المسئولية الجزائية للشخص المعنوي على المال العام
ثارت العديد من المشاكل القانونية حول مدى الاعتراف بالشخص المعنوي، ومدى مسئوليته القانونية حول الجرائم التي من الممكن أن يرتكبها، خاصةً بعد التطور الاقتصادي الذي تشهده جميع الدول، وحيث أن الشخص المعنوي أصبح مرتبطا ارتباطاُ وثيقاً بالاقتصاد فأصبح جزأ لا يتجزأ من الكيانات الاقتصادية لمعظم الدول، لذلك سعى المشرع في نصوص قانون العقوبات إلى حماية المال العام ووضع النصوص والقواعد التي تعمل على ذلك و حدد كذلك الجرائم التي من الممكن أن يرتكبها الشخص المعنوي على المال العام مع النص على العقوبة القانونية لكل جريمة، ومدى مسئولية الشخص المعنوي عن هذه الجرائم سواء كان بوصفة فاعلاً أو شريكاً .
- في هذا المقال سوف نتحدث عن:
أولا : مدلول ومفهوم الشخص المعنوي :
ثانياُ : ماهية المسئولية الجزائية للشخص المعنوي فيما هو متصل بالمال العام :
ثالثاً : صور الجرائم وجزاءات المال العام الواقعة علي الشخص المعنوي .
رابعاً : أثر المسئولية الجزائية فيما هو متصل بالمال العام :
خامساً : بعض أحكام وتطبيقات محكمة التمييز الأردنية .
أولا: مدلول ومفهوم الشخص المعنوي:
الشخص المعنوي هو عبارة عن مجموعة من الأشخاص الطبيعيين الذين يجمعهم عمل مشترك فيما بينهم من أجل الوصول لهدف أو غاية محددة، تكون هي الهدف الرئيسي من بناء هذه المجموعة، كما يمكن تعريف الشخص المعنوي على أنه مجموعة من الأموال يتم توظيفها لهدف معين، كما يمنحه القانون الأهلية القانونية اللازمة لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات.
ثانياُ: ماهية المسئولية الجزائية للشخص المعنوي فيما هو متصل بالمال العام:
لم يخرج معيار تمييز المال العام في القانون بالدولة الحديثة عما جاء به المنهج الإسلامي حيث يتمثل هذا المعيار في إصباغ صفة العمومية للمال طالما تم تخصيصه لتحقيق منفعة عامة يهدف من خلالها خدمة الجمهور بغض النظر عن كونه مالاً منقولاً أو عقاراً، وسواء كانت تلك الأموال مخصصة للاستعمال المباشر للأفراد أم مخصصة لخدمة المرافق العامة ، ولا يشترط أن يكون التخصيص مؤبداً ، وإنما يكفى أن يكون محققاً سواء بفعل الطبيعة أو بتصرف قانوني [1]، و المسئولية الجزائية في الفقه هي: ( صلاحية الشخص لتحمل الجزاء الجنائي بصورة العقوبة أو التدبير الاحترازي الذى يقره القانون كأثر للجريمة التي ارتكبها، ومنها ما عرفها البعض أنها التزام بتحمل النتائج القانونية المترتبة علي توافر أركان الجريمة وموضوعه هو العقوبة أو التدبير الاحترازي الذى ينزله القانون بالمسئول عن الجريمة ). [2]
- حيث إن المسئولية الجزائية للشخص المعنوي تقع نتيجة ارتكابه جريمة من الجرائم التي حددها القانون، فالمسئولية ليست ركن من أركان الجريمة، بل هي نتيجة لاجتماع أركان الجريمة والتي يترتب على ارتكابها معاقبة فاعل هذه الجريمة طبقاً لأحكام قانون العقوبات.
-
حيث نص قانون العقوبات الأردني في المادة (74) على ما يلي: (1_ لا يحكم على أحد بالعقوبة مالم يكن قد أقدم على الفعل عن وعي وإرادة.
2_يعتبر الشخص المعنوي باستثناء الدائرة الحكومية أو المؤسسة الرسمية أو العامة مسئولاً جزائياً عن أعمال رئيسه أو أي من أعضاء إدارته أو مديرية أو أي من ممثليه أو عماله عندما يأتون هذه الأسماء باسمه أو بأحدي وسائله بصفته شخصاً معنوياً.
