التعويض العقابي في المسؤولية المدنية
يثير موضوع المسؤولية المدنية العديد من المسائل والموضوعات الهامة، ويعد الجزاء والأثر المترتب على انعقاد هذه المسؤولية والمتمثل في قيام المتسبب بتعويض المضرور عما لحقه من ضرر وما فاته من كسب من أهم وأبرز هذه الموضوعات، غير أن فكرة التعويض العقابي لا تقوم على أساس الضرر الذي لحق بالمضرور بقدر ما تقوم على الخطأ المرتكب من جانبه، ويكون الهدف منها هو معاقبة شخص مرتكب الخطأ وردع الغير عن محاولة القيام بمثل هذا الفعل مستقبلاً، [1] ومن ثم بدأ الحديث عن التعويض العقابي في نطاق المسؤولية المدنية، وهذا ما سوف نحاول بيانه من خلال هذا المقال، بالتعرف علي التعويض العقابي، وخصائصه، وأهدافه، والطبيعة القانونية له، ومدي تطبيقه في القانون المدني الأردني، وذلك على النحو التالي:
ثانيا: الطبيعة القانونية للتعويض العقابي
ثالثا: التعويض العقابي في القانون المدني الأردني
رابعا: بعض التطبيقات القضائية بشأن التعويض العقابي
أولا: ماهية التعويض العقابي
يعتبر التعويض بصفه عامة الوسيلة التي من خلالها يتم جبر الضرر الذي لحق بالمضرور أو تخفيف وطأته، وقد نصت المادة (256) من القانون المدني الأردني على أن: ” كل اضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر “، كما نصت المادة (266) من ذات القانون على أن ” يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار “.
ـ وإن كان هذا هو المبدأ العام المتبع في جميع التشريعات العالمية، إلا أنه ومع تشابك وتطور التعاملات والعلاقات بين الأشخاص وكثرة المخاطر والمشاكل وتشعبها، وعدم القدرة غلى إعادة الحال إلى ما كان عليه في بعض الحالات كانت الحاجة لوجود عقوبات رادعة تهدف للحد من تعمد الإضرار بالغير، ومن هنا جاءت فكرة التعويض العقابي والتي ظهرت في بداية الأمر في إنجلترا ثم انتقلت للولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية، ثم في الدستور المصري 2014 تحت مسمي التعويض الجزائي.
1ـ مفهوم التعويض العقابي:
لا يوجد نص صريح في القانون المدني الأردني يتحدث عن فكرة التعويض العقابي، أو يعرفها، ولكن يمكن القول بأن التعويض العقابي ما هو إلا تعويض إضافي بجانب التعويض الأصلي يحكم به القاضي المدني لشخص المضرور في أحوال معينة واستثنائية، نظراً لخطورة الفعل المرتكب سواء كان هذا الفعل تم ارتكابه بسبب الظروف المحيطة به أو بناء على رغبة الفاعل ذاته، ويكون الهدف من هذا التعويض هو عقاب مرتكب الفعل الضار وردعه هو وغيره.
ـ وقد عرفه البعض بأنه الوسيلة العقابية التي تتوسط بين الحدود المتعارف عليها في القانون المدني والقانون الجنائي، بمعني أن التعويض العقابي يعتبر جزاء مزدوج لا يكفيه القانون المدني وحده ولا القانون الجنائي وحده، فهو يهدف إلى معاقبة المسؤول أكثر من أنه يهدف إلى تعويض المضرور، فهو ليس تعويض جابر للضرر، بل هو تعويض استثنائي يتم إقراره حال ارتكاب الشخص سلوك عدواني، أو مشوب بسوء نية، أو سلوك يحمل تعسفاً، ويسعي لمعاقبة المسؤول بغض النظر عن الضرر الواقع فعلاً.[2]
ـ ومن هنا يمكن القول أن الأساس الذي يقوم عليه التعويض العقابي ليس مقدار الضرر الواقع على المضرور كما هو الحال في التعويض العادي، وإنما يقوم على أساس الفعل الضار (الخطأ)، فالمحكمة لا تقضي بالتعويض العقابي في حالات الإهمال حتي لو تسبب هذا الإهمال في أضرار جسيمة تلحق بالمضرور، حيث أن الإهمال هو الأساس الطبيعي للقضاء بالتعويض العادي الجابر للضرر في حال ثبوت المسؤولية في حق الشخص، ومتي لم يقم الشخص بالحيطة والحظر وبذل العناية اللازمة بغض النظر عن سوء النية والتي لا مجال لها في حالة الإهمال، وتسبب فعله في ضرر للغير يتم القضاء بالتعويض العادي، ولا يتم القضاء بالتعويض العقابي إلا في حال قيام الشخص بارتكاب فعل أو سلوك عدواني عن قصد وإدراك تجاه الغير.
