المسؤولية عن فعل الغير في عقد النقل البحري

المسؤولية عن فعل الغير في عقد النقل البحري

من المتفق عليه أن مسؤولية الناقل البحري التي يرتبها عقد النقل البحري عليه هي مسؤولية عقدية، حيث تنشأ هذه المسؤولية كنتيجة مباشرة لإبرامه عقد النقل مع الشاحن، وتتمثل في هذه المسؤولية في التزام الناقل بتوصيل البضائع إلى جهة الوصول المحددة بعقد النقل، وذلك دون إصابة تلك البضائع بأي أضرار أو تلفيات خلال رحلة النقل، وفي حالة مخالفة الناقل لمسؤوليته تلك ولم تصل البضائع إلى جهة الوصول لهلاكها، أو وصلت ولكنها كانت معيبة لإصابتها بتلفيات أو أضرار، فعندئذ تقوم مسؤولية الناقل عن ضمان ذلك الهلاك أو التلف أو الأضرار، ويلتزم بتعويضها للشاحن.

هذا فيما يخص الناقل البحري باعتباره طرفاً في العقد، والذي تلزمه العلاقة التعاقدية بتحمل المسؤولية عن البضائع التي ينقلها، باعتبار أن الخطأ المفترض في حقه يلزمه بتحملها إلى أن يثبت ما يخالف ذلك، إلا أن هناك حالة تثير تساؤل كبير في أذهان البعض، وتتمثل هذه الحالة في أن يقع الهلاك أو الضرر والتلفيات للبضائع المنقولة نتيجة فعل صدر من شخص يخرج عن نطاق عقد النقل البحري أي يعد شخصاً من الغير، لاسيما وأن الناقل البحري قد يستعين بهذا الغير خلال تنفيذ عملية النقل ليقوم هذا الغير بها أو بمرحلة منها، فعلى أي أساس تتقرر مسؤولية هذا الغير باعتباره لم يكن طرفاً في عقد النقل البحري؟ وهذا التساؤل سيكون هو المحور الذي يدور حوله مقالنا اليوم.

 

أولاً: المقصود بالغير في نطاق عقد النقل البحري

ثانياً: أمثلة لبعض صور الغير في عقد النقل البحري

ثالثاً: التأصيل القانوني لمسؤولية الغير في عقد النقل البحري

رابعاً: متى يجوز للغير دفع مسؤوليته والتخلص منها؟

خامساً: نموذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

سادساً: الخاتمة

 

أولاً: المقصود بالغير في نطاق عقد النقل البحري

يدور هذا المقال في فلك مسؤولية الغير وفي إطار عقد النقل البحري، لذا فإنه يجدر بنا أن نتعرف في البداية إلى المقصود بالغير قانوناً، وتوضيح ماهية الغير في عقود النقل البحري.

1- التعريف بالغير قانوناً

بالرجوع إلى التشريعات والقوانين الأردنية يتبين لنا أنها لم تتضمن تعريفاً واضحاً وصريحاً للغير، اللهم إلا تعريفاً وحيداً ورد بنص المادة الثانية من النظام الملغي رقم (32) لسنة 2001، والخاص بالتأمين الإلزامي عن الحوادث الناجمة عن استعمال المركبات، وهي المادة الخاصة بالتعريفات، والتي عرفت الغير في إطار هذا النظام بأنه “أي شخص غير المؤمن له أو سائق المركبة يتعرض للضرر بسبب حادث ناجم عن استعمالها”.

وإن كان هذا التعريف لا يمكن تعميمه، حيث إنه تعريف مخصص للغير في حوادث السيارات    إلا أن ما يستشف منه هو أن الغير يعد هو الشخص الأجنبي عن العلاقة التعاقدية باختلاف أنواعها وأشكالها، حيث إن الغير يعتبر – وفقاً لقاعدة نسبية آثار العقد – هو الشخص الذي يخرج عن نطاق دائرة أحكام العقد وآثاره[1]، بحيث لا يعد طرفاً من أطرافه.

وهو أيضاً ما يستدل عليه من سياق ما قرره المشرع الأردني في القانون المدني، وتحديداً بنص المادة (110) منه والتي نصت على أن (من باشر عقداً من العقود بنفسه لنفسه فهو الملزم دون غيره بما يترتب عليه من أحكام)، فما جاء بمضمون هذه المادة يوضح الغير هو من ليس طرفاً في العقد.

