التمييز الإيجابي في قانون البيئة الاستثمارية الأردني
تبذل كافة دول العالم في الوقت الحالي أقصى جهودها في سبيل استقطاب وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى أراضيها، ومن أهم الأدوات التي تستخدمها لتحقيق ذلك هي منح المستثمرين مجموعة من المميزات والإعفاءات التي تهيئ لهم مناخ مناسب لاستثماراتهم، وتمنحهم بيئة استثمارية تتوافق مع تطلعاتهم وتشجعهم ليس فقط على الاستثمار بها ولكن أيضاً على تنمية استثماراتهم وزيادة معدلاتها.
وعلى الرغم من أن منح المستثمر الأجنبي بعض الامتيازات التي قد تضعه في موضع متساوي مع المستثمر الوطني تارة، وفي موضع متميز عنه تارة أخرى، وأيضاً منح مستثمر وطني بعض الامتيازات التي تميزه عن غيره من المستثمرين الآخرين متى استثمر في نشاط معين أو منطقة محددة، والذي قد يعتبره البعض تمييزاً غير مبرر، إلا أن هذا التمييز في مجال الاستثمار هو تمييز يجد له العديد من المبررات التي تسانده، ويسمى هذا التمييز في مجال الاستثمار بالتمييز الإيجابي، وسيكون هذا المقال محلاً لبيان المقصود به ومظاهره في ظل قانون البيئة الاستثمارية الأردني رقم (21) لسنة 2022.
أولاً: التعريف بالاستثمار
ثانياً: المقصود بالتمييز الإيجابي
ثالثاً: أهداف التمييز الإيجابي
رابعاً: أوجه التمييز الإيجابي في قانون البيئة الاستثمارية الأردني
خامساً: الخاتمة
أولاً: التعريف بالاستثمار
باعتبار أن الاستثمار هو محور هذا المقال وهو المستهدف الأساسي من عملية التمييز الإيجابي، فلابد لنا من توضيح المقصود بالاستثمار.
بدأ الاستثمار في بداية ظهوره على أنه مجرد عملية يتم من خلالها توظيف الأموال في أنشطة اقتصادية بهدف أن تدر تلك الأنشطة عوائد وأرباح مادية[1]، فهو في جوهره تأجيل استهلاك جزء من الأموال لفترة مستقبلية وعدم الاحتفاظ بهذا الجزء من المال بل يتم توجيهه إلى نشاط اقتصادي محدد.
وتطور مفهوم الاقتصاد مع مرور الزمن ليشتمل على المخاطر التي يتوقع أن يقتباها النشاط الاقتصادي، وطبيعة هذا النشاط، والمدة الزمنية التي يتم استهداف استمرار هذا النشاط خلالها، ومعايير قياس الاستخدام الأمثل للموارد التي يعتمد عليها هذا النشاط، وغيرها من العناصر والعوامل الأخرى التي أصبح من اللازم أن يتضمنها مفهوم الاستثمار.
وبناء على هذا التطور في مفهوم الاستثمار فقد ظهر له العديد من التعاريف، ونظراً لتعدد تلك التعاريف بصورة يصعب معها حصرها بشكل كامل فسوف نكتفي ببيان أهمها على النحو التالي:
- هو جهد بشري وإنساني يتم بصورة رشيدة ومنظمة بغرض تحقيق ربح مالي من خلال تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المتوافرة والمتاحة[2].
- هو عملية الإنفاق التي يقوم بها رجال الأعمال والحكومات في الاقتصاد القومي عبر شراء أو تأسيس أصول إنتاجية وسلع رأسمالية بشتى أشكالها، وذلك خلال مدة زمنية محددة[3].
- هو التوظيف المنتج لرأس المال عبر توجيه المدخرات إلى استعمالات ينتج عنها سلعة أو خدمة يتم من خلالها إشباع احتياجات اقتصادية للمجتمع ورفع من معدلات رفاهية أفراده[4].
- كما عرف من وجهة النظر الاقتصادية بأنه التضحية بمبالغ مالية مؤكدة بغرض التحصل مستقبلاً على مبالغ مالية قيمتها أكبر من قيمة المبالغ التي تم التضحية بها ولكنها غير مؤكدة[5].
