مدفوعات الحساب الجاري
يرتبط الحساب الجاري بالعمل التجاري والعمل المصرفي ، فهو إحدى أهم العمليات البنكية، ووسيلة مهمة في تصفية الحسابات التجارية، وتقوم فكرة الحساب الجاري على وجود علاقة تجارية بين شخصين هذه العلاقة مستمرة يتولد عنها حقوق والتزامات ناتجة عن طبيعة وحدة، ولكي يقوم هذين الشخصين بتسوية أمورهم المالية المتعلقة بالتزام ما يقومان بفتح حساب جاري في إحدى المصارف البنكية يسمى عقد الحساب الجاري ، الغاية من هذا الحساب تقيد معاملاتهم خلال فترة زمنية محددة، ولا تحصل بينهما مقاصة إلا في نهاية المدة فيعرف من هو الدائن ومن هو المدين ، سنداً لنص المادة 112 /1 حيث جاء فيها : لا يعد أحد الفريقين دائنا أو مدينا للفريق الآخر قبل ختام الحساب الجاري.
وقد سبق وأن تحدثنا في مقال سابق عن المقصود بعقد لحساب الجاري وعن شروطه وأركان انعقاده ومداه وذلك بالاستناد إلى نص المادة 106 ونص المادة 107 من قانون التجارة الأردني لسنة 1960 وتعديلاته، وسنتحدث في هذا المقال عن الشروط والأحكام التي تنظم وتحكم مدفوعات الحساب الجاري، بالاستناد إلى ذات القانون، وذلك على النحو التالي:
جدول المحتويات
المقصود بمدفوعات الحساب الجاري
تتصف مدفوعات الحساب الجاري بالتجديد
شروط المدفوعات باعتبارها محلاً للعقد
شروط المدفوعات والمتعلقة بالحساب الجاري
المطالبة بالعمولة على المدفوعات
المقصود بالحساب الجاري
هو الاتفاق الحاصل بين شخصين على أن ما يسلمه كل منهما للآخر بدفعات مختلفة من نقود وأموال وأسناد تجارية قابلة للتمليك يسجل في حساب واحد لمصلحة الدافع ودينا على القابض دون أن يكون لاي منهما حق مطالبة الآخر بما سلمه له بكل دفعة على حدة بحيث يصبح الرصيد النهائي وحده عند إقفال هذا الحساب دينا مستحقا ومهيا للأداء، سنداً لنص المادة 106 من قانون التجارة.
وبالنظر في التعريف السابق وفيما يخص موضوع حديثنا في هذا المقال والمتعلق بمدفوعات الحساب الجاري نجد ما يلي:
1_ أن المدفوعات هي أساس الحساب الجاري.
2_ أن المدفوعات لا تقتصر على النقود.
3_ أن المدفوعات غير قابلة للتجزئة.
4_ لا يمكن تصفية هذه المدفوعات إلا بتاريخ إغلاق الحساب الجاري.
وسنتعرف تالياً على أهم التفاصيل المتعلقة بمدفوعات الحساب الجاري.
المقصود بمدفوعات الحساب الجاري
بقصد بمدفوعات الحساب الجاري هي الديون التي يتم إدخالها في الحساب، فكل دفعة تدخل في الحساب هي دين وتسمى مفرد حسابي أو مدفوع، هذا المفرد أو المدفوع بدخوله للحساب الجاري يفقد استقلاليته وينفصل عما كان عليه قبل دخوله للحساب ويندمج مع المدفوعات السابقة واللاحقة طيلة مدة سريان الحساب إلى حين وقت إغلاقه، وذلك سنداً لنص المادة 111 من القانون التجاري، حيث جاء فيها:
- إن الديون المترتبة لاحد الفريقين اذا أدخلت في الحساب الجاري فقدت صفاتها الخاصة وكيانها الذاتي فلا تكون بعد ذلك قابلة على حدة للوفاء ولا للمقاصة ولا للمداعاة ولا لأحدى طرق التنفيذ ولا للسقوط منفردة بالتقادم.
- وتزول التأمينات الشخصية أو العينية المتصلة بالديون التي أدخلت في الحساب الجاري ما لم يكن اتفاق مخالف بين الفريقين.
وقد عرفت مدفوعات الحساب الجاري بأنها عبارة عن الحقوق التي تكون للدافع على القابض والتي يتم قيدها في الحساب الجاري [1]، كما عُرفت المدفوعات بأنها هي كل قيمة تدخل في الحساب الجاري فتولد حقاً شخصياً لأحد الطرفين ضد الأخر محله دفع مبلغ من النقود.
