الأحكام المتعلقة بسورة الغضب في قانون العقوبات الأردني
في مستهل الحديث عن الأحكام المتعلقة بسورة الغضب لابد من الإشارة إلي أن هناك بعض العوامل التي يتأثر بها فاعل الجريمة، وينبغي مراعاتها عند توقيع العقوبة عليه لتحقيق روح العدالة، فلا يخفي عن الفطنة أن الحالة النفسية للجاني قد تؤثر على ما يرتكبه من جرم كما أن هناك ظروف قد تستدعي تخفيف العقاب عن المجرم ويعتبرها المشرع أعذار وجوبية لا يملك القاضي حيالها أي سلطة تقديرية، ومن ضمن هذه الحالات سورة الغضب، فالشخص المستفز هو المذنب الأول، ومن العدل والإنصاف أن يُخصم خطأ المعتدي من خطأ المعتدي عليه كنوع من المقاصة لتصبح مسؤولية الجاني أخف.
ففي حالة سورة الغضب نجد أن البداية من المجني عليه نفسه الذي يقوم بفعل مادي خطير غير محق يتسبب به في استفزاز الجاني، ويؤدي هذا الاستفزاز إلي الغضب العارم الشديد الذي يُخرج الجاني عن هدوءه ويفقده السيطرة علي إرادته، ويجعله في موقف مهين فيقوم برد هذا الاعتداء بفعل متزامن مع فعل الاعتداء، وهو غير متدبر لعواقب الأمور. ومن هذا المنطلق عالج المشرع تلك الحالة بنص المادة (98) من قانون العقوبات الأردني المتعلقة بسورة الغضب، وهذه المادة التي تقرر العذر المخفف قد طالها التغيير عام 2017، عندما أضاف لها المشرع الفقرة (ب) والتي حصرت تطبيق العذر المخفف حال القتل عن سورة الغضب بقتل الذكور واستثنت الإناث، وهنا يثار التساؤل حول موافقة تعديلات الفقرة (ب) من المادة (98) من قانون العقوبات المتعلقة بسورة الغضب مع مبدأ المساواة الدستوري.
- وترتيباً على ما تقدم سوف أحاول في هذا المقال تسليط الضوء علي الأحكام المتعلقة بسورة الغضب في قانون العقوبات الأردني من خلال العناصر الآتية:-
أولاً: ماهية سورة الغضب وشروط تحقيق سورة الغضب قبل تعديل قانون العقوبات الأردني.
ثانياً: تعديل المادة 98 بإضافة الفقرة (ب) والنتائج القانونية المترتبة على التعديل.
ثالثاً: أثر مبدأ المساواة على الأحكام المتعلقة بسورة الغضب.
رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردني بشأن الأحكام المتعلقة بسورة الغضب.
أولاً: ماهية سورة الغضب وشروط تحقيق سورة الغضب قبل تعديل قانون العقوبات الأردني.