2- الغير في عقد النقل البحري

نظراً لخلو قانون التجارة البحرية الأردني وتعديلاته من ثمة تعريف للغير، فإن الفقه القانوني قد تصدى له بالتعريف، وهو ما ترتب عليه ظهور العديد من التعاريف المختلفة للمقصود بالغير، إلا أن أهم وأبرز هذه التعاريف هو أن الغير يقصد به أي شخص لم يشارك في إبرام عقد النقل البحري باعتباره طرف فيه، وتترتب له حقوق يكون لها صلة بتنفيذ عقد النقل البحري، وهذه الحقوق تمنحه القدرة على أن يتمسك بالبيانات الواردة بسند الشحن[2].

وتتمثل أهمية هذا التعريف في أنه قد راعى الطبيعة الخاصة لعقد النقل البحري، حيث أن هذا العقد – كما سنرى عند التعرض لصور الغير في عقد النقل البحري – يمكن أن ينشئ التزامات في حق وذمة من لم يكن طرفاً فيه، أي في حق من يعد ضمن طائفة الغير بالنسبة للعقد، فعقد النقل البحري لا يعمم صفة الغير على جميع من ليس طرفاً في العقد، حيث يمكن أن ينال بعض من هذا الغير جانب من الالتزامات المترتبة على العقد على الرغم من كونه لم يكن طرفاً فيه، وهو ما يجعل التعريف الفقهي المبين أعلاه للغير في عقد النقل البحري هو أكثر التعاريف التي وضعت له صحة وتوافقاً مع طبيعة عقد النقل البحري.

ثانياً: أمثلة لبعض صور الغير في عقد النقل البحري

لا ينطبق مفهوم الغير في عقد النقل البحري كما سبق وأن أوضحنا على الكافة ممن لم تثبت له صفة الطرف في العقد، ولكنه يضع بعض من هذا الغير تحت طائلة الالتزام بآثار العقد والتزاماته، وسوف نتناول هنا جانب من أهم وأبرز الأمثلة الخاصة بالغير الذي يتأثر بما ينشئه العقد ويرتبه من التزامات.

1- الناقل الفعلي

بعد أن يتم إبرام عقد النقل البحري بين الشاحن والناقل، فقد يقوم الناقل المتعاقد مع الشاحن بإسناد عملية النقل بأكملها أو جانب منها فقط إلى ناقل آخر، وهذا الناقل الآخر يسمى بالناقل الفعلي، حيث تصبح مسؤولية النقل التي يرتبها العقد تقع عليه على الرغم من أنه لم يكن طرفاً في عقد النقل الأصلي[3].

ففي بعض الحالات وبعد إبرام عقد النقل البحري قد يجد الناقل نفسه غير قادر على القيام بعملية نقل البضائع المتفق عليها، مما يحدو به إلى الاتفاق مع الناقل الفعلي والذي يقوم بإتمام عملية النقل، وهو ما جعل البعض يطلق على الناقل الفعلي الناقل من الباطن، وذلك لكونه يقوم بعملية النقل دون وجود علاقة تربطه بالشاحن، حيث تقتصر علاقته على الناقل البحري الذي أبرم عقد النقل مع الشاحن.

وبالرجوع إلى قانون التجارة البحرية الأردني تبين لنا أن المشرع لم يقم بتضمينه أي تعريف يوضح المقصود بالناقل الفعلي، وذلك خلافاً لبعض القوانين العربية التي وضعت له تعريفاً مستقلاً وصريحاً كالقانون البحري المصري.

2- الوكيل بالعمولة للنقل

لم يتضمن قانون التجارة البحرية الأردني تعريفاً وتنظيماً صريحاً للوكيل بالعمولة للنقل، على الرغم من أن المشرع الأردني قد عرف الوكيل بالعمولة في البيع والشراء بموجب نص المادة (87) من قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 وتعديلاته، حيث عرفه بأنه الشخص الذي يأخذ على نفسه أن يعقد باسمه الخاص، ولكن لحساب موكله بيع وشراء وغيرهما من العمليات التجارية مقابل عمولة، إلا أنه لم يضع في قانون التجارة البحرية تعريفاً مماثلاً للوكيل بالعمولة للنقل.

إلا أن فقهاء القانون لم يدعوا هذا الأمر يمر دون بذل الجهود من أجل وضع تعريف للوكيل بالعمولة للنقل، وقد أثمرت تلك الجهود عن بعض التعاريف المختلفة له، والتي كان من أهمها وأبرزها وأكثرها ترجيحاً التعريف الذي تضمن أن الوكيل بالعمولة للنقل هو الشخص الذي يلتزم بالتزام مناطه أن يقوم هذا الشخص بالتعاقد مع أمناء النقل على إتمام عملية نقل البضائع من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول، وذلك نظير عمولة يتحصل عليها هذا الشخص[4].

