دور وأهمية المعاينة في الحكم القضائي في الدعوى المدنية
لما كانت المعاينة بوصفها إحدى وسائل أو طرق الإثبات القانونية تنفرد بأهمية بالغة في استجلاء المحكمة لحقيقة النزاع من أقرب طريق، إذ ليس أوضح في تكوين عقيدة القاضي عن موضوع النزاع من معاينة محله بنفسه، حيث يعطيه ذلك فكرة مادية محسوسة عن الواقعة محل النزاع لا يمكن أن تعطيها إياه أوارق الدعوى من أي أدلة أخرى، فضلا عما يوفره له ذلك من ثقة وطمأنينة في تكوين عقيدته لذلك، وللوقوف على الحقيقة المطلقة تقوم المحكمة بالانتقال إلى المحل المتنازع فيه لتطلع عليه بنفسها وتكشف عليه، وهو ما يعرف فقهاً وقضاءاً باصطلاح المعاينة، وهو الأمر الذي دفعنا إلى التعرض لهذا النوع من الإثبات في ضوء الفقه والقانون بالتفصيل والتركيز على العناصر الأتية:
(أولا): مفهوم المعاينة كأحد طرق الإثبات وإجراءاتها
(ثانياً): مشروعية وخصائص المعاينة وحجيتها في الفقه والقانون
(ثالثاً): الطبيعة القانونية للمعاينة في التشريع الأردني
(خامسا): حجية دليل وإجراءات محضر المعاينة والدليل المستمد منها
(سادساً): بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية في المعاينة كأحد طرق الإثبات
(أولا): مفهوم المعاينة كأحد طرق الإثبات وإجراءاتها
طرق الإثبات في الفقه والقانون تكاد تكون واحدة وهي: الشهادة، والإقرار، واليمين، والكتابة والقرائن، وعلم القاضي والمعاينة والخبرة، فقد نصت المادة (2) من قانون البينات الأردني على أن: (تقسم البينات الى: –
1.الأدلة الكتابية.
2.الشهادة.
3.القرائن.
4الاقرار.
5.اليمين.
6.المعاينة والخبرة).
- ومن المسلم به أن نسبة كبيرة من القضايا المنظورة أمام المحاكم تعتمد في إظهار الحق وإثباته فيها على المعاينة والخبرة.
-
إذ المعاينة لغة: تعني النظر، وقد عاينه معاينة وعيانا ورآه عيانا: لم يشك في رؤيته إياه، ورأيت فلانا عيانا، أي: مواجهة، وتعّيّنت الشيء أبصرته [[1]]، فالمعاينة إذن تعني: النظر والمواجهة.
-
وقد عرفها بعض الفقهاء المعاصرين الذين بحثوا في مسائل القضاء وتعرضوا لوسائل الإثبات القديمة والحديثة بمقالة أن: المعاينة هي أن يشاهد القاضي بنفسه أو بواسطة أمينه محل النزاع بين المتخاصمين لمعرفة حقيقة الأمر. [[2]]
-
كما أن لفظ المعاينة قانونا يتفق مع المعنى الفقهي لمصطلح المعاينة، فقد جاء في رسالة الإثبات للأستاذ احمد نشأت: “المعاينة هي الكشف الحسي المباشر لإثبات حالة الشيء أو الشخص من خلال الرؤية أو الفحص المباشر، [[3]] حيث تدور تلك التعريفات الفقهية والقانونية لمصطلح المعاينة حول معنى النظر والرؤية والمواجهة للتأكد من حقيقة الأمر محل النزاع.
-
أما ماهية المعاينة فهي مشاهدة المحكمة بكامل هيئتها، أو بانتداب أحد قضاتها لموضوع النزاع وقد تستلزم خبرة إذا كانت تحتاج لمعرفة علمية أو فنية، وقد ترد المعاينة على أموال منقولة أو غير منقولة، أو أشخاص، وقد تتم المعاينة في مجلس القضاء، وقد تنتقل المحكمة إلى الشيء المتنازع عليه إذا كان غير منقول، أو منقولا يتعذر نقله للمحكمة. [[4]] وقد تقوم بها المحكمة لأجل إثبات وقائع معينة في الدعوى المتداولة أمامها الانتقال الى محل تلك الواقعة لجمع ما يتعلق بالقضية من معلومات ليكون الحكم بعدها عن بّيّنة وبصيرة، وهذا يعني أن تنقل هيئة المحكمة إلى محل الواقعة حيث يحرر محضر المعاينة هناك وتعتبر جلسة المحكمة بذلك منعقدة بصفة رسمية.