ـ هذا وقد يخلط البعض بين التعويض العقابي والغرامة المدنية المقضي بها، إلا أن التعويض العقابي يتم القضاء به لصالح المضرور ومن ثم فإن مبلغ التعويض المقضي به يتحصل عليه المضرور، في حين أن مبلغ الغرامة المقضي به على مرتكب الفعل يكون لصالح الدولة وتودع قيمته خزائنها، كما أن الغرامة يتم القضاء بها بناء على أفعال غير مشروعة محددة حصراً وفق النصوص القانونية، وهي بعكس التعويض العقابي الغير محدد حصراً في النصوص القانونية ولكن يتم القضاء به بناء على ظروف وملابسات القضية.
ـ ومن أهم المبادئ الأساسية للتعويض العقابي، أن يكون الشخص مرتكب الفعل قد سلك سلوكاً عدوانياً وبسوء نية، وأن هذا التعويض يكون على سبيل الاستثناء في بعض الحالات، كما يجب أن يكون التعويض العقابي حال تقديره ملائم لمقدار الضرر الواقع، وجسامة الفعل الخطأ الذي تم ارتكابه، وكذلك الأرباح التي عادت على المسؤول من جراء فعله، كما يجب أن يتم الأخذ في الاعتبار قبل الحكم بالتعويض العقابي بمقدار الغرامات والجزاءات الأخرى التي وقعت على المسؤول نتيجة لذات الفعل، كما أن الغرض الأساسي للتعويض العقابي ليس جبر الضر وإنما عقاب المسؤول وردعه وتخويفه هو وغيره من هذا الفعل وإنكار المجتمع لهذا الفعل.
ـ ومن هنا يتضح أن الهدف الأساسي للتعويض العقابي ليس تعويض المضرور بقدر ما هو عقاب لمرتكب الفعل العدواني، كما أن من أهم أهدافه ردع المسؤول وغيره من ارتكاب مثل هذا الفعل المشين، وتحقيق السلم في المجتمع، والحد من رغبة المضرور في الانتقام وذلك من خلال إدانة المجتمع لمثل هذه الأفعال. [3]
2ـ خصائص التعويض العقابي: يمكننا بيان أهم الخصائص التي تميز التعويض العقابي على النحو التالي:
أ ـ التعويض العقابي تعويض ذو طبيعة استثنائية: يختلف التعويض العقابي عن التعويض المقضي به عن الأضرار المادية والأدبية التي تلحق بشخص المضرور والتي تهدف بالضرورة إلى جبر الضرر الواقع عليه، كون التعويض العقابي يهدف إلى معاقبة الفاعل عن سلوكه العدواني أو سوء نيته، ومن ثم فهذا التعويض لا يطبق في كل حالات الفعل الضار من قبل الفاعل بل حال ارتكابه سلوك عدواني عمدي أو مصحوب بسوء نيه، وبالتالي يكون الهدف من هذا التعويض هو عقاب الفاعل وردعه هو وغيره واستنكار المجتمع له، فالتعويض العقابي ما هو إلا خروج عن التعويض المألوف وهو التعويض الكامل والذي هو المعيار في جبر وتقدير التعويض عن المسؤولية المدنية، فهو لا يعتمد علي ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بقدر ما يعتمد على خطأ الفاعل وسلوكه، فهو تعويض ذو طبيعة استثنائية جاء ليكمل ما يعجز التعويض الكامل للضرر من تحقيقه من ردع الفاعل وغيره، فهذا التعويض يعد أكثر تحقيقاً للعدالة.