3_لا يحكم على الأشخاص المعنويين إلا بالغرامة والمصادرة وإذا كان القانون ينص على عقوبة أصلية غير الغرامة استعيض بالغرامة عن العقوبة المذكورة وأنزلت بالأشخاص المعنويين في الحدود المعينة في المواد من (22) الي (24) من هذا القانون).
- بناءً على ما سبق فإن الشخص المعنوي يتكون من ثلاثة عناصر وهم العنصر المادي وهو المتمثل في الأشخاص والأموال، العنصر الموضوعي هو اتجاه إرادة الأفراد الي إنشاء هذه المجموعة، العنصر المعنوي هو أن يكون الغرض منه تحقيق مصلحة أو أهداف هذه المجموعة، حيث تقع المسئولية الجزائية للشخص المعنوي نتيجة لاكتسابه الأهلية القانونية اللازمة لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات.
ويشترط لقيام مسئولية الشخص المعنوي شرطين
1- أن تكون الجريمة المرتكبة لحساب الشخص المعنوي.
2- أن تكون الجريمة المرتكبة بواسطة أحد أعضائه أو ممثليه حتى تثبت مسئولية الشخص المعنوي
ومع ذلك فإن ثبوت مسئولية الشخص المعنوي لا تنفي مسئولية الشخص الطبيعي سواء كان فاعلاً أو شريكاً.
– هنا يجب أن نتحدث عن:
1_ المسئولية الجزائية المباشرة للشخص المعنوي على المال العام
2_ المسئولية الجزائية غير المباشرة للشخص المعنوي على المال العام
أولا: المسئولية الجزائية المباشرة للشخص المعنوي على المال العام:
تقتضى المسئولية الجزائية المباشرة للشخص المعنوي علي المال العام مسائلة الشخص المعنوي بمفرده فيما صدر منه من جرائم علي المال العام، أي إسناد الجريمة الواقعة علي المال العام الي الشخص المعنوي بمفرده، دون إدانة الشخص الطبيعي عن الجريمة الواقعة، فترفع الدعوي الجنائية عليه ويوقع عليه الجزاء القانوني الذي يقره القانون دون مسائلة الشخص الطبيعي، فالمسئولية الجنائية هنا تقتصر على الشخص المعنوي دون الشخص الطبيعي، ولكن يشترط لقيام مسئولية الشخص المعنوي عن هذه الجريمة بمفرده أن تكون واقعة لحسابه أو عن طريق أحد ممثلية أو أحد العاملين لديه، فطالما أن الشخص الطبيعي هو أحد ممثلي الشخص المعنوي أو من العاملين لديه فالجريمة التي قام بها الشخص الطبيعي يتم اعتبارها صادرة من الشخص المعنوي لأنها منسوبة إلية وواقعة بناء على أمر قد صدر منه .
- وقد يمارس الشخص المعنوي التحايل على القانون بعد قيامه بارتكاب جريمة من جرائم المال العام، فبعد ثبوت مسئوليته الجزائية وتوقيع العقوبة المقررة عليه في القانون والتي قد تكون الحل بالإضافة الى العقوبات الأخرى التي قد تكون مقررة عليه، قد يتحايل الشخص المعنوي علي القانون عن طريق ظهور شخص معنوي جديد مع اختلاف الاسم والشكل، فيظهر باسم جديد وشكل مختلف لكي يستطيع ممارسة الأعمال التي كان يقوم بها ومن الممكن أن يقوم بالتعدي علي المال العام كما فعل سابقاً، ولكن حال المشرع دون ذلك فالهدف المنشود من توقيع العقوبة علي الشخص المعنوي في جريمة من جرائم المال العام هي حماية المال العام والحفاظ عليه، لذلك نص المشرع في المادة ( 38 ) من قانون العقوبات الأردني الي أحكام وقف الشخص المعنوي المشار إليه في المادة ( 36 ) من ذات القانون بقولها : (يقضي بالوقف شهراً علي الأقل و سنتين علي الأكثر وهو يوجب وقف أعمال الهيئة وإن تبدل الاسم واختلف المديرون أو أعضاء الإدارة، ويحول دون التنازل عن المحل شريطة الاحتفاظ بحقوق الغير ذي النية الحسنة، 2 _ ويوجب الحل تصفية أعمال الهيئة الاعتبارية، ويفقد المديرون أو أعمال الإدارة وكل شخص مسئول شخصياً عن الجريمة الأهلية لتأسيس هيئة مماثلة أو إدارتها.