-
وتحصل المعاينة للواقعة المراد إثباتها في محل النزاع عند تعذر تقديمها أو إحضارها الى مكان القضاء كما لو كان محل المعاينة متعلقا بعقارات أو منقولات يصعب نقلها لكثرتها كأثاث منزل، أو بجناية فعندئذ لا بد من معاينة كل ما له علاقة بالجريمة كمعاينة المكان الذي تمت فيه، وأما إذا كان محل النزاع خاصاً بمنقول يسهل إحضاره الى مكان القضاء فإن للقاضي الحق بأن يأمر بإحضاره إلى المحكمة لمعاينته بنفسها، كما في معاينة العملات المزورة أو الأسلحة والأدوات المستخدمة في الجريمة [[5]].
- إذاً فمكان المعاينة قد يكون خارج المحكمة وقد يكون داخلها، كما أن موضوع المعاينة غير محدد بقضية ما، وإنما يختلف باختلاف القضايا محل النزاع، سواء منها ما يتعلق بموضوع المعاملات، أم الجنايات، أم غير ذلك.
من هذا المنطلق كانت المعاينة من أهم وسائل الإثبات خاصة في المسائل المادية، بل إنها قد تكون الطريق الوحيد والدليل القاطع الذي لا غنى عنه في الإثبات، كما لو اّدعى صاحب منزل أن المقاول خالف الرسم المتفق عليه في البناء، فمعاينة المنزل عندئذ هي الدليل القاطع لمعرفة ما إذا كان مطابقاً للرسم أم لا، وأمثلة ذلك كثيرة، والمحكمة هي من تملك سلطة القيام بالمعاينة أم لا حسبما ترى من وقائع وتقتضيه مصلحة سير الدعوى في نظرها، ولا تجبر على ذلك من طرفي الخصومة، فللمحكمة ومن تلقاء نفسها أو بطلب من أحد الخصوم أن تقرر الانتقال إلى محل النزاع لمعاينته، وأما إذا كان لدى المحكمة من الأدلة والأوراق ما يكفي للفصل في الدعوى المنظورة أمامها فلا معنى عندئذ للانتقال إلى موضوع النزاع لمعاينته. [[6]]
- وفي ذلك نصت المادة (83/ 1) من قانون أصول المحاكمات المدنية على: (1. للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من قبل خبير أو أكثر على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه، فإذا اتفق الفرقاء على انتخاب الخبير أو الخبراء وافقت المحكمة على تعيينهم، وإلا تولت انتخابهم بنفسها ويتوجب عليها أن تبين في قرارها الأسباب الداعية لإجراء الكشف والخبرة والغاية من ذلك مع تحديد مهمة الخبير وتأمر بإيداع النفقات وتعيين الجهة المكلفة بها، ويجوز لها أن تقوم بالكشف بكامل هيئتها أو تنتدب أحد أعضائها للقيام به).
كما أوضحت المادة (32/1) من ذات القانون ما يتعلق بالكشف المستعجل لإثبات الحالة حيث أجازت لصاحب المصلحة أن يتقدم بطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة سواء كان الطلب مستقلا أو مرافقاً للدعوى الأصلية يطلب فيه الانتقال للمعاينة إذا توافر في طلبه شرط الاستعجال، وكذلك إذا قصد مقدم الطلب منع حدوث ضرر قد يتعذر تلافيه مستقبلاً كإثبات واقعة يحتمل ضياع معالمها إذا تركت وشأنها، أو تأكيد معالم شيء قد تتغير مع الزمن، حيث نصت تلك المادة على أن: (يحكم قاضي الأمور المستعجلة بصفة مؤقتة مع عدم المساس بالحق بالأمور التالية، على أن هذا لا يمنع من اختصاص محكمة الموضوع أيضا بهذه المسائل إذا رفعت لها بطريق التبعية:
- المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت).