- ماهية سورة الغضب:
غني عن البيان أن المشرع الأردني لم يعرف مصطلح سورة الغضب والذي استخدمه في المادة (98) من قانون العقوبات الأردني، ويري البعض من فقهاء القانون الجنائي أنه كان من الأوفق للمشرع استخدام لفظ الاستفزاز الشديد بدلاً من سورة الغضب، حيث أنه أكثر قرباً لمضمون وفكرة المادة( 98 )، فكلمة الاستفزاز تعني في المعجم جعله يضطرب ويثور غضباً، وإزعاجه وإثارته،([1]) ولقد حاول البعض تعريف الاستفزاز على أنه: ( قيام المجني عليه بتصرف أو فعل يعد اعتداء على حق الغير، يثير فيه كوامن نفسه وشعوره، ويجعله في موقف مهين، فيقوم برد هذا الاعتداء بفعل موازٍ ومتزامن مع فعل الاعتداء).([2])
- وترتيباً على ما تقدم يمكن تعريف سورة الغضب أو الاستفزاز بأنه: تصرف غير محق صادر من المجني عليه ضد الجاني، يؤثر بشكل فوري على الجاني، ويحدث اضطراباً نفسياً شديداً، وانفعالاً بدنياً يتوجه به الجاني نحو المجني عليه، فيرتكب جرمه وهو فاقد السيطرة، غير متدبر عواقب الأمور، ولا مقدر لأفعاله فينقص من ادراك الجاني ويخل بوعيه.([3])
- شروط سورة الغضب قبل تعديل قانون العقوبات رقم (27) لسنة 2017:
أ- صدور عمل مادي خطير من جانب المجني عليه:
مما لا شك فيه أن المشرع الأردني تطلب لقيام حالة سورة الغضب أن يصدر من المجني عليه فعلاً إيجابياً ومادياً يؤدي إلي حدوث غضب شديد واستفزاز نتيجة العدوان، ولا يكفي لذلك مجرد أقاويل وتهديدات أو ترديد إشاعات أو توجيه الإهانات، فكل هذه الأفعال لا تصلح مطلقاً للاستفادة من حالة سورة الغضب، فالمشرع استلزم صراحة في نص المادة (98) أن يكون هناك عملاً من المجني عليه وليس قولاً، بيد أنه قد صدر حكماً حديثاً نسبياً أثبتت فيه محكمة التمييز الأردنية، أن ما قام به الابن من توجيه الشتائم اللفظية الشنيعة لأبيه قد استفز الأب فارتكب جريمة قتل الابن، وجعلته يستفيد من العذر المخفف بعد ارتكاب جريمته.([4])
- ولكن قد يثور تساؤلاً هاماً في الأذهان، وهو هل يستفيد من العذر المخفف مرتكب الجريمة بسبب الفعل السلبي بالامتناع؟، والسؤال بشكل آخر، هو هل صدور فعل سلبي بالامتناع من المجني عليه يكفي لقيام حالة سورة الغضب، أم أنه يشترط أن يصدر منه عمل مادي إيجابي؟
-
وتفسيراً لذلك، يعرض البعض مثالاً للطبيب الذي يمتنع عن إنقاذ طفل مريض، لأن الأب عدو للطبيب، وكذلك منقذ الشاطئ الذي يمتنع عن إنقاذ شخص يغرق في النهر لذات السبب.
-
وللإجابة على هذه التساؤلات تجدر الإشارة إلي أن نص المادة (98) وفقاً لصياغته الحالية اشترطت صراحةً وجود عمل مادي صادر من المجني عليه، ومن ثم فلا يمكن اعتبار الامتناع بالفعل السلبي سبباً للاستفادة من العذر المخفف، وهذا يعد خللاً ظاهراً في الصياغة التشريعية ويلزم أن يتدخل المشرع الأردني لتعديله وتلاشيه، ليشمل النص أيضاً الامتناع، لأن إحجام الطبيب عن إنقاذ حياة الطفل المريض بسبب العدوان مع الأب، والأب يري ابنه يحتضر ويلفظ أنفاسه ويموت والطبيب لا يحرك ساكناً، لابد أن يسبب له سورة غضب بالغ يفقده شعوره.
-
ولا يفوتنا إلي أن ننوه على أن المادة (98) اشترطت في العمل المادي أن يكون خطيراً وذلك بأن يكون العنف الذي مارسه المجني عليه له تأثيراً بالغاً على المثار نفسه، ويؤدي إلي إفقاده إرادته فقداناً جزئياً بسبب الاستفزاز الشديد فيعجز عن التحكم بنفسه، فقيام شخص بالاعتداء على عرض طفل فيقوم والد الطفل بقتله فور مشاهدة آثار هتك العرض بعد عودة الولد إلي المنزل يدخل ضمن سورة الغضب المنصوص عليها في المادة سالفة البيان .
ب – أن يكون العمل المادي الصادر من المجني عليه غير محق:
من المسلم به أنه إذا قام المجني عليه بعملاً مباحاً فلا يجوز للجاني الاستفادة من العذر المخفف إذا استفزه ذلك العمل، فالقاعدة في المادة (61) من القانون المدني الأردني أن الجواز الشرعي ينافي الضمان، لذا فلو أن الأب قام بضرب ابنه بهدف التأديب أمام أصدقائه فلا يجوز أن يستفيد الابن من عذر الاستفزاز إذا قتل أبيه في هذه الحالة، لأن الأب يمارس فعلاً مباحاً ومشروعاً.
