تحريك الدعوى الجزائية في جرائم القذف والسب باستخدام الشبكة المعلوماتية
تعتبر جرائم السب والقذف من الجرائم التي اشترط المشرع أن تتقيد سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجزائية فيها على تقديم شكوى من المجني عليه خلال المهلة التي حددها القانون وبالشروط والإجراءات التي نظمها قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولا يختلف الأمر إذا وقعت هذه الجريمة بواسطة الشبكة المعلوماتية – أي بصورتها الإلكترونية- إذ استوجب المشرع أن يسبق تحريك الدعوى الجزائية في جرائم السب والقذف الإلكتروني أن يتقدم المجني عليه بشكوى ضد الجاني، إلا أنه استثنى من ذلك جريمة السب والقذف الإلكتروني التي تقع ضد الدولة، أو احد مؤسساتها، أو احد جهاتها الإدارية.
والجدير بالذكر أن هذا الأمر لم ينظمه قانون الجرائم الإلكترونية الملغي، إلا أن قانون الجرائم الإلكترونية الجديد رقم 17 لسنة 2023 قد نص على ذلك صراحة في المادة ( 15 ) منه .
وفي خلال هذه المقال سوف نتناول شروط تحريك الدعوى الجزائية في جرائم القذف والسب باستخدام الشبكة المعلوماتية على النحو الآتي :
ثانياً: جرائم القذف والسب الإلكتروني في القانون الأردني
ثالثاً: الشكوى في جرائم القذف والسب الإلكتروني
رابعاً: التنظيم القانوني للشكوى في جرائم القذف والسب الإلكتروني
أولاً: ماهية الشكوى
بادئ ذي بدء وقبل أن نوضح مدى وجوب الشكوى لتحريك الدعوى الجزائية في جرائم السب والقذف الإلكتروني، فيلزم بداية أن نوضح ماهية المقصود بالشكوى، وما تتسم به من سمات وخصائص.
1- التعريف بالشكوى : الشكوى في أصول اللغة هي لفظ مشتق من الفعل “شكا”، والذي يستدل منه على الإخبار بأمور سيئة تنم عن إصابة صاحبها بضرر أو بمكروه،[1] فأساس الشكوى لغوياً ومحورها هو الإخبار والتظلم من شخص ضد آخر.
أما من وجهة نظر الفقه القانوني فقد عرفت الشكوى بأنها الإخبار بوقوع الجريمة من قبل المجني عليه، والذي يتقدم به إلى السلطات المختصة طالباً منها تحريك الدعوى الجزائية، وذلك الأمر ينحصر في طائفة محددة من الجرائم التي يقيد القانون فيها سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى الجزائية العامة ضد الجاني.
ولم يتعرض المشرع الأردني بالتعريف للشكوى، ولكنه تعرض مباشرة إلى تنظيمها وتحديد آثارها في قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 9 لسنة 1961 دون التعريف بها، وإن كان المضمون العام للنصوص القانونية التي تعرضت للشكوى في القانون المشار إليه يمكن أن نصيغ منها تعريفاً للشكوى، وهي أنها إخبار يتقدم به المجني عليه للسلطة المختصة، وتتضمن ما يفيد وقوع جريمة معينة، ويطلب فيها تحريك الدعوى الجزائية واتخاذ كافة الإجراءات القانونية ضد الشخص الذي يتهمه بارتكابها، وذلك تمهيداً لإحالته للمحاكمة وإصدار الحكم عليه بالبراءة أو الإدانة.
2- السمات المميزة للشكوى : تتمتع الشكوى باعتبارها إجراء من الإجراءات الإجراء من إجراءات التي يتم من خلالها تحريك الدعوى الجزائية بعدة سمات وخصائص تشكل في مجملها الطبيعة الخاصة بهذا الإجراء، وهذه السمات يمكن أن نذكر أهمها وأبرزها في النقاط الآتي بيانها:
- تتسم الشكوى بأنها إجراء له حدود ونطاق معينين، فمن حيث الموضوع فإن الشكوى تكون محددة بالواقعة التي تم تقديم الشكوى من أجلها، فلا تتعدى هذه الحدود لتمتد إلى ما يسبقها أو يلحقها من وقائع، ولا إلى ما يكون مرتبطاً بها من وقائع أخرى بأي صلة، والتي لم يتطرق إليها الشاكي في شكواه، بل هي تنصب فقط على الواقعة التي تتضمنها.
