مسؤولية مالك السفينة وفق قانون التجارة البحرية الأردني
اهتم المشرع بمسائل التجارة البحرية بشكل كبير نظرا للأهمية الكبيرة لهذا النوع من التجارة وما تمثله من ثقل اقتصادي للدول، وما كان اهتمام المشرع الأردني إلا انعكاسا للاهتمام العالمي بمسالة التجارة البحرية والذي يؤكده صدور عدة اتفاقيات دولية لتنظيم هذه التجارة، و خاصة فيما يتعلق بتنظيم المسئولية المدنية على مالك السفينة، ورغم أن تقرير المسئولية المدنية وأحكامها سواء كانت مسئولية تقصيرية أو عقدية قد أحاط بها وبأحكامها القانون المدني الأردني، إلا أنه ولأسباب متعلقة بخصوصية التجارة البحرية، فقد رأى المشرع الأردني ضرورة تنظيم هذه المسؤولية بشكل خاص في قانون التجارة البحرية، وذلك تماشيا مع ما تقرره الاتفاقيات الدولية من أحكام خاصة بمسؤولية مالك السفينة المدنية والتي تضمنت استثناءات لا مثيل لها في أحكام المسئولية المقررة في القواعد العامة، خاصة فيما يتعلق بتحديد مسؤولية مالك السفينة.
– وفي خلال هذا المقال سوف نوضح أحكام مسؤولية مالك السفينة وفق قانون التجارة البحرية الأردني على التفصيل الآتي:
ثانيا: مسئولية مالك السفينة المطلقة
ثالثا: تحديد مسئولية مالك السفينة
رابعا: الحد الأقصى للمبالغ التي يمكن تحديد مسئولية المالك على أساسها
خامسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية فيما يتعلق بمسؤولية مالك السفينة
أولا: التعريف بمالك السفينة
يعرف الفقه القانوني مالك السفينة على أنه الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يمارس على السفينة حقوق الملكية من استغلال واستعمال، كما يقوم بعملية تجهيز السفينة بالوقود والمؤنة والأدوات اللازمة لقيامها بعملية الملاحة البحرية، كما يقوم بالتأمين عليها، ويتولى مسألة إبرام عقود النقل البحرية واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لاستغلالها فيما صنعت له وهو الإبحار لنقل البضائع والأشخاص. [1]
- ويرى البعض أنه لا يشترط أن يكون الشخص الذي قام بتجهيز السفينة هو مالك السفينة فقد يتم تجهيزها بواسطة شخص أخر، إلا أن مسالة تجهيز السفينة من قبل أحد الأشخاص هي قرينة بسيطة على أن ملكيتها ترجع إليه، إلا أن هذه القرينة يمكن إثبات ما يخالفها مثل إثبات إن المجهز هو المستأجر للسفينة وليس مالكها
ثانيا: مسئولية مالك السفينة المطلقة
- مسئولية مالك السفينة المطلقة عن أخطائه الشخصية
الأصل أن مالك السفينة يكون مسؤول مسئولية كاملة عن كل خطأ شخصي يرتكب بواسطته أثناء إبحار السفينة، ويترتب على ذلك وجوب ضمان مالك السفينة لجميع الأضرار التي نتجت عن فعله الخاطئ وذلك في جميع أمواله، وبغض النظر عن كون الخطأ الواقع منه كان بإتيان فعل خاطئ أو ترك فعل واجب القيام به، وهو ما قررته المادة( 95 ) من قانون التجارة البحرية في شان مسئولية مالك السفينة حيث جاء نصها: ( كل مالك سفينة مسؤول شخصيا عن الالتزامات الناجمة عن الأعمال التي يقوم بها الربان والعقود التي ينشئها أثناء ممارسته صلاحياته القانونية، وهو مسؤول أيضا عن فعل الربان والبحارة والسائق، وسائر خدام السفينة وعن أخطائهم ).
- ويرجع أساس تقرير المسئولية المدنية المطلقة على مالك السفينة – إذا كان الخطأ الذي سبب ضرر قد وقع منه شخصيا- إلى ما قررته القواعد العامة في القانون المدني الأردني حيث نصت المادة (256) على: (كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر) والمقصود بالضرر في هذه المادة الضرر الناتج عن الخطأ التقصيري، ومن صوره أن يغفل مالك السفينة عن واجب التأكد من صلاحية السفينة للإبحار، او إغفاله التأكد من وجود أجهزة التبريد اللازمة لنقل البضائع التي تحتاج بطبيعتها إلى تبريد.