وإلى جانب التعريف بالاستثمار بوجه عام نجد أن هناك تعريفات خاصة بالاستثمار الأجنبي، وإن كان التعريف الخاص به لا يخرج عن إطار التعريف بالاستثمار بوجه عام إلا في كون المستثمر الذي يباشر هذا الاستثمار هو مستثمر لا يحمل جنسية الدولة التي يتم إنشاء المشروع الاستثماري فيها متى كان المستثمر شخصاً طبيعياً، أو أن يكون مركز النشاط الرئيسي للمستثمر خارج الدولة التي يباشر فيها استثماراته متى كان المستثمر شخصاً معنوياً.
وعرف الاستثمار الأجنبي المباشر بأكثر من تعريف كان أهمها وأبرزها تعريفه بأنه قيام شخص طبيعي يحمل جنسية دولة ما أو شخص معنوي مركزه الرئيسي في دولة ما بتوجيه أمواله لاستثمارها في نشاط اقتصادي بدولة أخرى لتحقيق أرباح وعوائد، وذلك عن طريق إما ملكيته الكاملة لهذا النشاط أو لجزء منه[6].
ثانياً: المقصود بالتمييز الإيجابي
قد يتبادر للأذهان حال سماع مصطلح “التمييز الإيجابي” أنه يدخل في إطار ومفهوم التمييز العنصري الذي يخالف مبادئ المساواة التي يكرس لها المجتمع الدولي، لذلك يلزم علينا بداية أن نوضح التمييز السلبي قبل أن نتعرض إلى التعريف بالتمييز الإيجابي.
يقصد بالتمييز السلبي التمييز الذي يستند إلى تفضيل شخص على آخر بسبب انتمائه أو جنسيته أو عرقه أو أياً من تلك المعايير الجائرة في التفرقة والتمييز، وهو ما يعرف بالتمييز العنصري أو العرقي، حيث يتم إعطاء مرتبة أعلى لفئة معينة واضطهاد فئة أخرى على أساس المعايير السابقة، وهذا الأمر يتعارض تماماً مع القاعدة العامة والمبدأ المستقر على صعيد المجتمع الدولي من أن المساواة تعد حقاً يكفله الدستور، والجميع متساوين في الواجبات والحقوق.
وعلى الرغم من أن المساواة وعدم التمييز هو مبدأ مستقر ولا يجوز مخالفته، وأن التمييز يعد مخالفة صارخة وغير جائزة لهذا المبدأ كقاعدة عامة، إلا أن تلك القاعدة لها بعض الاستثناءات التي يكون التمييز فيها هو أقرب للإنصاف ومحققاً للمساواة، وهو أمر يمكننا أن نعزيه إلى مصطلح التمييز ذاته، وذلك لكونه يحمل بين طياته تناقض في مفهومه، فإذا وضع التمييز في موضع ما يمكن اعتباره سلبياً، بينما إذا وضع في موضع آخر فإنه يعد من أبلغ آيات الإنصاف والعدالة.
وحتى نوضح تلك الفكرة فإن للتمييز الإيجابي أمثلة كثيرة ومتعددة، ومنها للتوضيح وعلى سبيل المثال ما قررته اتفاقية جنيف الثالثة والمتعلقة بحماية أسرى الحرب خلال النزاعات المسلحة، حيث جاء بالمادة رقم (16) من تلك الاتفاقية استثناء الأسرى كبار السن وتمييزهم عن باقي الأسرى بمعاملة متميزة تتناسب مع كبر أعمارهم، فهذا التمييز لا يخل بمبدأ المساواة وهو ما يسمى بالتمييز الإيجابي[7].
وفي مجال الاستثمار يمكننا أن نجد أن التمييز يعد تمييزاً إيجابياً متى وضع في موضعه الصحيح، فعلى سبيل المثال المستثمر الذي يوجه استثماراته إلى منطقة نائية ذات بيئة قاسية وظروف صعبة يتكبد بسببها مصاعب ومشقة ليتمكن من إنجاح استثماره لهو أحق بالامتيازات والحوافر ممن يستثمر في بيئة وظروف جيدة ومتميزة لا يتكبد فيها مشقة لتحقيق النجاح، فيكون التمييز هنا تمييزاً تعويضياً وتعديلياً يعادل بين ظروف كل من هذين المستثمرين ويضعهما على قدم المساواة، فالتمييز هنا يمثل في حقيقته وجوهره مساواة وإنصاف.