- لا يجوز تعليق الشكوى على شرط أياً كان نوعه، فالشكوى يتم تقديمها بشكل قاطع وبات لا يحتمل أي شك أو تأويل، فإن ارتبطت بشرط أو تم تعليقها عليه فإن الأثر القانوني الذي كان يُنتظر تحققه كنتيجة لتقديمها لا يتحقق.
- أما من حيث المشكو في حقه فإن الشكوى التي تتحرك بموجبها الدعوى الجزائية يجب أن تتضمن على تحديد واضح وكامل للمشكو في حقه، حيث يلزم أن تتضمن اسم المشكو في حقه ومحل إقامته وأي معلومات أو بيانات أخرى تلزم لتحديد شخصيته بصورة نافية للجهالة، فلا يتصور بأي حال من الأحوال أن تكون الشكوى مقدمة ضد شخص مجهول الهوية والشخصية.[2]
ثانياً: جرائم القذف والسب الإلكتروني في القانون الأردني
عرف المشرع الأردني جرائم السب والقذف بصورتيها التقليدية والإلكترونية، حيث نظم التقليدية منها في قانون العقوبات، كما نظم الإلكترونية في قانون الجرائم الإلكترونية، إلا أنه لم يعرفها بذلك المسمى ولكنه عرفها تحت مسمى الذم والقدح.
1- المقصود بجرائم السب والقذف الإلكتروني
كما سبق وأن أشرنا فإن جرائم القذف والسب يقابلها في القانون الأردني جرائم الذم والقدح، حيث يعرف المشرع الذم في نص المادة (188/1) من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته بأنه (إسناد مادة معينة إلى شخص – ولو في معرض الشك والاستفهام – من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا)، وهو ما يتبين معه أن الذم في القانون الأردني يقابل السب.
بينما عرف القدح في نص المادة (188/2) من ذات القانون بأنه (الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره – ولو في معرض الشك والاستفهام – من دون بيان مادة معينة)، وهو ما يتبين معه أيضاً أن القدح في القانون الأردني يقابل القذف.
وبالرجوع إلى قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم 17 لسنة 2023 سنجد أن المشرع في المادة (15) منه قد حدد وصف جرائم الذم والقدح، حيث أوضح أنها قيام الجاني متعمداً بإرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص عن طريق الشبكة المعلوماتية أو المواقع الإلكترونية أو أي نظام معلومات، وهو ما يجعل هذه الجريمة متطابقة في صورتيها التقليدية والإلكترونية، عدا اختلاف وحيد وهو أن تلك الجريمة تعد جريمة إلكترونية متى تم ارتكابها عن طريق شبكة المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو أي نظام معلومات تخضع لأحكام قانون الجرائم الإلكترونية الجديد.
2- أركان جرائم السب والقذف الإلكتروني
تقوم جرائم السب والقذف – الذم والقدح – باستخدام الشبكة المعلوماتية على ركنين رئيسيين وهما الركن المادي والركن المعنوي، ونظراً لأن المقال يتركز بشكل أكبر على توضيح الشكوى، فسوف نكتفي ببيان موجز لهذه الأركان وبالقدر الكافي للتعريف بها:
أ– الركن المادي: يتمثل الركن المادي لجرائم السب والقذف ( الذم والقدح ) باستخدام الشبكة المعلوماتية من عنصرين رئيسيين وهما السلوك الإجرامي والعلانية.