- وكذلك الحال إذا قام المجرم وقت إلقاء القبض عليه من رجال الشرطة بقتل الشرطي لأنه يقيد حركته، أو قيام الابن بقتل أمه لغضبه منها ومن كلامها الذي استفزه عندما أراد أن يأخذ منها المال ليشتري المخدرات التي يتعاطاها، ففي كل هذه الأحوال عمل المجني عليه مباحاً فلا تتوافر حالة سورة الغضب، ولا يستفيد الجاني من العذر المخفف.
ج- التسبب باستفزاز وغضب عارم يؤدي إلي ارتكاب الجرم في الحال:
جدير بالذكر أن المشرع الأردني في المادة سالفة الذكر لم يقتصر فقط على حدوث الاستفزاز ليتوافر العذر، بل يجب أن يعقب هذا العمل الاستفزازي الغضب الشديد، ونتيجة لذلك إذا استفز شخص شخصاً آخر ولكن الآخر لم يعتريه الغضب العارم فإنه لا يستفيد من العذر، فالمقصود إذا بالغضب العارم هو ذلك الغضب الذي يؤثر على حالة الجاني النفسية ويخرجه عن سلوكه السوي، ويفقده السيطرة على إرادته، كما يلاحظ انه إذا مضي مدة بين الاستفزاز وارتكاب الجريمة ضد المجني عليه حتى زال الغضب وهدأ روع المجني عليه ففي هذه الحالة لا يتوافر الشرط، ولا مجال للاستفادة من العذر والذي يقدر ذلك هو قاضي الموضوع.
ثانياً: تعديل المادة 98 بإضافة الفقرة (ب) والنتائج القانونية المترتبة على التعديل.
قام المشرع الأردني في عام 2017 بتعديل قانون العقوبات الأردني واستحدث الفقرة (ب) من المادة (98) للحد من جرائم الشرف أي قتل الأنثى بسبب قيامها بجلب العار لأسرتها بفعل جنسي يعارض عادات المجتمع، كما قام عام 2001 بتعديل المادة( 340 ) حيث كان المشرع يستخدم لفظ من فاجأ زوجته وعدل النص ليصبح من فوجئ بزوجته، لأن المنطق القانوني يقضي بأن يكون الزوج هو الذي فوجئ لا هو الذي فاجأ،([5]) والواضح أن تعديل نص المادة( 98 ) لم يأت بمحض الصدفة، بل بسبب مطالبات عديدة زادت خاصة بعد مصادقة الأردن على اتفاقية ( سيداو ) عام 1992.([6])
- وتبدو الحكمة من منح العذر المخفف للزوج أو القريب من درجة محددة لما يعتريه من دهشة وغضب يقللان من السيطرة على النفس،([7]) وقررت الفقرة (ب) من المادة( 98 ) بعد تعديلها بالقانون رقم 27 لسنة 2018 بأنه لا يستفيد فاعل الجريمة من العذر المخفف المنصوص عليه في الفقرة (أ) من هذه المادة إلا إذا وقع الفعل على أنثي، وتوافرت شروط المادة (340) وهذه الشروط هي:
1- صفة الجاني في قتل الأنثى حال سورة الغضب:
لقد اشترطت المادة(340) من قانون العقوبات الأردني أن يكون الجاني في جريمة قتل الأنثى هو زوج المجني عليها أو ذا قرابة منها، ولقد حدد القرابة بأن تكون الأنثى إحدى أصوله: كالأم والجدة، أو إحدى فروعه: كالبنت أو الحفيدة، أو إحدى أخواته: سواء الأخت الشقيقة من الأب والأم أو من أحدهما، ولا يستفيد من العذر المخفف غير ذلك من الأقارب .
