الكتابة الإلكترونية كدليل إثبات

الكتابة الإلكترونية كدليل إثبات

أدى التطور الكبير في وسائل الاتصالات إلى تطور التجارة الدولية عبر الإنترنت، وانتشارها بين الدول على مستوى العالم، ونتج عن ذلك انتشار ما يسمى بالعقود المبرمة عن بعد أو عبر الإنترنت، مما جعل المستند الورقي بما فيه من كتابة غير مطلوب أو غير فعال في هذا الأمر في الوقت الذي يحتاج فيه المتعاملون مع هذا النوع من التجارة إلى سرعة التعامل بالتعاقد وبشكل أكثر فاعلية.

ومن هنا بدأت الحاجة إلى أسلوب غير نمطي للتواصل بين تلك الدول أو الشركات من أجل القدرة على ممارسة التجارة الإلكترونية، وجاء استخدام الكتابة الإلكترونية هو الوسيلة الفعالة التي عن طريقها تمكن المتعاملين في هذه التجارة من إثبات مضمون ما يتم الاتفاق عليه من عقود للرجوع إليه وقت الحاجة.

 

أولا: مفهوم الكتابة الإلكترونية

ثانيا: عناصر الكتابة الإلكترونية

ثالثا: موقف المشرع من الكتابة كدليل إثبات

 

أولا: مفهوم الكتابة الإلكترونية

والبيانات هي معلومات إلكترونية يمكن من خلالها الوصول إلى نتائج محددة فهي عبارة عن كلمات، أو أرقام، أو رموز، أو حقائق، أو إحصائيات منفصلة عن بعضها لكن مجرد وضعها في منظومة معينة يمكن معالجتها آليا وتوصل إلى إعطاء النتائج أو المعلومات التي استفاد منها ([1])، وهذه البيانات هي التي تشكل لنا الكتابة في لغة الكمبيوتر.

وعرفها المشرع الأردني في قانون المعاملات الإلكترونية في المادة \2 منه رسالة المعلومات الإلكترونية هي” المعلومات التي يتم إنشاؤها أو إرسالها أو تسلمها أو تخزينها بأي وسيلة إلكترونية ومنها البريد الإلكتروني أو الرسائل القصيرة أو أي تبادل للمعلومات إلكترونيا”.

ثانيا: عناصر الكتابة الإلكترونية

تتكون الكتابة الإلكترونية من عناصر لابد من وجودها كي يمكن القول إن هناك كتابة إلكترونية وهي:

العنصر الأول: الكتابة

تعتبر الكتابة هي الوسيلة الأساسية في إثبات التصرفات القانونية في المواد المدنية، ولقد أكد المشرع الأردني على اعتبار الكتابة دليلا للإثبات فنص عليها في المادة \72 من القانون المدني على أنه” أدلة إثبات الحق هي البينات التالية: 1- الكتابة 2- الشهادة 3- القرائن 4- المعاينة والخبرة 5- الإقرار 6 – اليمين”.

وبذلك فإن المشرع الأردني قد جعل الكتابة الدليل الأول والأساسي لإثبات الحقوق وخصها عن بقية وسائل الإثبات، وجعلها من الأدلة المطلقة، وبذلك فيجوز أن تثبت بالكتابة كافة الوقائع أيا كان نوعها سواء كانت تصرفات قانونية أو وقائع مادية وأيا كانت قيمتها.

والكتابة بالمفهوم التقليدي تعني ذلك المفهوم الذي يحصر الكتابة في طابع مادي سواء من حيث الدعامة التي تدون عليها (الورق) أو من حيث الأداة التي تكتب بها ([2]).

ومن المعهود والشائع بين الناس أن الكتابة تحتاج إلى دعامة ورقية، ولكن في التطورات الكبيرة في وسائل الاتصال المختلفة فأصبحت الكتابة لا تحتاج لتلك الدعامة الورقية وإنما يمكن أن تتم بوسائل حديثة كالأقراص الممغنطة والصلبة عبر وسائل الاتصال الحديثة، لذلك ظهر نوع جديد من الكتابة يسمى الكتابة الإلكترونية يتم من خلال الحاسب الآلي، وأصبح جميع الناس يتعاملون به وحلت الكتابة الإلكترونية محل الكتابة التقليدية.

فالكتابة التقليدية يمكن التعبير عنها بواسطة حروف أو رموز أو أشكال لها معنى مهما كانت الوسيلة التي تدون عليها.

أما الكتابة الإلكترونية فهي تكون على شكل معادلات خوارزمية تنفذ من خلال عمليات إدخال للجهاز وإخراجها من خلال شاشة الحاسوب والتي تتم من خلال تغذية الجهاز بهذه المعلومات عن طريق وحدات الإدخال والتي تتبلور في لوحة المفاتيح أو استرجاع المعلومات المخزنة في وحدة المعالجة المركزية وبعد الفراغ من معالجة البيانات يتم كتابتها على أجهزة الإخراج التي تتمثل في شاشة الحاسب أو طباعة هذه المحررات على الطابعة أو الأقراص الممغنطة أو أي وسيلة تخزين البيانات ([3]).

