تنفيذ حكم المحكمة الدستورية
في مستهل الحديث عن تنفيذ حكم المحكمة الدستورية لابد أن أؤكد على أن المحكمة الدستورية الأردنية منذ نشأتها وبدأ أعمالها عام 2012، قد خطت خطوات فعاله وإيجابية في احترام نصوص الدستور، وأخذت في الاعتبار مختلف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها المملكة الأردنية.
ومن هذا المنطلق أقر المشرع في الدستور الأردني الرقابة القضائية على دستورية القوانين والأنظمة بالتعديلات الدستورية التي أجراها عام 2011، تماشياً مع النظم الديموقراطية الحديثة، ومما لا شك فيه أن الأحكام التي تصدرها المحكمة الدستورية تعد أحكام نهائية غير قابلة للطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن سواء العادية أو غير العادية ، وأن حكمها له حجية مطلقة في مواجهة الكافة، والأصل أن يسري حكم المحكمة الدستورية بأثر مباشر، ما لم تحدد المحكمة تاريخاً مغيراً لسريانه، واستثناءاً قد يسري بأثر رجعي إذا قضت المحكمة بعدم دستورية نص يفرض عقوبة، وإن كان دستور المملكة الأردنية الهاشمية الصادر عام 1952م لم ينص صراحة على قوة وحجية قرارات المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور، وعلي النقيض من ذلك نص صراحة علي قوة وحجية أحكامها في الدفوع والطعون بعدم الدستورية، وإزاء صمت النصوص لا يسعنا إلا أن نذهب مع الاتجاه الذي يؤكد على أن قرارات المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور تتمتع بنفس الحجية، والقوة التي تتمتع بها أحكامها في الطعون الدستورية فهي نهائية وأيضا ملزمة لجميع السلطات وللكافة.
وترتيباً على ما تقدم سوف أحاول تسليط الضوء في هذا المقال الهام على تنفيذ حكم المحكمة الدستورية وذلك من خلال العناصر الآتية:-
أولاً: حكم المحكمة الدستورية حكماً نهائياً غير قابل للطعن ذو حجية مطلقة.
ثانياً: النطاق الزمني لتنفيذ الحكم الصادر بعدم دستورية النص التشريعي.
ثالثاً: الإشكاليات التي تعترض تنفيذ حكم المحكمة الدستورية:-
رابعاً: سريان ونفاذ قرارات المحكمة التفسيرية.
أولاً: حكم المحكمة الدستورية حكماً نهائياً غير قابل للطعن ذو حجية مطلقة.
بادئ ذي بدء يلزم التعرف على طبيعة حكم المحكمة الدستورية حتي يمكن دراسة آلية تنفيذه، وحري بنا أن نؤكد وقبل التطرق لطبيعة حكم المحكمة الدستورية، أن الدعوي الدستورية هي من أنواع الدعاوي العينية لا الشخصية، حيث أنها تتضمن مخاصمة النص التشريعي ذاته، فالمحكمة لا تقوم بالفصل في نزاع بين أشخاص بل تراقب دستورية القوانين والأنظمة.
- وتأكيداً لما سبق فإن الدستور الأردني أكد علي أن أحكام المحكمة الدستورية نهائية وملزمة لكافة السلطات في الدولة، وذلك في المادة ( 59 / أ ) والتي ورد فيها أنه : ( تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك، وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة)، وأيضاً ما جاء في المادة( 15 / أ ) من قانون المحكمة الدستورية رقم 15 لسنة 2012م والتي تنص على أنه : ( تصدر المحكمة حكمها في الطعن المقدم لديها باسم الملك، ويكون الحكم الصادر عنها نهائياً وملزماً لجميع السلطات وللكافة).