كما نصت المادة (35) من قانون العقوبات علي: (يجوز الحكم بإقفال المحل الذي ارتكبت فيه جريمة بفعل صاحبه أو برضاه لمدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن سنة إذا أجاز القانون ذلك بنص صريح).
كما نصت المادة (36) من قانون العقوبات علي: (أنه يمكن وقف كل نقابة وكل شركة أو جمعية وكل هيئة اعتبارية ما خلا الإدارات العامة إذا اقترف مديروها، أو أعضاء إدارتها، أو ممثلوها، أو عمالها باسمها، أو بإحدى وسائلها جناية، أو جنحة مقصودة يعاقب عليها بسنتي حبس على الأقل).
ثانياً: المسئولية الجزائية غير المباشرة للشخص المعنوي على المال العام:
(تتحدد هذه المسئولية بالنظر الى الجريمة المتعلقة بالمال العام والتي تقع من أحد العاملين لدى الشخص المعنوي ويترتب عليها أن يدان من أجلها، حيث لا يكفي لمسألة هذا الشخص المعنوي أن تقع الجريمة من أحد العاملين لديه، بل لا بد من أن يحكم على هذا الشخص الطبيعي بالعقوبة).
- حيث أن مسئولية الشخص المعنوي لا يمكن أن تقع بمجرد إتهام الشخص الطبيعي العامل لدية أو احد ممثلية بل لا بد من الحكم عليه حتي يمكن مسائلة الشخص المعنوي، فالشخص الطبيعي تابع للشخص المعنوي عن الجريمة المرتكبة من أحد العاملين لديه، فمسئولية الشخص المعنوي ليست مستقلة عن مسئولية الشخص الطبيعي مرتكب الفعل الإجرامي، فثمة ترابط بينهما باعتبار الشخص الطبيعي تابع للشخص المعنوي، فبراءة الشخص الطبيعي أو انتفاء المسئولية الواقعة عليه ينتج عنها بالتبعية براءة الشخص المعنوي وانتفاء المسئولية الواقعة عليه، كما يكمن القول أن هذه المسئولية تقوم عندما يكون الشخص المعنوي متضامناً مع الشخص الطبيعي، فالمسئولية الواقعة هنا تختلف عن المسئولية المباشرة التي تقع على الشخص المعنوي بمفرده باعتباره المسئول الوحيد عن الجريمة ولا يوجد أي ارتباط بين مسئوليته ومسئولية الشخص الطبيعي .
ثالثاً: صور الجرائم وجزاءات المال العام الواقعة على الشخص المعنوي.