وهو ما يوضح لنا أن التمييز الذي يظهر في صورة تدابير وإجراءات يستهدف منها إسباغ حماية ما على فئة معينة تقتضي احتياجاتها فرض تلك الحماية عليها، أو يستهدف منها إنصاف فئة معينة ومعادلة ظروفها ووضعها مع باقي الفئات الأخرى، فإن هذا التمييز يعد تمييزاً إيجابياً لا يتعارض مع مبدأ المساواة، ولكن هذا التمييز قد يصبح تمييزاً سلبياً ومخالفاً لمبدأ المساواة متى تم منحه لبعض أفراد ذات الفئة دون باقي أفرادها، أي أن تطبيق التمييز الإيجابي يلزم أن يتم في ظل مبدأ المساواة بين أفراد الطائفة الممنوح لها هذا التمييز.
وهو ما يمكننا معه تعريف التمييز الإيجابي بأنه مجموعة من الإجراءات أو الامتيازات أو الحوافز والتي يتم تقريرها بموجب قانون أو تشريع أو سياسة، وتستهدف عن طريق معاملة تفاضلية ومتمايزة أن تخصص بعض الامتيازات لفئات معينة من الأشخاص أو لمنطقة معينة من المناطق بالدولة، ويكون الهدف الإجمالي من ذلك هو توفير ذات الحظوظ التي يتمتع بها الجميع لتلك الفئة المقرر لها الامتيازات، وتحقيق الإنصاف والمساواة بين الجميع.
ثالثاً: أهداف التمييز الإيجابي
متى قرر المشرع في أي قانون أو تشريع يصدره بوجه عام تمييزاً إيجابياً لفئة معينة، فإنه يستهدف بالضرورة من ذلك التمييز إما تعديل وضع لتلك الفئة ووضعها على قدم المساواة مع باقي فئات المجتمع المستهدف الأخرى، أو لرفع ضغوط ما عن فئة معينة لا ترزح تحتها باقي الفئات الأخرى، وهو بالجملة ما يهدف إلى تحقيق وجه من أوجه العدالة والإنصاف، وإذا جاء ذلك التمييز في قانون الاستثمار فإن الأهداف الأساسية المرجو تحقيقها من خلاله تتمثل في بعض أو كل الأهداف الآتية:
- توجيه استثمارات لمناطق نائية أو تفتقر إلى الظروف المناسبة والجاذبة للاستثمارات، وهو ما يعرف بـ “التنمية الجهوية”، ويقصد بها توجيه التنمية إلى جهات محددة تعاني من نقص الاستثمارات بها.
- جذب المزيد من الاستثمارات المحددة التي تقتضيها احتياجات الدولة ومجتمعها من جهة، وتنمية وتعزيز الدخل الوطني للدولة من جهة أخرى.
- زيادة معدلات الاستثمار في الدولة وفتح أسواق عمل جديدة أمام الأيدي العاملة الوطنية، مما يعد أحد أهم سبل القضاء على ظاهرة البطالة.
- دعم بعض القطاعات التي تفتقد إلى الكم المناسب من الاستثمارات، وجعلها قطاعات جاذبة للاستثمارات.
- الحد من الفوارق والاختلافات التي قد تكون متواجدة بين بعض فئات المستثمرين، وذلك بتعويض الفئات التي تعاني من ضغط لا تعاني منه باقي الفئات بتعويض نسبي أو جزئي أو حتى – في بعض الحالات – تعويض معنوي يعادل ويساوي بينهم وبين باقي الفئات الأخرى من المستثمرين.
رابعاً: أوجه التمييز الإيجابي في قانون البيئة الاستثمارية الأردني
عند إصدار قانون البيئة الاستثمارية الأردني الجديد رقم (21) لسنة 2022 فقد عمد المشرع الأردني إلى تضمين هذا القانون مجموعة من أوجه التمييز الإيجابي بين المستثمرين، وذلك لجذب المزيد من الاستثمارات، وتوجيه مزيد من الاستثمارات إلى بعض القطاعات والمناطق التي تفتقر إلى حجم الاستثمار المناسب بها، ناهيك عن الهدف الصريح الذي أورده المشرع بنص المادة رقم (3/أ) من قانون البيئة الاستثمارية، والتي ورد بها أنه (تقوم السياسة العامة للاستثمار في المملكة على تحقيق رؤى اقتصادية وتنموية تهدف إلى توفير فرص العمل وزيادة النمو الاقتصادي وتحسين التنافسية وبيئة الأعمال وترتكز على المبادئ التالية: أ- المساواة بين المستثمر الأردني وغير الأردني في الحقوق والامتيازات والواجبات، ومعاملة جميع المستثمرين معاملة عادلة ومنصفة وشفافة)، وهو ما يستشف منه أن التمييز الإيجابي في قانون البيئة الاستثمارية يستهدف في جوهره تحقيق معاملة عادلة ومنصفة لجميع المستثمرين لتحقيق المساواة فيما بينهم.
