء بسند السحب وفقا لنص المادة (224) من قانون التجارة، ومن ثم فإنه يتم تطبيق ذات الأحكام الخاصة بسند السحب والواردة في المادة (164) من ذات القانون والتي نصت على (1- يجوز أن يسحب سند السحب مستحق الأداء على الوجه الآتي: أ – لدى الاطلاع. ب – بعد مضي مدة معينة من الاطلاع.
ج – بعد مضي مدة معينة من تاريخ السند. د – بيوم معين. ويكون السند باطلاَ إذا اشتمل على ميعاد استحقاق آخر أو على مواعيد متعاقبة).
ومن ثم فإن ميعاد الاستحقاق للكمبيالة وفق نصوص المواد سالفة البيان هي:
أـ الكمبيالة المستحقة لدى الاطلاع:
وذلك حال ذكر لفظ أو عبارة تفيد ذلك كعبارة عند الطلب أو في أي وقت، إلا أنه وحال عدم ذكر أي عبارة كهذه العبارات فإنه وطبقا لنص المادة (223/أ) من قانون التجارة فإن السند (الكمبيالة) الخالي من ذكر تاريخ الاستحقاق يكون مستحق الأداء لدى الاطلاع عليه، وهو ما، ومن ثم فمجرد عدم ذكر موعد الاستحقاق فإن الكمبيالة تكون مستحقة فور الاطلاع عليها.
ب – الكمبيالة المستحقة بعد مضي مدة معينة من الاطلاع:
وهي المدة التي تنقضي بعد الاطلاع على الكمبيالة، وهو ما يعني أن يتم وضع أجل محدد بعد الاطلاع كقول بعد ستة أشهر من تاريخ الاطلاع، ولعل هذه المهلة تجعل المدين يستعد لأداء الدين دون حدوث مفاجأة له في وقت لا يتوافر معه المبلغ المطلوب، كما أن القانون أوجب في المادة (227/1) من قانون التجارة أن يلتزم محرر سند لأمر بمثل ما يلتزم به قابل سند السحب، كما أن القانون في الفقرة الثانية من ذات المادة نص على ( 2- أما إسناد الأمر الواجبة الأداء بعد ميعاد من الاطلاع فيجب أن تعرض على محررها من الميعاد المبين في المادة (154) ليضع عليها تأشيراَ بالاطلاع مؤرخاَ وموقعاَ منه)، كما أن القانون أوجب أن يبدأ هذا الميعاد من تاريخ التأشير المذكور، كما أنه إذا امتنع المحرر عن التأشير، وجب أن يتم إثبات ذلك باحتجاج ويكون تاريخ هذا الاحتجاج هو بداية لسريان مدة الاطلاع.
ج – الكمبيالة المستحقة بعد مضي مدة معينة من تاريخها:
وهذا الموعد يكون معلوم لدي محرر الكمبيالة والمستفيد حيث يتم الاتفاق عليه كقول تستحق الدفع بعد شهر من تاريخه، أي من تاريخ تحرير الكمبيالة، وهذا لا يختلف عن الحالة التي تستحق فيها بيوم معين، ولا يتوقف تاريخ الاستحقاق في هذه الحالة على إرادة المستفيد كون الكمبيالة مستحقة في موعد محدد سلفاَ عند إنشائها.[4]
د – الكمبيالة المستحقة في يوم معين:
وهو الموعد المستحق للوفاء بالكمبيالة عند إنشائها دون الحاجة لتدخل من الحامل أو المستفيد، فإذا كانت الكمبيالة مستحقة الأداء في يوم معين وفي بلد يختلف فيه التقويم عن البلد الذي أنشئت فيها الكمبيالة كان تاريخ الاستحقاق وفق تقويم بلد الوفاء، هذه هي حالات ومواعيد الاستحقاق الخاصة بسند السحب والتي تنطبق على الكمبيالة أو السند لأمر أو السند الإذني وفق نصوص قانون التجارة الأردني.
