نظرية تحول العقد في القانون
عند الحديث عن العقود فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو إنشاء التزامات تعاقدية يكون من شأنها تحقيق مصلحة الطرفين وضمان حقوق كل طرف لدى الآخر، حيث أن العقود قد وضعت حتى يتم إملاء إرادة المتعاقدين في طيات بنودها، وبالتالي فإن القواعد القانونية وضعها المشرع حتى تحمي تلك المراكز القانونية والالتزامات الناشئة عن إبرام العقود وهو ما كان وراء غرض المشرع من إنشاء نظرية تحول العقود والتي من شأنها أن تنتج أثر قانوني صحيح من تصرف قانوني قد يشوبه البطلان ثم يتحول إلى تصرف آخر يقع صحيح قانوناً وهذا ما سنقوم بعرضه بصورة تفصيلية من خلال هذا المقال على النحو التالي:
أولاً: تعريف نظرية تحول العقد في القانون
رابعاً:الأثار المترتبة على تحول العقد
خامساً: موقف القانون الأردني ومحكمة التمييز الأردنية من نظرية تحول العقد
أولاً: تعريف نظرية تحول العقد في القانون:
يمكن القول إن تحول العقد هو إصباغ صبغة مختلفة على العقد من شأنها تغيير الوصف القانوني له إلى وصف أخر فيترتب على الوصف الجديد أثار قانونية صحيحة لم تكن تترتب في حالته الأصلية كونه باطل؛ ولكن يتحول بذلك إلى تصرف منتج لجميع أثاره القانونية، وهو ما يجعله التزام غير الذي تم تحريره ومن ثم تسري عليه جميع القواعد القانونية المنظمة لهذا الالتزام الجديد[1].
وقد قام الدكتور عبد الرازق السنهوري بتفسير نظرية التحول أن التصرف وإن وقع باطلاً قد ينطوي على عناصر تصرف أخر غير التصرف الذي رغبا المتعاقدان فيه ورمي قصدهما إليه وقاما بتحريره بالفعل، الأمر الذي يجعله يتحول إلى ذلك التصرف الجديد وينتج أثاراً قانونية صحيحة كونه أصبح تصرف صحيح بينما يكون هذا الأثر ليس أثراً أصلياً وإنما لا يخرج عن كونه أثراً عرضياً[2].
ثانياً: مصدر نظرية تحول العقد:
يرجع مصدر نظرية تحول العقد إلى القرن التاسع عشر حيث قام رجال القانون الألماني بصياغة تلك النظرية وبالفعل تم العمل بها كقاعدة قانونية وتم تقننينها بموجب نص المادة (140) والتي تنص على:
” إذا كان العمل القانوني الباطل يفي بشروط عمل آخر فهذا العمل الأخير هو الذي يؤخذ به إذا فرض أن المتعاقدين كانا يريدانه لو كانا يعلمان بالبطلان”
وقد سار صائغي القانون المصري الجديد والكويتي والسوداني وغيرهم على نهج القانون الألماني وسلكوا درب تطبيق نظرية تحول العقد والنص عليها بمواد قانونية يتم العمل بها بالفعل في هذه الأنظمة القانونية[3].
ثالثاُ: شروط تحول العقد:
حتى يتم تحول العقد طبقاً لنظرية التحول من التصرف الأصلي إلى التصرف الجديد الذي يرتب الأثار القانونية التي تسمى بالأثر القانونية العرضية لابد من توافر عدة شروط وسوف نتناولها تفصيلاً في التالي:
الشرط الأول: بطلان العقد الأصلي
البطلان عبارة عن وصف يمكن أن يطلق على التصرف القانوني الذي لحقه عيب جعله مخالفاً للقواعد القانونية أو الاتفاقيات المعمول بها، وهو الأمر الذي يجعل فاعلية هذا التصرف منعدمة وأثاره القانونية تتلاشى وذلك يعد بمثابة توقيع الجزاء على من يخالف القواعد والمقاصد التي رمى الى تحقيقها المشرع من ضرورة احترام القواعد القانونية التي من شأنها إنشاء تلك التصرفات وتنظيمها والعمل على جعلها ضمانة قوية لطرفي التعاقد.
أما عن العقد الأصلي فيمكن القول إن العقد الأصلي يعتبر هو الأساس الذي يتم بناء نظرية تحول العقد عليه، حيث إذا لم يكن هناك عقد أصلي شابه البطلان فبالطبع لا يكون هناك مجال لتطبيق نظرية تحول العقد إلى عقد آخر ينتج أثار قانونية عرضية ومن هنا وجب وجود العقد الأصلي الذي تتوافر فيه شروط البطلان فيكون تصرفاً باطلاً أو تصرف قابل لأن يتم إبطاله أو أنه قد تم إبطاله بالفعل.