بالإشارة إلى جرائم المال العام الواردة في قانون العقوبات الفرنسي والتشريعات الأخرى، فهناك الكثير من الجرائم الواقعة على المال العام التي يُسأل عنها الشخص المعنوي وصنفها المشرع الفرنسي بأنها جرائم تُشكل اعتداءً على المصالح الأساسية للأمة ؛ وتشمل الجرائم ضد الملكية أو الاستيلاء الاحتيالي كالسرقة البسيطة والشديدة ويقصد بالسرقة أخذ مال الغير على وجه الخفية بدون وجه حق ، فهي محرمة لأنها تمثل أحد صور أكل أموال الناس بالباطل،[3] كذلك جرائم الاختلاس التي تقع على المال العام، والاحتيال بخرق الثقة أو جريمة خيانة الأمانة، وقد عرفها بعض فقهاء القانون بأنها انتهاك شخص حق ملكية شخص أخر عن طريق خيانة الثقة التي أودعت فيه، [4] وقد تعددت صور خيانة الأمانة بين استخدام الأشياء التي تخص الوظيفة لأغراض شخصية، أو تعيين موظفين غير أكفاء استناداً للمحسوبية، ومن الجرائم التي تقع على المال العام أيضا جريمة اختلاس الملكية وجريمة الإفلاس الاحتيالي المنظم، وهناك كذلك جرائم غسيل الأموال البسيط والمتفاقم، وتضم كذلك جرائم الاختلاس والاستيلاء علي الممتلكات العامة من وديعة الدولة، والاختلاس يقصد به استيلاء الموظفين العموميين ومن في حكمهم في مكان عملهم على ما بأيديهم من أموال ونحوها سواء كانت نقدية أم عينية بدون سند شرعي ،[5] ، وقد نصت المادة( 112 ) من قانون العقوبات المصري على بيان جريمة الاختلاس والتي تنص على : ” كل موظف عام اختلس أموالا أو أوراقا, غيرها ووجدت في حيازته بسبب وظيفته يعاقب بالحبس المشدد ”
وجريمة الرشوة وقد تم تعريف الرشوة من قبل بعض فقهاء القانون بأنها: طلب المال مقابل قيام أو امتناع الموظف العام عن عمل من أعمال وظيفته بهدف تحقيق نفع معين لصاحب المصلحة الخاصة[6] ، فيجب لقيام الرشوة أن تقع من موظف عام، كما أن الرشوة محرمة بنص الكتاب لقوله تعالى:
“ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتُدلوا بها الى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون “، وتأتى أيضاً جرائم التزييف الواقعة على الأوراق المالية أو القيم الائتمانية وعلامات السلطة العامة وتزييف العملة. فهذه الجرائم تعرض المال العام الى الخطر أو توقع عليه الضرر بالهدر والتبديد والإتلاف. [7]
- كما قام المشرع الأردني بتطوير التشريعات التي تكرس الحماية الجنائية للمال العام فيمكن القول إن أبرز هذه التشريعات وأحدثها هو قانون هيئة مكافحة الفساد رقم (62) لسنة (2006) حيث نصت المادة (16) منه على الجرائم التي تعد فساداً بقولها 🙁 يعتبر فساداً لغايات هذا القانون ما يلي
1_ الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة الواردة في قانون العقوبات رقم (16) لسنة (1960) وتعديلاته
2_ الجرائم المخلة بالثقة العامة الواردة في قانون العقوبات رقم (16) لسنة (1960) وتعديلاته
3_ الجرائم الاقتصادية بالمعني المحدد في قانون الجرائم الاقتصادية رقم (11) لسنة (1993) وتعديلاته
4_ كل فعل أو امتناع يؤدي الى المساس بالأموال العامة.
5ظ_ إساءة استعمال السلطة خلافاً لأحكام القانون.
6_ قبول الواسطة والمحسوبية التي تلغي حقاً أو تحق باطلاً).
- نص المشرع الأردني علي الجرائم الواقعة على المال العام ولكن لم ينشئ نظام إجرائي متكامل فيما يخص الشخص المعنوي، كما لم ينشئ أحكام إجرائية تصل الى الهدف من النص على هذه الجرائم، ومع ذلك يمكن القول أن الشخص المعنوي يخضع في المسئولية المقررة في النصوص المتاحة لكافة الإجراءات المقررة للشخص الطبيعي، حيث نصت المادة (16) من قانون النزاهة ومكافحة الفساد وتعديلاته على: ( تسرى الأحكام الخاصة الواردة في التشريعات ذات العلاقة في حال كان المشتكي عليه بالفساد أحد الأشخاص الذين يستوجب الدستور أو أحد التشريعات ذات العلاقة شكلاً أو إجراءات خاصة للتحقيق معه أو ملاحقته قضائياً )، ومفاد هذا النص أنه لا يوجد ما يمنع من تطبيق هذا النص على الشخص المعنوي فعبارة أحد الأشخاص تعنى أنه يخضع لهذا المادة الشخص الطبيعي أو المعنوي .