وقد تمثلت أوجه التمييز الإيجابي تلك في بعض الحوافز والإعفاءات التي منحها المشرع إلى فئات محددة من المستثمرين، وسوف نوضح مواد قانون البيئة الاستثمارية التي أقرت هذه الامتيازات من حوافز وإعفاءات والهدف من منحها في النقاط الآتي بيانها.
1- التمييز الإيجابي بالمادة رقم (10)
في سياق المادة رقم (10) من قانون البيئة الاستثمارية الأردني الجديد قرر المشرع الأردني تمييزاً إيجابياً يتمثل في إعفاء المستثمر – وطني كان أو أجنبي – من ضريبة الدخل أو تخفيضها له بنسبة لا تقل عن 30% من قيمتها المستحقة، وهو إعفاء مقرر لمدة خمس سنوات فقط، وقصر ذلك الإعفاء أو التخفيض على فئتين فقط من المستثمرين، وهاتين الفئتين هما:
- الفئة الأولى: هي فئة الأنشطة الاقتصادية التي يتم إنشائها في المناطق التي تعد أقل نمواً في المملكة الأردنية الهاشمية.
- الفئة الثانية: هي فئة المشروعات التي توظف لديها ما لا يقل عن عدد (250) عامل يحمل الجنسية الأردنية.
ويستهدف المشرع الأردني من التمييز الإيجابي الوارد في تلك المادة هدفين رئيسيين:
- الهدف الأول هو تحفيز المستثمر على توجيه استثماراته إلى الجهات والمناطق الأردنية الأقل نمواً، وذلك حتى يتمكن من دعم تلك المناطق ورفع معدلات تنميتها، بما يعود على الدولة بالفائدة والمنفعة ويعزز من تنميتها وتنمية اقتصادها.
- الهدف الثاني: هو تشجيع المستثمر بوجه عام والمستثمر الأجنبي بوجه خاص على تشغيل المزيد من الأيدي العاملة الأردنية، بما يعضد من جهود الدولة في مواجهة ظاهرة البطالة والقضاء عليها.
2- التمييز الإيجابي بالمادة رقم (13)
قرر المشرع الأردني في المادة رقم (13/أ) من قانون البيئة الاستثمارية اختصاص مجلس الوزراء باعتماد مجموعة من الحوافز والإعفاءات والمزايا لفئة محددة من الاستثمارات بالمملكة، وتتمثل تلك المزايا الإعفاءات والحوافز في:
- إعفاءات وحوافز تتعلق بأسعار بدل البيع أو الإيجار لأراضي الخزينة العامة، والتي تكون قد بيعت أو تم استئجارها بغرض إقامة نشاط اقتصادي.
- دعم موجه لتكاليف الطاقة والمياه للمشروعات المتعلقة بالطاقة المتجددة.
- السماح للمستثمرين بخصم قيمة نفقات إنشائهم لخدمات بنية تحتية تخص مشروعاتهم الاقتصادية من الذمة المالية الخاضعة للضريبة، شريطة أن يكون المشروع قد تم تشغيله في غضون مدة زمنية محددة.
- إعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية أو تخفيضها للمشروعات الاستثمارية التي تقوم بتشغيل حد أدنى من العمالة الأردنية.
وقد حدد المشرع في ذات المادة بفقرتها رقم (ب) الاستثمارات التي تتمتع بتلك الأوجه للتمييز الإيجابي، وحصر تلك الاستثمارات في الفئات التالية:
- المشروعات الاستثمارية التي تقوم بتشغيل عدد من العمالة الأردنية التي لا تقل عن (350) عامل، ويستهدف المشرع من التمييز الإيجابي لتلك الفئة من الاستثمارات أن يكافح ظاهرة البطالة ويفتح مجالاً أوسع لعمل الأيدي الأردنية العاملة.