-
وتفسيراً لما تقدم ولبيان مدي حجية حكم المحكمة الدستورية الأردنية يجب التفرقة بين أمرين:-
- رد الدعوي شكلاً وموضوعاً:
من المسلم به أن هناك شروطاً شكلية ينبغي توافرها في الدعوي الدستورية حتي يمكن قبولها، وإن لم تتوافر تقضي المحكمة بعدم قبول الدعوي الدستورية شكلاً، فهي تقضي بعدم قبولها شكلا إذا لم ترفع الدعوي بالإجراءات والشروط التي نص عليها القانون، وكذلك إذا وجد عيب شكلي في صحيفة الدعوي مثل خلوها من توقيع رئيس الجهة الطاعنة، والتي حددها قانون المحكمة الدستورية في (9/أ ) وهي مجلس الوزراء ومجلس النواب من الأعيان، أو تقضي بعدم قبولها شكلاً لعدم دفع الرسوم، وتختلف حجية الحكم الصادر عنها بعدم القبول باختلاف السبب المؤدي إليه.([1])
وجدير بالذكر أن الحكم الصادر بعدم قبول الدعوي بسبب عيب شكلي لا يحوز حجية مطلقة بل يحوز حجية نسبية، نظراً لأنه عيب عارض يمكن تصحيحه باستيفاء الشكليات والشروط التي وردت في القانون، وبالتالي يمكن إثارة الطعن من جديد أمام المحكمة في دعوي جديدة بعد استيفاء الإجراءات الشكلية.
وغني عن البيان أنه يشترط لقبول الدعوي الدستورية بالإحالة إلي المحكمة الدستورية من محكمة التمييز وفقاً للمادة ( 11 ) من قانون المحكمة الدستورية رقم 15 لسنة 2012م أن يكون الدفع بعدم الدستورية جدي، وذلك بأن يكون متصلاً بموضوع النزاع بحيث يكون هذا القانون أو النظام محتمل التطبيق على النزاع، وهناك شبهة بعدم دستوريته([2])، وإذا تبين عدم جدية الدفع تقضي المحكمة الدستورية بعدم قبول الدعوي، بيد أن هذا الحكم يحوز أيضاً حجية نسبية في مواجهة أطراف الدعوي ولا يمنع من إثارة الدفع من جديد من أطراف آخرين، وإذا استوفت الدعوي الدستورية كافة الإجراءات الشكلية التي وردت في القانون فإنه قد تحكم المحكمة الدستورية برد الدعوي موضوعاً وذلك عندما لا تجد أي سبب تقيم عليه حكمها بعدم الدستورية، وهذا الرفض الموضوعي يحوز الحكم به حجية مطلقة في حدود منطوق الحكم والأسباب المرتبطة بها([3])، أما الأسباب الزائدة فلا تحوز أي حجية لا مطلقة ولا نسبية.
- الحكم بعدم الدستورية:
مما لا شك فيه أن المحكمة الدستورية إذا قبلت الدعوي شكلاً وموضوعاً فإنها تحكم بعدم دستورية النص المطعون فيه، وهذا الحكم على درجة واحدة، وذو حجية عامة مطلقة تلتزم به كافة السلطات والمؤسسات والأفراد والمحاكم على اختلاف درجاتها وأنواعها، فرقابة المحكمة الدستورية العليا هي رقابة إلغاء لاحقة
ترد على النص المطعون فيه، فلا يجوز إعادة طرح المسألة الدستورية مرة خري من جديد أمام المحكمة الدستوري([4])، وذلك للطبيعة الخاصة للدعوي الدستورية.
واستخلاصاً مما سبق يترتب على الحكم بعدم دستورية قيام السلطة التشريعية بإلغاء النص القانوني الذي قضي بعدم دستوريته، وعلاوة على ذلك مراعاة هذا الحكم فيما سيتم وضعه من قوانين في المستقبل، ومن زاوية أخري فإن السلطة التنفيذية هي الأخرى تلتزم في حال اذا كان النص الذي حكم بعدم دستوريته نظاماً بان تلغيه وتعدل بقية الأنظمة لتلائم هذا الحكم، وكذلك السلطة القضائية ينبغي أن تمتنع عن تطبيق النص الذي قضي بعدم دستوريته على جميع القضايا المعروضة عليها، وأيضا في المنازعات التي ستعرض علي المحاكم في المستقبل. ([5])
ثانياً: النطاق الزمني لتنفيذ الحكم الصادر بعدم دستورية النص التشريعي.