ومن الجزاءات المتصور اتخاذها في حق الشخص المعنوي ما نصت عليه المادة (9 / أ) من قانون الجرائم الاقتصادية الأردني وهي: (1 _ الحجز التحفظي على أموال الشخص المعنوي وحظر التصرف بهذه الأموال لحين استكمال إجراءات التحقيق والفصل في الدعوي (المادة 9/ أ / 1)
2_ كف يد الشخص المعنوي عن العمل إذا استدعت الضرورة لذلك، وللمدة التي ترتأيها النيابة العامة أو المحكمة حسب مقتضى الحال (المادة 9/ أ / 3).
- كما يحق للنائب العام التوقف عن ملاحقة الشخص المعنوي المرتكب لجريمة المال العام وإجراء الصلح معه أذا أعاد كلياً الأموال التي حصل عليها نتيجة ارتكاب الجريمة)[8].
رابعاً: أثر المسئولية الجزائية فيما هو متصل بالمال العام:
نظراً لتزايد خطر الشخص المعنوي نتيجة تزايد نشاطه الاقتصادي وارتباطاته بالمال العام فقد ذهبت أغلب التشريعات الي الاعتراف بالمسئولية الجزائية للشخص المعنوي علي المال العام، سواء كان ذلك بوضعها في تشريعات خاصة أو تضمينها في القواعد العامة فالهدف من النص عليها هو حماية المصالح القانونية من أي ضرر يلحق بها، فالسياسة الجنائية التي تقود المشرع ما هي إلا انعكاس لحاجات الجماعة ومصالحها وقيمها لذلك نجد أن الحماية الجنائية لتلك المصالح لكى تكون لها فاعليتها ينبغي أن تحيط بأي فعل أو امتناع من شأنه أن يضرها أو يهددها، وللوصول الى حماية هذه المصالح الأساسية يتعين حماية المصالح الجزئية والتي من مجموعها تتكون القيم والمصالح العامة لذات الجماعة، فالحماية الجنائية للمال العام تعني مجموع الأحكام والقواعد التي نص عليها قانون العقوبات التي يكون الهدف منها حماية الأموال العامة وتحديد العقوبة الجنائية لكل من تسول له نفسة التعدي على المال العام، فالهدف من نصوص هذه القوانين هو حماية المال العام من أي ضرر قد يقع عليه وحمايتها من الاعتداء عليها أو الأضرار بها الأمر الذى من شأنه الضرر بالمصالح العليا للدولة،
- وقد ثار الخلاف حول تحديد المقصود بعبارة الأفراد هل تشمل الأشخاص الطبيعيين والموظفين فقط أم تشمل كذلك الأشخاص المعنوية لذلك يجب التوضيح من عدة أوجه:
أولا: أثر إقرار المسئولية الجزائية للشخص المعنوي على المال العام:
اختلاف المسئولية الجزائية للشخص المعنوي عن الشخص الطبيعي، يرجع الى أنه ليس شيء مادى ملموس كالشخص الطبيعي يمكن أن يُعاقب على سبيل المثال بعقوبة مقيدة للحرية، فكما ذكرنا الشخص المعنوي عبارة عن مجموعة من الأموال مُتحدة من أجل هدف معين، لذلك تم إقرار نظام جزائي خاص للشخص المعنوي يختلف تماماً عن الذى يعتمد عليه الشخص الطبيعي، ومن المسلم به أن العقوبات الجزائية المشدٌدة لا تكون إلا للجرائم التي تكون على قدر كبير من الخطورة، والتي من الممكن أن تضر بالصالح العام، سواء كان ذلك في طبيعة الفعل أو النتيجة، لذلك فإن أي جريمة تقع على المال العام تُعتبر من الجرائم شديدة الخطورة والتي يُعاقب فاعلها بأشد أنواع العقوبات، نظراً لما في ذلك من الإضرار بمصالح المجتمع والصالح العام، ( فكل نص تجريمي في منشأة له مصلحة معينة يحميها وهى، أي المصلحة ليست ركناً في الجريمة وإنما هي الحكمة والدافع للتجريم والتي يستمد النص التجريم منها قيمته الاجتماعية في توقيع العقاب على المتهم ) [9]، فقد اعتمد منكرو المسئولية الجزائية للشخص المعنوي على عدم تحقق الغرض المنشود من العقاب، وقد استندوا في ذلك أن الشخص المعنوي ليس له جسد ليتم سجنه أو معاقبته بعقوبة الإعدام، هنا يمكن القول أن الشخص المعنوي له طبيعة خاصة، كما أن له عقوبات خاصة بها تختلف تمام الاختلاف عن العقوبات المقررة للشخص الطبيعي، وهذه العقوبات تحقق الغرض المنشود منها وهو الردع، كما تضمن الى حداً ما عدم تكرار الجريمة، كما أورد المشرع الأردني العديد من أنواع الجزاءات في المواد ( 28، 30، 38، 74 ) من قانون العقوبات الأردني تسرى على كافة الجرائم، من هذه العقوبات هي الوقف والحل وذلك لحماية المجتمع من خطورة هذه الهيئات، كما قررت محكمة التمييز الأردنية المقورة أن التدابير الاحترازية التي عيرت عنها المادة ( 50 ) تتقرر بناء على جريمة ولا تتقرر إلا بحكم، وهى تسقط بالعفو التام كما تسقط العقوبات الأصلية .