-
كما قد تكون مسئولية المالك المطلقة عن أخطائه الشخصية أساسها الالتزام العقدي وفي هذه الحالة تكون مسئوليته مبناها وأساسها الإخلال بهذا الالتزام العقدي، وقد نصت المادة (246) من القانون المدني على: (1- في العقود الملزمة للجانبين اذا لم يوف احد العاقدين بما وجب عليه بالعقد جاز للعاقد الآخر بعد إعذاره المدين إن يطالب بتنفيذ العقد أو فسخه
2- ويجوز للمحكمة أن تلزم المدين بالتنفيذ للحال أو تنظره الى اجل مسمى ولها أن تقضي بالفسخ وبالتعويض في كل حال إن كان له مقتضى).
- ويفهم من خلال النصوص السابقة أن مالك السفينة إذا وقع منه خطأ تقصيري أو خطأ عقدي التزم بضمان هذا الخطأ وتعويض المضرور وهو ما يعني أن مسئوليته في تلك الحالات مسئولية مطلقة لا يستطيع دفعها عن نفسه أو أن يتمسك بمبدأ تحديد مسؤولية المالك.
ب- مسؤولية مالك السفينة عن أعمال تابعيه
تكون أيضا مسئولية مالك السفينة مسئولية مطلقة كلما كان الخطأ الذي الحق ضررا بالغير هو خطأ صادر من أحد تابعي مالك السفينة، مثل الربان أو الطاقم البحري، وتثبت مسئولية مالك السفينة كلما استطاع المضرور إثبات أن الخطأ قد وقع من أحد الأشخاص الذين تربطهم بمالك السفينة علاقة تابع ومتبوع، وتثبت هذه العلاقة كلما كان مالك السفينة يمارس سطلة فعليه على تابعيه، والتي تتمثل في سلطتي الرقابة والتوجيه، التي تمكن مالك السفينة من إصدار الأوامر للمتابعين ومراقبة تنفيذهم لتلك الأوامر أو تنفيذهم لواجباتهم الوظيفية، مع الأخذ في الاعتبار أن يكون منشأ تلك العلاقة هو عقد العمل البحري الذي يربط بين التابعين والمتبوع. [2]
- ويجب أن نؤكد أن تلك المسئولية التي تقع على عاتق مالك السفينة عن أعمال تابعيه لا تقوم إلا إذا كان الخطأ الذي صدر من أحد التابعين له، قد صدر أثناء وبسبب أدائه لوظيفته على السفينة المملوكة للمالك، ولا يشترط في هذه الحالة ان يكون الخطأ قد صدر تنفيذا لأوامر من المالك، أو أن يكون قد وقع دون علم المالك، لكن إذا كان الخطأ الذي ارتكبه التابع ليس بمناسبة أداء وظيفته التي تربطه بالمالك تمتنع مسائلة المالك عن خطأ التابع كونه خطأ شخصي للتابع وليس بسبب أداء وظيفته،[3] وقد نصت المادة( 288 / ب ) من القانون المدني الأردني على: ( ب. من كانت له على من وقع منه الإضرار سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه ولو لم يكن حرا في اختياره إذا كان الفعل الضار قد صدر من التابع في حال تأدية وظيفته أو بسببها).
ثالثا: تحديد مسئولية مالك السفينة
سبق أن ذكرنا أن الأصل هو مسئولية مالك السفينة مسئولية مطلقة والتي ترتب التزامه بضمان الإضرار التي تقع نتيجة خطأه الشخصي أو خطأ أحد تابعيه إعمالا للقواعد العامة المنصوص عليها في القانون المدني الأردني، إلا ان المشرع البحري ولاعتبارات خاصة بالتجارة البحرية قد استثنى من القواعد العامة تطبيق المسئولية المطلقة على مالك السفينة، وأعطى لمالك السفينة الحق في تحديد مسئوليته المدنية عن خطأ تابعيه أو عن الديون الناشئة عن احد الالتزامات القانونية.
- ويرجع السبب في ذلك الى رغبة المشرع البحري في منع عزوف المستثمرين عن الاستثمار في مجال النقل البحري، إذ في تقرير مسئوليتهم المطلقة كما في القواعد العامة ما يجعل تكلفة هذا الاستثمار باهظة الثمن خاصة في الحالات التي يحدث فيها ضررا للغير يستلزم التعويض.