-
ومن الجدير بالتنبيه عليه والإشارة إليه أن المعاينة تختلف كلية عن العلم الافتراضي للقاضي، حيث أن المعاينة إنما أجازها القاضي وعمل على تحقيقها كنتيجة لرفع دعوى ما على واقعة ما لا يتضح فيها الحق جليا واضحاً إلا برؤية الواقعة ومعاينتها، فتتجلى له حقيقتها وتتضح معالمها فتتشكل قناعته وتقوى بها وتطمئن نفسه في إصداره لقضائه بالفصل في الخصومة، فالمعاينة جزء من إجراءات سير الدعوى تقرره المحكمة وقت قيام سببها، مما يرتب بطريق اللزوم أن العلم بمحل النزاع بطريق المعاينة أقوى من الشهادة أو الكتابة فيه، لأن المعاينة عندئذ تكون دليلا باشره القاضي بنفسه أو بواسطة من ينتدبه لتلك المأمورية.
-
وهذا مناط الاختلاف بين المعاينة وعلم القاضي الذي يكتسبه بنفسه خارج مجلس الحكم، فعلمه في هذا الحال قد يحصل له خارج نطاق الدعوى ومجلس القضاء بينما المعاينة هي علم يحصله القاضي عن طريق الرؤية والمباشرة لموضوع ومحل النزاع من خلال دعوى رفعت لدى مجلس القضاء لذا فهو يعتبر في عمله الرسمي. [[7]]
(ثانياً): مشروعية وخصائص المعاينة وحجيتها في الفقه والقانون
اتفق أهل الفقه والقانون على مشروعية واستحباب المعاينة ومباشرة الكشف عن حقيقة الوقائع محل النزاع لتتجلى الحقيقة أمام القاضي فيكون حكمه متوافقا مع مقتضيات العدالة، فنصوص الشرع متضافرة على وجوب تحري الحق وصولاً للعدل لما فيه من الحفاظ على مصالح العباد وعدم إهدار حقوقهم.
فشرعاً كل ما هو من شأنه أن يؤدي إلى مصلحة فهو محمود، كما أن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى مفسدة فهو مذموم، ومن النصوص القرآنية التي تدلنا على مشروعية المعاينة قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ﷲ ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين”، قال فيها ابن عباس: “كونوا قوامين بالعدل”، وخروج القاضي من مجلسه لمعاينة محل النزاع والكشف عنه عند تعذر إحضاره إليه فيه تتبع لأسباب العدل، والإعراض عنه يوقع في المحاباة والظلم.
- ومن المفيد التأكيد على أن ما يثبت للمحكمة بطريق المعاينة يعتبر دليلاً قائماً في الدعوى، ويؤخذ بعين الاعتبار عند إصدار الحكم، وإلا كان الحكم قاصراً ومعيبا يستوجب تمييزه، مع الإشارة الى أن المحكمة تتمتع بسلطة تقديرية فما يتعلق بالدليل المستمد من المعاينة، فلها أن تأخذ به أو أن تطرحه جانباً متى وجدت في أوراق الدعوى ما يكفي لتكوين قناعاتها، ومن المتفق عليه أيضا أن هناك بعض الضوابط والخصائص الفقهية والقانونية لطريق المعاينة في الإثبات وهي:
1.القيام بمعاينة محل النزاع لا يكون إلا بعد رفع دعوى أمام المحكمة، فالمعاينة وجوباً تحتاج إلى قرار قضائي وهذا لا يتأتى بلا وجود فعلي لدعوى قضائية منظورة.
- قرار المعاينة يخضع بشكل كامل للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، فله أن يوافق أو أن يرد الطلب المتعلق بهذا الخصوص، كما له أيضاً أن يبادر به من تلقاء نفسه ودون طلب من الخصوم في ذلك.
3.يقوم القاضي بمعاينة محل النزاع مباشرة بنفسه، وله أن يرسل نائبه، لهذا كان العلم بمحل النزاع بالمعاينة أقوى من طريق الشهادة والكتابة.