2– أحكام الوفاء بالكمبيالة:
تشمل أحكام الوفاء بالكمبيالة مكان الوفاء وتاريخه وشروطه، وعلى المستفيد (الدائن) أن يسعى للحصول على دينه من المحرر (المدين)، حيث إن الأصل ألا يحمل المدين الدين إلى الدائن.[5]
كما يتعين أن يتم الوفاء بالكمبيالة في موعد استحقاقها وطبقا لما ورد بها من اشتراطات، كون أنه في حالة عدم تنفيذ ذلك فإنه يؤدي بما لا يدع مجالا للشك إلى عدم استقرار العلاقات التجارية، وبما أن محل الوفاء في الكمبيالة هو المبلغ المحدد بها، ومن ثم يجب الوفاء به في الأصل على دفعه واحدة، ومع ذلك أجاز المشرع أن يتم الوفاء بجزء من المبلغ دون اعتراض من المستفيد، وهو ما نصت عليه المادة (170/2) من قانون التجارة بأن ” 2- وليس للحامل أن يرفض وفاء جزئياً “، ويجب على المستفيد الحامل للكمبيالة أن يتخذ الاحتياطات اللازمة لذلك.
حيث إنه ووفقاَ لنص الفقرة الثالثة من ذات المادة بأن ” 3- وإذا كان الوفاء جزئياَ جاز للمسحوب عليه أن يطلب إثبات هذا الوفاء في السند وأن يطلب مخالصة بذلك”، ويجب أن يتم الوفاء بالمبلغ بعمله بلد الوفاء، إلا أن ذلك لا يمنع من الاتفاق على خلاف ذلك، ومن الجائز أن يتم التغاضي عن النقود بشيء آخر يضاه المستفيد عوضاَ عن الوفاء.
أما بالنسبة لزمن وتاريخ الوفاء فإن المشرع الأردني أوجب التقيد بميعاد الاستحقاق دون النظر في وضع أو إعطاء مهلة قضائية بعد تاريخ استحقاق الكمبيالة، وذلك وفقا لنص المادة (220) من قانون التجارة والتي نصت على ” لا يجوز منح أي ميعاد قضائي أو قانوني إلا في الحالات المنصوص عليها في المادتين (190) و (200) من هذا القانون”.
ومن ثم فإنه يجب على المستفيد حامل الكمبيالة تقديمها للوفاء في تاريخ وموعد استحقاقها، ورتب القانون على عدم تقديمها سقوط حقه في مطالبة المحرر والمظهر وجميع الملتزمين، وهو ما تضمنه نص المادة (190/1) من قانون التجارة بالنص على (1- يسقط ما لحامل السند من حقوق تجاه مظهرية وساحبه وغيرهم من الملتزمين ما عدا قابله بمضي المواعيد المعينة بإجراء ما يأتي: أ – تقديم الأسناد المستحقة الدفع لدى الاطلاع أو بعد مضي ميعاد معين منه………إلخ).
كما أنه ووفقاَ لنص المادة (222) من قانون التجاري الأردني يجب أن يشتمل السند لأمر (الكمبيالة) على مكان الأداء، ومن ثم يكون المكان المحدد في السند هو المكان الذي يجب فيه الوفاء، وإذا لم يتم تحديد المكان في الكمبيالة أو السند لأمر يكون المكان الذي يذكر بجانب اسم المحرر المكان المحدد للوفاء، وفي حالة عدم ذكر مكان الأداء بجانب اسم المحرر أو في أي موضع آخر فيعتبر مكان عمل المحرر أو مكان إقامته مكاناَ للأداء، ومن ثم فالدائن لا يجبر على قبول الوفاء في غير الأماكن التي حددها القانون للوفاء وفق التسلسل الوارد فيه.
ومن أجل أن يكون الوفاء بالكمبيالة صحيح لزم أن تتوافر عدة شروط، وهو ما نصت عليها المادة (171) من قانون التجارة (1- لا يجبر حامل السند على استلام قيمته قبل الاستحقاق.
2- فإذا أوفى المسحوب عليه قبل الاستحقاق تحمل تبعة ذلك. 3- ومن أوفى في ميعاد الاستحقاق برئت ذمته ما لم يكن ذلك عن غش أو خطأ جسيم. 4- وعليه أن يستوثق من صحة تسلسل التظهيرات.
5- ولكنه غير ملزم بالتثبت من صحة تواقيع المظهرين).