ب ـ التعويض العقابي ذو طبيعة شخصية: وهو ما يعني أن التعويض العقابي يتم توقيعه على شخص مرتكب الفعل الضار وليس غيره إلا في حالات معينة كالتأمين أو التابع عن أعمال تابعية مثلاً ، إلا أنه يجوز لهؤلاء الرجوع على المسؤول باسترداد هذا التعويض من أجل عدم إفلات هذا الشخص من العقاب، ومن الهدف الأساسي لفرض هذا التعويض العقابي وهو معاقبة الفاعل وردعه، فهذا التعويض لصيق بشخص الفاعل ومن ثم لا ينتقل لورثة الفاعل فهو تعويض جزائي نتيجة تصرفه الشخصي، والهدف منه هو معاقبة الفاعل وليس الورثة، وهو على عكس ورثة المضرور الذي لهم الحق في التعويض العقابي حال وفاة مورثهم، وهو في ذلك يشبه المبدأ الثابت قانوناً والقاضي بشخصية العقوبة، فالعقوبة لا تطبق إلا على مرتكبها سواء كان فاعل أو شريك أو مساعد أو محرض أو غير ذلك من الحالات التي عددتها المسؤولية الجزائية وتنقضي الأخيرة بوفاة المتهم، ولا تنتقل للورثة، وكذلك الحال في التعويض العقابي فهو تعويض لصيق وتابع لشخص المسؤول عن الفعل الضار.
جـ ـ التعويض العقابي ذو طبيعة حكمية: فهذا التعويض لا يتم ولا يقضي به إلا بناء على حكم قضائي وبناء على السلطة التقديرية للقاضي، وهو في ذلك يسترشد بمقدار الضرر الواقع على المضرور والقضاء بما يتناسب مع هذا الضرر، وليس معني ذلك أن المحكمة تقضي بالتعويض العقابي من أجل الضرر، ولكن المبدأ الأساسي للقضاء بهذا التعويض هو خطأ الفاعل وسلوكه العدواني، أو سوء النية، أو التعمد، إلا أن المحكمة تقضي بما يتناسب مع مقدار الضرر فقط، وما يدفع المحكمة لذلك هو محاولة ابعاد أحكامها عن احتمالية النقض من قبل محكمة التمييز، فتقدير التعويض العقابي تستقل به محكمة الموضوع بما لها من سلطة تقديرية في ذلك وبما لا يجاوز طلبات الخصوم.
ثانيا: الطبيعة القانونية للتعويض العقابي
يجب علينا تحديد طبيعة هذا التعويض وهل هو تعويض ذو طبيعة مدنية، أم أنه تعويض جزائي، أم أنه ذو طبيعة مزدوجة، وهل هو قائم بذاته أم أنه تابع للتعويض الكامل، في البداية نوضح أن تحديد الطبيعة القانونية للتعويض العقابي أمر في غاية الأهمية وذلك حتي يتسنى لنا معرفه أي القواعد القانونية سوف يتم تطبيقها فهل هي قواعد القانون المدني، أم قواعد أصول المحاكمات الجزائية، أم كليهما، وقد اختلفت الآراء الفقهية في ذلك بين مؤيد لاعتبار التعويض العقابي تعويض مدني حال اعتماده على مبدأ وفكرة التعويض، أو اعتباره جزائي حال اعتماده على فكرة العقاب، وبين فريق أخر يري الطبيعة المزدوجة للتعويض العقابي، وبغض النظر عن اختلاف الفقهاء وشراح القانون في ذلك، فالطبيعة القانونية للتعويض العقابي هي طبيعة مزدوجة بين القانونين المدني والجزائي فهو مدني في القضاء بالتعويض وجبر خاطر المضرور وعدم إحساسه بعدم الحصول على حقه بالتعويض الكامل، وأن المضرور هو من قام بتحريك ورفع الدعوى قبل المسؤول، وهو ما يسمح للمضرور بمعاقبة المسؤول عما قام به من فعل وسلوك عدواني تجاهه، وذلك بالحصول على تعويض غير التعويض الجابر للضرر، كما أن هذا التعويض يعتبر كذلك تعويض جزائي كونه وسيلة لعقاب وردع المسؤول عن فعله المشين الذي استنكره المجتمع وعاقب عليه القضاء.