– السلوك الإجرامي: يقصد به ما يمارسه الجاني من فعل تجاه المجني عليه، وهذا الفعل يتمثل فيما يعرف بفعل الإسناد، وهذا الإسناد يتحقق متى قام الجاني بنسبة واقعة أو أمر ما يكون من شأنه أن يمس بشرف أو اعتبار أو كرامة المجني عليه، سواء كان هذا الفعل أو الواقعة صحيحة أو كاذبة فالأمر يستوي في الحالتين، ويعد محققاً لفعل الإسناد.[3]
وقد حدد المشرع السلوك الإجرامي في جرائم السب والقذف ( الذم والقدح ) الإلكتروني، وذلك كما ورد بنص المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية، والتي قررت أفعال محددة تمثل أشكال من السلوك الإجرامي الذي تتحقق به جريمة الذم والقدح، وهذه الأفعال هي إرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو أي نظام معلومات تتضمن أي ذم أو قدح أو تحقير، فالسلوك الإجرامي يتمثل في ارتكاب الجاني لأحد تلك الأفعال، وأن يكون هذا الفعل قد تم من خلال وسيلة من الوسائل الإلكترونية المذكورة، وأن يكون منصباً على محتوى يتضمن ذم أو قدح أو تحقير.
وقد استلزم المشرع في فعل الإسناد أن يكون متضمناً لواقعة واضحة أو أمر محدد، وأن يكون الفعل موجه إلى شخص معين وهو المجني عليه، فلا يعد فعل إسناد متى كانت لا يتضمن واقعة محددة أو أمر محدد يمكن نسبته إلى المجني عليه، أو إذا كان الفعل متضمناً لمحتوى به ذم أو قدح أو تحقير، ولكنه غير موجه إلى شخص محدد أو يمكن تحديده.
– العلانية: يقصد بالعلانية في جرائم السب والقذف (الذم والقدح ) بأنها اتصال علم الجمهور بأمر ما سواء كان اتصالاً مسموعاً أو مقروءاً أو مرئياً، ويمكنهم من خلاله الوقوف على مضمون الفكرة التي يرمي إليها هذا الأمر.[4]
وقد ورد بقانون العقوبات الأردني في المادة رقم (73/3) منه ذكر لبعض الطرق التي تتحقق من خلالها العلانية في فعل الإسناد، وجاء من ضمن تلك الطرق النشر بوسائل إلكترونية، حيث أورد المشرع أن (تعد وسائل للعلنية: ……. 3- الكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها إذا عرضت في محل عام أو مكان مباح للجمهور، أو معرض للأنظار أو بيعت أو عرضت للبيع أو وزعت على أكثر من شخص أو نشرت بوسائل إلكترونية تمكن العموم من قراءتها أو مشاهدتها دون قيد)، وبالتالي فإن العلانية تتحقق متى تم النشر على المواقع الإلكترونية أو شبكة الإنترنت، وبالتالي يعد ركن العلانية متحقق بمجرد حدوث النشر، لاسيما وأن الوسائل الإلكترونية تعد أكثر سرعة وانتشاراً من نظيرتها التقليدية، كما لا يمكن الحد من انتشارها.
ب- الركن المعنوي
تعتبر جرائم الذم والقدح التي تتم عبر شبكة المعلومات هي جرائم عمدية يتطلب فيها المشرع توافر القصد الجنائي لارتكابها لدى الجاني، وهذا يجد ما يؤيده فيما نص عليه المشرع في افتتاحيته لنص المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية، حيث استهلها بقوله (يعاقب كل من قام قصداً …)، فهو اشترط هنا أن يكون الركن المادي للجريمة قد اقترن بالقصد الجنائي لدى الجاني، والقصد الجنائي يتكون من عنصرين وهما العلم والإرادة.
فيجب أن يكون الجاني على علم بأن الفعل الذي يرتكبه من الأفعال التي يكيفها القانون على أنها جريمة، وأن نشره للمحتوى الذي يتضمن إسناد وقائع معينة لشخص آخر عبر شبكة المعلومات هو فعل يمثل سلوك إجرامي لجريمة يعاقب عليها القانون وهي الذم والقدح، وأن تكون إرادته حرة في اتجاهها إلى تحقيق هذا الفعل ونشر الواقعة عبر شبكة المعلومات.