4.على القاضي أن يباشر معاينة محل النزاع خلال عمله الرسمي وبمناسبة وظيفته، لهذا اختلفت المعاينة عن علم القاضي كما أشرنا سابقا.
(ثالثاً): الطبيعة القانونية للمعاينة في التشريع الأردني
سبق الإشارة الى أن قانون البينات الأردني قام بتقسيم البينات إلى: الأدلة الكتابية، الشهادة، القرائن، الإقرار، اليمين، المعاينة، الخبرة.
وقد نصت المادة (71) من قانون البينات المشار إليه أن: (تعتبر جزءا من البينات المعاينة والخبرة التي تجري وفقا للأحكام المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية)، والذي نجده في هذا القانون أنه يقرن بين المعاينة والخبرة، والتي يعبر عنها بالكشف والخبرة فقد نصت المادة (83/1) من هذا القانون على أن: (للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من قبل خبير أو أكثر على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه. فإذا اتفق الفرقاء على انتخاب الخبير أو الخبراء وافقت المحكمة على تعيينهم وإلا تولت انتخابهم بنفسها ويتوجب عليها أن تبين في قرارها الأسباب الداعية لإجراء الكشف والخبرة والغاية من ذلك مع تحديد مهمة الخبير وتأمر بإيداع النفقات وتعيين الجهة المكلفة بها. ويجوز لها أن تقوم بالكشف بكامل هيئتها أو تنتدب أحد أعضائها للقيام به).
- وفي هدي هذا النص يستبان معه أن المعاينة من حيث طبيعتها تعد من طرق الإثبات الأصلية، هي التي يتحقق فيها معنى الدليل وقوامه باعتباره وسيلة لإقناع القاضي بحقيقة وصحة الادعاء، أما من حيث حجيتها القانونية فهي تعتبر غير ملزمة للقاضي، حيث أنها تخضع لتقدير القاضي دون رقابة عليه في ذلك من محكمة التمييز، ومن حيث التقييد والإطلاق فهي دليل مقيد حيث يجوز التعويل عليها في بعض الوقائع وليس في جميع الوقائع ، كما أن المعاينة دليل مباشر تنصب دلالته على الواقعة المراد إثباتها، ومن حيث إعدادها المسبق فهي غير مهيأة لأنها تهيأ وقت قيام النزاع [[8]]، وهي دليل إثبات متعدي وليس بقاصر.
(رابعاً): أنواع المعاينة
تختلف أنواع المعاينة وتتنوع باختلاف مصادرها على النحو التالي:
(أ)/ أنواع المعاينة بالنسبة للطلب: فهي إما أن تكون بطلب أصلي، أو بطلب فرعي.
1-ويكون الطلب الأصلي لإجراء المعاينة، من خلال رفع دعوى إثبات حالة أمام المحكمة، يطلب من خلالها المدعي من قاضي الأمور المستعجلة الانتقال للمعاينة خشية ضياع معالم واقعة يمكن أن تصبح محل نزاع ع في الدعوى. [[9]]
2-أما الطلب الفرعي لإجراء المعاينة، يتم من خلال تقديم دعوى فرعية أثناء سير وتداول الدعوى الأصلية، بموجب تصريح يصدره قاضي الموضوع، ويرجع مناط تقديره له فهو غير ملزم بالانتقال للمعاينة ولو طلبه أحد الخصوم. [[10]]
(ب)/ أنواع المعاينة بالنسبة للخبرة:
1- معاينة دون اشتراط وجود خبرة، وذلك في حال عدم الاحتياج في المعاينة للاستعانة بخبرة فنية، أو علمية، أو مهنية، أو ما شابه.
2- معاينة مع ضرورة توافر الخبرة، وذلك في حال احتياج المحكمة لخبرة فنية، أو علمية، أو مهنية، أو غيرها للفصل في مسألة النزاع. [[11]]
(ج)/ أنواع المعاينة بالنسبة لموضوعها:
1- المعاينة إما أن تكون متعلقة بالأشياء المنقولة، والتي يستطاع نقلها للمحكمة، وذلك حتى يتسنى لها فحصها ومعاينتها. [[12]]
2- وإما أن تكون المعاينة متعلقة بالعقارات.