والوكيل بالعمولة للنقل يتم اللجوء إليه من قبل الناقل الأصلي الذي تعاقد مع الشاحن، وذلك متى أصبح تنفيذه لعملية النقل بنفسه فيه صعوبة كبيرة عليه، فيقوم الوكيل بالعمولة للنقل بتحفيف عبء هذه الصعوبة على الناقل الأصلي، وذلك من خلال توليه إتمام عملية النقل، ويكون الوكيل بالعمولة للنقل ضامناً لتمام عملية النقل سواء تمت على مرحلة واحدة وبناقل واحد أو على عدة مراحل بأكثر من ناقل[5].

3- الناقل متعدد الوسائط

عملية النقل متعدد الوسائط يقصد بها عملية نقل البضائع من دولة إلى أخرى والتي تتم من خلال استخدام مجموعة من وسائط النقل المختلفة، وذلك بموجب عقد نقل وحيد يلتزم بموجبه الناقل متعدد الوسائط بتحمل المسؤولية عن جميع وسائط النقل التي يتم استخدامها.

أي أن الناقل متعدد الوسائط يتعاقد مع الشاحن لنقل البضائع من مكان الشحن إلى مكان التسليم، ويكون النقل عبر استخدام وسيلتي نقل أو أكثر، بحيث تكون كل وسيلة منها منفصلة ومستقلة عن الوسيلة الأخرى، سواء من ناحية إجراءاتها أو القائمين عليها أو العقود الخاصة بها وغيرها من التفصيلات الأخرى التي تخص كل وسيلة نقل، ويكون الناقل البحري متعدد الوسائط هو المسؤول عن كافة تلك الوسائل أمام الشاحن، وذلك لأن البضائع المنقولة تعد في عهدته منذ استلامها من الشاحن وحتى تسليمها للمرسل إليه، ولا ينال من ذلك أن يكون الناقل متعدد الوسائط قد تم التعاقد معه من قبل الناقل الأصلي دون علم الشاحن.

وقد تكفل القانون الأردني للنقل الدولي متعدد الوسائط رقم 29 لسنة 2018 بتعريف الناقل متعدد الوسائط تحت مسمى “متعهد النقل”، والذي عرفه بنص المادة الثانية منه بأنه (الشخص المرخص من الهيئة لمزاولة أعمال النقل الدولي متعدد الوسائط وفق أحكام هذا القانون).

وعلى سبيل المثال لذلك أن يكون تنفيذ عقد النقل البحري يقتضي عبور مسافة في البحر ثم عبور مساحة من الأرض للوصول لمكان التسليم، فيكون على الناقل متعدد الوسائط استخدام سفينة لقطع الجزء البحري من الرحلة، واستخدام وسيلة نقل برية – قطار أو سيارات أو غيرها – لقطع الجزء البري من الرحلة، كما قد يكون هناك جزء جوي يقتضي توفيره طائرة لقطعه، وهكذا بحيث تكون رحلة النقل قد استخدم فيها وسيلتي نقل مختلفتين أو أكثر، ويكون ذلك جميعه بموجب عقد نقل وحيد يبرمه الناقل مع الشاحن.

ثالثاً: التأصيل القانوني لمسؤولية الغير في عقد النقل البحري

ولكي نوضح التأصيل القانوني لمسؤولية الغير فيلزم علينا أن نوضح الأساس القانوني الذي تقوم عليه تلك المسؤولية بالنسبة لكل صورة من صور الغير في عقد النقل البحري، وهم الناقل الفعلي والوكيل بالعمولة للنقل والناقل متعدد الوسائط، لذلك سيكون تعرضنا في مقامنا هذا للأساس القانوني لمسؤولية كل صورة من هذه الصور.

1- الأساس القانوني لمسؤولية الناقل الفعلي في عقد النقل البحري

لا تخرج المسؤولية بوجه عام عن أحد نوعين، فهي إما مسؤولية عقدية وإما مسؤولية تقصيرية، وبالطبع فإن فكرة المسؤولية العقدية لا يمكن تطبيقها على الناقل الفعلي في عقد النقل البحري، لكونه لم يكن طرفاً في أي عقد من أي نوع مع الشاحن، فالوحيد الذي يمكن أن يقوم في حقه المسؤولية العقدية هو الناقل الأصلي الذي قام بالتعاقد مع الشاحن في عقد النقل البحري.

