تحريك الدعوى الدستورية
جاء إنشاء المحكمة الدستورية لتكون محطة رئيسية لمواكبة عملية التطور الشامل وأحد محطات الإنجاز المؤسسي في مسيرة المملكة الأردنية، ولتكون اللبنة الأساسية في إيقاف تغول السلطات بعضها على بعض، وعليه فقد حرص جلالة الملك في توجيهاته لإنشاء المحكمة الدستورية التأكيد على قيامها بأدوارها في مسيرة الإصلاح، وخطوة رئيسية لتعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، والدفاع عن حريات الناس وحقوقهم بالشكل الذي ورد في نصوص الدستور حيث تم إفراد الفصل الخامس من الدستور للحديث عن إنشاء المحكمة الدستورية وأطر تشكيلها، وكيفية اتصالها بالدعوى بموجب التعديلات التي تمت على الدستور الأردني في أواخر عام 2011، مما جعل منها استحقاق دستوري بارز يقوم عليها صرحاً حضارياً منيعاً ومحطة مهمة من محطات الإصلاح الشامل المتدرج الذي يقوده جلالة الملك منذ ما قبل بدء الربيع العربي، وعليه تم إنشاء المحكمة الدستورية بموجب القانون رقم (15) لعام (2012) واعتبارها هيئة قضائية مستقلة بذاتها وأحكامها نافذة والقضاة فيها مستقلون تستمد قوتها من الدستور الذي يصونها وتصونه.
وفي خلال هذا المقال سوف نتحدث عن آلية اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى عل التفصيل الآتي :
(أولاً): تنظيم المحكمة الدستورية وكيفية تشكيلها واختيار أعضائها
(ثانياً): اختصاصات المحكمة الدستورية وفق التشريع الأردني
(ثالثاً): ألية اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى وطرق تحريكها
(ب)-حق الرقابة للأفراد بطريق غير مباشر
إحالة الدفع بعدم الدستورية إلى محكمة التمييز
(رابعاً): بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن ألية تحريك الدعوى الدستورية.
(أولاً): تنظيم المحكمة الدستورية وكيفية تشكيلها واختيار أعضائها
جرت العادة للأنظمة الدستورية في الدول التي تأخذ بدور الرقابة القضائية على دستورية القوانين إلى وضع تلك الصلاحية تحت أمانة محكمة – أو مجلس – لجان مركزية متخصصة وذلك من خلال طريقتين: الأولى جعل هذا الاختصاص للمحكمة العليا في النظام القضائي العادي -والثانية جعل الاختصاص لمحكمة دستورية متخصصة، وتعتبر الأردن من الدول التي أوكلت بمهمة الرقابة القضائية إلى محكمة متخصصة تحت مسمى “المحكمة الدستورية”.
(أ)-تشكيل المحكمة الدستورية:
نصت المادة (58) من الدستور الأردني لعام 1952 على أن (1-تنشأ بقانون محكمة دستورية يكون مقرها في العاصمة وتعتبر هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها، وتؤلف من تسعة أعضاء على الأقل من بينهم الرئيس يعينهم الملك، 2-تكون مدة العضوية في المحكمة الدستورية ست سنوات غير قابلة للتجديد). وقد أسند الدستور بشأن تحديد أعضاء المحكمة الدستورية إلى قانون المحكمة الدستورية لسنة 2012 بنص المادة (5) من هذا القانون، متخذا في ذلك نفس نهج الدستور الإيطالي بشأن تحديد أعضاء المحكمة بنص دستوري، وفيما يتعلق بالعناصر التي تتكون منها المحكمة الدستورية، فقد جمع فيها قانون المحكمة الدستورية لسنة 2012 كل من العناصر القضائية والقانونية والسياسية، حيث نصت الفقرة (أ) أولاً من المادة السادسة من قانون المحكمة الدستورية لسنة 2012 على الفئات التي تتكون منها المحكمة الدستورية وهم:
(أولاً): ممن خدموا قضاة في محكمتي التمييز والعدل العليا.
(ثانياً): من أساتذة القانون في الجامعات الذين يحملون رتبة الأستاذية.