ـ كما أن هناك اختلاف فقهي بين مؤيد ومعارض لفكره استقلالية التعويض العقابي عن التعويض الإصلاحي، واعتبار البعض أن التعويض العقابي تابع وليس مستقل عن التعويض الإصلاحي، حيث جاء في ذلك أن تقدير التعويض من قبل المحكمة عن الأضرار المعنوية والمتمثلة في المعاناة الآلام النفسية أمر في غاية الصعوبة فهي أمور لا تقدر بثمن، ومن ثم فالتعويض الإصلاحي لا يكفي وحده لجبرها، ومن ثم قد يلجأ القاضي للتعويض العقابي على أمل أن يكون تعويضاً عادلاً ومنصفاً للمضرور.[4]
ـ إلا أنه يمكننا القول أن التعويض العقابي يعتبر تعويض مستقل عن التعويض الاصلاحي أو الأساسي، حيث أنه لا يعتمد على الضرر الواقع على المضرور وإن كان يقدر بمقدار الضرر، إلا أنه يعتمد في الأساس على الخطأ وسلوك الفاعل العدواني أو تعمده وسوء نيته في ارتكاب الفعل الضار، ومن ثم يمكن القضاء به دون القضاء بالتعويض الأساسي حيث أن هذا الأخير يقضي به لجبر الضرر وما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب، بخلاف التعويض العقابي الذي يقضي به لعقاب وردع المسؤول وغيره عن القيام بهذا الفعل، ومن ثم يمكن أن يحكم به على استقلال حال توافرت مبرراته.
ثالثا: التعويض العقابي في القانون المدني الأردني
إن قيام المسؤولية المدنية بنوعيها العقدية والتقصيرية بكافة أركانها من خطأ وضرر وعلاقة سببية، يحتم القضاء بالتعويض الكامل، أو ما يعرف بالتعويض الإصلاحي لجبر ضرر المضرور، فهل يجوز للخصوم طلب التعويض الإضافي أو ما يعرف بالتعويض العقابي، وهل يجوز للقاضي الحكم به وفق نصوص القانون المدني الأردني، وهو ما سوف نحاول بيانه من خلال ما جاء بالتشريع المدني الأردني على النحو التالي:
ـ لما كانت نصوص القانون المدني الأردني قد خلت من نص صريح يفيد إجازة المشرع لفكره التعويض العقابي في نطاق المسؤولية المدنية بنوعيها العقدية والتقصيرية، إلا أن ذلك لا يمنع من استنباط ذلك من خلال النصوص نصوص القانون المدني فقد جاءت المادة (358) من القانون المدني الأردني ونصت على: ” 1- اذا كان المطلوب من المدين هو المحافظة على الشيء أو القيام بإدارته أو توخي الحيطة في تنفيذ التزامه فإنه يكون قد وفي بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود. هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك.
2- وفي كل حال يبقى المدين مسؤولا عما يأتيه من غش أو خطأ جسيم “.
- فالمشرع الأردني هنا وبدون نص صريح أباح القضاء بالتعويض العقابي، في نطاق المسؤولية العقدية حال قيام المدين بخطأ جسيم أو غش.
ـ كما أن المشرع قام بالأخذ بفكره الخطأ الموجب للمسؤولية العقابية حال تعدد المسؤولين عن الفعل الضار بتوزيع المسؤولية على كل متسبب حسب مقدار الخطأ المرتكب منه وهو ما نصت عليه المادة (265) من ذات القانون بأن: ” إذا تعدد المسؤولون عن فعل ضار، كان كل منهم مسؤولا بنسبة نصيبه فيه وللمحكمة أن تقضي بالتساوي أو بالتضامن والتكافل فيما بينهم “.
ـ وما يؤكد أن المشرع الأردني قد تبني التعويض العقابي ما نصت عليه المادة (291) من ذات القانون من أن: ” كل من كان تحت تصرفه أشياء تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضررها أو آلات ميكانيكية- يكون ضامنا لما تحدثه هذه الأشياء من ضرر إلا ما لا يمكن التحرز منه. هذا مع عدم الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة”، ولما كانت المادة أوجبت الضمان للحارس أو لصاحب الأشياء من الإضرار بالغير، وعلى الرغم من عدم النص صراحة على التعويض العقابي، إلا أن المتأمل في تلك المادة يجد أن ما دفع المشرع لفرض الضمان هو ما قام به المسؤول من سلوك خاطئ لم يراعي فيه حقوق الأخرين، ومن ثم فإن التعويض هنا جاء فرضاً على خطأ المسؤول وليس الضرر الواقع فحسب.