وفي هذا الإطار نجد أن محكمة التمييز الأردنية قد أكدت ذلك المفهوم فيما استقرت عليه أحكامها في صدورها، وذلك حينما ألقت على عاتق مالك السفينة المسؤولية التقصيرية وليس العقدية، وذلك متى كانت صفته لم تمتد ليصبح ناقلاً، حيث يعد مالك السفينة عندئذ من الغير باعتباره لم يكن طرفاً في عقد النقل، وجعلت أساس الرجوع عليه في تلك الحالة هو المسؤولية التقصيرية[6].

والتساؤل هنا يتمثل في مدى صحة إخضاع الناقل الفعلي لنفس الموقف القانوني لمالك السفينة بالنسبة لعقد النقل، وبمعنى آخر هل تعد مسؤولية الناقل الفعلي هي مسؤولية تقصيرية؟ أم هي مسؤولية عقدية ذات طبيعة خاصة؟

تخلص إجابة هذا التساؤل في أن الناقل الفعلي هو شخص أجنبي عن عقد النقل، لذا فهو ينقل البضائع التي تسلمها الناقل الأصلي من الشاحن وقام بمعاينته لها عند الاستلام، وبالتالي فإن الناقل الفعلي لم يتسلمها ولم يقم بمعاينتها عند شحنها، وهو ما يجعله في ذات مركز مالك السفينة الغير قائم بالنقل، أي أنه يتحمل المسؤولية التقصيرية وليست العقدية، لاسيما وأنه لا توجد صفة للناقل الفعلي في مواجهة الشاحن، باعتبار أن الأخير علاقته هي بالناقل المتعاقد معه وليس الناقل الفعلي.

وهو ما ننتهي معه إلى خلاصة إجابة هذا التساؤل، والتي تتمثل في أن الناقل الفعلي يجد الأساس القانوني لمسؤوليته في المسؤولية التقصيرية، والتي يقيمها القانون على أساس الفعل الضار والضرر وعلاقة السببية.

2- الأساس القانوني لمسؤولية الوكيل بالعمولة للنقل في عقد النقل البحري

نص المشرع الأردني في نص المادة (98) من قانون التجارة الأردني على (إن من يلتزم بإرسال البضائع أو إعادتها لحساب موكله مقابل أجر وباسمه الخاص يعد بمثابة وكيل بالعمولة، ولكنه يخضع فيما يختص بنقل البضاعة للنصوص التي يخضع لها ملتزم النقل).

والمقصود بالملتزم بالنقل هو الناقل الأصلي الذي تعاقد مع الشاحن في عقد النقل البحري، وبالتالي فإنه يأخذ ذات أحكام المسؤولية التي تترتب على الناقل الأصلي في مواجهة المرسل إليه، والذي وإن لم يكن مرتبطاً مع الناقل الأصلي بعقد، إلا أنه يمكن له الرجوع عليه بدعوى مباشرة بالتعويض، وذلك في حالة عدم إتمام الناقل الأصلي لعملية النقل جزئياً أو كلياً، وذلك وفقاً لنص المادة (73) من قانون التجارة الأردني والتي نصت على أن (للمرسل إليه حق في إقامة الدعوى مباشرة على الناقل من أجل العقد الذي عقده الناقل مع المرسل، وبهذه الدعوى يتسنى له أن يطالبه بالتسليم أو بأدائه بدل التعويض عند الاقتضاء لعدم إتمام العمل كله أو بعضه)، فمسؤولية الناقل الأصلي هنا في مواجهة المرسل إليه تعد قائمة على التقصير وليس على ثمة عقد.

والوكيل بالعمولة للنقل وباعتباره يأخذ ذات المسؤولية الملقاة على عاتق ملتزم النقل، فإنه بدوره يكون مسؤولاً مسؤولية تقصيرية عن أي تقصير في عملية النقل، سواء من حيث عدم إتمامها كلياً أو جزئياً، أو عن الأضرار التي تصيب البضائع المنقولة.

3- الأساس القانوني لمسؤولية الناقل متعدد الوسائط في عقد النقل البحري

ألقى المشرع الأردني على عاتق الناقل متعدد الوسائط مسؤولية مطلقة، وذلك يستدل عليه من خلال ما ورد بنص المادة (17/أ) من قانون النقل الدولي متعدد الوسائط رقم 29 لسنة 2018 من أن (أ- يكون متعهد النقل بعد استلامه للبضائع مسؤولاً عن: 1- هلاك البضائع، أو نقصها، أو تلفها كلياً، أو جزئياً. 2- التأخير في تسليمها خلال المدة الزمنية المتفق عليها وأي خسارة أو تلف أو ضرر ناجم عن هذا التأخير)، حيث ألقى المشرع على عاتق الناقل متعدد الوسائط المسؤولية الكاملة في حالة عدم تحقق النتيجة المطلوب تحقيقها وهي وصول البضائع بحالة جيدة إلى جهة الوصول.