(ثالثاً): من المحامين الذين أمضوا مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة في المحاماة.
) رابعاً): يجب أن يكون أحد أعضاء المحكمة من المختصين الذين تنطبق عليهم شروط العضوية في مجلس الأعيان على أن يكون قد بلغ الخمسين من العمر.
(ثانياً): اختصاصات المحكمة الدستورية وفق التشريع الأردني
أبرزت المحكمة الدستورية من وقت نشأتها دوراً هاماً في حماية الدستور من حيث رقابة دستورية القوانين والأنظمة التشريعية المختلفة من عدمه ، وهذا حسب ما أنيطت به بموجب نص المادة (59/1) من الدستور الأردني لعام 1952 بعد التعديل والتي نصت على أن: (تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة)، فضلاً عن ما جاءت الفقرة (2) من ذات المادة بالنص على أن: (للمحكمة الدستورية حق تفسير نصوص الدستور إذا طلب إليها ذلك بقرار صادر عن مجلس الوزراء أو بقرار يتخذه أحد مجلسي الأمة بالأغلبية ويكون قرارها نافذ المفعول بعد نشره في الجريدة الرسمية)، وفي ضوء هدي هذا النص سالف الذكر يتضح أن اختصاصات المحكمة الدستورية ينحصر في التالي:
(أ): الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة
كأصل عام فإن الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة حقاً أصيلاً للمحكمة الدستورية، إلا أن هذه الرقابة متغيرة ومتباينة على حسب طبيعة المحكمة وفي ظل الأنظمة القائمة، ويكون فرض هيمنتها وبسط رقابتها إما وجوبياً أو اختيارياً، ولما كانت السلطة التشريعية تستمد سلطاتها وصلاحيتها من الدستور، لذا فهي لا تملك سن القوانين إلا في الإطار الدستوري الصحيح، إذ أنه لا تستطيع هذه السلطة بأي حال أو صورة مخالفة الدستور ، إعمالاً لمبدأ سيادة الدستور منشأ السلطات والمنظم لاختصاصاتها، فهو إذاً يعلو على هذه السلطات، واذا ما قامت السلطات التشريعية بمخالفته، تكون حينئذ قد تخلت عن عمادها القانوني [[1]]، حيث أنه وتطبيقاً للقواعد الفقهية “لا يضحى القانون تعبيراً عن الإرادة العامة إلا إذا كان متطابقاً ومتفقاً لما أوجبته النصوص الدستورية.
(ب): تفسير النصوص الدستورية
حيث أن من مهام المحكمة الدستورية شرح النص التشريعي بما يتجاوز التفسير الضيق لمفهوم النص، وذلك بهدف بغية إزالة الغموض والإبهام واللبس، وتوضيح المقصود منه، وصولاً للمعيار الواجب اعتماده وإنزاله على وقائع محددة، وقيام المحكمة الدستورية بتفسير نص معين يتفرع عن هذا التفسير تحديد معايير دستورية أخرى، بغض النظر عن ارتباط هذه المعايير بحالة محددة.
- ولما كانت هذه الاختصاصات التي أناط المشرع بها للمحكمة الدستورية فهي لا تتصل بها إلا بآلية معينة حددها المشرع والتي سوف نتطرق إليها بشيء من التفصيل على النحو التالي.
(ثالثاً): ألية اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى وطرق تحريكها
تباينت التشريعات الدولية في تحديد آلية تحريك الدعوى الدستورية، فمن الدول من يقصر هذا الحق على السلطات العامة فقط دون غيرها، ومنها من يسمح للأفراد مباشرة تحريك هذه الرقابة بدعوى أصلية مباشرة، ومنها من يعطي حق الرقابة للأفراد ولكن بصورة غير مباشرة.