المقصود بالنطاق الزمني هو تحديد ما اذا كان الحكم بعدم دستورية النص التشريعي يسري بأثر رجعي على المراكز السابقة على صدوره، أم يسري الحكم بعدم الدستورية فقط على العلاقات والمراكز التي تنشأ بعد صدور هذا الحكم([6]).
في الحقيقة لقد اختلف الفقهاء في تحديد النطاق الزمني لتنفيذ الحكم بعدم دستورية النص التشريعي، ويرجع السبب في ذلك إلي اختلافهم حول طبيعة الحكم، فيري البعض أن الحكم بعدم دستورية النص التشريعي يعد كاشف وليس منشئ([7])، فهو لا ينشئ مركز قانوني غير موجود من قبل ولا يستحدث قانوناً جديداً، بل يقتصر دوره على كشف مدي اتفاق النص المطعون فيه مع أحكام الدستور ، وترتيبا علي ذلك يجب أن تعود رجعية الحكم بعدم دستورية النص التشريعي إلي لحظة صدور القانون، أي تنعدم قيمة النص بأثر رجعي وإهدار كافة الآثار التي ترتبت على تطبيقه من تاريخ العمل به.
بيد أن هناك رأي آخر يذهب إلي أن الحكم بعدم دستورية النص التشريعي منشئ وليس كاشف، ويسري بأثر مباشر، فيجب إلغاء النص التشريعي المطعون فيه من تاريخ صدور الحكم وليس قبل ذلك.
ولقد حسم المشرع الأردني هذا الخلاف الفقهي بنص واضح وصريح حدد به النطاق الزمني لتنفيذ الحكم الصادر بعدم دستورية النص التشريعي، حيث نصت المادة (59) من الدستور الأردني لعام 1952م وتعديلاته على أن: ( تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك، وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة، كما تكون أحكامها نافذة بأثر مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذة، وتنشر أحكام المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدورها).
- كما نصت المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012م على أن 🙁 أ- تصدر المحكمة حكمها في الطعن المقدم لديها باسم الملك، ويكون الحكم الصادر نهائياً وملزماً لجميع السلطات والكافة، ب – مع مراعاة أحكام الفقرة ج من هذه المادة يكون الحكم الصادر عن المحكمة نافذاً بأثر مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذة، فاذا قضي بعدم دستورية قانون أو نظام يعتبر القانون أو النظام باطلاً من تاريخ صدور الحكم، وإذا حدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذة فيعتبر القانون والنظام باطلاً من التاريخ المحدد في الحكم، جـ – إذا قضت المحكمة بعدم دستورية نص يفرض عقوبة فيوقف تنفيذ الأحكام التي قضت بالإدانة استناداً لذلك النص وتنتهي آثارها الجزائية، د- إذا قضت المحكمة بعدم دستورية أكثر من نص في القانون أو النظام، فللمحكمة التفريق في تاريخ نفاذ حكمها بين نص وآخر وفق ما تراه مناسباً).
وجدير بالملاحظة أن المشرع الأردني لم يبين هل حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص ضريبي يسري بأثر مباشر أم بأثر رجعي، وأمام هذا الفراغ التشريعي فإنه يرجع للأصل طالما سكت المشرع، والقاعدة أو الأصل هو سريان حكم المحكمة الدستورية بأثر مباشر، وبالتالي فالحكم بعدم دستورية نص ضريبي يسري بأثر مباشر، ولا يفوتنا أن ننوه على أن تحديد المحكمة الدستورية تاريخاً آخر لسريان حكمها يجعلها تمارس وظيفة أخري غير وظيفتها القضائية، ويمس بمبدأ المساواة بين المواطنين.