فرق المشرع بين المسئولية والجزاء: المسئولية هي تحمل الشخص نتيجة أفعالة التي قام بها بالمخالفة لنصوص القانون، وقد أرست المحكمة الدستورية العليا مبداً قانونياً مهماً وهو الأصل كون التجريم والعقاب بيد السلطة التشريعية (المادة 66 من الدستور المصري)، أما العقاب فهو النتيجة القانونية التي ينص عليها القانون حين ارتكاب الشخص لجريمة من الجرائم التي يعاقب عليها القانون سواء كانت عقوبتها مشددة مخففة كانت مالية كالغرامة أو مقيدة للحرية كالحبس المشدد أو المخفف
ثانيا: أثر توسيع دائرة المسئولية الجزائية للشخص المعنوي على حماية المال العام:
نتيجة لتعدد الشخص المعنوي بأن كان شخصاً معنوياً عاماً أو خاصاً يترتب عليه اختلاف القانون الذي يتم تطبيقه عليه، فالشخص المعنوي العام يخضع لأحكام القانون العام، والشخص المعنوي الخاص يخضع لأحكام القانون الخاص، فمن أمثلة الشخص المعنوي العام ما نص عليه قانون العقوبات المصري في المادة 119 يقصد بالموظف العام:
(1) القائمون بأعباء السلطة العامة والعاملون في الدولة ووحدات الإدارة المحلية.
(2) رؤساء وأعضاء المجالس والوحدات والتنظيمات الشعبية وغيرها ممن لهم صفة نيابية عامة سواء كانوا منتخبين أو معينين.
(3) أفراد القوات المسلحة.
(4) كل من فوضته إحدى السلطات العامة في القيام بعمل معين وذلك في حدود العمل المفوض فيه.
(5) رؤساء وأعضاء مجالس الإدارة والمديرون وسائر العاملين في الجهات التي اعتبرت أموالها أموالاً عامة طبقاً للمادة السابقة
فالهدف من توسيع المسئولية الجزائية للشخص المعنوي هي: إقرار مسئولية الشخص المعنوي بالإضافة الى إقرار مسئولية الشخص الطبيعي، أي وجود ارتباط بين مسئولية الشخص المعنوي ومسئولية الشخص الطبيعي دون تهرب أحدهما من المسئولية القانونية فالغرض من ذلك هو تحمل الشخص المعنوي والطبيعي نتائج القرار الجماعي الصادر عن الشخص المعنوي.
خامساً: بعض أحكام وتطبيقات محكمة التمييز الأردنية.
1_جاء في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 7845 لسنة 2018 ما يلي:
وبتطبيق القانون على الوقائع الثابتة في هذه القضية تجد المحكمة أن قيام المشتكى عليهما بإصدار شيك دون أن يكون له مقابل كاف قائم للصرف بسبب عدم كفاية الرصيد يشكل كافة أركان وعناصر جنحة إصدار شيك لا يقابله رصيد خلافاً لأحكام المادة (421/1/أ) من قانون العقوبات.
وحيث تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية، وأن الشخص المعنوي مسئول جزائياً عما يصدر من أفعال تنسب إليه عن طريق ممثليه متى أُتى الفعل باسمه أو بإحدى وسائله.