- وهنا قد يثور عدة تساؤلات أهمها: ماذا لو أن الشخص الذي ذهل بمنظر الأنثى وهي تزني العم أخ الأب أو ابن أختها أو أب الزوج الذي ذهل بمنظر زوجة ابنه تزني، فهل يستفيد من العذر المخفف؟، وقد يثور في الذهن تساؤلاً آخر وهو هل يستفيد من العذر الأب إذا شاهد ابنه الذكر وهو في وضع الزنا وقتله؟ وهل تستفيد الأم إذا دخلت وفوجئت بابنتها تزني وقتلتها؟
وللإجابة عن تلك التساؤلات يجب التأكيد على أن المشرع الأردني قد حصر دائرة الاستفادة من العذر المخفف في أضيق الحدود فلا يمكن تجاوزها، ومن ثم لا يستفيد من حالة سورة الغضب والعذر المخفف غير ما تم ذكرهم في نص المادة (340) من قانون العقوبات الأردني، ومن هذا فتبدو الإجابة واضحة عل كل الأسئلة السابقة وهى عدم استفادتهم جميعاً بهذا العذر المخفف، وبالنسبة للحالة الأخيرة المتعلقة بالأم فهي أيضا لا تستفيد لكون العذر المخفف يقتصر على الرجل حسبما ورد في نص المادة (340) ، وهذا الأمر قد يعتبر مخالفاً لنص المادة (6) من الدستور الأردني الذي يقرر مبدأ المساواة.
2- عنصر المفاجأة للأنثى حال تلبسها بالزني أو في الفراش غير المشروع:
يلزم لتطبيق العذر المخفف أن يحدث مفاجأة للزوج أو القريب المحدد بين ما يعتقده في سلوك الأنثى وبين ما يتحقق أمامه من تلبسها بالزني أو حالة الفراش غير المشروع، ولا يكفي أن يخبره أحد بذلك، وكذلك الأمر فلا يتوافر العذر المخفف إذا كان الزوج متيقناً من خيانة زوجته وقتلها مدفوعاً برغبته في الانتقام منها، فاحتال حتى ضبطها متلبسة بالزنا فقتلها، فلا يستفيد من سبب التخفيف لأنه لم يفاجأ بالزني.([8])
- أما بالنسبة للتلبس بالزنا فهو يتحقق بتوافر إحدى حالاته التي ذكرها المشرع الأردني في المادة( 28 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وهو الجرم الذي يشاهد حال ارتكابه، أو عند الانتهاء من ارتكابه، أو يضبط معهما أشياء تدل على قيامهما بالفعل، فقد يشاهد الزوج زوجته وعشيقها أثناء الاتصال الجنسي بينهما، وقد يشاهد الشخص أخته في حالة عري مع عشيقها بعد الاتصال الجنسي مباشرة، وفي الحالتين يتوافر التلبس بالزنا ويتحقق العذر المخفف.
وبالنسبة لحالة التلبس بالفراش غير المشروع فتتحقق بالوضع المادي الذي يولد الشك في حصول الإثم ولا يشترط حدوث ذلك في مكان النوم، يكفي أي مكان يجمع بينها وبين العشيق ويمكن في مزاولة الاتصال الجنسي، فيكفي تلكأ الأنثى وعثور الزوج أو القريب على رجل غريب معها في حالة ارتباك، ويلاحظ أنه في الحالتين سواء القتل تلبساً بالزنا أو الفراش غير مشروع، يتوفر العذر المخفف حال وجود عنصر المفاجأة.
2-ارتكاب القتل في الحال:
من الجدير بالملاحظة أن المادة( 340 ) فقرة (1) اشترطت صراحة أن يقع القتل في الحال وذلك للاستفادة من العذر المخفف وذلك حتى يكون الغضب العارم مازال وجوداً، وبالتالي فإذا تراخي القتل إلي وقت لاحق فزالت معه حالة الغضب العارم واستعاد الإنسان ملكات عقله وهدوءه وسيطرته على جماح نفسه فلا يتحقق الشرط، وهذا الشرط الزمني يترك تقديره لقاضي الموضوع.
ثالثاً: أثر مبدأ المساواة على الأحكام المتعلقة بسورة الغضب.