3- وإما أن تكون المعاينة متعلقة بالأشخاص.
- ومن نافلة القول إن الفقه القانوني انقسم في وجوب إجراء المعاينة من عدمه إلى رأيين:
(الرأي الأول): يرى أن المعاينة غير وجوبية أو ملزمة، حيث أن المعاينة ذو طبيعة اختيارية للقاضي حتى مع طلب الخصوم أنفسهم، فالقاضي غير ملزم باللجوء إليها أثناء نظره في الدعوى، وإذا ما قرر اللجوء إليها فإنه غير ملزم بالتعويل عليها أو الأخذ بها في الحكم، فهي رخصة قانونية أجازها المشرع لمحكمة الموضوع فلها أن تأمر بها من تلقاء نفسها، كما يحق للخصوم كذلك أن يطلبوا إجرائها، وإذا ما طلبها الخصوم فالمحكمة غير ملزمة بإجابة هذا الطلب، فالمسألة كأصل عام ترجع لتقدير قاضي الموضوع، فله رفض الطلب إذا لم تكن الدعوى بحاجة إليها، ولكن لزاماً عليه في هذه الحالة بيان وتوضيح أسباب الرفض.
(الرأي الثاني): يرى أن المعاينة ملزمة في بعض الأحيان، حيث إن هناك حالات خاصة استثنائية تكون المحكمة ملزمة بإجراء المعاينة فيها مثل دعوى النزاع على الحدود.
– هذا من ناحية الفقه القانوني، أما من جهة الأحكام القضائية فنجد أن محكمة التمييز الأردنية أوجبت على محكمة الموضوع في بعض قرارتها إجراء المعاينة.
(خامسا): حجية دليل وإجراءات محضر المعاينة والدليل المستمد منها
تتميز المعاينة عن كافة وسائل الإثبات الأخرى، حيث تعطي للمحكمة فكرة مادية ملموسة عن الواقعة، لا يمكن توافرها بين أوارق الدعوى الأخرى، ولا أقوال الشهود، ولا تقارير الخبراء مهما بلغت من الدقة فلن تنتقل للمحكمة الصورة الحقيقة للواقع كما هو الحال في المعاينة، [[13]] حيث تعد المعاينة من أهم الأدلة في المسائل المادية، وقد تكون في بعض الأحوال الدليل القاطع الذي لا يغني عنه دليل سواها، ويكمن ذلك في أن العلم بمحل النزاع ع بالمعاينة أقوى من طريق الشهادة والكتابة لأن المعاينة دليل مباشر باشره القاضي بنفسه، كما يختلف عن القضاء بعلم القاضي الذي يكتسبه بنفسه خارج مجلس الحكم وبشكل انفرادي وقبل النظر في الدعوى، فالمعاينة تشبه إلى حد بعيد العلم الذي يحصل عليه القاضي في مجلس القضاء مع فارق بينهما وهو أن المعاينة تستند إلى رؤية أمور مادية لا مجال لإنكارها ولا تتغير أوصافها، ويكون علم القاضي الذي حصل من المعاينة في مجلس القضاء كالعلم في البينة، وكالعلم في الحلف والإقرار، وهذا ليس قضاء بعلمه وإنما هو قضاء بما ثبت عنده في مجلس القضاء. [[14]]
- من هنا ظهرت أهمية المعاينة في الإثبات بوصفها أداة قانونية لتفهم الأدلة المادية، تساهم في تشكيل عقيدة المحكمة واتصالها بحقيقة الواقعة المراد إثباتها، وهي تؤثر في تكوين عقيدة القاضي على نحو مباشر، لأنها تعطيه فكرة مادية محسوسة لا توفرها له أوارق التحري، أو سماع الشهود، أو تقارير الخبراء، أو أي طريق آخر من طرق الإثبات المتعارف عليها قانوناً، مما أدى إلى اعتبارها من طرق الإثبات المباشرة، [[15]] حيث يتم في سبيل ذلك تقديم طلب إجراء المعاينة إلى المحكمة، أو تأمر به المحكمة من تلقاء نفسها، وبعد قبول هذا الطلب يحرر محضر بذلك من طرف كاتب المحكمة