ثالثاً: الإشكاليات التي تعترض تنفيذ حكم المحكمة الدستورية:-
- تفسير حكم المحكمة الدستورية:-
لا يخفي عن الفطنة أنه قد يشوب حكم المحكمة الدستورية غموضاً أو إبهاماً مما يجعل ذوي الشأن يواجهون صعوبة بالغة في فهمه، فما هو الحل لتلك الإشكالية لا سيما إذا واجهتهم عند تنفيذ الحكم؟
في الواقع إن قانون المحكمة الدستورية لم يرد فيه أي نص يفيد إمكانية تصدي المحكمة الدستورية لتفسير الحكم الصادر عنها، ولم ينظم المشرع المدني مسألة تفسير الحكم القضائي في قانون أصول المحاكمات المدنية، وبالرغم من ذلك فباستقراء الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية، نجد أنها هي التي تقوم بتفسير أحكامها، كما يدلل على صحة هذا المسلك قانون التنفيذ رقم 25 لسنة 2007، حيث نصت المادة (7) منه على أنه : ( للرئيس أن يستوضح من المحكمة مصدرة الحكم عما قد يكتنفه من غموض).
- تصحيح الأخطاء المادية وإغفال الفصل في بعض الطلبات:–
مما لا شك فيه أن حكم المحكمة الدستورية العليا قد يرد فيه بعض الأخطاء المادية أو الحسابية، فهل تملك المحكمة الدستورية تصحيح تلك الأخطاء الواردة في ثنايا حكمها؟
في الحقيقة أيضاً أنه لم يرد نص في قانون المحكمة الدستورية يخول لها إمكانية التصدي لتصحيح الأخطاء المادية أو الحسابية التي يتضمنها حكمها، بيد أن قانون أصول المحاكمات المدنية قد جاء فيه في نص المادة (168) على أنه تتولي المحكمة تصحيح ما يقع في حكمها من أخطاء مادية بحتة كتابية أو حسابية، وذلك بقرار تصدره من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم من غير مرافعة ويجري كاتب المحكمة هذا التصحيح على نسخة الحكم الأصلية، ويوقعه هو ورئيس الجلسة.
ولا يخفي عن الفطنة أن الحكم الصادر بالتصحيح له ذات طبيعة الحكم الأصلي فيعتبر حكم التصحيح نهائياً لا يقبل الطعن فيه بأي وجه من أوجه الطعن، وذو حجية مطلقة في مواجهة السلطات والكافة.([8])
أما اذا أغفلت المحكمة الدستورية الفصل في بعض الطلبات وهذه أيضا إشكالية أخري، فإنه لم يتضمن قانون المحكمة الدستورية أي نص يمنح المحكمة الدستورية سلطة البت في بعض الطلبات التي أغفلت الفصل فيها، إلا أن قانون أصول المحاكمات المدنية نص في المادة( 168 /3 ) علي أنه ( إذا أغفلت المحكمة الحكم في بعض الطلبات الموضوعية فعليها بناء على طلب أحد الخصوم أن تفصل في الطلبات التي أغفلتها بعد تبليغ الخصم الآخر بذلك ويخضع هذا الحكم لقواعد الطعن التي تسري على الحكم الأصلي).
ومعني الإغفال: السهو غير المقصود في الفصل في بعض الطلبات المعروضة على المحكمة الدستورية، وحكمها بالفصل في الطلبات التي أغفلتها يلحق بالحكم الأصلي ويعتبر هو الآخر حكماً نهائياً لا يقبل الطعن فيه، ويحوز حجية مطلقة في مواجهة السلطات والكافة.
رابعاً: سريان ونفاذ قرارات المحكمة التفسيرية.
إن الدستور الأردني وقانون المحكمة الدستورية لم يتناولا موضوع تفسير نصوص الدستور بالتفصيل إلا في بنداً واحدًا في الدستور ومادة واحدة في قانون المحكمة. وذلك بنص متطابق تماما ، إذ جاء في البند (1) من المادة (59) من الدستور والمادة (17) من قانون المحكمة:
” للمحكمة الدستورية حق تفسير نصوص الدستور إذا طلب إليها ذلك بقرار صادر عن مجلس الوزراء أو بقرار يتخذه أحد مجلسي الأمة بالأغلبية، ويكون قرارها نافذ المفعول بعد نشره في الجريدة الرسمية”.