- أما المشرع الأردني فقد حصر مباشرة الدعوى الدستورية الأصلية في يد صناع القانون بموجب نص المادة (60/1) من الدستور الأردني لسنة 1952، وهم مجلس الأعيان ومجلس النواب ومجلس الوزراء، حال قيامهم جميعاً بالاشتراك في صياغة القوانين والأنظمة التشريعية، وبالتالي ومن اللزوم المنطقي القانوني أن لا يتم الطعن في عدم دستورية تلك القوانين والأنظمة إلا من خلالهم، وفي ذات الوقت أعطى المشرع الدستوري الأردني حق الرقابة للأفراد على تلك القوانين والأنظمة ولكن بطريقة غير مباشرة في ضوء نص المادة (60/2)، مما يعني أن المشرع الدستوري لم يتيح للأفراد اللجوء مباشرة إلى المحكمة الدستورية للطعن في القوانين والأنظمة، ولكنه اشترط أن يتم ذلك من خلال تداول خصومه قضائية أمام المحاكم العادية.
ويرى جانب من الفقه: أنه إذا كان هناك هاجس لدى النظام من إباحة الطعن للأفراد على النصوص التشريعية عن طريق الدعوى الأصلية أمام المحكمة الدستورية العليا، فإنه يمكن إعطاء الحق في رفع الدعوى الأصلية إلى الهيئات الموجودة في الدولة، والتي تتمتع بشخصية معنوية عامة مستقلة كالمجالس البلدية، والنقابات، وبصفة خاصة نقابة المحامين.[2]
وباستقراء نص المادة (60) من الدستور ووضعه على بساط البحث يتضح أن الأسلوب الذي عمل به المشرع الدستوري الأردني في تحريك الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، يتنوع إلى طريقين: طريق يعطي هذا الحق بطريق مباشر للسلطات العامة، والأخر يعطي هذا الحق للأفراد عن طريق الدفع بعدم دستورية القوانين بطريق غير مباشر، وسوف نفرد بإيجاز لذلك من خلال الطرح التالي:
(أ)-حق الرقابة للسلطات العامة بالطريق المباشر:
تجري بعض دساتير الدول على قصر الحق في تحريك الرقابة على دستورية التشريع على رئيس الدولة، أو النظام، ومن هذه الدساتير التي أعطت الحق في تحريك الرقابة على التشريعات والأنظمة للسلطات العامة، وكما أسلفنا بالسطور السابقة الدستور الأردني، الأمر الذي يوجب التوضيح في أن اقتصار حق الطعن مباشرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية فقط دون سواهما، سيكون له بالغ الأثر على حقوق وحريات المواطن واحترام الدستور وإعمال مبدأ التوازن بين السلطات، لاسيما إذا كانوا ينتمون إلى نفس المذهب السياسي، فضلاً عدم وجود توازن بين السلطات، لخروج السلطة القضائية من هذا الحق، وكذلك المحكمة الدستورية ذاتها، فالمشرع الدستوري الأردني لم يعطي الحق لقاضي الموضوع في أن يلجأ إلى المحكمة الدستورية كلما رأى أن هناك نصاً ما في قانون ما أو نظام واجب التطبيق في الدعوى المطروحة عليه مشكوكاً في دستوريته، تجنباً لموقف الخصوم في الدعوى الموضوعية، إذ قد يلتفت أي منهم إلى الطعن في دستورية هذا القانون أو النظام لعدم الدراية أو الخبرة القانونية في ذلك، وكان من الأجدر بالمشرع الدستوري أن يعهد لقاضي الموضوع بأي درجة من درجات التقاضي أن يحيل من تلقاء نفسه، أي نص يراه غير دستوري إلى المحكمة الدستورية مباشرة، وهذا بطبيعة الحال يوسع من طرق اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى الدستورية، وعلاوة على ذلك فإن المشرع الأردني لم يعط الحق للمحكمة الدستورية ذاتها في أن تتصدى لممارسة الرقابة على دستورية القوانين كلما ارتأت وجود نصاً غير دستوري، وكان مرتبط بالنزاع المطروح عليها، حيث يعتبر التصدي من قبل المحكمة الدستورية أحد أساليب الرقابة المشروعة، فأثناء ممارسة المحكمة اختصاصها سواء المتعلقة بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة أو تفسير نصوص الدستور من الممكن أن تجد نصاً في قانون أو نظام يتصل بالنزاع المعروض عليها فيه مخالفة للدستور، في هذه الحالة من الأحرى أن تتصدى المحكمة لهذا النص وتقوم بفحص دستوريته والقضاء إما بدستوريته أو بعدم دستوريته، وعليه فإنه لكي تمارس المحكمة الدستورية رخصة التصدي لاختصاص من اختصاصاتها وهو حق يجب أن تباشره المحكمة من تلقاء نفسها دون حاجة إلى دفع يقدم إليها.