أنواع المدفوعات
1_ المدفوعات المادية والمدفوعات القانونية
تقسم مدفوعات الحساب الجاري إلى مدفوعات مادية ومدفوعات قانونية، ويقصد بالمدفوعات المادية هي المدفوعات التي تنتقل بالمناولة والتسليم مثل النقود أو البضائع أو السندات القابلة للتمليك، وتقيد في الحساب الدائن للدافع، أما المدفوعات القانونية هي التي تنشأ عن أسباب قانونية، كأن يقيد في الحساب الجاري لصالح العميل مبلغاً من النقود ناشئ عن فائدة مستحقة عن وديعة بنكية للعميل، فإيداع هذه الفوائد لم يتخذ شكلاً مادياً قائماً على المناولة والتسليم كالمدفوعات المادية [2].
2_ المدفوعات المباشرة والمدفوعات غير المباشرة
تكون المدفوعات مباشرة في حال قام العميل بالتعامل مع البنك دون وسيط أي يقوم بسحب أي مبالغ مباشرة من البنك دون وسيط، أما المدفوعات غير المباشرة، أما المدفوعات غير المباشرة كأن يقوم البنك بعمل مقاصة لصالح شخص ثالث له دين على العميل.
تتصف مدفوعات الحساب الجاري بالتجديد
إن ما يلقى في الحساب الجاري من مدفوعات تصبح من مفرداته حيث أنه بمجرد دخول هذه المدفوعات في الحساب الجاري تنقطع صلتها بما كانت عليه قبل دخولها هذا الحساب، سواءً أكانت ناتجة عن عملية بيع أو عن ورقة تجارية، فمجرد دخولها الحساب الجاري تصبح مفرداً من مفرداته وتأخذ صفته وخصائصه وهو ما يعرف بتجديد الحساب الجاري [3]، وعليه فإن مدفوعات الحساب الجاري تعمل على تجديده في كل مفرد منها يدخل في الحساب [4].
شروط المدفوعات باعتبارها محلاً للعقد
1_ أن تكون موجودة وقائمة.
2_ أن تكون معينة تعيناً نافياً للجهالة.
3_ ألا تكون مخالفة للنظام العام أو الآداب.
شروط المدفوعات والمتعلقة بالحساب الجاري
1_ المدفوعات من الأشياء المثلية.
في الحساب الجاري الذي يكون البنك طرفاً فيه دائماً ما تكون المدفوعات نقداً، في حين تتنوع المدفوعات في الحسابات الجارية التي لا تكون البنوك طرفاً فيها، ولا بد أن نشير إلى أن البضائع والسندات المقدمة في الحساب ليست هي المدفوعات وإنما الحق المالي الناشئ عن هذه البضائع والسندات لصالح الدافع وعلى حساب القابض، وقيمة هذا الحق بالنقد هي التي تقيد في الحساب.
2_ تمثل المدفوعات حقاً مؤكداً.
يجب أن تكون مدفوعات الحساب الجاري تمثل حقاً قائماً فإذا كان الحق غير موجود فلا مجال لقيده في الحساب، كما يجب أن تكون المدفوعات مؤكدة أي غير متنازع فيها[5] .
هل يشترط بالمدفوعات أن تكون حالة الأداء؟
لا لم يشترط القانون أن تكون حالة الأداء فقد تكون مؤجلة، ولا يمنع ذلك من قيدها في الحساب، إلا أنها تقيد في الخانة المخصصة للديون الآجلة.
هل يجوز تقيد الحق المعلق على شرط فاسخ؟
أن الحق المعلق على شرط فاسخ هو حق موجود وغير متنازع فيه، ولا يمنع قيده في الحساب، وفي حال تحقق الشرط الفاسخ يمكن إزالته بطريق القيد العكسي له.
هل يجوز قيد الحق المعلق على شرط واقف؟
قد جاء في قرار لمحكمة التمييز[6] لم تجيز فيه قيد الحق المعلق على شرط واقف في الحساب الجاري، حيث جاء فيه: إذا جرى قيد الدين في الحساب الجاري رغم كونه متنازع فيه أو معلق على شرط واقف، كان من حق صاحب المصلحة إقامة الدعوى لإبطال القيد، فالحق المعلق على شرط واقف غير موجود من الناجية القانونية، كما أن طبيعة الحساب الجاري لا تتناسب مع الحق المعلق على شرط واقف، كون أن مدفوعات الحساب الجاري تندمج مع بعضها البعض وتستقل كما كانت عليه في السابق وتنفصل عنه وهذا ما لا يمكن تحققه في الحق المعلق على شرط واقف.
3_ المدفوعات محددة المقدار.
يجب أن تكون المدفوعات محددة المقدار وذلك لتحديد نطاق التزامات طرفي الحساب ذاتهم، فدخول هذه المدفوعات في الحساب يؤثر في قيمة الفوائد البنكية المستحقة، كما يؤثر في السقف المالي المتاح أمام هذا العميل للتصرف فيه.