فالكتابة الإلكترونية تختلف عن الكتابة التقليدية كون الأولى عبارة عن خوارزميات تعتمد على رقمين وهما (0,1) ويتم إدخالها إلى الحاسوب الذي بدوره يقوم بترجمة هذه الأرقام إلى كلمات مقروءة ([4]).

ولا تختلف الكتابة الإلكترونية عن التقليدية في شيء سوى في الدعامة الحاملة للكتابة فالإلكترونية دعامتها الحاسوب والقرص المرن والممغنط والبطاقات الذكية وغيرها من الوسائل الإلكترونية أما في الكتابة التقليدية فالورق هو دعامتها.

فلابد أن يكون هناك كتابة بالمعنى الحرفي المفهوم، بصرف النظر عن طريقة الكتابة أو الأداة التي يتم بها الكتابة، فلم يشترط القانون شكل معين للكتابة، وإنما تتم بأي طريقة وبأي شكل حتى أنه يمكن ترجمتها من لغة إلى أخرى، وساء تم كتابتها باليد أو بألة كاتبة.

فلم يشترط المشرع الأردني طريقة معينه لإنشائها وإنما تركها عامة، فيمكن كتابتها باليد أو بالألة الكاتبة أو حتى على الحاسب، كما أنه لم يشترط نقلها بوسيلة معينة بذاتها وإنما عدد طرق نقلها سواء بالبريد الإلكتروني أو الرسائل القصيرة أو بأي وسيلة أخرى للتبادل.

العنصر الثاني: التوقيع

ويعد التوقيع أساسا للتدليل على صحة الكتابة ونسبتها لشخص بعينه، وبالتالي فإن خلو أي كتابة إلكترونية من التوقيع يفقد هذه الكتابة قيمتها وتصبح مشكوك في صحتها.

فلقد نصت المادة \2 من قانون المعاملات الإلكترونية الأردني على أن التوقيع الإلكتروني هو ” البيانات التي تتخذ شكل حروف، أو أرقام، أو رموز، أو إشارات، أو غيرها وتكون مدرجة بشكل إلكتروني أو أي وسيلة أخرى مماثلة في السجل الإلكتروني، أو تكون مضافة عليه أو مرتبطة به بهدف تحديد هوية صاحب التوقيع وانفراده باستخدامه وتمييزه عن غيره”.

وتضمن هذا التعرف بيان هوية صاحب التوقيع، أي أن المشرع قد أكد على ضرورة تحديد الشخص الذي قام بالكتابة الإلكترونية فلا يكفي وجود كتابة فحسب وإنما لابد من تحديد من قام بكتابتها حتى يمكن التأكد من صحتها.

كما أضفى المشرع الأردني على الكتابة الإلكترونية المرتبطة بتوقيع إلكتروني ذات الحجية التي منحها للسند العادي وفقا لقانون البينات الأردني، فنص في المادة \17 من قانون المعاملات الإلكترونية على أنه” أ- يكون للسجل الإلكتروني المرتبط بتوقيع إلكتروني محميّ الحجية ذاتها المقررة للسند العادي ويجوز لأطراف المعاملة الإلكترونية الاحتجاج به.

ب- يكون للسجل الإلكتروني المرتبط بتوقيع إلكتروني موثق الحجية ذاتها المقررة للسند العادي ويجوز لأطراف المعاملة الإلكترونية والغير الاحتجاج به.

ج- في غير الحالات المنصوص عليها في الفقرتين (أ) و(ب) من هذه المادة يكون للسجل الإلكتروني الذي يحمل توقيعاً إلكترونياً الحجية ذاتها المقررة للسند العادي في مواجهة أطراف المعاملة الإلكترونية، وفي حال الإنكار يقع عبء الإثبات على من يحتج بالسجل الإلكتروني.

د- يكون للسجل الإلكتروني غير المرتبط بتوقيع إلكتروني حجية الأوراق غير الموقعة في الإثبات.

ه – يجوز إصدار أي سند رسمي أو تصديقه بالوسائل الإلكترونية شريطة ارتباط السجل الإلكتروني الخاص به بتوقيع إلكتروني موثق”.

ثالثا: موقف المشرع من الكتابة كدليل إثبات

1- موقف المشرع المصري

واكب المشرع المصري التقدم في وسائل الاتصال الحديثة والتحول من الكتابة التقليدية إلى الكتابة الإلكترونية الحديثة عبر الحاسوب وما ساعد على ذلك من انتشار التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت، فقد منح المشرع المصري المحررات الإلكترونية الناتجة عن الفاكس والتلكس نفس القوة الثبوتية للمحررات التقليدية بشرط توافر عنصر الاستعجال ([5]).

وتأكيدا لذلك، فقد أصدر المشرع المصري قانون التوقيع الإلكترونية رقم\ 15 لسنة2004 والذي منح الكتابة الإلكترونية الحجية الكاملة مثلها مثل الكتابة التقليدية في الإثبات.