وهكذا فإن النشر لازم لنفاذ مفعول قرار المحكمة الدستورية في تفسير أي نص من نصوص الدستور إذا طلب منها ذلك .
وغني عن البيان أن نشر قرار المحكمة بالتفسير يجب أن يتم في الجريدة الرسمية التي تصدر عن مديرية الجريدة الرسمية في رئاسة الوزراء، ولا يغني نشره في أي جريدة أو صحيفة عامة أو خاصة عن نشره في الجريدة الرسمية كأسلوب معتمد بنص دستوري. وإذا كان كل من الدستور والقانون قد تطلبا أن تنشر أحكام المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورها، إلا أنهما لم يحددا المدة التي يجب نشر قرارات التفسير الصادرة عن المحكمة خلالها.
وتحديد هذه المدة امر في غاية الأهمية لأن نفاذ الأحكام الصادرة عن المحكمة وسريان مفعولها وإلزاميتها لجميع السلطات وللكافة، إنما تتقرر بأثر مباشر من تاريخ صدور الحكم، مالم يحدد الحكم تاريخا آخر لنفاذة، وليس من تاريخ نشر الحكم في الجريدة الرسمية أو اليوم التالي لنشره . في حين أن قرارات المحكمة الدستورية في التفسير لا تكون نافذة المفعول إلا بعد نشرها في الجريدة الرسمية وهذا يعني أن أثر الحكم إنما يتقرر من تاريخ إصداره، وما النشر في هذه الحالة إلا لعلم الكافة، بينما نجد أن النشر واقعة لازمة لنفاذ قرار التفسير.
وحيث أن المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة كما وصفها الدستور والقانون فإن قراراتها في التفسير تختلف في طبيعتها وقوتها عن التفسير الذي تتولاه المحاكم العادية الأخرى على اختلاف أنواعها ودرجاتها سواء كانت نظامية أو خاصة أو دينية أو كما هو دارج على تسميته بالتفسير القضائي.
فعلي حين لا يتمتع التفسير القضائي بالحجة والقوة الملزمة إلا في الدعوى التي تم فيها وبمناسبتها، فإن تفسير المحكمة الدستورية ملزم لجميع السلطات وللكافة كما هو حكمها. لأن القاضي العادي يتصدى لتفسير أي نص تشريعي من تلقاء نفسه حسب فهمه وتطبيقه في القضية المعروضة عليه، وربما لا يلتزم بأحكامه وتفسيره فيما يعرض عليه من قضايا أخرى. أما القاضي الدستوري وهو هنا (المحكمة الدستورية) إنما تتصدى لتفسير نصوص الدستور وهي في مهمة دستورية كلفها بها الدستور صراحة عندما يطلب منها ذلك من إحدى الجهات التي حددها الدستور على سبيل الحصر ألا وهي مجلس الوزراء ومجلس الأعيان ومجلس النواب.
- ومما لا شك فيه أن المشرع الدستوري الأردني قد أحسن صنعاً باستعماله كلمة قرار في تفسير المحكمة لنص دستوري ” قرار التفسير” وليس كلمة حكم عندما تنظر في دفع أو طعن دستوري. ومع أن كلاهما ملزم للسلطات العامة وللكافة، إلا أن المشرع الدستوري كان موفقاً في استعمال هذه العبارات لأن استعمال كلمة قرار” ينفي وصفه بالحكم الذي لا يصدر إلا في دفوع أو طعون بمناسبة وجود خصومة قضائية قائمة.