ولما كانت الشروط سالفة البيان خاصة بسند السحب، وأنه ووفقاَ لنص المادة (224) من ذات القانون فإن الأحكام المتعلقة بسند السحب ومنها الوفاء تنطبق على الكمبيالة بما لا يتعارض مع ماهيتها، ومن خلال النصوص السابقة يتبين أن ذمة المدين لا تبرأ إلا إذا أوفي بالدين في موعد الاستحقاق، فإن أوفي قبل هذا الموعد فإنه يكون مسؤول عن المخاطر التي تنشأ عن ذلك، حيث إن الوفاء في موعد الاستحقاق قرينة على براءة الذمة.[6]
هذا عن الوفاء بالكمبيالة؛ فماذا عن المعارضة في الوفاء؟، لما كان المشرع الأردني قرر المحافظة على العمليات التجارة وحماية حاملي الورقة التجارية، ومن ثم أوجب الوفاء بها في موعدها، وذلك حتى ولو حدثت معارضة من جانب المدين، حيث أن القانون لم يجعل للمعارضة قيمة قانونية إلا في حدود وحالات استثنائية معينة، ومن ثم لا تقبل المعارضة في دفع قيمة الكمبيالة لحاملها الشرعي إلا وفق الحالات التي حددها المادة (174) من قانون التجارة الأردني والتي نصت على ” لا تقبل المعارضة في وفاء السند إلا إذا ضاع أو أفلس حامله”.
وإذا كان القانون أجاز المعارضة حال ضياع السند أو حال إفلاس حاملة، فإنه أيضا أوضح الأحكام الخاصة بالوفاء حال ضياع السند، ولكن فرق بين أمرين السند المتعدد النسخ والسند غير المتعدد النسخ، وأوضح أنه بالنسبة للسند متعدد النسخ أنه يجوز لمستحق قيمة السند الضائع المطالبة بالوفاء إذا كان حائزاَ لنسخة أخرى منه ما لم يكن السند غير حائر لقبول المسحوب عليه.
وذلك وفق نص المادة (175) من قانون التجارة والتي تنص على” إذا ضاع سند غير مقبول جاز لمستحق قيمته أن يطالب، أما إذا كانت الكمبيالة أو السند لأمر من نسخه واحده فالمشرع أجاز اللجوء للمحكمة لاستصدار أمر بوفائه بعد أن يثبت ملكيته له ولو بشرط تقديم كفيل.
رابعا: الآثار المترتبة على الامتناع عن الوفاء بالكمبيالة:
يجب على المستفيد أو حامل الكمبيالة أو السند الأمر المطالبة بالوفاء في موعد الاستحقاق، وإذا حل موعد الاستحقاق وأوفي المدين بها انقضي السند، أما إذا امتنع المدين عن الوفاء، وجب على الدائن أن يثبت ذلك بوثيقة رسمية تسمي الاحتجاج ما لم يكن السند أو الكمبيالة أعفت من ذلك، حيث نصت المادة (182/1) من قانون التجارة على ( 1- يجب أن يثبت الامتناع عن القبول أو عن الوفاء بوثيقة رسمية تسمى “الاحتجاج لعدم القبول” أو لعدم الوفاء).
ويجب أن تشتمل ورقة الاحتجاج على صورة حرفية للسند وما أثبت به من عبارات وذكر الشخص الموصي بوفائه بالسند عند الاقتضاء، وكذلك إنذار بالوفاء بقيمة السند أو الكمبيالة، وينبه كاتب العدل فيها بالوفاء، ويجب أن يقدم الاحتجاج في أحد يومي العمل التاليين ليوم الاستحقاق، ويترتب على تقديم الاحتجاج حفظ حقوق الدائن حامل السند أو الكمبيالة.
كما أن المادة (181/1) من ذات القانون نصت على ” 1- لحامل السند عند عدم وفائه له في تاريخ الاستحقاق الرجوع على مظهرية وساحبه وغيرهم من الملتزمين به”، كما يترتب على الامتناع عن الوفاء بالكمبيالة أن يقوم حامل الكمبيالة بإجراء الحجز الاحتياطي على المدين، وهو ما أكدت عليه المادة (198) من قانون التجارة بالنص على” لحامل السند المقدم عنه احتجاج لعدم الوفاء إلى جانب ما له من حق الرجوع بعد اتباع الإجراءات المقررة لذلك أن يحجز بإذن من المحكمة المختصة منقولات كل من التزم بموجب السند حجزاَ احتياطياَ تتبع فيه الإجراءات المقررة لذلك في قانون أصول المحاكمات الحقوقية”.
فيجب على حامل الكمبيالة المطالب بتوقيع الحجز الاحتياطي على المدين أن يتبع الإجراءات التالية: 1- أن يتقدم بطلب الحجز على منقولات المدين وذلك للمحكمة المختصة.
2- يجب أن يكون المدين ممتنع عن الوفاء، وأن يثبت ذلك بموجب احتجاج رسمي وفق أحكام القانون.