حيث نص في المادة \15منه على حجية تلك الكتابة مثلها مثل الكتابة التقليدية على أنه” للكتابة الإلكترونية وللمحررات الإلكترونية، في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية، ذات الحجية المقررة للكتابة والمحررات الرسمية والعرفية في أحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، متى استوفت الشروط المنصوص عليها في هذا القانون وفقا للضوابط الفنية والتقنية التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون”.

2- موقف المشرع الأردني

أيضا، فقد واكب المشرع الأردني التطور الكبير في وسائل الاتصالات وأدخل الكتابة الإلكترونية ضمن وسائل الإثبات المعترف بها، فنص في قانون البينات في المادة \13 منه على أنه” أ- تكون لرسائل الفاكس والتلكس والبريد الإلكتروني قوة الإسناد العادية في الإثبات ما لم يثبت من نسبت إليه إرسالها أنه لم يقم بذلك ولم يكلف أحدا بإرسالها.

ب- تكون لمخرجات الحاسب المصدقة والموقعة قوة الإسناد العادية من حيث الإثبات ما لم يثبت من نسبت إليه أنه لم يستخرجها أو لم يكلف أحدا باستخراجها”.

وتأكيدا لهذا الاتجاه أصدر المشرع الأردني قانون المعاملات الإلكترونية رقم \15لسنة2015، واستكمل المشرع انتهاجه مواكبة التطور القانوني، عندما أكد في تعريفه للتوقيع الإلكتروني ضرورة أن تكون هذه الورقة موقعة وذلك بهدف تحديد هوية صاحب التوقيع حتى يمكن الاحتجاج بها في مواجهته ومعرفة صاحبها، هذا إلى جانب ما أكده المشرع فيما يتعلق بأي ورقة إلكترونية موقعة إلكترونيا لها ذات حجية الورقة العادية وهو ما سبق أن بيناه في هذا المقال.

كما أكد المشرع الأردني هذا الأمر عندما نص في المادة \2 من ذات القانون وهو بصدد تعريف شهادة التوثيق الإلكتروني عندما بين أن تلك الشهادة لإثبات نسبة التوقيع الإلكتروني إلى شخص بعينه، حيث اشترط صدور هذه الشهادة وتأكيدها نسبة التوقيع لشخص معين حتى يمكن الاحتجاج بها.

وبذلك فإن المشرع الأردني قد أضفى حماية قانونية على مخرجات الحاسوب أيا كان نوعها، إذ منحها الحجية القانونية الممنوحة للمحررات التقليدية في الإثبات طالما كانت هذه المخرجات منسوبة إلى صاحبها وكان قد تم التصديق عليها ([6]).

ولقد أكد ذلك أيضا فنص في المادة \16 من ذات القانون سالف الذكر على حجية التوقيع الإلكتروني إذا ما كان موثقا بشروط معينة وله الحجية الكاملة في الإثبات كما هو في التوقيع العادي إذا ما توافرت هذه الشروط على أنه” يعتبر التوقيع الإلكتروني موثقاً إذا تحققت فيه جميع الشروط المذكورة في المادة (15) من هذا القانون وكان مرتبطاً بشهادة توثيق إلكتروني صادرة وفقاً لأحكام هذا القانون والأنظمة والتعليمات الصادرة بمقتضاه، وقت إنشاء التوقيع الإلكتروني عن أي من الجهات التالية: –

أ- جهة توثيق إلكتروني مرخصة في المملكة.

ب- جهة توثيق إلكتروني معتمدة.

ج- أي جهة حكومية سواء كانت وزارة، أو مؤسسة رسمية عامة، أو مؤسسة عامة، أو بلدية يوافق لها مجلس الوزراء على ذلك شريطة استيفاء متطلبات هيئة تنظيم قطاع الاتصالات.

د- وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة.

ه- البنك المركزي الأردني فيما يتعلق بالأعمال المصرفية أو المالية الإلكترونية”.

كتابة دكتور \عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

 

 

([1]) كميني خميسة، منصور عز الدين، الإثبات بالكتابة في الشكل الإلكتروني، بحث للحصول على المدرسة العليا للقضاء، الجزائر، 2005-2008، ص4.

([2]) د. تامر محمد سليمان الدمياطي، إثبات التعاقد الإلكتروني، بهجت للطباعة، ط2009، دار الكتب المصرية، ص114.

([3]) المادة \1 من قانون التوقيع الإلكتروني المصري.

([4]) د. يوسف أحمد النوافلة، حجية المحررات الإلكترونية في الإثبات، وائل للنشر، الأردن، ط1، 2007، ص57.

([5]) عبدالكريم هدار، مبدأ الثبوت بالكتابة في ظل ظهور المحررات إلكترونية، رسالة ماجستير، الجزاير،2014, ص38.

([6]) إياد محمد عارف، مدى حجية المحررات الإلكترونية في الإثبات “دراسة مقارنة”، رسالة ماجستير، 2009، جامعة النجاح الوطنية، ص132.

Scroll to Top