وقد توافر لديهم العلم والإرادة، أي بعلمهم أنهم يقوموا بإصدار الورقة التجارية (الشيك) المحمية جزائياً دون وجود مقابل كاف قابل للصرف، واتجاه إرادتهم إلى اتخاذ السلوك وتحقيق النتيجة المتمثلة في عدم صرف كامل مبلغ كل شيك عند تقديمه للمصرف من أجل هذه الغاية.
وكان لحامل الشيك الرجوع على الساحب بمبلغ الشيك إذا قدمه في الوقت المحدد ولم تدفع قيمته وأثبت الامتناع بإحدى الطرق المنصوص عليها في المادة (260) من قانون التجارة.
وإن الشيك موضوع الدعوى قد استوفى الشكل الذي رسمه القانون وتوافرت فيه جميع البيانات الإلزامية المنصوص عليها في المادة (228) من قانون التجارة واستجمع شروط إصداره واستحقاقه0
أما فيما يتعلق بالدفع المتعلق بالتقادم تجد المحكمة انه ثبت للمحكمة من خلال صوره سند القبض المقدم من قبل وكيل المشتكي رقم 5620 تاريخ 31/1/2015 الذي تم استلامه في تاريخ 19/11/2013 بالتالي لم يتقادم الجرم الجزائي.
لــذا تأسيساً على ما تقدم تقرر المحكمة ما يلي: –
- عملاً بأحكام المادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليها الأولى شركة المجموعة الوطنية للاستثمار الإعلامي بجنحة إصدار شيك لا يقابله رصيد خلافاً لأحكام المادة (421/1/أ) من قانون العقوبات، والحكم عليها بالغرامة مائتين دينار والرسوم.
- عملاً بأحكام المادة.
2_ جاء في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 7014 لسنة 2018 ما يلي: (وفي الرد على أسباب التمييز
وبتطبيق القانون على الوقائع الثابتة في هذه القضية تجد المحكمة أن قيام المشتكى عليهما بإصدار شيك دون أن يكون له مقابل كاف قائم للصرف بسبب عدم كفاية الرصيد يشكل كافة أركان وعناصر جنحة إصدار شيك لا يقابله رصيد خلافاً لأحكام المادة (421/1/أ) من قانون العقوبات.
وحيث تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية، وأن الشخص المعنوي مسئول جزائياً عما يصدر من أفعال تنسب إليه عن طريق ممثليه متى أُتى الفعل باسمه أو بإحدى وسائله، وقد توافر لديهم العلم والإرادة، أي بعلمهم أنهم يقوموا بإصدار الورقة التجارية (الشيك) المحمية جزائياً دون وجود مقابل كاف قابل للصرف، واتجاه إرادتهم إلى اتخاذ السلوك وتحقيق النتيجة المتمثلة في عدم صرف كامل مبلغ كل شيك عند تقديمه للمصرف من أجل هذه الغاية، وكان لحامل الشيك الرجوع على الساحب بمبلغ الشيك إذا قدمه في الوقت المحدد ولم تدفع قيمته وأثبت الامتناع بإحدى الطرق المنصوص عليها في المادة (260) من قانون التجارة،
وإن الشيكات موضوع الدعوى قد استوفت الشكل الذي رسمه القانون وتوافرت فيها جميع البيانات الإلزامية المنصوص عليها في المادة (228) من قانون التجارة واستجمعت شروط إصدارها واستحقاقها
أما فيما يتعلق بطلب إجراء الخبرة الفنية تجد المحكمة أن المشتكى عليه بسؤاله عن الجرم أفاد انه قام بتحرير الشيك على بياض ومن ثم وبعد إن افهم منطوق المادة 175 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أفاد إن بينته الدفاعية تتمثل بإجراء الخبرة الفنية وحيث أن الدفع إن الشيك حرر على بياض يستلزم ابتداء أن يثبت المشتكى عليه هذا الدفع ومن ثم يتم بحث إجراء الخبرة الفنية من عدمها وكون المشتكى عليه لم يثبت انه حرر الشيك على بياض فيغدو إجراء الخبرة الفنية غير منتج.