- وإعمالاً لنص المادة (9/ب) من قانون المحكمة الدستورية الأردنية يقدم الطعن في دستورية قانون أو نظام من قبل (مجلس الأعيان، ومجلس النواب، ومجلس الوزراء)، لدى المحكمة الدستورية بطلب موقع من رئيس الجهة الطاعنة ويجب أن يبين فيه ما يلي:
1-اسم القانون أو النظام المطعون فيه ورقمه ونطاق الطعن بصورة واضحة ومحددة فيما إذا كان منصباً على القانون أو النظام بأكمله أو على مادة واحدة أو أكثر.
2-وجه مخالفة القانون أو النظام الدستور.
وعلى رئيس المحكمة الدستورية أن يرسل نسخة من الطعن المقدم إليه إلى رئيس كل من الجهتين الأخريين، ولأي منهما أن يقدم رده للمحكمة خلال عشرة أيام من تاريخ تسليمه، مع الأخذ في الاعتبار أن التاريخ الذي يقدم فيه الطعن من قبل السلطات العامة ممثلة في (مجلس الأعيان، مجلس النواب، مجلس الوزراء)، غاية الأثر في الأهمية، ذلك لأنه بداية سريان الآجال الزمنية المحددة في قانون المحكمة؛ لأن المحكمة الدستورية مقيدة بأجل الرد فيجب عليها الفصل في الطعن خلال مدة لا تتجاوز مائة وعشرين يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها تطبيقاً لنص المادة (60/2) من الدستور الأردني.
وتصدر المحكمة أحكامها باسم الملك، تذكر فيها تاريخ الجلسة ورقمها، والسنة القضائية بالنسبة للمحكمة الدستورية، وقبل كل هذا تبين أن الجلسات علنية، ثم يذكر موضوع الجلسة (رقم القانون أو النظام والمادة وسنة صدوره)، فضلاً عن ذلك تقوم المحكمة بتضمين أحكامها الحجج القانونية والأدلة الواقعية وأن تكون أحكامها مسببة تسبباً كافياً، وفي الأخير بناءً على الأسباب المذكورة في الحكم يأتي قرار المحكمة، مع التأكيد على أن أحكام وقرارات المحكمة الدستورية تنشر في الجريدة خلال خمسة عشرة يوماً من تاريخ صدورها.
(ب)-حق الرقابة للأفراد بطريق غير مباشر
حيث يسمح هذا الأسلوب للأفراد بحق الرقابة الدستورية على التشريعات ولكن بأسلوب غير مباشر ومن خلال السلطة القضائية، ويكون ذلك بإثارة الدفع بعد الدستورية أمام القضاء الموضوعي أثناء نظره لدعوى أصلية أمام المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وهذا الدفع من الدفوع الموضوعية التي يجوز للطاعن إثارتها في مرحلة كانت عليها الدعوى وهو أيضا دفعا قانونية يجوز الدفع به ولأول مرة أمام المحاكم العليا [3]وقد قرر المشرع الدستوري الأردني هذا النظام وذلك بموجب الدستور الأردني الصادر في عام 1952، والذي أجاز لأطراف خصومة متداولة أمام المحاكم الدفع بعدم دستورية قانون أو نظام واجب التطبيق على موضوع الدعوى إعمالاً لنص المادة (11/ ب) من قانون المحكمة الدستورية لسنة 2012، حيث يجب أن يقدم الدفع بعدم الدستورية أمام محكمة الموضوع المطروحة عليها الدعوى بموجب مذكرة يوضح فيها الطاعن النص القانوني أو النظامي الذي أثير الدفع بعدم دستوريته ورقمه ونطاق الدفع بصورة واضحة ومحددة وما يساند دفاعه ويعضده بأن ذلك القانون أو النظام واجب التطبيق على موضوع الدعوى غي دستوري ووجه مخالفته للدستور[[4]]، كما يجوز لأي طرف آخر من الخصوم في الدعوى تقديم رده خلال المدة التي تحددها المحكمة على أن لا تزيد على خمسة عشر يوماً من تاريخ تقديم مذكرة الدفع بعدم الدستورية.