ثالثاً: الشكوى في جرائم القذف والسب الإلكتروني
بعد أن أوضحنا ماهية الشكوى وماهية جرائم الذم والقدح فقد يثور في أذهان البعض تساؤلاً مفاده هل جرائم الذم والقدح ( القذف والسب ) الإلكتروني من جرائم الشكوى؟ أم أنها من الجرائم التي يكون من سلطة النيابة العامة أن تحركها دون انتظار تقديم المجني عليه لشكواه؟
حتى نتمكن من إجابة هذا التساؤل يجب علينا أن نذكر نص المادة (364) من قانون العقوبات الأردني، والتي نصت على أنه : (تتوقف دعاوى الذم والقدح والتحقير على اتخاذ المعتدى عليه صفة المدعي الشخصي)، والتي يتبين منها أن المشرع قد حدد بنص خاص أن جريمة الذم والقدح تقع ضمن طائفة الجرائم التي يلزم لتحريك الدعوى الجزائية بشأنها أن يتقدم المجني عليه فيها بشكواه.
وأيضاً ما أورده المشرع بنص المادة (2/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني من أن النيابة العامة تصبح مجبرة على إقامة دعوى الحق العام ومباشرتها متى قام المجني عليه باتخاذ موقف المدعي الشخصي، وبجانب ذلك لا نغفل ما قررته المادة (3/1/أ) من ذات القانون، حيث نصت على أن (1- أ- في جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجزائية وجود شكوى أو ادعاء شخصي من المجني عليه أو غيره لا يجوز اتخاذ أي إجراء في الدعوى إلا بعد وقوع هذه الشكوى أو الادعاء).
- وإذا كان المشرع الأردني قد أغفل النص على أن جرائم الذم والقدح الإلكترونية من جرائم الشكوى في قانون الجرائم الإلكترونية الملغي، وبالتالي فكان التكييف القانوني لها باعتبارها جرائم شكوى مبنيا على القواعد العامة المقررة في قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، إلا أنها كانت مثار شك وجدل حتى صدر قانون الجرائم الإلكترونية الجديد رقم 17 لسنة 2023 وقرر صراحة في المادة ( 15 /ب ) منه على عدم اشتراط الشكوى إذا كان الذم والقدح موجها لسلطات الدولة أو أحد مؤسساتها وهو ما يعني بمفهوم المخالفة أنه في خلاف هذه الحالة، يشترط تقديم الشكوى حتى ينفك القيد عن النيابة العامة في مباشرة الدعوى الجنائية ضد المتهم، حيث نصت المادة ( 15 ) من قانون الجرائم الإلكترونية الجديد على : ( أ- يعاقب كل من قام قصدا بإرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي أو ذم أو قدح أو تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.
ب- تلاحق الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة من قبل النيابة العامة دون الحاجة الى تقديم شكوى أو ادعاء بالحق الشخصي إذا كانت موجهة الى احدى السلطات في الدولة أو الهيئات الرسمية أو الإدارات العامة . )
ومن مجمل ما سبق ذكره من نصوص في القوانين الأردنية المختلفة يمكننا أن نجيب بثقة على هذا التساؤل ونقول نعم تعد جرائم الذم والقدح التي تتم عن طريق الشبكة المعلوماتية هي جريمة من جرائم الشكوى، ولا يمكن السير في إجراءات الدعوى الجزائية بشأنها أو مباشرتها إلا بتقديم المجني عليه لشكواه، ما دامت أفعال الذم والقدح قد ارتكبت في مواجهة طرف آخر غير مؤسسات الدولة و جهاتها، فإذا كانت موجهة لمؤسسات الدولة أو احد إداراتها أو احد مؤسساتها فلا يشترط تقديم شكوى لتحريك الدعوى الجنائية ضد المتهم .
رابعاً: التنظيم القانوني للشكوى في جرائم القذف والسب الإلكتروني
1- صاحب الحق في تقديم الشكوى: قرر المشرع الأردني الأحقية في إقامة الشكوى للمجني عليه فقط دون سواه، وذلك باعتباره المضرور الوحيد من تلك الجريمة، فإذا كان هناك تعدد للمجني عليهم وتقدم أحدهم فقط بشكواه، فإن تلك الشكوى تكون كافية بذاتها لتحريك الدعوى الجزائية ضد الجاني، وتظل تلك الدعوى صحيحة حتى لو عارضها باقي المجني عليهم.[5]
كما يحق للوكيل أو النائب أن يقوم مقام الأصيل – المجني عليه – في تقديم الشكوى، ولكن يشترط في تلك الوكالة أن تكون الوكالة المستخدمة في ذلك هي وكالة خاصة تنصب على الجريمة محل الشكوى، ولا يجوز تحريكها باستخدام الوكالة العامة.[6]
وإذا كان شخصاً معنوياً فتكون الشكوى من الممثل القانوني له شخصياً أو ممن يمثله قانوناً، ويمكن أيضاً للولي أن يقوم بتقديم الشكوى متى كان المجني عليه خاضعاً للولاية القانونية بغض النظر عن سبب تلك الولاية.