وفيما يخص مسؤولية الناقل متعدد الوسائط فإنها وبوضوح مسؤولية عقدية، ونستدل على ذلك من خلال ما أورده المشرع بالمادة الأولى من قانون النقل الدولي متعدد الوسائط، والتي تتضمن التعريفات الخاصة بمصطلحات القانون، والتي من ضمنها عقد النقل الذي يتم إبرامه بين كل من الشاحن ومتعهد النقل، وهو ما يفيد وجود تعاقد مبرم بين الشاحن والناقل متعدد الوسائط، وبالتالي تكون مسؤولية هذا الناقل هي مسؤولية تعاقدية ناشئة من عقد النقل متعدد الوسائط.

وبافتراض أن من قام بالتعاقد مع الناقل متعدد الوسائط ليس الشاحن مباشرة، ولكن الناقل الأصلي هو الذي قام بالتعاقد مع الناقل متعدد الوسائط دون علم الشاحن بذلك، وذلك حتى يتولى هو عملية النقل الملتزم بها الناقل الأصلي، فما هو تكييف مسؤولية الناقل متعدد الوسائط هنا؟ وما هو الأساس القانوني لها؟

في ظل هذا الافتراض فإن مسؤولية الناقل متعدد الوسائط قِبل الناقل الأصلي هي مسؤولية تعاقدية، وذلك بناء على عقد النقل متعدد الوسائط الذي يبرم بين الناقل الأصلي – باعتباره الشاحن – والناقل متعدد الوسائط – باعتباره الناقل – في غياب الشاحن الذي لا يكون طرفاً في هذا التعاقد.

وبجانب ذلك فقد حدد المشرع في المادة (22) من ذات القانون مسؤولية الناقل متعدد الوسائط تجاه من تعاقد معه سواء كان الشاحن أو الناقل الأصلي، حيث نصت المادة المذكورة سلفاً على أن (يكون متعهد النقل مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن تصرفات وأفعال الطرف المنفذ، أو المتعاقدين من الباطن مع الطرف المنفذ أو موظفيه أو وكلائه فيما يتعلق بالبضائع طالما كانت تلك الأفعال والتصرفات واقعة قبل عملية التسليم)، وهو ما يستدل منه على أن الناقل متعدد الوسائل يتحمل المسؤولية عن البضائع التي يتم نقلها تجاه من تعاقد معه، وتشمل مسؤوليته كافة الأفعال والتصرفات التي تصدر ممن يستقدمهم للقيام بعمليات النقل وموظفيهم وأي طرف آخر يستقدمونه لإتمام عملية النقل، حيث يعد الناقل المتعدد الوسائط مسؤولاً عن أفعالهم تجاه الشاحن، شريطة أن تكون تصرفاتهم تلك قد صدرت قبل تسليم البضائع المنقولة للمرسل إليه.

وخلاصة القول إن مسؤولية الناقل متعدد الوسائط أو كما يعرفه القانون بمتعهد النقل هي دائماً مسؤولية عقدية، وذلك لأن القانون استلزم وجود علاقة تعاقدية بينه وبين الشاحن أو الناقل الأصلي.

رابعاً: متى يجوز للغير دفع مسؤوليته والتخلص منها؟

كما سبق وأن أوضحنا خلال تعرضنا للأساس القانوني لمسؤولية الغير فإن هذا الغير وعلى الرغم من كونه لم يكن طرفاً في عقد النقل – بافتراض أن الناقل الفعلي هو الذي تعاقد مع الناقل متعدد الوسائط دون علم الشاحن – فإنه يتحمل مسؤولية خلافاً للقاعدة العامة التي لا حمل الغير مسؤولية تعاقد لم يكن طرف فيه.

إلا أن التساؤل هنا يتمثل في مدى جواز قيام هذا الغير بالتخلص من تلك المسؤولية ودفعها، بمعنى آخر هل هناك أوضاع ما يمكن للغير في عقد النقل البحري أن يدفع مسؤوليته تلك ويتم اعفاؤه منها؟

بالفعل هناك بعض الحالات والأوضاع التي متى تحققت فإن الغير يمكنه الاستفادة منها في دفع مسؤوليته، وذلك على الرغم من تحقق الضرر الذي يستلزم مسؤوليته عنه في غير تلك الحالات، وسوف نتناول في النقاط التالية الطرق التي يمكن من خلالها للغير أن يدفع مسؤوليته التي تنشأ أثناء الرحلة البحرية.