هذا وقد جاءت المادة (11/ج/1) من قانون المحكمة الدستورية لتنص على أنه: “إذا وجدت المحكمة الناظرة للدعوى أن القانون أو النظام الذي أثير الدفع بعدم دستوريته واجب التطبيق على موضوع الدعوى وأن الدفع بعدم الدستورية جدي، توقف النظر في الدعوى وتحيل الدفع إلى محكمة التمييز لغايات البت في أمر إحالته إلى المحكمة، ويكون قرار المحكمة الناظرة للدعوى بعدم الإحالة قابلاً للطعن مع موضوع الدعوى”.
وعلى ضوء هذا النص يتوجب علينا بيان معنى جدية الدفع والإجراءات اللاحقة له بالتوضيح التالي:
(أ)-معنى جدية الدفع
يبدى الدفع بعدم دستورية قانون ما أو نظام أمام محكمة الموضوع ناظرة الدعوى كما سبق التوضيح، وهي المنوط بها جدية الدفع أو عدم جديته، وعلى الرغم من أهمية هذا الأمر إلا أن المشرع لم يضع معياراً فاصلاً بكون الدفع جدياً من عدمه، وترك مناط هذا الأمر لمحكمة الموضوع تفصل فيه بحكم يجوز أن يكون محلاً للطعن استقلالاً أمام المحكمة الأعلى درجة، ولكن من المستقر عليه فقهاً وقضاءً أنه يجب على المحكمة أن تتحقق من أن الدفع لا يقصد من وراءه الكيد أو إطالة أمر التقاضي [[5]]، ومن ثم يستوجب للأخذ بدفع عدم الدستورية توافر شرطين:
(أولهما): أن يكون الفصل في مسألة الدستورية منتجاً في الدعوى محل الدفع، أي أن يكون القانون أو النظام المطعون في دستوريته متصلاً بموضوع النزاع اتصالاً مباشراً، أي أن يكون هذا القانون أو النظام محتملاً التطبيق على وقائع ونزاع الدعوى الأصلية بأي صورة من الصور، وأن الحكم بعدم الدستورية بعد تقدير جدية الدفع سينال منه صاحب الدفع مصلحة في الدعوى المنظورة، فإذا ما اتضح للمحكمة أن القانون أو النظام المطعون بعدم دستوريته لا يتصل بالنزاع المطروح عليها قررت المحكمة رفض الدفع بعدم الدستورية واستمرت في نظر الدعوى الموضوعية دون التفات للدفع وما يترتب عليه من أثار.
(ثانيهما): أن تتحقق المحكمة قبل الإحالة للمحكمة الدستورية من أن تماثل القانون أو النظام مع النصوص الدستورية تحتمل تباين واختلاف الآراء الفقهية، مما مفاده وجود شبهة في عدم دستورية القانون أو النظام وطبقاً لما هو متعارف عليه في هذا الصدد أن الشك يفسر في جانب عدم الدستورية عند تقرير مدى جدية الدفع، وما يجب أخذه في الاعتبار أن قرار المحكمة بشأن الجدية من عدمه ليس نهائياً، بل من حق صاحب الشأن أن يطعن عليه بذات الطرق المقررة للطعن في الأحكام.
(ب)-الإجراءات اللاحقة على التقرير بجدية الدفع
إذا ما انتهت المحكمة بعد البحث والتقصي إلى أن الدفع المطروح أمامها بعدم الدستورية يتسم بالجدية توجب عليها حينئذ أن توقف نظر الدعوى أمامها، وتحيل الدفع مباشرة إلى محكمة التمييز بغية البت في أمر إحالته إلى المحكمة الدستورية، ويكون قرار المحكمة الناظرة للدعوى بعدم الإحالة إلى محكمة التمييز قابلاً للطعن، ولا شك أن في حق الإحالة توسيع لدائرة الرقابة الدستورية ودعماً للشرعية.