3- أن يكون المطلوب الحجز على المنقولات الخاصة به ملتزم بموجب الكمبيالة أو السند الأمر.
4- يجب اتباع الإجراءات المقررة لتوقيع الحجز التحفظي المقررة في المادة (141) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم (24) لسنة 1988.
وما يجدر الإشارة إليه أيضا أن قانون جنيف الموحد لم يتعرض لحق حامل السند في توقيع الحجز التحفظي، وترك الأمر لكل دولة تنظمه وفق قوانينها وأنظمتها الداخلية.
خامسا: بعض التطبيقات القضائية المتعلقة بالكمبيالة:
1 ـ ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية ـ بصفتها الحقوقية في قرارها رقم (649/2022):
على أنه ” إذا اشتملت الكمبيالة موضوع الدعوى وهي بقيمة عشرة آلاف دينار على جميع البيانات التي استلزمها قانون التجارة في المادة (222) ولم يرد فيها أي قيد أو شرط يجعل التعهد والالتزام الثابت فيها مرتبطاَ بأية وقائع أخرى ومعلقاَ عليها فإن هذه الكمبيالة كافية بذاتها مستقلة بنفسها لا رجوع لغير ما هو وارد فيها ولا يجوز إثبات ما جاء فيها وحيث إن محكمة الاستئناف لم تُجز سماع البينة الشخصية حول الظروف التي أحاطت بتنظيم الكمبيالة حول أنها حررت تأميناَ وكذلك توجيه اليمين الحاسمة للمدعي لعدم الإنتاجية فإن ما توصلت إليه محكمة الاستئناف بحكمها المطعون فيه بهذا الخصوص جاء في محله وموافقاَ للقانون لا سيما وأن موضوع هذه الدعوى هو المطالبة بمبالغ مالية ناشئة عن سند تجاري كمبيالة لم يرد فيها أي شرط أو بيان يؤدي إلى اعتبارها معلقة عليه”.
2 – ورد في قضاء محكمة بداية عمان ـ بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم (485/2022) على أنه:
” حيث أن موضوع هذه الدعوى هي مطالبة بقيمة كمبيالة فهي مطالبة صرفية وهي تتمتع بمبدأ الكفاية الذاتية الأمر الذي لا يجوز معه البحث بأصل الحق(تمييز حقوق رقم 3941/2013)، وعليه فان الكمبيالة المقدمة من المدعي كبينة في هذه الدعوى صالحة للأخذ بها وبناء الحكم عليها خاصة وأن المستأنف (المدعى عليه) لم يدفع بالوفاء بقيمة هذه الكمبيالة، وبالتالي يعتد بكافة البيانات الظاهرة على وجه السند ولا يجوز إثبات بيانات تخالف مضمون البيانات الظاهرة في الورقة التجارية، وتكون حجة عليه بما تضمنته عملاً بأحكام المادة (11/1) من قانون البينات، وبالتالي فإن هذه الأسباب لا ترد على القرار المستأنف ويتعين ردها”.
3 ـ وقضت محكمة بداية الرصيفة بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم (400/2022) بأنه:
” ورداَ على ذلك نجد أن الثابت من الكمبيالة المبرزة والتي لم ينكر المدعى عليهم ما نسب إليهم من توقيع فهو حجة على موقعيها عملاً بأحكام المادة (11) من قانون البينات، ولما كان دفع المدعى عليهم دعوى المدعية بالوفاء بجزء من قيمة الكمبيالة عن طريق حسابها بموجب إيداعات نقدية وفيش فإن المستأنفين بهذا الدفع ينتقل عليهم عبء إثبات دفع قيمة الكمبيالة المستحقة الأداء قبل إقامة هذه الدعوى”.
إعداد/ د. محمد سعيد عبد المقصود.
[1] ـ محمد وحيد الدين سوار، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول، مصادر الالتزام، دمشق، 1978، صـ 57.
[2] محمود سمير الشرقاوي، القانون التجاري، الجزء الثاني، دار النهضة العربية، القاهرة، 1984، صـ 443.
[3] مصطفي كمال طه، الوجيز في القانون التجاري، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، الإسكندرية، 1977، صـ 242.
[4] سميحة القليوبي، الأوراق التجارية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1987، صـ 182.
[5] محسن شفيق، الوسيط في القانون التجاري، الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 1957، صـ 214.
[6] محمود محمد الكيلاني، الموسوعة التجارية والمصرفية ـ الأوراق التجارية، الطبعة الأولي، المجلد الثالث، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2009، صـ 188