وخلال هذا المبحث سوف نتطرق الى مفهوم تحديد مسئولية مالك السفينة ومبرراته ونطاق تطبيقه على التفصيل الآتي:
أ- مفهوم مبدأ تحديد مسئولية مالك السفينة ومبرراته
يهدف هذا المبدأ الى قصر وتحديد مسئولية مالك السفينة وعدم تركها بشكل مطلق، وذلك لحث وتشجيع المستثمرين على الدخول في علاقات الاستثمار البحري، دون التخوف من المسئولية المطلقة التي كانت ملقاة على عاتقهم نتيجة الأضرار التي تنتج عن أخطائهم الشخصية أو عن أخطاء تابعيهم، حيث وضعت اتفاقية بروكسيل لعام 1957 الخاصة بتحديد مسئولية مالك السفينة بعض الأسس لتحديد تلك المسئولية وقد تم تبرير هذا المبدأ بعدة مبررات منها:
1- المبرر الأول
أن تحديد مسئولية مالك السفينة عن أخطاء تابعيه يفترض دائما أن يكوون المالك المتبوع يمارس سلطة الإدارة والرقابة على أفعال التابع، وهذا الأمر غير متوفر في العقود البحرية فمثلا ربان السفينة يكون له سلطات واسعة نظرا لطبيعة عمله الفنية الى جانب بعده عن مالك السفينة، وهو الأمر الذي يقتضي مسئوليته هو عن فعله الخاطئ وليس مسائلة مالك السفينة، وهو ما يعني تخفيف عب المسئولية عن مالك السفينة [4] ، ويظهر بشكل جلي مدى قوة هذا المبرر في تحديد مسئولية مالك السفينة خاصة مع طبيعة عمل السفينة والتي تستلزم دائما بعدها عن مالكها، مما يفقده سلطة الإدارة والرقابة اللازمتين لتقرير مسئوليته عن أفعال تابعيه، كما أن تلك المسئولية لا يتوقف تحديدها عند الربان فقط بل تشمل جميع طاقم السفينة وكذلك الطبيب فلا يسأل المالك عن أخطاء الطبيب الفنية أثناء علاج احد المصابين على ظهر السفينة، لكن يجوز مسائلة المالك عن امتناع الطبيب معالجة احد المصابين على ظهر السفينة. [5]
2- المبرر الثاني:
أن في تحديد مسئولية مالك السفن ما يشجع على زيادة الاستثمار في مجال الملاحة البحرية ويساعد في تخفيض نفقات النقل البحري.
3- المبرر الثالث
يرى بعض الفقه أن في تقرير مبدأ تحديد مسئولية مالك السفينة ما يحقق مصالح الدائنين والمدينين البحريين، ويرجع ذلك الى طبيعة العلاقات البحرية وما بها من تشابك يؤدي الى وجود بعض أطرافها دائنين وفي أوقات أخرى مدينين، وما يترتب على ذلك ان المتضرر الذي يكون دائنا في بعض الحالات قد يكون في حالات أخرى هو المدين ويستفيد من هذا المبدأ. [6]
ب- حالات تطبيق مبدأ تحديد مسئولية المالك
1- الديون التي تكون مترتبة على تعرض أحد الأشخاص على ظهر السفينة الى إصابة أو الوفاة
إذ يجوز للمالك ف هذه الحالة تحديد مسئوليته عن هذا الدين، بحيث يكون مرتكب الضرر هو المسئول عن الوفاء بالتعويض أو أن تتوقف مسئولية المالك عند الحد الأقصى لمبلغ تحديد المسئولية الذي يقرره القانوني فإذا كانت أفعال احد العاملين على السفينة التابعين للمالك قد أدت الى إصابة أو وفاة أحد الأشخاص فإن المالك يستطيع دفع المسؤولية المطلقة التي تقررها القواعد العامة بمبدأ تحديد المسؤولية الذي يقرره قانون التجارة البحرية.