- مما لا شك فيه أن الحق في المساواة هو من أهم حقوق الإنسان حيث يعد مبدأ جوهريا في كافة الأنظمة القانونية الديموقراطية في كافة دول العالم([9])، وتأكيداً لذلك نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه يولد جميعا الناس أحراراً متساويين في الكرامة والحقوق، وحظرت المادة (2) منه التمييز فنصت على أنه لكل إنسان الحق في التمتع بكافة الحقوق والحريات، دون أي تميز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة ودون أي تفرقة بين الرجال والنساء.
وتأسيساً علي ذلك فإن صياغة المادة ( 98 ) فقرة (ب) من قانون العقوبات الأردني توحي بعدم المساواة بشكل واضح، فقد جعلت المعيار هو جنس المجني عليه باعتباره المؤثر في الاستفادة من العذر المخفف من عدمه، وهذا يخل بمبدأ المساواة وفقاً للاتفاقيات الدولية والدستور الأردني، فقد ميزت الفقرة (ب) من المادة( 98 ) بين الأردنيين على أساس الجنس حيث أن المجني عليه إذا كان ذكراً فالجاني يحق له الاستفادة من سورة الغضب والعذر المخفف، بينما ذلك محظوراً إذا كان المجني عليه أنثى، على الرغم من تساوي المراكز القانونية للأفراد وتماثلهم، وهذا يعد إهداراً لمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليه في المادة (6/1) من الدستور، والذي يعد الركيزة الأساسية للحقوق والحريات وأساساً للعدل والسلم الاجتماعي، وأن غايته صون الحقوق في مواجهة التمييز ووسيلة لتقرير الحماية المتكافئة الطى لا يجوز التحيز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة للمتقاضين.([10])
- ومفاد ما تقدم أنه قد يتسبب استثناء تطبيق العذر المخفف حال قتل الأنثى عند سورة الغضب في تضارب أحكام القضاء، لأن الحكم سيبنى علي جنس المجني عليه، فيعاقب القاتل إن كان المقتول أنثى، بينما لو كان المقتول ذكراً فيستفيد من تطبيق العذر المخفف وهذا بحد ذاته لا يتلاءم مع مبدأ المساواة الدستوري لأنه يعطي الأفضلية في الاستفادة من العذر استناداً إلي جنس الضحية، وهذا يعني أن كل إيذاء أو قتل لأي أنثى بغير حالة التلبس بالزنا أو فراش غير المشروع لن يستفيد الجاني من العذر المخفف.
رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردني بشأن الأحكام المتعلقة بسورة الغضب.
إن المتأمل في هذا الموضوع يجد أن الهدف من إحالة الفقرة (ب) من المادة (98) إلى المادة (340) هو حصر قتل الإناث في حال التلبس بالزنا أو الفراش غير المشروع لا غير، وذلك في سبيل مكافحة ما يعرف بجرائم الشرف، لكن صياغة هذه المادة تؤدي إلى تضارب متوقع عند التطبيق القضائي؛ لأن الأنثى قد تسبب للجاني حالة استفزاز شديد فيقتلها، فلا يستفيد من العذر المخفف على الرغم من أن القتل لا علاقة له بجريمة الشرف، وأحيانًا قد يؤدي استثناء الأنثى من سورة الغضب إلى تضارب الأحكام المبنية على جنس المجني عليه، فيجرم القاتل بجناية القتل المقصود وعقوبتها (20) عاما، إذا كان المقتول أنثي، بينما لو كان المقتول ذكرا فيستفيد من العذر المخفف، ويعتبر الفعل جنحة، وهذا بحد ذاته غير طبيعي لأنه يؤكد التميز، ويعطي الأفضلية في الاستفادة من العذر استنادا إلى جنس الضحية، وهذا يسبب خللا وسنضرب لذلك الأمثلة الآتية:-
- ورد في قرار محكمة التمييز بصفتها الجزائية الحكم رقم (71) لسنة 1963 الصادر بتاريخ 5/9/1963: (إن محاولة المغدور فتح شباك البيت بالقوة بقصد الدخول على المتهمة لاغتصابها، هو اعتداء غير محق، وعلى جانب من الخطورة، ويؤلف عذرا بالمعني المقصود من المادة (98) من قانون العقوبات)
- وتعليقا على هذا الحكم يتضح استفادة الجاني من العذر المخفف باعتبار أن المجني عليه تسبب بسورة غضب أوصلت الجاني للقتل، الآن لنفترض ماذا لو أن الذي حاول الدخول للمنزل أنثي، حيث حاولت الدخول بغرض هتك عرض الابنة والسحاق بها، فقام الأب بقتلها فهل يستفيد من العذر، طبقًا للتعديل الجديد للمادة (98) فقرة (ب)، في الحقيقة أنه لن يستفيد، وبهذا نجد أن القتل هو نفسه، والاستقرار هو نفسه، لكن لاختلاف جنس المجني عليه تختلف الأحكام وهذا يعد خللاً.