- المشروعات الاستثمارية التي تقوم بتشغيل عدد من العاملات الأردنيات بحد أدنى لا يقل عن (50%) من إجمالي العمالة التي تعمل بالمشروع، على ألا يقل عدد العاملات الأردنيات عن (50) عاملة، ويستهدف المشرع من ذلك تشجيع المشروعات الاستثمارية على توظيف العاملات الأردنيات.
- المشروعات الاستثمارية التي تمارس نشاط اقتصادي يهدف إلى تصدير منتجاته خارج المملكة، على ألا تقل نسبة التصدير عن (50%) من تلك المنتجات، ويستهدف المشرع من ذلك تحفيز المزيد من الاستثمارات على دعم قطاع التصدير في المملكة.
- المشروعات الاستثمارية التي تمارس نشاطات ذات قيمة مضافة محلية بنسبة لا تقل عن (50%)، وذلك بهدف زيادة الاستثمارات في هذا القطاع من الأنشطة بما يعزز الدخل العام للمملكة.
- المشروعات الاستثمارية التي تمارس أنشطة تستهدف نقل المعارف والتكنولوجيا والتحول الرقمي، وذلك بهدف زيادة معدلات الاستثمارات التي تفيد المملكة بنقل المعارف والتكنولوجيا إلى إقليمها.
- المشروعات الاستثمارية التي تمارس نشاطات اقتصادية استراتيجية، وذلك لتقديم مزيد من الاستثمارات التي ترتاد قطاع الأنشطة الاستراتيجية، وهو ما يعود بالنفع الفائدة على المملكة.
- المشروعات الاقتصادية التي يتم إدراجها ضمن مشروعات الشراكة بين لتشجيع مزيد من المستثمرين على عقد الشراكات مع القطاعين العام والخاص، وهو ما يعزز من قدرات هذين القطاعين والخبرات التي يكتسبها كلاً منهما من حراء تلك الشراكات، بجانب الاستفادة من الإمكانيات التي تتوافر لدى المستثمرين.
- المشروعات الاستثمارية التي تمارس نشاطات تستهدف أطراف المملكة والمناطق التي ترتفع بها معدلات الفقر وتنمية وخدمة المجتمع المحلي، ويستهدف المشرع من ذلك توجيه الاستثمارات إلى تنمية مناطق محددة لزيادة التنمية بها وتحسين مستوى المعيشة من جهة ومن جهة أخرى لمحاربة الفقر والحد من معدلاته.
3- التمييز الإيجابي بالمادة رقم (14)
في هذه المادة قرر المشرع تمييزاً إيجابياً يتمثل في أنه قد أجاز لمجلس الوزراء أن يمنح موافقة واحدة لإقامة مشروع لمستثمر، شريطة أن يكون استثماره عبارة عن نشاط اقتصادي في أحد القطاعات الاستراتيجية للمملكة بما يساهم في تحقيق التنمية المستدامة لها، وتلك الموافقة تغني المستثمر عن استخراج أي تراخيص أو تصاريح أو أذونات يستلزم نشاطه الاستثماري أن يستخرجها.
ويعد سبب التمييز الإيجابي هنا هو طبيعة النشاط الذي يمارسه المستثمر والذي يتميز عن سائر الاستثمارات الأخرى بأنه يستهدف قطاع استراتيجي في المملكة، وبالتالي يساعد على تنمية هذا القطاع، وهو بدوره ما يعزز من قدرة المملكة في هذا القطاع، بما يبرر منح هذا النوع من الاستثمارات ذلك التمييز.
4– التمييز الإيجابي بالمادة رقم (15)
تضمنت المادة رقم (15) من قانون البيئة الاستثمارية الأردني تمييزاً إيجابياً عبارة عن ضمانة قررها المشرع لفئتين محددتين من المستثمرين، وهذه الضمانة تتمثل في عدم سريان الأحكام الخاصة بأي تشريعات أو قوانين جديدة أو معدلة يكون لها تأثير سلبي على المستثمر، ويكون هذا الإعفاء من تطبيق القانون الجديد أو المعدل لمدة سبع سنوات، أما الفئتين المستهدفتين بذلك التمييز الإيجابي – الضمانة – فهما:
- المستثمر الذي تبلغ قيمة استثماره في مشروعه كحد أدنى خمسة ملايين دينار على الأقل.