2- الديون التي تنتج عن تلف أو ضياع أحد الأمتعة أو أي مال أو حق على ظهر السفينة
وبالتالي إذا نتج عن فعل أحد التابعين للمالك ضياع أو تلف أو إصابة احد الأمتعة بشيء، فإن المالك يستطيع دفع المسئولية بمبدأ تحديد مسئوليته، والملاحظ ان القضاء الأردني عند تعرضه لهذه المسألة فرق بين أن يكون المالك هو في ذات الوقت الناقل، وفي هذه الحالة قرر جواز مسائلته مسئولية كاملة عن ضياع أو تلف الأمتعة على ظهر السفينة، أما اذا كان الناقل الموقع على عقد النقل هو شخص أخر غير المالك فيجوز للمالك دفع مسئوليته بمبدأ تحديد المسئولية.
3- الديون الناتجة عن وفاة احد الأشخاص أو إصابته او لتلف أو ضياع الأموال في البر أو في البحر
يجوز لمالك السفينة إذا نتج عن فعل أحد الأشخاص التابعين له إصابة أو وفاة أحد الأشخاص أو ضياع أو تلف مال معين أن يدفع بتحديد مسئوليته، إلا ان ذلك مشروط بأن يكون ذلك الضرر قد نتج عن فعل أحد الأشخاص الذين يرتبطون معه بعلاقة تبيعيه دون اشتراط أن يكون أدائه لعمله على ظهر السفينة، إلا أنه يشترط في حالة وجوده على البر أن يكوم الفعل الضار الذي قام به مرتبطا بالملاحة البحرية أو بإدارة السفينة أو بشحن البضائع عليها أو بنقل تلك البضائع أو بتفريغها أو بغيرها من أمور متعلقة بالسفينة وبأداء مهامها.
4- الديون المتعلقة برفع الحطام أو تعويم أو دفع أو تحطيم سفينة غارقة أو جانحة أو مهجورة وكل التزام ناشئ عن أضرار تسببها السفينة لمنشآت الموانئ والأحواض وطرق الملاحة
ويظهر من ذلك أن المشرع البحري لم يتوقف في تحديد مسئولية مالك السفينة عند الأضرار التي تنتج عن المسئولية التقصيرية فقط، بل امتد ليشمل الديون المتعلقة بالالتزامات التي يقررها القانون بحيث يكون لمالك السفينة دفعها بمبدأ تحديد المسئولية، كما يجوز للمالك أن يتمسك بهذا المبدأ في مواجهة الأضرار التي تسببها السفينة بالمنشآت والموانئ والأحواض وطرق الملاحة فاذا اصطدمت السفينة بأحد الموانئ أو الأرصفة وأحدثت أضرارا وكانت تلك الأضرار بسبب خطأ الربان فإن المالك يستطيع ان يدفع بتحديد مسئوليته.
- وقد نصت المادة (96 / أولا) من قانون التجارة البحرية على هذه الحالات على سبيل الحصر، حيث جاء نصها: (يجوز لمالك سفينة بحرية تحديد مسؤوليته بالمبلغ المنصوص عليه في المادة (99) من هذا القانون بالنسبة للديون الناجمة عن أي سبب من الأسباب التالية، إلا في حالة نشوء الدين بسبب خطا المالك الشخصي:
أولا: أ. وفاة أو إصابة أي شخص يوجد على ظهر السفينة بقصد نقله، وضياع أو تلف أي مال أو حق على متن السفينة.
ب. وفاة أو إصابة أي شخص آخر، على البر أو في البحر، وضياع أو تلف أي مال أو حق آخر اذا كان الضرر ناشئا عن فعل أو خطا أي شخص يكون المالك مسؤولا عنه، سواء وجد هذا الشخص على متن السفينة أو لم يوجد. وفي هذه الحالة الأخيرة يجب ان يكون الفعل أو الخطأ متعلقا بالملاحة أو بإدارة السفينة أو بشحن البضائع أو نقلها أو تفريغها أو بصعود المسافرين أو نقلهم أو نزولهم.
ج. كل التزام يفرضه القانون ويكون متعلقا برفع الحطام أو تعويم أو دفع أو تحطيم سفينة غارقة أو جانحة أو مهجورة وكل التزام ناشئ عن أضرار تسببها السفينة لمنشآت الموانئ والأحواض وطرق الملاحة).
5- الديون الناشئة عن عقد الاستقراض الجزافي
ويعرف عقد الاستقراض وفقا لما ورد بالمادة (285) من قانون التجارة البحرية على أنه: (عقد الاستقراض الجزافي هو عقد يقرض به مبلغ بضمانة السفينة أو الحمولة على أن يضيع القرض على المقرض إذا هلكت الأشياء المخصصة بالدين بحادثة بحرية قاهرة وأن يرد له القرض مع الفائدة البحرية أي الفائدة المتفق عليها ولو تخطى مقدارها الحد القانوني إذا وصلت هذه الأشياء سالمة).