وهو ما يجعلنا نتوقف عند نقطة البطلان حيث إن العقد إذا لم يتوفر فيه البطلان لا يجوز تحوله إلى عقد آخر حتى ولو كان المتعاقدان يفضلان العقد الجديد فلا مجال لتحوله لأنه عقد صحيح لا يجوز تطبيق نظرية تحول العقد عليه، وكذلك فلا يجوز تحول العقد الموقوف إلا إذا تم إبطاله وكذلك التصرفات الصورية وتصرفات فاقد الأهلية إلا إذا تم الحكم ببطلان هذه التصرفات بشكل قطعي[4].
ومن الجدير بالذكر:
أنه إذا كان هناك تصرف قانوني صحيح في شق وباطلاً في الشق الآخر وكان هذا التصرف يقبل الإنقسام فإن نظرية تحول العقد لا يكون هناك مجال إلى إعمالها على كامل التصرف، بل يكون هناك مجال لإنتقاص التصرف حيث ينتقص ويزول الجزء الباطل منه أو قد يكون هناك مجال لأن يتم تحوله إلى تصرف آخر في حين أنه يبقى الجزء الصحيح من التصرف منتج لأثاره القانونية.
أما في حالة أن التصرف القانوني المنعقد لايقبل الانقسام فلا محاله من إبطاله كاملاً وهو الأمر الذي يمكن معه وجود محل لتطبيق نظرية تحول العقد أو التصرف القانوني الباطل إلى تصرف قانوني آخر[5].
الشرط الثاني: أن يكون التصرف الأصلي يحمل في طياته عناصر التصرف الآخر الذي يتحول إليه:
لكي يتم التحول إلى التصرف الجديد لابد أن تتوافر عناصر ذلك التصرف في العقد الأصلي الذي يشوبه البطلان، بحيث يشمل التصرف الأصلي التصرف الذي يمكن أن يطبق عليه نظرية التحول داخل طياته، فإذا لم يشتمل على تصرف آخر في مجموعه فلا محل هنا إلى إعمال النظرية ويقع التصرف باطلاً غير قابل للتحول.
ووجب التنبيه إلى أن تعديل التكييف من تصرف مع الاحتفاظ بالتصرف الأصلي والبقاء عليه لا يعد تحول للعقد، بل يعد مجرد تفسير إلى التكييف الصحيح لهذا التصرف وعلى سبيل المثال في حالة تكييف وصية خاطئة على أنها بيع وليست وصية فهنا أصبح التصرف الأصلي باقي مع تعديل التكييف إلى التكييف الصحيح، وهو الأمر الذي يدعونا إلى ضرورة أن يكون هناك تغيير من التصرف الأصلي إلى التصرف الجديد حتى يتم التحول[6].
ولا يشترط أن يكون التصرف الأصلي متضمناً بشكل فعلي على عناصر التصرف الآخر، بل يكفي أن يكون هناك رابطة من شأنها أن تجعل التصرف الأصلي في مجمله مشتملاً على عناصر التصرف الآخر.
وذلك مع العلم أنه لا يجوز إضافة عنصر جديد إلى التصرف الآخر لم يكن مشتملاً عليه التصرف الأصلي، حيث إنه في حالة إضافة عنصر جديد لا يتم التحول، بل تبقى عناصر التصرف الأصلي مع إضافة عنصر جديد فيقع عقد جديد مغاير إلى العقد القديم مختلفاً عنه وله تكييف قانوني مختلف ولم يكن عقد محول.
من هنا حتى يتم الوقوف على المعنى الصحيح لتحول العقد وجب علينا كما أفاد الدكتور السنهوري التمييز بين ثلاثة أشياء وهي:
- تصحيح العقد:
والتصحيح هو عبارة عن إدخال عنصر جديد بقوة القانون يجعل العقد صحيح، ويشترط في التصحيح أن العقد منذ البداية قد نشأ معيباً ولم يكن ذلك من اختصاص القاضي، بل يكون التصحيح بالقانون المنظم لذلك التصرف.
- مراجعة العقد:
وقد تأتي مراجعة العقد على عقد نشأ صحيحاً وهو الحال في استكمال بنود لم يتفق عليها طرفي التعاقد في حين كونها بنود جوهرية، وقد تأتي مراجعة العقد على عقد نشأ معيباً منذ البداية مثل نقص الالتزام في عقود الإذعان أو عقود الإستغلال، وتعد المراجعة هنا من صميم عمل القاضي ويقوم بها ولم تكن بحكم القانون كما هو الحال في التصحيح.
- تحول العقد:
أما عن تحول العقد فهو بمثابة استبدال عقد جديد بعقد قديم وذلك دون أن يتم إدخال عناصر جديدة على العقد الأصلي وهو الأمر الذي من شأنه أن يكون عامل التمييز الذي يميز تحول العقد عن تصحيح العقد وكذلك مراجعته[7].
الشرط الثالث: جواز انصراف إرادة المتعاقدين إلى التصرف الجديد:
وتعد هذه الإرادة إرادة ضمنية يتم استخلاصها عن طريق القاضي من واقع التصرف الأصلي وكذلك الظروف والملابسات المحيطة به، بحيث أن الإرادة الحقيقية تبتغي غاية معينة من التصرف وهي غاية عملية فعندما يتحول التصرف فإنه يقوم بتحقيق جزء من هذه الغاية أو تحقيقها كاملة، وهو الأمر الذي يفترض معه القانون أن تنصرف إرادتهما إلى التصرف الجديد الذي يحقق تلك الغاية أو جزء منها على الأقل وهو الغرض الأساسي الذي وضعت من أجله نظرية تحول العقد[8].
