المسؤولية الجزائية عن نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي

المسؤولية الجزائية عن نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي

لا يستهدف مشرعي القانون عند سنهم للقوانين المختلفة تنظيم علاقات الأفراد فقط، أو حمايتهم وحماية مصالحهم من أي اعتداء، بل ويستهدف أيضاً وضع مصلحة الدولة وأمنها وسلامتها قيد الحماية، لذلك فإننا نجد بين مواد ونصوص القانون ما يجرم الأفعال التي يتم ارتكابها ضد الأفراد، وأيضاً نجد بينها ما يجرم الأفعال التي تقع على الدولة بمؤسساتها المختلفة، وتعتبر وثائق الدولة بمثابة أحد أهم مصالح الدولة التي يلزم حمايتها والإبقاء على سريتها حفاظاً على أسرار الدولة، وهو ما حدا بالمشرع الأردني إلى سن القانون رقم 50 لسنة 1971 بشأن حماية أسرار ووثائق الدولة.

ومع الثورة التكنولوجية التي طرأت على العالم بأسره، وظهرت مواقع ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، والتي أصبح الجاني في جرائم الاعتداء على أسرار وثائق الدولة يلجأ إليها لنشر تلك الوثائق، فأصبحت مواجهة تلك الجريمة من خلال قانون حماية أسرار ووثائق الدولة يقتضي معاونة في إسباغ الحماية اللازمة على تلك الوثائق والأسرار، في مواجهة أساليب ارتكابها الجديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما حدا بالمشرع الأردني إلى سن قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27 لسنة 2015، وسوف نوضح في هذا المقال المسؤولية الجزائية التي تقوم في حق مرتكب جريمة نشر وثائق الدولة عبر وثائق التواصل الاجتماعي في ضوء هذين القانونين.

أولاً: التعريف بالمسؤولية الجزائية، ووثائق الدولة، ووسائل التواصل الاجتماعي

ثانياً: طرق تحديد الوثائق التي يصدق عليها وصف “وثائق الدولة”

ثالثاً: أنواع وثائق الدولة

رابعاً: أركان جريمة نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي

خامساً: العقوبة المقررة للجريمة

سادساً: نماذج من أحكام محكمة التمييز الأردنية ذات العلاقة

سابعاً: الخاتمة

 

أولاً: التعريف بالمسؤولية الجزائية، ووثائق الدولة، ووسائل التواصل الاجتماعي

باعتبار أن هذا المقال يدور حول المسؤولية الجزائية عن نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيلزم أن نتعرض لمفهوم كلاً من تلك المفردات على حدة، ونقصد بتلك المفردات كل من المسؤولية الجزائية، ووثائق الدولة، ووسائل التواصل الاجتماعي.

1- التعريف بالمسؤولية الجزائية

تعد المسؤولية الجزائية بمثابة نقطة الارتكاز التي تتمحور حولها السياسة الجزائية التي تنتهجها الدولة، لاسيما وأن تلك المسؤولية هي الأساس الذي يعتمد عليه مبدأ العقوبة، فلا يكفي للقول بوقوع الجريمة هو تحقق أركانها، ولكن يلزم أيضاً أن يكون هناك من يتحمل مسؤولية وقوعها، وهو ما يخرج المسؤولية الجزائية عن كونها أحد الأركان التي تقوم عليها الجريمة، حيث إن أركان الجريمة تسبق في وقوعها وقوع الجريمة، في حين أن المسؤولية لا تنشأ إلا بعد وقوع الجريمة.