ـ كما أن المشرع الأردني لم يقف عند حد خطأ الأفراد فحسب بل أوجب الضمان على خطأ الحيوانات، ومن ثم يجوز التعويض العقابي على صاحبها، وهو ما نصت عليه المادة (289) من القانون المدني الأردني من أن: ” جناية العجماء جبار ولكن فعلها الضار مضمون على ذي اليد عليها مالكا كان أو غير مالك إذا قصر أو تعدى “.[5]
ـ كما أن المشرع الأردني قد أجاز الرجوع بالضمان على متولي الرقابة على شخص في حاجة الى الرقابة بسبب قصره أو حالته العقلية أو الجسمية، وهو ما يعبر عن رغبة المشرع في توقيع الجزاء على من لم يقم بالرقابة المطلوبة منه قانوناً على هذا الشخص، ومن ثم توقيع التعويض العقابي عليه حيث أنه لو قام بالرقابة لما وقع خطأ من قبل هذا الشخص ومن ثم فقد الزمه القانون بالضمان جزاء على خطأة.
ـ هذا وقد أوجب المشرع الأردني التعويض العقابي عن قيام الجار بحجب الضوء عن جارة بالقضاء ومطالبة المضرور بإزالة البناء، وهو ما نصت عليه المادة ( 1025) من القانون المدني من أن : ” حجب الضوء عن الجار يعد ضرراً فاحشاً فلا يسوغ لأحد أن يحدث بناء يسد به نوافذ بيت جاره سداً يمنع الضوء عنه وإلا جاز للجار أن يطلب رفع البناء دفعا للضرر “، وهو ما يعني أن المشرع فرض الجزاء على خطأ الجار بقيامة بحجب الضوء عن جارة بإزالة البناء وهو ما يعد اعتراف من المشرع الوطني بالتعويض العقابي للخطأ المرتكب من الجار نتيجة سلوكه العدواني وسوء نيته، ومن ثم قرر إزالة البناء كعقاب وردع للفاعل وغيره ممن تسول لهم أنفسهم القيام بمثل هذه الأفعال العدوانية تجاه الأخرين.
ـ كما أن المشرع الأردني اعترف بالتعويض العقابي ضمناً في المسؤولية العقدية، فمثلا الشرط الجزائي المنصوص عليه في العقود المدنية والذي يتم بالاتفاق بين الأطراف بشأن حال إخلال أي طرف بالتزاماته العقدية، والذي يعد بمثابة تعويض، ولكن الأساس في هذا التعويض هو عدم تنفيذ الالتزام أو الخطأ الوارد من قبل أحد الأطراف في التنفيذ ومن ثم يستوجب تنفيذ وتطبيق الشرط الجزائي، وهو ما أكدت عليه المادة (364) من القانون المدني بالنص على: ” 1- يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدما قيمة الضمان بالنص عليها في العقد أو في اتفاق لاحق مع مراعاة أحكام القانون.
2ـ ويجوز للمحكمة في جميع الأحوال بناء على طلب أحد الطرفين أن تعدل في هذا الاتفاق بما يجعل التقدير مساويا للضرر ويقع باطلا كل اتفاق يخالف ذلك “.
ـ كما أنه وبالنظر إلى قانون الضمان الاجتماعي الأردني رقم (1) لسنة 2014، نجد أن المشرع في المادة (37) منه نص على: ” مع مراعاة ما ورد في الفقرة (هـ) من المادة (27) من هذا القانون لا يحق للمصاب أو لورثته أو للمستحقين عنه الرجوع على المنشأة للمطالبة بأي تعويض خلاف التعويضات الواردة في هذا القانون وذلك فيما يتعلق بإصابات العمل ، إلا إذا كانت الإصابة ناشئة عن خطأ جسيم من المنشأة “، ومن هذا النص يتضح أن المشرع طبق التعويض العقابي حيث أجاز للمصاب أو ورثته الرجوع على صاحب المنشأة حال كانت إصابة العامل ناتجة عن خطأ جسيم من المنشأة، وهو المبدأ الذي يقوم عليه التعويض العقابي.