- وفي قرار آخر متعلق بحالة زنا، قررت محكمة التمييز بصفتها الجزائية الحكم رقم (28) لسنة2007 الصادر بتاريخ26-2-2007:( إذا أقدم المتهم على قتل شقيقته بعد مشاهدة شريط فيديو تظهر فيه المجني عليها مع شخص غريب في أوضاع جنسيه فاضحة مما أثار المتهم وأفقده السيطرة على ذاته نتيجة هذا الفعل غير المحق المخالف للأخلاق، وحال سن المتهم والتفكير السليم المتزن المقدر لعواقب الأمور، فإن هذه الوقائع تشكل جنحة القتل المقترن بالعذر المخفف).
- وقد ورد في قرار محكمة الجنايات الكبرى بتاريخ 16-3-2015 قرار قم (1450) لعام 2014م:(أن فتاه متزوجة لم تلتق بزوجها منذ سنتين وكانت هزيلة الجسم، فتفاجأ أخوها أنها قد ولدت، ولم يكن يبدو عليها مظاهر الحمل لأن جسمها هزيل، وملابسها فضفاضة، وعندما سألها عن الموضوع اخرته أن الطفل لشخص لا تربطها به علاقة شرعية، وأنه ابن حرام، فأقدم تحت سورة الغضب على قتلها، فحكمت المحكمة باستفادته من العذر المخفف المقترن بسورة الغضب الشديد، لأنه شاهد آثار الزنا الصريحة، وتفاجأ بولادتها نتيجة الزنا، وهذا الفعل غير محق)، وهذا الحكم لو أنزلناه على التعديلات المستحدثة الواردة في الفقرة (ب) من المادة (98)، فإن القاضي لن يتمكن من الحكم بتوافر العذر المخفف؛ لأن قتل الأنثى محصور في المادة (340)، أي وجود حالة تلبس مع العشيق، بينما في هذه الحالة فإن الأخ لم يفاجأ بأخته في وضع عري أو تلبس بممارسة الجنس الآثم، بل تفاجأ بحمل أخته وولادتها لابن حرام ناتج عن الزنا، فقتلها في الحال، ومع أن الغضب العارم متحقق في حالته بل أشد وطأة لأن طفل الخطيئة من الأخت الزانية أمامه واعترفت بذلك، إلا أنه وفقا لنص المادة (98) فقره (ب) لن يستفيد من العذر المخفف إلا إذا دخل على أخته فوجدها متلبسة بالزنا مع عشيقها، وفقاً لما ورد في المادة (340(.
وهناك حالات لا شأن لجرائم الشرف بها، ومع ذلك ستحدث تضاربًا متوقعًا بالأحكام؛ استنادا إلى جنس المجني عليه:
- قرار محكمة التمييز (هيئة خماسية) رقم (1260) لعام 2002 صدر في 28/1/2003:( أن قيام المغدور وابنه بخرق حرمة منزل المتهمة، ووضع مشرط على رقبة ابنتها (زوجته)، وجرها من شعرها، لأخذها إلى منزله، فقامت أم الزوجة بإطلاق الرصاص عليه تحت تأثير سورة الغضب الشديد؛ لأنها شعرت بالمهانة، وأنها لا تستطيع حماية ابنتها، فإن العذر المخفف يكون مستوفي).