2- الجهة صاحبة الاختصاص التي يتم تقديم الشكوى إليها
حدد المشرع جهة الاختصاص باستقبال الشكوى عن جرائم الذم والقدح، كما حدد أيضاً الجهة المختصة بالتحقيق فيها، والجهة واحدة في الحالتين وهي المدعي العام، فبالنسبة لاختصاص المدعي العام باستقبال الشكاوى بشأن تحريك الدعاوى الجزائية نجد أن المادة (20) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني قد قررت ذلك فيما نصت عليه من أن :(يتلقى المدعي العام الإخبارات والشكاوى التي ترد إليه).
أما بالنسبة لسلطة التحقيق في الشكوى فنجد أن المشرع قد أوكلها للمدعى العام الذي تم تقديم الشكوى إليه، وذلك فيما ورد بنص المادة (53) من ذات القانون من أنه: (متى قدمت الشكوى إلى المدعي العام كان مختصاً بتحقيقها).
وبالتالي فإن المدعي العام هو الجهة المنوط بها أن تستقبل شكاوى المجني عليهم في الجرائم التي يتوقف تحريك الدعوى الجزائية فيها على الشكوى، والتي من ضمنها جرائم القذف والقدح الإلكتروني، وهو أيضاً صاحب سلطة التحقيق في تلك الشكاوى.
3- المهل المحددة لتقديم المجني عليه للشكوى
حتى تكون الشكوى صحيحة ومقبولة ويترتب عليها الأثر القانوني المستهدف من تقديمها وهو التحقيق في الواقعة محل الشكوى وتحريك الدعوى الجزائية بشأنها، فيجب أن يتقدم بها المجني عليه أو من يمثله قانوناً خلال المهلة القانونية التي منحها له المشرع، وهذه المهلة قررها المشرع الأردني بنص المادة رقم (3/2/أ) محدداً إياها بثلاثة أشهر من تاريخ علم المجني عليه بتحقق الجريمة ووقوعها، بحيث يجيز له القانون أن يتقدم بشكواه خلال تلك المهلة القانونية.
أما إذا ما تخلف المجني عليه عن تقديم شكواه خلال تلك المهلة القانونية وقام بتقديم الشكوى بعد فواتها، فإنها لا تقبل منه باعتبار أن حقه في تقديمها قد سقط بمضي المدة التي قررها القانون للتقدم بها، وإن كان هذا السقوط يقتصر فقط على الحق في التقدم بالدعوى بشأن تحريك الدعوى الجزائية فقط، ويظل حق المجني عليه في المطالبة بالتعويض المدني قائماً.
حيث نصت المادة (3) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على : ( 1. أ. في جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجزائية وجود شكوى أو ادعاء شخصي من المجني عليه أو غيره لا يجوز اتخاذ أجراء في الدعوى إلا بعد وقوع هذه الشكوى أو الادعاء .
ب. اذا كان المجني عليه في الجريمة لم يكمل خمس عشرة سنة أو كان مصاباً بعاهة في عقله تقدم الشكوى من له الولاية عليه . واذا كانت الجريمة واقعة على المال تقبل الشكوى من الوصي أو القيم .
ج. اذا تعارضت مصلحة المجني عليه مع مصلحة من يمثله أو لم يكن له من يمثله تقوم النيابة العامة مقامه .
د. إذا كان المجني عليه شخصاً معنوياً فتقبل الشكوى أو الادعاء الشخصي بناء على طلب خطي من الممثل القانوني للشخص المعنوي أو من ينوب عنه.
- في الدعاوي الجزائية الواردة في البند (أ) من الفقرة (1) من هذه المادة .