- المستثمر الذي يوظف في مشروعه عمالة أردنية بحد أدنى عدد (250) عاملاً أردنياً على الأقل.
وقد استهدف المشرع من تلك الضمانة طمأنة المستثمر على المناخ التشريعي الذي يستثمر في ظله، ويشجعه على الاستثمار دون أن يخشى من أي تغيير في القوانين والتشريعات قد تؤدي إلى الإضرار به وباستثماره، ومن ناحية أخرى حافظ المشرع على بعض الاستثمارات من الهروب على إثر أي تشريعات جديدة قد تصدر وتكون ضارة بها، ونقصد بتلك الاستثمارات طائفة الاستثمارات سواء التي تتمتع برأس مال ضخم أو التي توظف عدد كبير من العمالة الأردنية، ومن جهة ثالثة فقد أسبغ الحماية على العديد من الأيدي العاملة الأردنية التي تعمل بتلك المشروعات، وكفل لها الوقاية من مغبة تصفية تلك الاستثمارات.
5- التمييز الإيجابي بالمادة رقم (27/أ)
ميز المشرع الأردني تمييزاً إيجابياً بين الاستثمارات الأجنبية التي يتم تسجيلها في المنطقة الحرة عن سائر الاستثمارات الأجنبية الأخرى، حيث قرر في نص تلك المادة إعفاء أي استثمار أجنبي يتم إنشائه وتسجيله في المنطقة الحرة من أي قيود قد تنص عليها القوانين والتشريعات الأخرى بشأن الحد الأقصى والحد الأدنى لرأس المال الأجنبي في المشروع، بحيث تكون الاستثمارات الأجنبية في المنطقة الحرة طليقة من كافة تلك القيود.
ويستهدف المشرع الأردني من ذلك التمييز الإيجابي بين الاستثمارات الأجنبية تحفيز توجه تلك الاستثمارات إلى المنطقة الحرة، وذلك بهدف تنميتها وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إليها من جهة، ومن جهة أخرى ضمان قوة الاستثمارات الوطنية في المحافظة على قوتها التنافسية مع الاستثمارات الأجنبية التي تتم داخل المملكة وخارج المنطقة الحرة.
6- التمييز الإيجابي بالمادة رقم (29/ب)
تمثل التمييز الإيجابي في تلك المادة في شكل إعفاء من ضريبة الدخل، حيث منح المشرع للمؤسسات التي يتم تسجيلها في المنطقة التنموية من النسب الضريبية المحددة بقانون ضريبة الدخل، وقد حدد الفئات المستفيدة من تلك الإعفاءات في المؤسسات التي تتحصل على دخلها من الأنشطة التالية:
- البنوك.
- شركات الاتصالات التي تتحصل لنشاطها على رخصة فردية.
- الشركات المالية والتي تشمل شركات الصرافة والتمويل والتأجير التمويلي والاستشارات والتدقيق المالي والضريبي وشركات الوساطة المالية.
- شركات النقل بكافة صورها، وشركات نقل البضائع.
- شركات التأمين وشركات إعادة التأمين.
- الشركات التي تمارس الصناعات التعدينية والاستخراجية الأساسية.
- شركات توليد وتوزيع الكهرباء.
- شركات نقل وتوزيع واستخراج المياه والغاز والمشتقات النفطية والتي تستخدم في ذلك خطوط الأنابيب.
وقد استهدف المشرع من منح تلك الفئات من الاستثمارات تشجيعها على أن تمارس أنشطتها بالمنطقة التنموية، وذلك لأن احتياجات المنطقة التنموية تقتضي وجود مثل تلك الاستثمارات التي قد يحجم المستثمرون عن إنشائها فيها، فكانت وسيلته في جذب تلك الاستثمارات إلى المنطقة التنموية هو منحها أوجه التمييز الإيجابي من إعفاءات سالفة البيان.
7- التمييز الإيجابي بالمادة رقم (31)
قرر المشرع تمييزاً إيجابياً في نص المادة (31) من قانون البيئة الاستثمارية، وقد تمثل هذا التمييز الإيجابي في بعض الامتيازات التي منحها للاستثمارات المسجلة بالمنطقة الحرة والتي تجد ما يبررها، وتمثلت تلك الامتيازات في:
- إعفائها من ضريبة الدخل عما تحققه من أرباح تتحصل عليها من التصدير للخارج، وتجارة الترانزيت، وعمليات البيع أو التنازل التي تتم على السلع داخل المنطقة الحرة، وما تقدمه أو تورده من خدمات في إطار المنطقة الحرة.