وهناك أكثر من تعريف وضعه فقهاء القانون للمسؤولية الجزائية، ومن أهم تلك التعاريف نستعرض التالي:

  • يقصد بالمسؤولية الجزائية هو ثبوت نسبة الجريمة بركنيها المادي والمعنوي والتي يضعها القانون موضع التجريم لشخص محدد باعتباره مرتكبها[1]، وإن كان هذا التعريف قد أُخذ عليه أنه خلط بين المسؤولية الجزائية والإسناد على الرغم من اختلافهما الجوهري.
  • كما عرف البعض الآخر المسؤولية الجزائية بأنها صلاحية الشخص لكي يتحمل العقوبة أو التدابير الاحترازية المقررة للجريمة التي قام بارتكابها[2]، وهذا التعريف تم توجيه النقد إليه أيضاً لكونه قد خلط هو الآخر بين المسؤولية الجزائية وأهلية الجاني لتحمل العقوبة.

  • كما عرفت بأنها تحمل الشخص للآثار القانونية المترتبة على ارتكابه لكافة الأركان المكونة للجريمة[3]، ويعد هذا التعريف هو التعريف الأكثر صحة في وصف وتعريف المسؤولية الجزائية، لاسيما وأنه قد أوضح أنها لا تدخل ضمن الأركان المكونة للجريمة، وأنها لا تنشأ إلا بعد تحقق الجريمة بكافة أركانها.

2- التعريف بوثائق الدولة

قبل أن نخوض في بيان ماهية وثائق الدولة ينبغي علينا أن نذكر أن وثائق الدولة تكتسب الحماية القانونية لها من صفة السرية التي تتمتع بها، حيث أن وثائق الدولة التي يسبغ عليها القانون الحماية هي الوثائق التي تتمتع بتلك الصفة باختلاف درجاتها وأقسامها، بينما وثائق الدولة التي لا تتمتع بأي درجة من درجات السرية فهي تخرج من إطار تلك الحماية، وهو ما حدا بالمشرع الأردني عند تعريفه للوثيقة المحمية أن يربط ذلك بتعريف السر، حيث أورد في نص المادة (2) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة على أن (الأسرار والوثيقة المحمية: أية معلومات شفوية أو وثيقة مكتوبة أو مطبوعة أو مختزلة أو مطبوعة على ورق مشمع أو ناسخ أو أشرطة تسجيل أو الصور الشمسية والأفلام أو المخططات أو الرسوم أو الخرائط أو ما يشابهها والمصنفة وفق أحكام القانون).

ومن نص الماد سالفة البيان يتبين لنا أن السر المتمثل في المعلومة متى ارتبط بوثيقة أياً كان المادة المصنوع منها أو الطريقة التي صنع بها، فإن ذلك الكيان المادي يكتسب وصف الوثيقة المحمية، ناهيك عن المعلومة ذاتها متى تم نقلها شفوياً فيأخذ حكم الإفشاء ولكن دون في ظل عدم اشتراط وجود وثيقة، وهو ما يمكننا معه القول أن الأسرار الموجودة بالوثيقة هي التي تمنح الوثيقة الحماية متى ارتبطت بها، وبدون هذه الرابطة تفقد الوثيقة تلك الحماية، كما هو الحال في أن تفقد المعلومة سريتها وبالتالي تفقد الوثيقة المادية ذاتها الحماية القانونية، وهو ما يقتضي معه الأمر تعريف السر بشكل منفرد عن وثيقة الدولة.

يقصد بالسر الأمر أو الخبر الذي يوضع موضع الإخفاء عن الغير، بحيث لا يطلع عليه أو على مضمونه أحد، وينتفي عن هذا الأمر صفة السرية متى أصبح علنياً وعلم به هذا الغير، وفي إطار وثائق الدولة فإن السر يقصد به المعلومة أو الخبر الذي يخص مصلحة من مصالح الدولة، وتتضرر تلك المصلحة إذا تم إفشاؤه، كما هو الحال في المعلومات التي تتعلق بأمن وسلامة الدولة، فتعد من الأسرار التي لا يجوز إفشائها.