يبين فيه جميع الأعمال المتعلقة بالمعاينة من قبول الطلب والمشاهدة وتدوين الأقوال والتواريخ، ومن ثم إذا ما ارتأت المحكمة من تلقاء نفسها، أو بناء على طلب الخصوم ضرورة أن تنتقل بكامل هيئتها، أو بواسطة أحد أعضائها لمعاينة محل النزاع بقصد تحقيق أمر أو واقعة تفيدها في تكوين اقتناعها بما تحكم به في الدعوى فإنها تأمر بذلك، ومن المستقر عليه قانوناً وقضاءا أنه يمكن للمحكمة أن تستند على المعاينة المجراة وتعول عليها كدليل قانوني معتبر في النزاع أو تطرحه، ولكن في كل الأحوال يستوجب عليها قول كلمتها فيه، وإلا كان حكمها يشوبه القصور، من تلك النقطة يكتسب الدليل الناتج عن المعاينة حجة قانونية في مواجهة الخصوم ، وبالتالي فإن أهمية الدليل الناتج عن المعاينة يكتسب بعد قرار المحكمة بإجراء هذه المعاينة، لذلك من الضروري القيام بها غير أنه حق مقرر للمحكمة بشأن لزومه أو عدم لزومه، فقبول الطلب وإجرائه بكافة الشروط القانونية يجعل الدليل المكتسب عن المعاينة والحكم الصادر عنه يحوز الحجية المقررة بالشكل القانوني السليم. [[16]]
مما تقدم يتضح جلياً أن كل ما يثبت للمحكمة بالمعاينة يعتبر دليلا قائما في الدعوى، ويجب على المحكمة أن تقول كلمتها فيه وإلا كان حكمها قاصراً معيباً، فإذا ما انتقلت المحكمة إلى محل النزاع وأجريت معاينة تمسك بها أحد الخصوم اعتبرت دليلا قائما في الدعوى، فإذا قضت المحكمة ضده دون الحديث عنها كان حكمها معيباً يستوجب نقضه. [[17]]
إلا أنه كما سبق التوضيح يبقى للقاضي سلطة الأخذ بنتائج المعاينة أو عدم الأخذ، بما له من سلطة في تقدير الحقائق التي تم تقصيها من خلال إجراء المعاينة، حيث أن القاضي قد يرى في بعض الأحيان أن هناك تغييرات قد حدثت على المحل الذي تمت معاينته لم يؤدي إلى استكمال القاضي لقناعته لاستصدار الحكم، أي أنه يمكن القول أن القاضي يتمتع بكامل السلطة التقديرية تجاهها، حيث يحق له إذا أدت المعاينة إلى إقناعه بشكل كامل أن يجعلها سبباً لحكمه وتكون بمثابة الدليل القاطع، وبالعكس إذا لم يقتنع بها له أن يطرحها، وكذلك للقاضي أن يأخذ بها على سبيل الاستئناس. [[18]]
(سادساً): بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية في المعاينة كأحد طرق الإثبات
1.قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (1962/2022)، بتاريخ 23/8/2022
حيث جاء فيه : ( وأما عن تخطئة المحكمة لعدم الأخذ ببينات المميز الخطية وللأخذ بتقرير الخبرة التي أجرتها رغم مخالفته الأصول والقانون فنجد أن مضمون ذلك يشكل طعناً بصلاحية محكمة الموضوع المقررة بمقتضى المادتين (33و34) من قانون البينات بوزن وتقدير البينة بما فيها المعاينة والخبرة باعتبارها من عداد البينات وفقاً للمادتين (2/6 و71) من قانون البينات والأخذ بما تشاء منها وطرح ما سواه والذي لا تراقبها محكمتنا فيما تستخلصه منها طالما كانت النتيجة التي تتوصل إليها مستخلصة استخلاصاً سائغاً وسليماً من البينة وطالما كانت الخبرة موافقة للمواد (83-85) من قانون أصول المحاكمات المدنية) .