- إعفائها من ضريبة الدخل على ما تسدده من رواتب وعلاوات للموظفين غير الأردنيين ممن يعملون بالمشروعات المقامة داخل المنطقة الحرة.
- إعفائها من الرسوم الجمركية وكافة الرسوم والضرائب التي تستحق على البضائع التي يتم تصديرها من المنطقة الحرة إلى خارج المملكة، وما تستورده من مواد تستخدمها في إنشاء وتأثيث وتجهيز مشاريعها التي تؤسسها في المنطقة الحرة.
- إعفائها من الضريبة على المبيعات عما تؤديه من خدمات يتم استهلاكها داخل المنطقة الحرة.
وقد استهدف المشرع من تلك الإعفاءات دفع وتوجيه مزيد من الاستثمار إلى المنطقة الحرة، وذلك بغرض تنمية تلك المنطقة وتعزيز المركز التجاري للمملكة الأردنية الهاشمية على الصعيد العالمي.
8- التمييز الإيجابي بالمادة رقم (33)
خص المشرع الاستثمارات التي تقام في إقليم البترا التنموي السياحي بتطبيق كافة المزايا والحوافز المقررة للاستثمارات العاملة بالمناطق التنموية، وذلك رغبة منه في تشجيع الاستثمار بهذا الإقليم لتنميته على المستويين الاقتصادي والسياحي، ودعم وتعزيز تنمية المجتمع المحلي به، وهو ما حدا به لاستخدام التمييز الإيجابي لتوجيه الاستثمارات إلى هذا الإقليم..
خامساً: الخاتمة
في ختام هذا المقال، يمكننا التأكيد على أهمية التمييز الإيجابي في مجال الاستثمار، فهو أداة فعّالة لتحقيق التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات إلى مختلف القطاعات والمناطق. وقد أثبت المشرع الأردني كفاءة استخدام هذا الأداة من خلال تضمينه في قانون البيئة الاستثمارية الأردني الجديد رقم (21) لسنة 2022، وذلك بهدف تحقيق العديد من الأهداف التي تخدم الاقتصاد الوطني والمجتمع الأردني على حدٍّ سواء.
ولكن، ينبغي التأكيد على أهمية تطبيق التمييز الإيجابي بشكل عادل وشفاف، مع مراعاة كافة المعايير الموضوعية، وضمان عدم تحوله إلى أداة للتمييز غير المبرر أو الإضرار بمصالح بعض المستثمرين.
وأخيرًا، نأمل أن تُساهم هذه الدراسة في تعزيز الوعي بأهمية التمييز الإيجابي في مجال الاستثمار، ودفع صانعي السياسات إلى تطوير وتنفيذ المزيد من المبادرات التي تُساهم في جذب الاستثمارات وتنمية الاقتصاد الوطني.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – حسين عمر – الموسوعة الاقتصادية – ط4 – دار الفكر العربي – مصر – 1992 – ص29؟
[2] – ياسر عبد الكريم الحوراني – الاستثمار المالي: حقيقته ومقاصده وضوابطه (مدخل مفاهيمي) – مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية – ع (34) – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – المملكة العربية السعودية – 1436هـ – ص 276.
[3] – محمد السمان وآخرون – مبادئ التحليل الاقتصادي الكلي والجزئي – ط1 – دار الثقافة – الأردن – 2009 – ص210.
[4] – دريد كامل – التحليل الاستثماري – ط4 – دار اليازوري العلمية – الأردن – 2009 – ص17.
[5] – سعيد عبيد – الاستثمار في الأوراق المالية – مكتبة جامعة عين شمس – مصر – 1998 – ص23.
[6] – طاهر عطية – أساسيات إدارة الأعمال الدولية – ط1 – دار النهضة العربية – مصر – 2000 – ص169.
[7] – شيرين أحمد عبدي – الحماية الدولية لكبار السن – مجلة القانون الدستوري والعلوم الإدارية – ع (8) – المركز العربي الديمقراطي – برلين – أكتوبر 2020 – ص35.