لــذا تأسيساً على ما تقدم تقرر المحكمة ما يلي:
1 _ عملاً بأحكام المادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المشتكي عليها الأولى ( م.م. الشركة العربية الهندسية للأثاث ) بجنحة إصدار شيك لا يقابله رصيد خلافاً لأحكام المادة ( أ / 1 / 421 )من قانون العقوبات والحكم عليها بالغرامة مائتين دينار والرسوم 2_ عملاً بأحكام المادة ( 177 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليه ( نائل زاهي طالب دروزة ) بجنحة إصدار شيك لا يقابله رصيد خلافاً لأحكام المادة ( أ /1 / 421 ) من قانون العقوبات والحكم عليه بالحبس سنة والرسوم والغرامة مائة دينار والرسوم .
3_ جاء في حكم محكمة التمييز رقم 4329 لسنة 2018 بصفتها الحقوقية ما يلي
(وبتطبيق القانون على الوقائع الثابتة تجد المحكمة: أن قيام المشتكى عليهما بإصدار شيك دون أن يكون له مقابل كاف قائم للصرف بسبب عدم وجود الرصيد يشكل كافة أركان وعناصر جنحة إصدار شيك لا يقابله رصيد خلافاً لأحكام المادة (421 /1 /أ) من قانون العقوبات.
وحيث تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية، وأن الشخص المعنوي مسئول جزائياً عما يصدر من أفعال تنسب إليه عن طريق ممثليه متى أُتى الفعل باسمه أو بإحدى وسائله، وقد توافر لديهم العلم والإرادة، أي بعلمهم أنهم يقوموا بإصدار الورقة التجارية (الشيك) المحمية جزائياً دون وجود مقابل كاف قابل للصرف، واتجاه إرادتهم إلى اتخاذ السلوك وتحقيق النتيجة المتمثلة في عدم صرف كامل مبلغ كل شيك عند تقديمه للمصرف من أجل هذه الغاية، وكان لحامل الشيك الرجوع على الساحب بمبلغ الشيك إذا قدمه في الوقت المحدد ولم تدفع قيمته وأثبت الامتناع بإحدى الطرق المنصوص عليها في المادة (260) من قانون التجارة، وإن الشيكات موضوع الدعوى قد استوفت الشكل الذي رسمه القانون وتوافرت فيها جميع البيانات الإلزامية المنصوص عليها في المادة (228) من قانون التجارة واستجمعت شروط إصدارها واستحقاقه ).
سابعا: الخاتمة
بناءً على ما سبق فقد تم تعريف الشخص المعنوي ومدى الفرق بين الشخص المعنوي والشخص الطبيعي وطبيعة الاختلاف بينهما، ومدى أهمية المال العام وبيان صور الاعتداء التي قد تقع على المال العام والجزاءات التي تقع على الشخص المعنوي نتيجة اعتدائه على المال العام، لما في ذلك الاعتداء من ضرر قد يقع على الدولة باعتباره ملكية عامة ليست لشخص بمفرده.
كتابة: محمد عبد الحميد
[1] د، محمد فاروق عبد الحميد _ المركز القانوني للمال العام، ط 1، مطبعة عمر بن الخطاب، 1982 م، ص 29.
[2] الزغبي، مخلد إبراهيم، أثر المسئولية الجزائية للشخص المعنوي في حماية المال العام، دراسة مقارنة، رسائل جامعية، 2012 ص 56.
[3] د. محمد عبد الحليم عمر، الرقابة على الأموال العامة في الإسلام، رسالة دكتوراة، الأزهر القاهرة، 1979 م، ص 149.
[4] د. محمد مصطفى القلي، شرح العقوبات في جرائم الأموال، مطبعة الاعتماد القاهرة 1943 م، ص 317.
[5] د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، دار النهضة العربية القاهرة، 1985 م، ص 255.
[6] د. عبد الحميد المنشاوي، جرائم خيانة الأمنة، دار الفكر الجامعي، 2005 م ص، 136.
[7] الزعبي، مخلد إبراهيم، أثر المسئولية الجزائية للشخص المعنوي في حماية المال العام، دراسة مقارنة، رسائل جامعية، 2012 ص 256
[8] المصدر السابق ص291
[9] المصدر السابق ص 242