1- دفع الناقل الفعلي لمسؤوليته

باعتبار أن الناقل الفعلي يقوم بمهمة الناقل الأصلي في عقد النقل البحري، وهي مهمة توصيل البضائع المنقولة بحالتها من ميناء الشحن إلى ميناء أو مكان الوصول، فإنه يستطيع لكي يدفع مسؤوليته عن عملية النقل في مواجهة الناقل الأصلي أن يتمسك بذات الدفوع التي كان للأخير أن يتمسك بها في مواجهة الشاحن لدفع مسؤوليته، فإذا ما تمكن من إثبات تحقق إحداها فإنه يستطيع أن يتخلص من مسؤوليته[7].

وتتمثل هذه الدفوع فيما نص عليه المشرع الأردني بنص المادة (219) تجارة بحرية، وسنتعرض إلى هذه الدفوع في النقاط التالية:

  • الدفع بأن الضرر الذي أصاب البضائع أو أن التأخر في التسليم قد نشأ عن خطأ ملاحي قام به ربان السفينة، أو أحد بحارتها، أو سائقيها، أو مرشديها، أو أياً من العاملين عليها، ويرجع سبب هذا الدفع إلى أنه من العدالة عدم تحميل الناقل مسؤولية ما يقوم به العاملين على السفينة من أفعال لا تكون تحت إشرافه، إلا أن الشرط الرئيسي لذلك الدفع هو أن يكون ما تم ارتكابه من العاملين على السفينة هو خطأ ملاحي.
  • الدفع بأن الضرر الذي أصاب البضائع أو التأخر في التسليم يرجع إلى عيب خفي في سفينة النقل، وبالطبع يكون الناقل قد اكتشف ذلك العيب بعد مغادرته بالسفينة لبدء رحلة النقل، لاسيما وإنه إذا كان قد اكتشف العيب قبل مغادرته للميناء فيجب عليه استبدال السفينة بأخرى، وإلا بات مرتكباً لمخالفة التزامه الذي فرضته عليه المادة (213) تجارة بحرية، والتي ألزمته بإعداد سفينة صالحة للملاحة البحرية.

  • أن يدفع بأن الأضرار التي أصابت البضائع أو تأخره في تسليمها يرجع إلى حادث عرضي أو قوة قاهرة، ويقصد بالقوة القاهرة الحوادث المفاجئة التي لا يكون في الإمكان لا توقع حدوثها ولا درئها أو دفعها[8]، وهو ما يستلزم في الحادث المفاجئ لكي يكون قوة قاهرة توافر أمرين، الأول هو كون الحادث غير متوقع الحصول، والثاني هو عدم توافر القدرة والإمكانية على دفعه.

  • أن يدفع بأن السبب في الإضرار بالبضائع أو تأخره في تسليمها هو إضراب العاملين عن العمل أو غلق أبواب العمل أو أي أمر آخر يعترض طريق العمل سواء بشكل كلي أو جزئي، ويقصد بالعمال هنا العمال على السفينة أو في الميناء أو في أي جهة أخرى يستلزم التعامل معها لإتمام الرحلة البحرية، لاسيما وأن المشرع لم يقصر وصف العمال في نص المادة (213) تجارة بحرية على عمال بعينهم، بل ذكر اللفظ بشكل عام مما يفيد العموم.

  • أن يدفع بأن سبب تلف أو هلاك البضائع أو تأخره في تسليمها يرجع إلى عيب ذاتي في البضائع، أو بسبب عيب في حزمها أو تمريكها، أو بسبب نقص متعارف عليه في مثل هذا النوع من البضائع وتجيزه العادة والعرف السائد في ميناء الشحن أو التسليم، سواء كان هذا النقص في الوزن أو الحجم، كما هو الحال في نقل السوائل المتطايرة التي جرى العرف على أنها تنقص بمقدار بسيط نتيجة طبيعتها الخاصة.