- وقد أجاز المشرع البحري دفع المالك مسئوليته عن هذا القرض سواء بترك السفينة للمقرض والتخلي عنها أو الدفع بتحديد المسئولية وفقا لما قررته المادة (96) سالفة الذكر وقد نصت المادة (89) من قانون التجارة البحرية على: (1- إذا راعى الربان القواعد المقررة في المواد السابقة فلا يكون شخصا مسؤولا عن القرض.
2- أن مالك السفينة الجاري عليها الاستقراض مسؤول عن القرض مع احتفاظه بحقه في الترك وحصر المسؤولية المنصوص عليها في المادة (96) وصاحب البضائع الجاري عليها الاستقراض مسؤول عن القرض مع احتفاظه بحق التخلي عن البضائع للمقرض) …
ج- الحالات التي لا يطبق فيها مبدأ تحديد مسئولية المالك
نصت المادة (96 / ثالثا) من قانون التجارة البحرية الأردني على بعض الحالات التي لا يجوز فيها تطبيق مبدأ تحديد مسئولية المالك وهي:
1- الديون المترتبة على خطأ شخصي من مالك السفينة
وهذه الحالة قد تحدثنا عنها باستفاضة فيما سبق من حيث كون مسئولية المالك عن خطأه الشخصي هي مسئولية مطلقة ولا داعي لإعادة ما سبق ذكره.
2- الديون الناتجة عن المساعدة والإنقاذ والمساهمة في الخسائر المشتركة
- تلتزم كل سفينة أن تقدم يد العون والمساعدة للسفن الأخرى التي تكون في حاجة ماسة لتلك المساعدة أثناء الإبحار، كأن تكون السفينة في حالة غرق أو جنوح أو غيرها من الحالات الخطرة التي تحتاج فيها الى المساعدة والغوث، وقد نص على هذا الالتزام صراحة في قانون التجارة البحرية وخصوصا في نص المادة (242) حيث جاء نصها: (على ربان كل سفينة اصطدمت بغيرها أن يغيث السفينة الأخرى وبحارتها وركابها بقدر ما يتيسر له ذلك دون أن تتعرض سفينته وبحارته وركابه لخطر جدي).
ويترتب على قيام السفينة بمساعدة وإغاثة سفينة أخرى تحتاج الى هذه الإغاثة أن يترتب في حق السفينة التي تم أغاثتها تعويض السفينة التي قامت بأعمال الإغاثة بمقدار ما أنفقته من مال أو من وقت أثناء فترة الإغاثة، وفي هذه الحالة لا يجوز لمالك السفينة المُغاثة أن يدفع هذا الالتزام بمبدأ تحديد المسئولية، وقد نصت المادة( 249 ) من قانون التجارة البحرية على: ( أن كل عمل إسعاف أو إنقاذ نتج عنه نفع يستوجب جعلا عادلا ولا يتوجب أي جعل إذا لم تنتج أية منفعة عن تقديم المساعدة والمبلغ الواجب دفعه لا يتجاوز في حال من الأحوال قيمة الأشياء المنقوذة ).
3- ديون الربان والبحارة وكل تابع لمالك السفينة
يستثنى أيضا من تطبيق مبدا تحديد المسئولية الديون التي تكون مقررة كحق لربان السفينة أو البحارة أو أي من تربطه بمالك السفينة علاقة تابع بمتبوعة، ولا يجوز لمالك السفينة دفع هذه المسئولية بمبدأ تحديد المسئولية وينضم الى ذلك الحقوق التي تترتب على مالك السفينة لصالح ورثة أحد الأطراف السابق ذكرهم ويرجع السبب في استثناء هذه الديون من مبدأ تحديد مسئولية المالك، هو حماية مصالح هؤلاء الأفراد خاصة وأن غالبا ما يكون هذا العمل هو مصدر الدخل الوحيد لهم وفي تقرير مبدأ تحديد المسئولية في مواجهتهم إضرارا بهم.
- وقد نصت المادة (96/ ثالثا) في فقرتها ثالثا على تلك الحالات حيث جاء نصها: (ثالثا: لا تطبق هذه المادة في الحالات التالية:
أ. الالتزامات المترتبة على واقعة ناشئة عن خطا شخصي صادر عن مالك السفينة.