4_ تقدم المدفوعات على وجه التمليك للقابض.
يشترط أن تكون نية العميل قد توجهت نحو نقل ملكية الأموال من نقود وسندات المقدمة إلى البنك حتى يمكن قيدها في الحساب، وتنقل ملكية هذه الأموال من المدفوعات من الدافع إلى القابض بمجرد دخولها الحساب الجاري، وبالتالي لا يمكن المطالبة بها أو استردادها، ويكون للقابض وحده حق التصرف فيها كونه مالكاً لها، كما تنتقل تبعة الهلاك على القابض دون الدافع فإن هلك المال لسبب خارجي تحمل القابض تبعة هلاكه باعتباره مالكاً لهذا المال [7].
5_ تبادل المدفوعات وتشابكها.
من شروط المدفوعات في الحساب الجاري أن تكون مستمرة ومتبادلة بين الطرفين، فإذا توقف الطرفين عن تبادل المدفوعات أو انحسرت في طرف واحد فقط، انقضى عقد الحساب الجاري لتخلف شرط التبادل والتشابك في مدفوعات الحساب الجاري.
الدفع بواسطة سند تجاري
نصت المادة 109 من قانون التجارة الأردني على الأحكام الخاصة بالدفع بواسطة سند تجاري، وسنتعرف عليها على النحو التالي:
متى يحصل الدفع بواسطة السند التجاري؟
إن الدفع بواسطة سند تجاري لا يعد حاصلا إلا بشرط قبض قيمته ما لم يكن اتفاق مخالف، سنداً لنص المادة 109 الفقرة الأولى منها، فإن لم يتم استيفاء قيمة السند في تاريخ استحقاقه، كان لمستلمه مع حق الاحتفاظ بالسند على سبيل التأمين ويقصد بالتأمين الرهن الحيازي، واستعمال الحقوق المنوطة به أن يقيد قيمة السند على حساب المسلم، سنداً لنص المادة 109/2 من ذات القانون.
حالة إفلاس مستلم السند
نصت الفقرة الثالثة من المادة 109 على: أنه في حالة إفلاس مسلم السند لا يحق للمستلم بالرغم من كل اتفاق مخالف أن يقيده في الحساب إلا بعد أن يحل اجل الاستحقاق ويثبت عدم الوفاء.
هذا النص من النصوص الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، وهذا النص استثناء على القاعدة العامة التي تقضي بسقوط الأجل حال إفلاس المدين، فالأصل أن إفلاس العميل يترتب عليه إقفال الحساب دون النظر للدفعات مؤجلة والتي لم تستحق بعد، غير أن هذا النص يلزم البنك بعدم إجراء القيد العكسي بشأن هذه الدفعات المؤجلة لحين استحقاق تاريخها وثبوت عدم الوفاء بقيمتها ، وأعطت البنك حق الرجوع مباشرة في تاريخ الاستحقاق على الملتزمين الصرفيين فهي لم تبتعد عن القواعد العامة، وقد أكد المشرع على القواعد العامة في المادة 109/ 4 من ذات القانون عندما قرر أنه إذا قيدت الإسناد على هذا الوجه وجب على المستلم تخفيض مطالبته من تفليسة العميل بقدر ما تم وفاءه من التزامات من قبل الملتزمين الصرفيين [8].
المطالبة بالعمولة على المدفوعات
نصت المادة 108 في قانون التجارة الأردني على حق أحد المتعاقدين في مطالبة الآخر بالعمولة التي استحقها عن عمل قام به بالعمولة التي استحقها عن عمل قام به بالعمولة وباسترداد نفقات العمليات المختصة بالحساب الجاري، وهي تقيد في الحساب ما لم يكن هناك اتفاق مخالف.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] مصطفى كمال طه، القانون التجاري (العقود التجارية وعمليات البنوك)، ص 145.
[2] عبد الله أنور عبد الله دنون، أحكام الحساب الجاري في القانون الأردني، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، 1998، ص 85.
[3] هشام فالح الطاهات، آثار قيد المدفوعات في الحساب الجاري، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، المفرق، الأردن، 2000، ص 4.
[4] حسني المصري، القانون التجاري، عمليات البنوك، جامعة عين شمس، 1987، ص 92.
[5] علي جمال الدين عوض، عمليات البنوك من الوجهة القانونية، دار النهضة العربية القاهرة، 1969، ص 172.
[6] تمييز حقوق رقم 302/705، مجلة نقابة المحامين، 1976، ع 1_6، ص 866.
[7] عبد الله أنور عبد الله، المرجع السابق، ص 91.
[8] عبد الله أنور عبدا لله، المرجع السابق، ص 96.