أما وثائق الدولة فقد عرفها الفقه القانوني بأكثر من تعريف، وهذه التعاريف على الرغم الاختلاف الظاهري لها إلا أنها اتفقت على أنها ترتبط بسرية المعلومة الموجودة بها، ومن أهم النماذج على تلك التعاريف نذكر:

  • تعريف وثائق الدولة بأنها كافة المحررات والمراسلات والصور بأنواعها وغيرها من سبل النقل المادية التي يمكن أن تحتوي على معلومة أو خبر أو أي أمر يخص أحد أسرار الدولة، وذلك بغض النظر عن شكل ذلك المحرر.
  • وتعريفها أيضاً بأنها المخاطبات والقرارات والمكاتبات التي تمثل الوعاء المادي المشتمل على أخبار أو معلومات تخص الدفاع عن الدولة[4].

  • وغيرها من التعاريف الأخرى التي لم تختلف كثيراً في ظاهرها واتفقت في مضمونها، ويمكننا أن نعرف وثائق الدولة بأنها جميع المحررات بمختلف صورها وأنواعها، والتي تحتوي بين طياتها على معلومات أو بيانات تخص أمن الدولة الداخلي والخارجي، والتي يكون من غير المسموح أو المتاح أن يطلع عليها الجمهور.

    3- التعريف بوسائل التواصل الاجتماعي

    تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي من أهم ما أفرزته الثورة الإلكترونية التي وصل إليها العالم في عصرنا الحالي، وأصبحت تلك الوسائل تمثل دعائم مجتمع إلكتروني افتراضي يماثل مجتمعنا الواقعي، بحيث يمكنك أن تتواصل بشكل مرئي ومسموع مع الأشخاص القاطنين في النصف الآخر من الكرة الأرضية، ذلك كما لو كان هناك مكان واحد يجمعكما معاً.

    وبالتالي باتت جريمة نشر وثائق الدولة غير قاصرة على وسائل النشر التقليدية، ولكنها امتدت لتشمل وسائل النشر وطرقها المختلفة في هذا المجتمع الافتراضي الذي تخلقه وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح هذا المجتمع الافتراضي ساحة جديدة ترتكب فيها جريمة نشر وثائق الدولة، ولكن بأساليب مختلفة تتناسب مع طبيعة تلك الساحة.

    ويقصد بوسائل التواصل الاجتماعي المواقع الإلكترونية والشبكات الاجتماعية الموجودة على شبكة الإنترنت، والتي تكفل لمرتاديها ومستخدميها القدرة على التواصل مع بعضهم البعض بصورة مباشرة عبر المجتمع أو العالم الافتراضي الذي تخلقه الشبكة، وهو ما نصل معه إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي هي ذاتها مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، والتي يقوم على تأسيسها إما أشخاص طبيعية أو معنوية، ويكون هدف تلك المواقع هو التقريب بين الناس وخلق غايات مشتركة تجمع بينهم في تلك المواقع، فينشأ مجتمع افتراضي موازي للمجتمع الواقعي، فأصبحت هذه المجتمعات الافتراضية وسيلة فعالة للتواصل بين البشر في مختلف أرجاء العالم.

    ويمكننا تعريف وسائل – أو مواقع – التواصل الاجتماعي على أنها صفحات الويب التي تتيح لمستخدميها القدرة على نشر الأخبار والصور وإرسالها إلى بعضهم البعض، وتوفر لهم السبل المناسبة لخلق التفاعل فيما بينهم[5]، ومن أهم هذه المواقع وأشهرها على الإطلاق مواقع الفيسبوك، واليوتيوب، وتويتر وغيرها من مواقع التواصل الشهيرة والمنتشرة على شبكة الإنترنت.