2.قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم (2193/2022)، بتاريخ 28/7/2022
حيث جاء فيه: (وفي ذلك نجد أن الخبرة الفنية والمعاينة التي تجريها المحكمة وفقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات المدنية هي إحدى وسائل الإثبات وفقاً لأحكام المادتين (2/6 و71) من قانون البينات وأن لمحكمة الاستئناف بصفتها محكمة موضوع كامل الصلاحية في وزنها وتقديرها على مقتضى أحكام المادتين (33 و34) من القانون ذاته دون معقب عليها في ذلك من محكمة التمييز طالما كان تقرير الخبرة مستوفياً لشروطه القانونية).
(سابعاً): خاتمة
ختاما فقد حاولنا خلال هذا المقال الوجيز التطرق إلى مفهوم المعاينة كأحد طرق الإثبات وإجراءاتها، وكذا مشروعيتها وخصائصها وحجيتها في الفقه والقانون، وطبيعتها في التشريع الأردني، واختلاف أنواعها باختلاف مصادرها، وحجية دليل وإجراءات محضر المعاينة والدليل المستمد منها.
كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر
[1] – ابن منظور، لسان العرب، ماّدّة عين، باب النون، فصل العين، ١٣/٣٠٢
[2] – الزحيلي، أصول المحاكمات الشرعية والمدنية، ط5، ١٤١٤-١٤١٥هـ، منشورات جامعة دمشق، ص229.
[3] – هرجه، مصطفى مجدي هرجه، الإثبات في المواد الجنائية، 1992، ط2، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، ص83.
[4] – النعيمي، أحمد سعيد، البدراني، أحمد إبراهيم (2017)، معين القضاة لمعرفة الأحكام، دار المعتز للنشر والتوزيع، عمان، الأردن ص236.
[5] – د’ حسن الجوخدار، شرح قانون المحاكمات الجزائية، ط٢، ١٩٩٧، مكتبة دار الثقافة، عمان الأردن، ص 357
[6] -: القضاة، د. مفلح عواد، البينات في المواد المدنية والتجارية، 1414ه – 1994م، ط2، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، الأردن، ص277.
[7] – الزحيلي، وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية، مكتبة دار البيان، بيروت 1982، ص ٥٩٠.
[8] – السنهوري، عبد الرازق أحمد، (1963)، الوسيط في شرح القانون المدني، دار النهضة العربية، مصر، ج2، ص98.
[9] – فايد، عايد عبد الفتاح، (2006)، نظام الإثبات في المواد المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، ص245
[10] – فوزية، زكري (2012)، إجراءات التحقيق في المنازعات الإدارية، رسالة ماجستير، جامعة وهران، الجزائر، ص147
[11] – الكيلاني، جمال (2002)، الإثبات بالمعاينة والخبرة في الفقه والقانون، بحث منشور في مجلة جامعة النجاح للأبحاث، المجلد (16)، العدد الأول سنة 2002، ص271.
[12] – موسى، خالد السيد محمد عبد المجيد (2014)، شرح قواعد الإثبات الموضوعية، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض، السعودية، ص463.
[13] – عطا الله، سجا عزام (2017)، لقاضي والخبرة في الإثبات في قانون البينات في المواد المدنية والتجارية، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، رسالة ماجستير، ص25-26
[14] – محمد مصطفى (1983)، وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية الأولى، مكتبة دار البيان، دمشق، سوريا، ص590-591.
[15] – سعيدة، قاسمي (2015)، المبادئ الأساسية للإثبات في المواد الإدارية، رسالة ماجستير، جامعة البويرة، الجزائر، ص37
[16] – الخامسة، مروش (2017)، الإثبات في المواد المدنية والتجارية في القانون الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة محمد بوضياف، الجزائر، ص57
[17] – حسونة، بدريه عبد المنعم (2000)، شرح قانون الإثبات الإسلامي السوداني وتطبيقاته القضائية، الطبعة الأولى، أكاديمية نايف للعلوم العربية للعلوم الأمنية، الرياض، السعودية، ص 193-195.
[18] – عبد الحميد، دانية ماجد، (2011)، سلطة القاضي المدني في تقدير أدلة الإثبات، بحث منشور في مجلة الحقوق، الجامعة المستنصرية، العدد 13، المجلد 14، ص 283- 298.