ويبقي نفاذ وسريان قرار المحكمة الدستورية بتفسير نصوص الدستور معلقا على نشره في الجريدة الرسمية، هذا النفاذ والسريان لقرار المحكمة بالتفسير يختلف عن نفاذ وسريان الحكم الصادر في الطعن الدستوري الذي حدده الدستور والقانون بأثر مباشر من تاريخ صدوره مالم يحدد الحكم تاريخ آخر لنفاذه. وهذا يعني أنه إذا قضي بعدم دستورية نص في قانون أو نظام أعتبر هذا النص باطلًا من تاريخ صدور الحكم، أما إذا حدد الحكم تاريخ آخر لنفاذة فيعتبر ذلك النص المقضي بعدم دستورية باطلاً من التاريخ المحدد في الحكم. دون اعتبار لعملية نشر تلك الحكم في الجريدة الرسمية في مجال سريان أو بدء نفاذه، علي الرغم من ورود النص صراحة على ضرورة نشر الحكم في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدوره، وهذا يختلف عن أهمية نشر قرار التفسير في الجريدة الرسمية حيث يكون قرارها بالتفسير نافذ المفعول بعد نشره في الجريدة الرسمية.
ولا أعتقد أن المشرع الدستوري الأردني وكذلك المشرع العادي كانا موفقين في التمييز والاختلاف في أثر النشر في الجريدة الرسمية ما بين الحكم بالطعن بعدم الدستورية وقرار التفسير لنص في الدستور. لأن التفسير العلمي والواقع العملي أن علم الكافة لا يتقرر فيهما إلا بالنشر في الجريدة الرسمية، مما يقتضي توحيد القاعدة الدستورية لهما أي للحكم وللقرار .
وجدير بالملاحظة أن قرار المحكمة في تفسير نصوص الدستور يعد جزءا متمما للدستور ، ولذلك فيري غالبية الفقه أنه يسري استثناءا بأثر رجعي تفسيرا أما تطبيقا فلا يلتزم القاضي بتطبيقه إلا فقط علي الدعاوي التي مازالت منظورة أمام القضاء.
خامساً: الخاتمة.
أود في نهاية هذا المقال أن أوصي بضرورة توضيح فكرة نهائية الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية، وقصرها فقط على الحكم بعدم دستورية النص التشريعي، كذلك أوصي بضرورة النص علي تقرير الأثر المباشر للحكم الصادر بعدم دستورية نص ضريبي أو مالي ذلك لأن تنفيذه بأثر رجعي يعنى رد الحصيلة لكل من دفع الضريبة من قبل، وهو أمر مرهق لميزانية الدولة، وأخيراً يجب سلب سلطة تحديد تاريخ آخر لسريان الحكم من المحكمة الدستورية، لأن ذلك يؤدي إلي إخلال صارخ بمبدأ المساواة بين المواطنين.
كتابة الأستاذ : جمال مرعي
[1] – انظر الشاعر ، رمزي، 1983، النظرية العامة للقانون الدستوري، دار النهضة العربية، ص 942، 943.
[2] – انظر : الطبطباني، عادل، المحكمة الدستورية الكويتية، جامعة الكويت ، مجلس النشر العلمي – لجنة التأليف و التعريب والنشر ، 2005 ،ص 462.
[3] – انظر : الخطيب، نعمان أحمد، 2017، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، دار الثقافة، ص 542.
[4] – انظر: القماطي ، حامد محمد عبد السلام، 2016، أثر الحكم الصادر عن القضاء الدستوري، ص7.
[5] – انظر المنصور، أنيس منصور، 2013، شرح أحكام قانون الإثبات الأردني، ص 304.
[6] – انظر الشطناوي، فيصل، وحتمالة ، سالم، 2013، الرقابة القضائية على دستورية القوانين والأنظمة، مجلة دراسات وعلوم الشريعة والقانون، ص629.
[7] – انظر: الشواربي، عبد الحميد، الديناصوري، عز الدين، 2000، قضية الدستور، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص 117.
[8] – انظر أبو صباح، أحمد ، حجية حكم المحكمة الدستورية، وتنفيذه، مجلة جامعة النجاح للأبحاث والعلوم الإنسانية، مج 32، ع 6، 2018، ص 116.