ذلك ومما لا شك فيه أن من مهام محكمة الموضوع وواجباتها تغليب أحكام الدستور إذا ما تعارض معه نص في قانون أو نظام ولا تستطيع الامتناع عن تطبيق نص لم يقض بعدم دستوريته بحكم صادر من المحكمة الدستورية، إلا أنه وقبل أن تقوم محكمة الموضوع بوقف الدعوى المطروحة عليها وإحالة الأوراق إلى محكمة التمييز للبت في أمر إحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية عليها أن تتحقق من عدة أمور منها:
1-أن يكون النص المطعون عليه التي غلبت عليه الشكوك والريبة في مخالفته للدستور لازماً للفصل في الدعوى الموضوعية، وبالتالي فإن كانت الدعوى المطروحة خارجة عن نطاق هذا النص بحيث يكون ليس لازماً للفصل في موضوعها، فلا يكون لمحكمة الموضوع أن تعطل الفصل في الدعوى وتحيل إلى محكمة التمييز، وتقدير هذا الأمر في كون النص واجب التطبيق على النزاع المطروح من عدمه مرجعه إلى تقدير محكمة الموضوع ذاتها كما سبق التنويه على ذلك.
2-أن تتحقق محكمة الموضوع قبل الإحالة من أن النص المطعون عليه لم تفصل المحكمة الدستورية فيه قبل ذلك بدستوريته أو عدم الدستورية أو برفض الدعوى.
3-لزاماً عل قاض الموضوع أن يصل به اليقين إلى أنه ليس هناك طريق آخر غير الدستورية يمكن أن يفصل في الدعوى على أساسه.
هذا ويحق لكل طرف في الدعوى أن يقدم مذكرة إلى محكمة التمييز بشأن أمر الإحالة إلى المحكمة الدستورية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدور قرار المحكمة الناظرة للدعوى بإحالة الدفع إلى محكمة التمييز
إحالة الدفع بعدم الدستورية إلى محكمة التمييز
منح المشرع الأردني لمحكمة الموضوع إحالة الدفع بعدم الدستورية إلى محكمة التمييز بغية البت في أمر إحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية، وقد قررت نص المادة (13/ج/3) من قانون المحكمة الدستورية كيفية انعقاد محكمة التمييز لغايات البت في أمر الإحالة، حيث تنعقد محكمة التمييز بهيئة من ثلاثة أعضاء على الأقل، وتصدر قراراها خلال ثلاثين يوماً من تاريخ ورود الدعوى إليها من محكمة الموضوع ناظرة للدعوى، وإذا ما صادقت على الإحالة إلى المحكمة الدستورية فإنه يجب عليها تبليغ أطراف الدعوى بذلك. وهدياً لما تقدم وكما أشرنا سابقاً بأن المادة (11/ج/1) من قانون المحكمة الدستورية قد ربطت مسألة إحالة الدفع بعدم الدستورية إلى محكمة التمييز بأن يكون القانون أو النظام المطعون به غير دستوري، ويتوجب حتى تكون الإحالة مقبولة شكلاً أمام محكمة التمييز أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة تحديداً كافياً للنصوص التشريعية المطعون عليها بعدم الدستورية، وكذلك نصوص الدستور المدعى في مخالفتها والأوجه التي تقوم عليها المخالفة.