ب. الالتزامات الناشئة عن المساعدة والإنفاذ والمساهمة في الخسائر المشتركة.
ج. حقوق الربان والبحارة وكل تابع آخر لمالك السفينة موجود عل متنها أو يتعلق عمله بخدمتها، وكذلك حقوق ورثتهم وخلفائهم.
رابعا: اذا كان لصاحب السفينة دين على دائن آخر، ناتج عن حادث واحد، يجري التقاص بين هذه الديون وتطبق أحكام هذا القانون على الرصيد الحاصل في حالة وجوده).
رابعا: الحد الأقصى للمبالغ التي يمكن تحديد مسئولية المالك على أساسها
حددت المادة (99) من قانون التجارة البحرية الحد الأقصى للمبالغ التي يمكن لمالك السفينة تحديد مسئوليته على أساسها حيث قررت أن الحد الأقصى بالنسبة للأضرار المادية فقط المترتبة على الحدث يمكن تقديره
على أساس كل برميل من حمولة السفينة بما يعادل مبلغ (24 دينارا) أو (1000 فرنك) على أساس قيمة الفرانك الواحد تساوي (65) ميليجرام من الذهب عيار (900 من الألف)، أما في حالة الأضرار الجسدية فقط قدر المشرع حدود المسئولية بمقدار (74 دينارا) أو (3100 فرانك) ما يعادل كل برميل من البراميل المحمولة على السفينة، ويقصد بالأضرار الجسدية الأضرار التي تصيب الأشخاص الموجودون على ظهر السفينة، مثل الإصابات الجسدية أو الوفاة.
- أما في حالة حدوث أضرار جسدية ومادية معا فيتم تقدير الحد الأقصى لمبلغ تحديد المسئولية بقيمة (74 دينارا) أو (3500 فرانك) لكل برميل على ظهر السفينة وفي هذه الحالة يتم تقسيم هذا المبلغ على التفصيل الآتي:
1- يخصص مبلغ (50 دينارا) أو (2100 فرانك) عن كل برميل محمل على ظهر السفينة لسداد ديون الأضرار الجسدية.
2- يخصص مبلغ (24 دينارا) أو (10000 فرانك) عن كل برميل محمل على ظهر السفينة لسداد الدين الخاص بالأضرار المادية.
- وقد نصت المادة (99) من قانون التجارة البحرية على: (يستطيع مالك السفينة تحديد مسؤوليته المنصوص عليها في المادة (96) على الشكل التالي:
أ. بالنسبة للأضرار المادية فقط الناتجة عن الحادث، يحدد لها عن كل برميل من حمولة السفينة، مبلغ إجمالي قدره أربعة وعشرون دينارا أو ما يعادل الف فرنك على أساس قيمة الفرنك الواحد تعادل (65) ميليغرام من الذهب بعيار (900) من الألف..
ب. وفيما يتعلق بالأضرار الجسدية فقط الناجمة عن الحادث فيحدد لها عن كل برميل من حمولة السفينة، مبلغ إجمالي قدره أربعة وسبعون دينارا أو ما يعادل ثلاثة آلاف ومائة فرنك..
ج-أما فيما يختص بالأضرار المادية والجسدية معا الناشئة عن الحادث، فيحدد لها عن كل برميل من حمولة السفينة، مبلغ إجمالي قدره أربعة وسبعون دينارا أو ما يعادل ثلاثة آلاف ومائة فرنك، على ان يقسم الى قسمين يخصص القسم الأول منه وقدره خمسون دينارا أي ما يعادل ألفين ومائة فرنك عن كل برميل من الحمولة لتسديد الديون الخاصة بالأضرار الجسدية، وأما القسم الثاني وقدره أربعة وعشرون دينارا أي ما يعادل الف فرنك، عن كل برميل، فيفرز لتسديد الديون العائدة للأضرار الجسدية برمتها، فان الرصيد الغير مدفوع، يحول على القسم الثاني، ويدفع من المبالغ المفرزة لتسديد الديون الخاصة بالأضرار المادية ).
خامسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية فيما يتعلق بمسؤولية مالك السفينة
1- الحكم رقم الحكم رقم 836 لسنة 2014 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 24-2-2016 والذي قرر فيه أن مناط مسؤولية مالك السفينة عن عقد النقل أن يكون أحد اطراف هذا العقد، بحيث إذا لم يكن من أطراف عقد النقل فلا يجوز مسائلته عن الإخلال بالالتزامات التي يقررها عقد النقل حيث جاء نص الحكم: (5. لا يكون مالك السفينة مسؤولاً عن الالتزامات الناتجة عن عقد النقل إلا إذا كان هو الذي أنشأ عقد النقل كما هو واضح من عبارات العقود التي ينشؤها أثناء ممارسته صلاحياته القانونية الواردة بالمادة 95 من قانون التجارة البحرية، وبما أن مسؤولية الناقل هي مسؤولية عقدية في حين أن مسؤولية مالك السفينة الذي لم يتخذ مركز الناقل هي مسؤولية تقصيرية، وطالما لم يرد من البينات ما يثبت أن مالك السفينة طرفاً في عقد النقل ولم يثبت لمحكمة الموضوع أن وثيقة الشحن تشير إلى أن الناقل هو المدعى عليها الأولى فيكون ما توصلت إليه يتفق وحكم القانون).
2- الحكم رقم الحكم رقم 2126 لسنة 2009 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 25-11-2009 حيث جاء نصه : (وبالنسبة لما جاء بالقرار حول المدعى عليهم الثالثة الباخرة (النيل الأزرق) والرابع ربان الباخرة فإن الباخرة لا تنتصب خصماً لأنها عبارة عن مال منقول والذي ينتصب خصماً هو مالك الباخرة سواء أكان شخصاً طبيعياً أو معنوياً وكذلك الأمر بالنسبة للربان باعتباره موظفاً لدى مالك السفينة والمالك حسبما ورد في المادة 95 من قانون التجارة البحرية هو المسؤول شخصياً عن الالتزامات الناجمة عن الأعمال التي يقوم بها الربان.،والمدعية في هذه الدعوى لم تخاصم مالك السفينة وإنما خاصمت السفينة والربان ولذلك فإن الخصومة مع هؤلاء تكون منتفة).
3- الحكم رقم 2352 لسنة 1997 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 12-1-1998 حيث جاء نصه: (إذا كانت الشركة المميزة هي المالكة للسفينة، إلا أنها هي التي أصدرت بوليصة الشحن المتعلقة بالبضاعة موضوع الدعوى كما هو واضح من الاطلاع على البيانات الخاصة ببوليصة الشحن، إذ ورد اسم هذه الشركة في اعلى السند، فإنها تكون مسؤوله عن الالتزامات الناشئة عن هذا العقد عملاً بالمادة 95 من قانون التجارة البحرية).
سادسا: الخاتمة
ختاما فقد حاولنا في هذا المقال بيان مسؤولية مالك السفينة وفقا لما قررته أحكام قانون التجارة البحرية الأردني، وقد ظهر لنا الخصوصية التي يتمتع بها مالك السفينة في تحديد مسئوليته المدنية في قانون التجارة البحرية والتي جاءت مختلفة عما تقرره القواعد العامة للقانون المدني الأردني، وذلك نظرا لما يتمتع به هذا القانون من خصوصية وأهمية تستلزم ان يتم تحديد مسؤولية المالك في بعض الحالات تحقيقا للصالح العام، وحتى لا يتم إرهاق ملاك السفن للدرجة التي تجعلهم يعزفون عن الاستثمار في هذا المجال، كما ظهر لنا من خلال هذا المقال أن مسالة تحديد مسؤولية مالك السفينة ليست مطلقة بل تحدها بعض الحدود سواء من حيث الديون التي يمكن إعمال المبدأ في مواجهتها، وكذلك من حيث مقدار الحد الأقصى للمبالغ التي توفي بالديون التي يرتبها هذا التحديد.
كتابة: محمد إسماعيل حنفي
[1] – مصطفى كمال طه، مبادئ القانون البحري، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1996 ،ص 105.
[2] بلحاج العربي، النظرية العامة للالتزام، الجزء الثاني، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص 320.
[3] علي سليمان، دراسات في المسؤولية المدنية في القانون المدني الجزائري، الطبعة الثالثة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1994، ص 60.
علي عوض، القانون البحري، دار النهضة العربية، 1969 ص 273 [4]
علي يونس، حسين النوري، دروس في القانون التجاري، مكتبة عين شمس، القاهرة، 207 [5]