أ. يسقط الحق في تقديم الشكوى أو الادعاء الشخصي بعد مرور ثلاثة اشهر من تاريخ علم المجني عليه بوقوع الجريمة ولا اثر لهذا السقوط على الحقوق المدنية للمجني عليه .
ب. اذا لم يقم المشتكي بمتابعة هذه الشكوى مدة تزيد على ثلاثة اشهر فعلى محكمة الصلح إسقاط دعوى الحق العام تبعا لذلك. - في الدعاوى الجزائية الصلحية الأخرى التي ترفع من المشتكي مباشرة، إذا لم يقم المشتكي بمتابعة شكواه مدة تزيد على ستة أشهر جاز للمحكمة إسقاط دعوى الحق العام.
- في الدعاوي التي لا يجوز ملاحقتها إلا بناء على طلب أو إذن لا يجوز رفع الدعوى الجزائية أو اتخاذ إجراء فيها إلا بعد ورود طلب كتابي أو الحصول على إذن من الجهة المختصة ).
4- الآثار المترتبة على تقديم المجني عليه للشكوى
متى تقدم المجني عليه بشكواه إلى المدعي العام خلال المهلة القانونية التي حددها له القانون، ومتضمناً في شكواه تحديد الواقعة محل الإسناد والبيانات التي يمكن من خلالها تحديد شخص المشكو في حقه بجلاء ووضوح، فإن الشكوى تكون قد قُدمت بصورة قانونية سليمة، وتترتب عليها الآثار القانونية المتمثلة في إطلاق يد النيابة العامة لتحريك الدعوى الجزائية العمومية، حيث تعد أهم الآثار القانونية لتقديم الشكوى من المجني عليه، حيث تكون سلطة النيابة العامة معطلة ويدها مغلولة عن اقتضاء حق المجتمع من الجاني قبل تقديم الشكوى.
وبالتالي تبدأ النيابة العامة على إثر تقديم المجني عليه للشكوى بالتحقيق في الواقعة محل الشكوى، واستدعاء المشكو في حقه، وإجراء التحقيقات والإجراءات اللازمة لإحالة ملف الدعوى إلى المحكمة الجزائية لمحاكمة المتهم متى تبين لها وجود جريمة فعلية في الواقعة محل الاتهام تستحق أن يعاقب المشكو في حقه عليها.
5- هل يجوز للمجني عليه التنازل عن الشكوى بعد تقديمها؟
يحق للمجني عليه أن يتنازل عن الشكوى التي تقدم بها في أي مرحلة تكون عليها الشكوى، سواء كانت لاتزال قيد التحقيق أمام النيابة العامة، أو قيد المحاكمة أمام المحكمة الجزائية، وذلك باعتبار أن جرائم الذم والقدح الإلكتروني تدخل في إطار جرائم الشكوى، وذلك طبقاً لما قرره المشرع الأردني بنص المادة رقم (52/1) من قانون العقوبات أنه : (إن صفح المجني عليه يسقط دعوى الحق العام والعقوبات المحكوم بها التي لم تكتسب الدرجة القطعية في أي من الحالات التالية: 1- إذا كانت إقامة الدعوى تتوقف على اتخاذ صفة الادعاء بالحق الشخصي أو تقديم شكوى).
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – إسماعيل الجوهري، مختار الصحاح تاج اللغة العربية وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عطا، ط2، دار العلم للملايين، لبنان، 1979.
[2] – عبد القادر قائد، شكوى المجني عليه، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عدن، اليمن، 2000، ص54.
[3] – محمد سعيد نمور، شرح قانون العقوبات: الجرائم الواقعة على الأشخاص، دار الثقافة، الأردن، 2005، ص334.
[4] – محمد محيي الدين عوض، العلانية في قانون العقوبات، مطابع النصر، مصر، بدون تاريخ نشر، ص2.
[5] – شاهر المطيري، الشكوى كقيد على تحريك الدعوى الجزائية في القانون الجزائي الأردني والكويتي والمصري، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2010، ص45.
[6] – محمد علي الحلبي، الوسيط في شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية: ج1: دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي ومرحلة التحري والاستدلال، دار الثقافة للنشر، الأردن، 1996، ص92.