وبعد العرض المسبق للنصوص التي تحكم هذه المسألة نرى أن محكمة التمييز وفي معرض نظرها لطلب الإحالة ليس لها أن تتدخل في وظيفة المحكمة الدستورية وتنظر وتبت أو تفصل في مدى دستورية النصوص محل الطعن ولو تستر ذلك بداعي ممارستها لوظيفتها في دارسة أو تقدير مدى جدية الطعن لعدة اعتبارات:
(أولاً) اعتبارات التفسير اللغوي: بالرجوع إلى النص السابق نجده جاء بمصطلح “البت في أمر الإحالة إلى المحكمة الدستورية”، ومن المعلوم بالفقه القانوني أن مصطلح “الإحالة” مصطلح إجرائي محله القواعد القانونية الإجرائية وليست القواعد الموضوعية، مما يعني بالضرورة الوصول بنا إلى نتيجة مفادها أن المهمة المسندة إلى محكمة التمييز في أمر الإحالة هي مهمة ذات طبيعة إجرائية بحتة لا يجوز أن تتعداها الي البت في أي مسألة ذات طبيعة موضوعية.
(ثانياً) اعتبارات المواءمة العقلية أو المنطقية: أن من أبرز مظاهر مقتضيات العقل والمنطق وجوب القول بأن وظيفة محكمة التمييز بشأن إحالة الطعون الموجهة منها الى المحكمة الدستورية من عدمه، فإن مثل هذه الوظيفة لا يمكن بحال أن تصل بأي حال إلى درجة فحص وتمحيص مدى مواءمة النص ذي العلاقة للدستور من عدمه، لإن ذلك دور المحكمة الدستورية وحدها دون سواها، فضلاً عن أن لزاماً على محكمة التمييز أن تقف عند حدود ما خولها لها الدستور من ضمان جدية الطعن المقدم إلى المحكمة، فليست هي الجهة المختصة بنظر الطعن لتنظر به وأن الطعن لم يوجه ابتداء إليها لتنظر في موضوعه ولكنه وجه ابتداء للمحكمة الدستورية وان كان من خلالها.
(ثالثاً) اعتبارات المواءمة والاتساق القانونيين: حيث أنه من حسن التطبيق السليم والصحيح لنصوص القانون وجوب أخذها والعمل بها إجمالاً وليس إفراداً، فلا بد من قراءة كل من نص المادة (60/2) من الدستور والمادة (11/ج) من قانون المحكمة الدستورية موضوع البحث، ودمجهما مع نص المادة (59) من الدستور والتي تقرر أن: [1-تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك، وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة]، والاختصاص وفقاً لمفهوميه اللغوي والاصطلاحي يعني الاستئثار الذي يفيد كلا من معنى الحصر والقصر، مما يعني أن المحكمة الدستورية هي الجهة الوحيدة التي يحق لها النظر في مسائل البت والتقرير في مدى دستورية نص تشريعي ما (وارد بقانون أو نظام)، مما يمنع على أية محكمة أياً كانت درجتها – ولو كانت محكمة التمييز، البحث في مدى دستورية أي نص تشريعي أي مدى موافقته مع أحكام الدستور من عدمه.
وما يؤكد على أهمية المحكمة الدستورية وخصوصية مهامها وصلاحيتها، عدم جواز تدخل محكمة التمييز الموقرة في صلب عملها ووظيفتها المتمثلة في ممارسة سلطة الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، بالإضافة إلى كونها جهة مستقلة عن جميع سلطت الدولة، وهو الأمر الطبيعي الذي يقتضيه مبدأ الفصل بين السلطات، سيما أن لها وظيفتها الدستورية الأصلية عند احتكام سلطات الدولة المختلفة إليها للبت في أي خلاف ينشأ فيما بين هذه السلطات حول تفسير أو تطبيق أحكام الدستور سواء بشكل مباشر أو غير مباشر كما في حالة البحث في مدى اتساق قواعد القانون الأدنى من تشريع أو نظام مع قواعد القانون الأعلى أو الأسمى في الدولة والمتضمنة في الدستور.
ومما يؤيد استقلال عمل المحكمة الدستورية في الرقابة على دستورية القوانين ما ورد في المادة (60) من الدستور والتي يبين من نصها أن الدستور قد فتح الباب للطعن بعدم دستورية القوانين والأنظمة بالاحتكام في ذلك إلى المحكمة الدستورية، وذلك أمام سلطات الدولة الثلاثة: السلطة التشريعية الممثلة بمجلسي النواب والأعيان، والسلطة التنفيذية الممثلة في بمجلس الوزراء، والسلطة القضائية الممثلة في هدي نص المادة (11) من قانون المحكمة الدستورية في محكمة التمييز.