    ثانياً: طرق تحديد الوثائق التي يصدق عليها وصف “وثائق الدولة”

    حتى تتمتع الوثيقة بالحماية فيجب أن تكون صفة “وثائق الدولة” قد ثبتت لها، وبالتالي تسبغ عليها الحماية القانونية المقررة لوثائق الدولة، فعلى أي أساس يتم تحديد ما إذا كانت الوثيقة تدخل ضمن وثائق الدولة أم لا؟

    في الحقيقة لا يوجد معايير عامة ومطلقة لتحديد وصف وثائق الدولة، فهذه المعايير تختلف من دولة إلى أخرى وفقاً لتعريف المشرع في كل منها ونظرته إلى ماهية السر، حيث تعد كل وثيقة تحمل مثل هذا السر هي وثيقة من وثائق الدولة، وإن كنا نرى أن تحديد مدى انطباق وصف وثائق الدولة على أي وثيقة لا يتم إلا عن أحد طريقين، الأول هو تحديدها من قبل المشرع بمفرده، والثاني هو تحديدها بصورة مشتركة من قبل المشرع وهيئة من هيئات الدولة.

    1- التحديد المنفرد لوثائق الدولة

    يقصد بذلك أن المشرع وحده هو الذي يقوم بتحديد الوثائق التي تدخل في عداد وثائق الدولة، وذلك عن طريق النص عليها صراحة في القانون، ولا يحق لأي جهة أخرى سواه أن تتعرض إلى ذلك النوع من الوثائق بالتحديد، فتكون السلطة في ذلك الشأن للمشرع وحده.

    وهذا الاتجاه يضيق من نطاق الصلاحية والسلطة في تحديد الوثائق المعتبرة كوثائق للدولة، حيث يقصر السلطة في تحديد ذلك على المشرع فقط، وهو يتسم بشدة تقييده بالنسبة لمسألة منح صفة وثائق الدولة.

    2- التحديد المشترك لوثائق الدولة

    أما تحديد وثائق الدولة بصورة مشتركة فيكون عن طريق منح الاختصاص بتحديد، فهنا لا يقتصر تحديد تلك الوثائق على المشرع فقط كما هو الحال في التحديد المنفرد، ولكن يكون بجانبه جهة أو أكثر من الجهات التي تتبع الدولة والتي تتمتع بذات الصلاحية المخولة للمشرع بتحديد وثائق الدولة.

    ويأخذ هذا الاتجاه بمبدأ التوسع في منح صفة وثائق الدولة، وإسباغ الحماية القانونية عليها، وعلى سبيل المثال لذلك نجد بعض القوانين التي منحت جهات أخرى في الدولة بجانب المشرع السلطة في تحديد ماهية وثائق الدولة، وجعلت مما تحدده تلك الجهة من وثائق للدولة هي وثائق تتمتع بالحماية القانونية.

    3- موقف المشرع الأردني من تحديد وثائق الدولة

    بالرجوع إلى قانون حماية أسرار ووثائق الدولة الأردني، سنجد أن المشرع قد اتخذ موقفاً متوازناً ومرناً بين الاتجاهين السابقين، متفادياً بموجبه عيوب الاتجاه الأول المتمثلة في حرمان بعض الوثائق التي تستحق صفة وثائق الدولة من تلك الصفة نظراً لضيق المنظور الذي يتخذه، وأيضاً عيوب الاتجاه الثاني المتمثلة في حصول بعض الوثائق على صفة وثائق الدولة على الرغم من عدم استحقاقها لذلك.

    ويتمثل هذا الموقف المتوازن والمرن في أن المشرع قد حدد بعض الوثائق التي تتمتع بصفة وثائق الدولة بشكل مسمى ومحدد، إلا أنه لم يقصر هذا الوصف على تلك الوثائق فقط، بل ترك المجال مفتوحاً أمام أي وثائق أخرى يمكن أن يصدق عليها هذا الوصف، واعتبر أن ما تم ذكره في القانون من وثائق قد ذُكر على سبيل المثال ليس إلا، ونستدل على ذلك من العبارة التي اختتم بها المشرع نص المادة رقم (2) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة، وهي المادة التي يعرف فيها بالأسرار والوثيقة المحمية، وتتمثل هذه العبارة في (…. وما يشابهها والمصنفة وفق أحكام هذا القانون)، حيث قرر أن وصف الأسرار والوثائق المحمية لا تقتصر على الأشكال المذكورة في نص المادة، ولكنه يتعدى ذلك ليشمل ما يشابهها.