  • أن يدفع بأن السبب في التلف أو الهلاك أو التأخر في التسليم هو قيام سفينة النقل بعملية إنقاذ أو إسعاف بحري أو محاولة ذلك، أو أن تضل السفينة طريقها أثناء قيامها بذلك، ويرجع هذا الاستثناء في رغبة المشرع في حث ربابنة السفن على المبادرة لتقديم يد المساعدة للسفن التي تواجه خطر الهلاك في عرض البحر، لاسيما وأن بعض الربابنة قد يحجمون عن تقديم المساعدة خوفاً من تضرر حمولتهم وتحملهم لتعويض ذلك الضرر في حالة ما لم يكن هذا الدفع منصوص عليه في القانون.

فإذا ما تمكن الناقل الفعلي من إثبات أي دفع من الدفوع السابقة، فيمكنه عندئذ أن يدفع عنه مسؤوليته ويتخلص منها.

2- دفع الوكيل بالعمولة للنقل لمسؤوليته

كما سبق وأن أشرنا سلفاً فقد أخضع المشرع الأردني الوكيل بالعمولة للنقل لنفس الأحكام التي تنظم عمل الملتزم بالنقل، وبالتالي فإن ما ينطبق على الملتزم بالنقل في شأن دفع مسؤوليته عن الأضرار التي تقع أثناء عملية النقل هو ذاته ما ينطبق على الوكيل بالعمولة للنقل، وبالرجوع إلى نصوص إلى المواد والنصوص القانونية التي تنظم تلك الأحكام تبين أن المادة (72/1) من قانون التجارة الأردني قد تضمنت حالات إعفاء الملتزم بالنقل من مسؤولية تلف أو هلاك البضائع المنقولة والتي يستفيد منها أيضاً الوكيل بالعمولة للنقل، وهذه الحالات تتمثل في ثلاث حالات وهي القوة القاهرة، والعيب القديم في المنقول، وخطأ المرسل.

  • القوة القاهرة: وقد سبق وأن أشرنا إلى تعريفها في هذا المقال، فنحيل إليها منعاً للإطالة والتكرار[9].
  • العيب القديم في المنقول: ويقصد به العيب الذاتي في البضائع المنقولة، والذي لا تتسبب فيه رحلة النقل البحرية، بل يكون قائماً في البضائع المنقولة بشكل خفي لا يظهر عند معاينتها لحظة الاستلام، ولكنه يؤثر في قدرة البضائع على مواجهة ظروف الرحلة البحرية المختلفة، فينتج عنه تلف أو هلاك تلك البضائع أثناء رحلة النقل.
  • خطأ المرسل: يقصد بالمرسل هنا الشاحن، ويقصد بخطأ الشاحن هنا الفعل الذي يصدر عنه بصورة تتسبب في تلف أو هلاك البضائع أو تضررها، كما هو الحال في عدم قيام الشاحن بتغليف البضائع بشكل سليم، مما يترتب عليه حدوث الضرر.

فإذا ما استطاع الوكيل بالعمولة للنقل من إثبات حدوث التلف أو الهلاك بسبب قوة قاهرة، أو عيب قديم موجود بالبضائع المنقولة، أو نتيجة خطأ صدر من الشاحن، فإنه يستفيد من ميزة إعفائه من المسؤولية عن تلك الأضرار.

3- دفع الناقل متعدد الوسائط لمسؤوليته

أورد المشرع الأردني صراحة الأسباب التي يمكن للناقل متعدد الوسائط الدفع بها والاستناد إليها لدفع مسؤوليته، وذلك بنص المادة (18/أ) من قانون النقل الدولي متعدد الوسائط، والتي قرر فيها أن متعهد النقل لا يكون مسؤولاً عن تلف أو هلاك البضائع المنقولة أو التأخر في تسليمها عن الموعد المتفق عليه، وذلك متى تحققت إحدى الحالات التالية:

  • خطأ الشاحن أو المرسل إليه أو وكلائهم وممثليهم، وهو لا يختلف عما سبق وأن تعرضنا إليه من خطأ المرسل.
  • عدم تحقق أي خطأ أو إهمال من الناقل متعدد الوسائط أو من موظفيه أو وكلائه يكون قد ساهم أو تسبب في حدوث الخسائر أو التلفيات أو التأخير في تسليمها.
  • القوة القاهرة والتي نحيل في شأنها إلى ما سبق وأن ذكرناه بهذا المقال.
  • العيب الكامن أو الخفي في البضائع والذي ينتج عنه هلاك أو تلف أو تضرر البضائع المنقولة.
  • عمليات الإنقاذ للأرواح والممتلكات في عرض البحر أو أي سبب آخر يمكنه أن يحول دون قيام متعهد النقل بتنفيذ التزامه، ويكون خارجاً عن إرادته.
  • أن يكون الضرر الذي لحق البضائع أو التأخر في تسليمها قد نتج عن تقديم الشاحن عن عمد لبيانات كاذبة عن البضائع بعقد أو وثيقة النقل، سواء كانت تلك البيانات تتعلق بطبيعتها أو قيمتها.