ـ كما أن المشرع الأردني نص في المادة (49) من قانون حماية حق المؤلف الأردني رقم (22) لسنة 1992 وتعديلاته على أن: ” للمؤلف الذي وقع الاعتداء على أي حق من الحقوق المقررة له على مصنفه بمقتضي أحكام هذا القانون الحق في الحصول على تعويض عادل عن ذلك، على أن يراعي في تقديره مكانة المؤلف الثقافية وقيمة المصنف الأدبية أو العلمية أو الفنية وقيمة المصنف الأصلي في السوق له، ومدى استفادة المعتدي من استغلال المصنف”، وهو ما يوضح أن المشرع الأردني في قانون حماية حق المؤلف قد أخذ بفكره التعويض العقابي من خلال النص على جواز التعويض بمراعاة ما جناه المعتدي من أرباح وهو ما يعد عقاب وردع للمعتدي والغير، حيث أن التعويض الاصلاحي يكون مساوياً للضرر فقط ولا علاقة له بما جناة المعتدي من أرباح.
ـ كما أن المشرع في موضوع الدية فقد اعتبرها عقوبة وتعويض في ذات الوقت، فقد عقد اختصاصها للمحاكم الشرعية، وكذلك نظمها بنصوص القانون المدني، وخير دليل على اعتبار الدية تعويض هوة تنظيمها بموجب أحكام القانون المدني في المادتين أرقام ( 273، 274)، ومن ثم يجوز الجمع بين الدية والضرر المعنوي وفقا لأحكام المادة 274 من القانون المدني.
ـ ومن هنا يتضح أن المشرع الأردني قد أخذ بفكره التعويض العقابي في بعض الحالات الاستثنائية إلا أنه لم ينص على ذلك صراحة في النصوص القانونية، رغم أنه أشار إليه ضمناً في بعض النصوص خصوصاً في حالة جسامة الفعل الضار، وكان لزاماً على المشرع النص صراحة على التعويض العقابي ضمن نصوص القانون المدني، وتحديد الأفعال الضارة المندرجة تحت طائلة فرض هذا التعويض مع ترك مساحة للسلطة التقديرية للمحكمة في إدخال بعض الأفعال التي قد يمكن أن تستحدث في المستقبل، ويعتبر التعويض العقابي بمثابة تعويض رادع لعدم تكرار هذا السلوك أو الحد من انتشاره، وكذلك كعقاب للمسؤول، حيث أن ترك المعتدي بدون عقاب يفتح الباب أمام المعتدين للقيام بمثل هذه الأفعال والأخطاء العدوانية تجاه الآخرين، وحتي لا يفلت الفاعل من العقاب، كون ذلك يخالف العدل والمنطق، وهو ما أكدت عليه المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني في الجزء الأول منها عام 1964.
رابعا: بعض التطبيقات القضائية بشأن التعويض العقابي
1ـ حال تعدد المسؤولين عن الفعل الضار ونسبة نصيب كل منهم في الالتزام بالتعويض بقدر الخطأ الواقع منه نجد الحكم رقم (6070) لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية، والذي جاء به: ” …… فإننا نجد أنه وعلى فرض أن المتفجرة المتسببة بالحادث هي لغم فإن المملكة الأردنية الهاشمية بوساطة القيادة العامة بالقوات المسلحة مسؤولة عن إزالة الألغام بموجب اتفاقية حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام لسنة 1997 والهيئة الوطنية لإزالة الألغام مسؤولة عن إزالتها أيضاً بموجب قانونها فنكون عندئذٍ أمام تعدد بالمسؤولين عن الفعل الضار وفقاً لأحكام المادة (265) من القانون المدني مما ينبني عليه أن يكون كل منهم مسؤولاً بنسبة نصيبه في إحداث الفعل الضار وللمحكمة أن تقضي بالتساوي أو بالتضامن والتكافل فيما بين المسؤولين وعلى ضوء ذلك فإن المدعي يستطيع أن يقيم الدعوى على المسؤولين مجتمعين أو أن يختار أي منهم فيقصر الدعوى عليه دون غيره ويطالبه بالتعويض كاملاً “.