(رابعاً): بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن ألية تحريك الدعوى الدستورية.
1)-بلاغ رقم (4 ) صادر عن رئيس محكمة التمييز / رئيس المجلس القضائي بتاريخ 7/11/2012
- مع مراعاة أحكام الفقرة (د) من هذه المادة، إذا وجدت المحكمة الناظـرة للدعوى أن القانون أو النظام الذي أثير الدفع بعدم دستوريته واجب التطبيق على موضوع الدعوى وأن الدفع بعدم الدستورية جدي توقف النظر في الدعوى وتحيل الدفع إلى محكمة التمييز لغايات البت في أمر إحالته إلى المحكمـة، ويكون قرار المحكمة الناظـرة للدعوى بعدم الإحالة قابلاً للطعن مع موضوع الدعـــوى.
- لكل طرف في الدعوى أن يقدم مذكرة إلى محكمة التمييز بشأن أمر الإحالة إلى المحكمة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدور قرار المحكمة الناظرة للدعوى بإحالة الدفع إلى محكمة التمييز.
- لغايات البت في أمر الإحالة، تنعقد محكمة التمييز بهيئة من ثلاثة أعضاء على الأقل، وتصدر قرارها خلال ثلاثين يوماً من تاريخ ورود الدعوى إليها وإذا وافقت على الإحالة تقوم بتبليغ أطراف الدعوى بذلك د. إذا أثير الدفع بعدم الدستورية أمام محكمة التمييز أو محكمة العـدل العليـا فتتولى مباشرة أمـر البـت في الإحالة وفق أحكـام هـذه المـادة، وحيث أنه يتبين لنا من هذه النصوص أنه يتعين على الطاعن بعدم الدستورية أن يبين بصورة واضحة ومحددة أنّ القانون المطعون به واجب التطبيق على الدعوى ووجه مخالفته للدستور وأنّ على المحكمة الناظرة للدعوى بعد أن يتبين لها جدية الدفع بعدم الدستورية أن توقف النظر في الدعوى وتحيل الدعوى إلى محكمة التمييز لغايات البت في أمر إحالته إلى المحكمة الدستورية . ومن الرجوع إلى القرار الصادر عن محكمة الصلح والمنوه عنه سابقاً، يتبين أنه قد خلا من التسبيب ولم يرد فيه ذكر لمستلزمات ومتطلبات المادة سالفـة الذكر، وخلا من بيان الجدية في الطلب واقتناع المحكمة بذلك، وكان يتعين عليها أن تلتزم بذلك وتسبب قرارها تمهيداً لوقف النظر في الدعوى وإحالة الدفع إلى محكمة التمييز، وحيث أنّ محكمتنا صاحبة الولاية في إحالة الطعن إلى المحكمة الدستورية أو رفض ذلك فإنّنا نـرى أنّ من شروط إحالة الطعن أن يكون للطاعن مصلحـة في طعنـه ، من حيث استبعاد القانون المطعون به من الدعوى وأن تكون أسباب الطعن جديـة ، ومؤدى ذلك أن تلك الأسباب بظاهرها توحي بوجود شبهة دستورية تقضي أن تبدي المحكمة الدستورية رأيها فيه من الرجوع لأسباب الطعن المقدمة من وكيل المدعى عليه وعلى النحو الذي سبق بيانـه.
كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر
[1] – إبراهيم حسنين، الرقابة على دستورية القوانين في الفقه والقضاء، دار الكتب القانونية ، 2003، ص 193.
[2] – الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، النظرية العامة للقانون الدستوري، الطبعة الثالثة، دار النهضة العربية ، ص 578.
[3] عبد العزيز سالمان ، نظم الرقابة على دستورية القوانين دراسة مقارنة ، جامعة حلوان 1998، ص 182 ، 183
[4] – الباز، الرقابة على دستورية القوانين في مصر، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، دار الجامعات المصرية للنشر ص 556.
[5] – رمزي الشاعر، مرجع سابق، ص 580.