- محكمة التمييز (هينة خماسية) رقم (909) لعام 2004 صدر في8- (1- 4- (200م حيث قضت: (بأن قيام المتهم بقتل المجني عليه الذي مارس اللواط بأخيه تحت تهديد السلاح، هو قتل مقترن بالعذر القانوني المخفف في حدود المادتين (326) و (98) من قانون العقوبات).
- قرار محكمة التميز (هينة خماسية ) رقم (389) لعام 1996 صدر في 29-6-1996م:(حيث قضت بأن قيام المتهمين بمهاجمة المميز ضده وضربه بالسكاكين والعصي، وكان ذلك خطيراً وأدي إلي سورة غضب شديد لديه، جعله يقدم على ضرب المجني عليه بسكين مشمول بأحكام المادة (98/ب ) ).
خامساً: الخاتمة
ختاما فإن صياغة المادة (98) فقرة (ب) قصد منها مكافحة الإناث بداعي السمعة أو ما يعرف بجرائم الشرف، ومع ذلك فإن الصياغة جاءت غير موافقة، فهي تهدد بالكثير من عدم الاتزان المتوقع في الأحكام القضائية، وهذا خلل صريح بسبب الصياغة غير السديدة، لأنه كما اتضح أن جرائم القتل تحت سورة الغضب ليست محصورة فقط بجرائم الشرف، بل إن منها بسبب خلافات شخصية، ومنها بسبب خلافات مالية، ومنها اعتداء ظالم، ومنها ثأر للسمعة، ومنها مشاجرات عائلية، ومنها بسبب الضرب، وهنا يستفيد الجاني من العذر المخفف إذا وقع القتل على ذكرٍ مهما كان المسبب للغضب، بينما لا يستفيد الجنس من العذر المخفف إذا وقع القتل على أنثي إلا حال الزنا أو الفراش غير المشروع، وهذا يعد تمييزاً على أساس الجنس، مما يؤكد أنه لابد من تعديل الفقرة (ب) من المادة (98) لمنع تضارب الأحكام.
كتابة الأستاذ/ جمال مرعي
[1] – انظر: المعجم الوسيط، 2004، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، مصر، ص654.
[2]– انظر: البرزكان، عبد الستار، 2002، قانون العقوبات، القسم العام بين التشريع والقضاء، مكتبة الرشيد للنشر، بغداد، العراق، ص 250.
[3] – انظر: محمد حسين محمد، الأحكام المتعلقة بسورة الغضب في قانون العقوبات الأردني وأثرها على مبدأ المساواة، مجلة الزرقاء للبحوث والدراسات الإنسانية للنشر، مج ٢٢ ، ع ١ ،٢٠٢٢ ،ص ١٤٤.
[4] – انظر قرار محكمة التمييز ( هيئة خماسية) رقم 1243 لسنة 2010 بتاريخ 2/11/2010، منشور في مجلة نقابة المحامين عدد 3 لسنة 2011.
[5] – انظر السعيد، كامل، 2011، ط 5، شرح قانون العقوبات للجرائم الواقعة على الإنسان، دار الثقافة والنشر، عمان، الأردن، ص 171.
[6] – انظر: خمش، مجد الدين، 2019، المواطنة والهوية الوطنية في الأردن والوطن العربي، دار الأردن للنشر، عمان، الأردن، ص 42.
[7] – الجبور، مي عودة، 2012، ط 2، الجرائم الواقعة على الأشخاص، دار وائل للنشر، عمان، الأردن، ص 214.
[8] – انظر حسني، محمد نجيب، 1993، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، دار النهضة للنشر، القاهرة، ص 316.
[9] – انظر أصليح، ميساء، 2019، حق المساواة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، عمان ، الأردن، ص 7.
[10] – انظر السعيد، كامل، 2017، ط 1، النظرية العامة للقضاء الدستوري، دار الثقافة للنشر، عمان، الأردن، ص 455.