رابعاً: الأثار المترتبة على تحول العقد:
عندما تتوافر الشروط التي سبق أن ذكرناها فإن التحول يتحقق ويقع بالفعل، الأمر الذي يؤدي إلى تحول التصرف الأصلي الذي شابه البطلان إلى تصرف جديد من شأنه أن ينتج أثاره القانونية، وهنا يتم تطبيق نظرية تحول العقد بقوة القانون ولا يتم التحول بسلطة القاضي بينما يقتصر دور القاضي على التقرير بوجود شروط التحول وأنها متوافرة وقد لا يحتاج القاضي حتى أن يحكم بوقوع التحول بناءً على طلب الخصوم، بل يجوز أن يحكم به من تلقاء نفسه ويكون الحكم مقرر للتحول بقوة القانون[9].
وقد اختلفت الآراء الفقهية حول آثار العقد كونها وسيلة لإشباع إرادة طرفي التعاقد وتكون هي الأساس الذي ترتكز عليه نظرية تحول العقد دون التقييد بالظروف الاقتصادية من حوله أو النظام العام، بينما ذهب الفقة الحديث إلى أن العقد لا يجوز أن يتحول في حالة أن يضر هذا التحول بالاقتصاد الوطني، وكذلك في حالة أن يكون وسيلة لاستغلال الآخر وهو الأمر الذي يجعل إرادة المتعاقدين غير مؤثرة في هذه الحالة بينما يكون القانون هو العامل المرتب للأثار الناتجة عن العقد وإلا خرج العقد من نطاق الحماية القانوينة كون العقد يقوم بدور اقتصادي هام من حيث تبادل الخدمات وتدوال الأموال[10].
خامساً: موقف القانون الأردني ومحكمة التمييز الأردنية من نظرية تحول العقد:
من الجدير بالذكر أن القانون المدني الأردني لم يرد به نص يتناول نظرية تحول العقد ولم يتم إعمالها، وجاءت محكمة التمييز في حكم واضح وصريح لها تقر ذلك، حيث عابت على محكمة البداية كونها قامت بإعمال نظرية تحول العقد في حين أنه لم يرد بها نص في القانون الأردني وبالتالي عدم توافر شروط إعمالها، وقد جاء ذلك في الحكم رقم 14103 لسنة 2017 إستئناف عمان والصادر بجلسة 17/12/2017.
سادساً: الخاتمة:
نرى أن نظرية تحول العقد نظرية لا يمكن إغفال أهميتها حيث إن من شأنها إحياء التصرف القانوني الباطل بعد أن كان سيصبح منعدم وتحوله إلى تصرف جديد منتج لأثار قانونية صحيحة، وهو الأمر الذي يعد ضمانة قانونية للمتعاقدين تحفظ إلتزاماتهم التعاقدية ومراكزهم القانونية من الضياع، وبالتالي فإنها تصبح عامل فعال في مجال التعاقد يمكن الارتكاز عليه في حالة بطلان التصرف القانوني كونها تبدله بتصرف جديد دون إدخال عناصر جديدة عليه.
إعداد: زينة الشريف
[1] . عبد الحميد محمود البعلي، “تحول العقد وإعادة تكييفها وأثر العوارض الطارئة في ذلك”، دراسة مقارنة، ص 192.
[2] . المرجع نفسه، ص 193.
[3] . عبد الحميد محمود البعلي، “تحول العقد وإعادة تكييفها وأثر العوارض الطارئة في ذلك”، دراسة مقارنة، ص 197.
[4] . ناريمان خمار، عبد الرازق بوبندير، تحول العقد في القانون المدني الجزائري، رسالة ماجيستير، جامعة الاخوة منتوري، ص51
[5] . عبد الحميد محمود البعلي، “تحول العقد وإعادة تكييفها وأثر العوارض الطارئة في ذلك”، دراسة مقارنة، ص 194.
[6] . عبد الحميد محمود البعلي، “تحول العقد وإعادة تكييفها وأثر العوارض الطارئة في ذلك”، دراسة مقارنة، ص 194
[7] . عبد الحميد محمود البعلي، “تحول العقد وإعادة تكييفها وأثر العوارض الطارئة في ذلك”، دراسة مقارنة، ص 195.
[8] . عبد الحميد محمود البعلي، “تحول العقد وإعادة تكييفها وأثر العوارض الطارئة في ذلك”، دراسة مقارنة، ص 196.
[9] . عبد الحميد محمود البعلي، “تحول العقد وإعادة تكييفها وأثر العوارض الطارئة في ذلك”، دراسة مقارنة، ص 196.
[10] . ناريمان خمار، عبد الرازق بوبندير، تحول العقد في القانون المدني الجزائري، رسالة ماجيستير، جامعة الاخوة منتوري، ص104.