2ـ وعن أن الدية لا تعوض عن الأضرار المادية والأدبية التي تلحق بالآخرين، ومن ثم تعد بمثابة تعويض عقابي نجد الحكم رقم (1844) لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية، والذي جاء به: “…… وفي ذلك فإن المشرع في المادة ( 274 ) من القانون المدني قد فرق بين المال الذي يستحق بسبب جناية وهو الدية أو الإرش وبين التعويض عن الضرر المعنوي واعتبر أن الدية تستحق عن النفس أو ما دونها للمجني عليه أو الورثة الشرعيون حسب أحكام الشريعة الإسلامية وأعطى للمتضررين ولو كانوا من الورثة الشرعيين حق المطالبة بالتعويض عما أصابهم من ضرر وفق أحكام المادة ( 267 ) من القانون المدني مما يعني أنه يجوز للورثة الشرعيين ممن استحقوا الدية المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي الذي أصابهم نتيجة لوفاة مورثهم خلافاً لما ورد بهذا السبب مما يستدعى رده “.
3ـ وعن ارتباط التعويض العقابي بالخطأ الجسيم من قبل المنشأة أو صاحب العمل فقد جاء في الحكم رقم (1098) لسنة 2000 ـ محكمة التمييز الأردنية ـ بصفتها الحقوقية بالنص على : ” إن هذا القانون منع المصاب من مطالبة صاحب العمل بأية تعويضات عدا تلك التي رتبها قانون الضمان الاجتماعي إلا إذا كانت الإصابة ناتجه عن خطأ جسيم من صاحب العمل وبالبناء عليه فإن أحكام المادة 291 من القانون المدني لا تتعارض وقانون الضمان الاجتماعي “.
4ـ وعن عدم مسؤولية المؤمن عن أخطاء المؤمن عليه نتيجة غش أو تعمل من قبل الأخير فقد جاء الحكم رقم (433) لسنة 2007، محكمة التمييز الأردنية ـ بصفتها الحقوقية، ونص على: ” يستفاد من المادتين (933) و (935) من القانون المدني ووفق ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز أن المؤمن (المدعى عليها) مسؤولة عن الأضرار الناجمة عن الحريق المؤمن عنه حتى ولو حصل بخطأ المؤمن له أو المستفيد أو خطأ تابعي المؤمن له أياً كان نوع خطأهم، وأن إعفاء المؤمن يكون فقط عند وجود غش أو تعمد للحريق، ولا يعمل بالشرط الوارد في عقد التأمين الذي تتذرع به المدعى عليها لإعفائها من التأمين (( هـ- إذا قام المؤمن له أو من ينوب عنه بأعمال الإنشاء أو التصليح أو التغيير أو الهدم أو البناء في العقار أو التركيبات أو الأثاث المؤمن عليه أو الموجودة داخل العقار أو في أي جزء منه كأعمال اللحام والتجارة والحدادة والتمديدات الكهربائية والدهان …. أو أية أعمال أخرى مشابهة يكون من شأنها زيادة الخطر المؤمن منه …)) . لمخالفتـه نص المادتين (934و935) من القانون المدني وملزمة بدفع التعويض بعد الإثبات “.
كتابة دكتور/ محمد سعيد
[1] مها ناجي جاسم، فكرة التعويض العقابي وأثرها في المسؤولية المدنية، رسالة ماجستير مقدمة لكلية القانون ـ جامعة ذي قار ـ العراق، 2017، صـ 1.
[2] أسامة أبو الحسن مجاهد، فكرة التعويض العقابي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2003، صـ 87
[3] علاء الدين عبد الله الخصاونة، ماهية التعويض العقابي وطبيعته ومدي إمكانية الأخذ به في التشريع الأردني: دراسة مقارنة، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، السنة التاسعة، العدد الثاني، 2021، صـ 397.
[4] عدنان سرحان، التعويض العقابي، مجلة أبحاث، سلسة العلوم الإنسانية، جامعة اليرموك، الأردن، المجلد 13، العدد الرابع، 1997، صـ 103.
[5] أنور سلطان، مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني ـ دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، عمان، 2007، صـ 376.