فإذا تحقق أي سبب من تلك الأسباب الموضحة أعلاه، فإن الناقل متعدد الوسائط يستطيع التمسك به لدفع مسؤوليته عن أي تلف أو هلاك أو ضرر أو تأخر في التسليم للبضائع المنقولة.

خامساً: نموذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2188 لسنة 1998، والصادر بجلسة 28/12/1998 والمتضمن أن (إن المادة 213 من قانون التجارة البحرية تجعل الناقل ضامناً لكل ما يلحق بالبضاعة المنقولة على الباخرة من هلاك وتعيب وأضرار، وأن مالك السفينة لا يكون مسؤولا شخصيا عن الالتزامات الناتجة عن عقد النقل إلا إذا كان هو الذي انشأ عقد النقل كما هو واضح من عبارة العقود التي ينشئها أثناء ممارسته صلاحياته القانونية الواردة في المادة 95 من قانون التجارة البحرية، وحيث أن حكم المادة 180 من قانون التجارة لا تنطبق على مالك السفينة كمؤجر إلا إذا كان طرفا في عقد نقل البضاعة، وحيث أن الاجتهاد استقر على أن مسؤولية الناقل هي مسؤولية عقدية بينما مسؤولية مالك السفينة الذي لم يتخذ مركز الناقل هي مسؤولية تقصيرية، وعليه وحيث أن مالك السفينة ليس طرفا في عقد النقل وإن وثيقة الشحن تشير إلى أن الناقل هو المدعى عليها الأولى وبالتالي فإن المميزة مالكة السفينة لا تنصب خصما للمدعية ويكون القول بغير ذلك مستوجب الرد).

2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2750 لسنة 2015، والصادر بجلسة 10/2/2016 والمتضمن أن (القوة القاهرة هي الحادث الذي لا يمكن توقعه ويستحيل وقفه بحيث لا يمكن التحرز منه وليس بالإمكان دفعه وإن توافر عناصر القوة القاهرة هي مسألة موضوعية نقر محكمة الموضوع عليها).

سادساً: الخاتمة

من خلال ما تعرضنا إليه في هذا المقال يمكننا القول بأننا قد وضعنا إجابة للتساؤل الرئيسي الذي يتمحور حوله موضوع المقال، والمتعلق بأساس مسؤولية الغير في عقد النقل البحري، وحالات تلك المسؤولية، وطرق الإعفاء منها، وقد تبين لنا أن تنظيم تلك المسؤولية لم يتم بشكل كامل في التشريعات الأردنية، لا سيما خلو قانون التجارة البحرية من تعريف الغير في عقد النقل البحري، فلم يتعرض لتعريف الناقل الفعلي أو الوكيل بالعمولة للنقل، كما أن معالجة بعض جوانب تلك المسؤولية كانت تقتضي الإحالة إلى قوانين أخرى كالقانون المدني وقانون التجارة، وهو ما يستلزم تدخل تشريعي يستهدف جمع كافة ما يتعلق بتلك المسؤولية في مكان مخصص لذلك في قانون التجارة البحرية الأردني.

 

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – أنور سلطان – مصادر الالتزام في القانون المدني: دراسة مقارنة – الطبعة الأولى – منشورات الجامعة الأردنية – الأردن – 1978 – ص173.

[2] – صبري خاطر – الغير في العقد – الطبعة الأولى – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2007 – ص250.

[3] – محمد التغدويني – القانون البحري -مطابع أنفا برانت – المغرب – ج1 – 2006 – ص249.

[4] – علي الزعبي ومنصور الصرايرة – المسؤولية المدنية للوكيل بالعمولة للنقل: دراسة مقارنة بين القانونين الأردني والمغربي – مجلة المنارة للبحوث والدراسات – مج 19 – ع (1) – جامعة آل البيت – الأردن – 2013 – ص 144.

[5] – هاني دويدار – النقل البحري والجوي – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2008 – ص116.

[6] – يراجع البند خامساً من هذا المقال – الحكم رقم (1).

[7] – عبد القادر العطير – الوسيط في شرح قانون التجارة البحرية – الطبعة الأولى – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2014 – ص328

[8] – يراجع البند خامساً من هذا المقال – الحكم رقم (2).

[9] – يراجع البند رابعاً هذا المقال – فقرة رقم (1).

Scroll to Top