    ويؤيدنا في ذلك مثال على توازن ومرونة موقف المشرع الأردني ما نصت عليه  المادة رقم (11/د) من تعليمات عقد امتحان مزاولة مهنة التمريض القانوني والقبالة القانونية الأردني رقم 1 لسنة 2019، والتي نصت على أن (د- يعد كل مغلف أوراق الامتحان أو أوراق الامتحان أو (Flash Memory) أو (CDs) أو نتائج الامتحان وثائق محمية مصنفة بدرجة محدودة وفقاً لأحكام قانون حماية أسرار ووثائق الدولة)، مما يتبين معه أن التعليمات التي تصدرها بعض الهيئات والجهات الإدارية في الدولة يمكنها أن تحدد ماهية وثائق الدولة، وأن تسبغ عليها هذا الوصف وتضعها تحت حماية القانون.

    ثالثاً: أنواع وثائق الدولة

    إن وثائق الدولة تختلف وتتباين فيما بينها إلى أكثر من نوع، ويمكننا أن نصنفها وفقاً لموضوعها، أو وفقاً لدرجة الحماية المقررة لها.

    1- تصنيف وثائق الدولة تبعاً لموضوعها

    إذا ما تخذنا موضوع وثائق الدولة سنداً لتصنيفها فسنجد أنها تتنوع إلى:

    – وثائق سياسية: وهذه الوثائق هي المكاتبات والمحررات والتقارير والصور بأنواعها والتي تحتوي على أي أمر يخص ما تنتهجه الدولة من سياسات، سواء كانت تلك السياسات هي سياسات داخلية أو خارجية، وتكون مرتبطة بالاتجاهات السياسية التي يعتمدها صانعي القرار في الدولة.

    ويضيف البعض إلى تلك الطائفة من وثائق الدولة الوثائق التي تشتمل على بيان بالاتجاهات السياسية لدى الأحزاب والسياسيين[6].

    – وثائق اقتصادية: ويقصد بها المستندات والمحررات التي تتعلق بالمقومات والموارد الاقتصادية للدولة بأنواعها، وجميع ما يخص الأنشطة الإنتاجية التي تمارسها الدولة، والميزانية الخاصة بها، وما تحوزه من احتياطات نقدية.

    – وثائق عسكرية: وهي الوثائق التي تخص القدرة العسكرية لدى الدولة، وتسليح جيشها كماً أو نوعاً، وعدد الجنود والعتاد لديها، وتوزيع قواتها العسكرية على الحدود، وكافة ما يخص أو يصدر من أو يوجه بشأن قدرات الدولة العسكرية من محررات باختلاف أنواعها وصورها.

    – وثائق دبلوماسية: ويقصد بها كافة المحررات والمستندات التي تتعلق بالعلاقات الخارجية للدولة مع غيرها من الدول أو المنظمات الدولية أو غيرها من أشخاص المجتمع الدولي، وما يخص تنظيم هذه العلاقات من أوراق تخص البعثات الدبلوماسية.

    2- تصنيف وثائق الدولة تبعاً لدرجة الحماية المقررة لها

    إذا ما طالعنا نصوص ومواد قانون حماية أسرار ووثائق الدولة سنتبين أن المشرع قد صنف وثائق الدولة استناداً إلى درجة الحماية القانونية المكفولة لها إلى أربع درجات، وهذه الدرجات تبدأ تنازلياً من درجة سري للغاية كأعلى درجات الحماية، مروراً بدرجة سري، ثم درجة محدود، وأخيراً وأقلها مرتبة درجة العادي، وقد حددها المشرع على النحو التالي:

    أ- وثائق بدرجة سري للغاية

    وهذه الطائفة من الوثائق حددها المشرع بنص المادة رقم (3) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة عن طريق تحديد مواصفاتها، حيث اشترط في الوثيقة التي تنتمي إلى تلك الطائفة من الوثائق أن تكون متضمنة لأياً مما يلي:

    • أي معلومة يكون في إفشائها لأشخاص لا تقتضي طبيعة عملهم أن يطلعوا عليها أو يحتفظوا بها أو يحوزوها ملا قد يتسبب في حدوث أضرار خطيرة بأمن الدولة سواء الداخلي أو الخارجي، أو يحقق فائدة كبيرة لصالح دولة أخرى يمكن أن تمثل خطراً على المملكة.
    • أي خطط أو تفصيلات تخص العمليات الحربية، أو إجراءات الأمن العام، أو المخابرات العامة، أو أي خطة تخص العمليات الحربية أو إجراءات الأمن الداخلي باختلاف أنواعها.
    • الوثائق السياسية التي تتمتع بالأهمية الكبيرة أو الخطورة الشديدة والتي تخص العلاقات الدولية والاتفاقيات والمعاهدات وجميع ما يرتبط بها من مباحثات ودراسات.
    • المعلومات والوثائق التي تتعلق بوسائل الاستخبارات العسكرية، أو المخابرات العامة، أو الاستخبارات المعاكسة، أو مقاومة التجسس، أو أي معلومة يكون لها تأثير على مصادر الاستخبارات العسكرية والعامة والعاملين بهما.
    • أي معلومات على درجة من الأهمية وتتعلق بالسلاح والذخيرة أو أياً من مصادر القوة الدفاعية للمملكة، والتي إذا ما تم إفشاؤها تشكل خطراً على أمنها الداخلي والخارجي.

    ب- وثائق بدرجة سري

    وهذه الطائفة من الوثائق حددها المشرع بنص المادة رقم (6) من ذات القانون، حيث اشترط في الوثيقة التي تنتمي إلى تلك الطائفة من الوثائق ألا تكون خاضعة للحماية المشار إليها في طائفة (سري للغاية)، ولكنها تشتمل على أياً من المعلومات الآتي بيانها:

    • أي معلومة تتمتع بدرجة من الأهمية ويكون إفشاء ما جاء بمضمونها لأشخاص لا تقتضي طبيعة عملهم الاطلاع عليها مؤدياً إلى تهديد سلامة الدولة، أو تتسبب في الإضرار بمصالحها، أو تمثل فائدة كبيرة لأي دولة أو جهة أخرى.
    • أي معلومة تتعلق بمواقع تخزين وتكديس أي مواد دفاعية أو اقتصادية، أو أي مؤسسات حيوية ترتبط بمصادر القوة متى كان لها مساس بسلامة الدولة.
    • أي معلومة تتعلق بالتحركات التي تقوم بها القوات المسلحة أو قوات الأمن العام.
    • كافة المعلومات التي تخص الأسلحة أو القوات الخاصة بالدول العربية الشقيقة.

    ج- وثائق بدرجة محدودة

    وهذه الطائفة من الوثائق حددها المشرع بنص المادة رقم (8) من ذات القانون، حيث اشترط في هذه الوثيقة أن تشتمل على أياً من المعلومات التالية:

    • المعلومات التي يترتب على إفشائها لأشخاص غير مصرح لهم بالاطلاع عليها إصابة الدولة بأضرار في مصالحها، أو يشكل لها حرجاً ما، أو يترتب عليه صعوبات إدارية أو اقتصادية للدولة، أو تحقق منها دولة أجنبية أي منفعة قد تنعكس بالضرر على المملكة.
    • أي وثائق تخص أي تحقيق إداري أو جزائي أو أي محاكمات بوجه عام، أو عطاءات، أو أمور مالية، أو اقتصادية عامة ما لم يكن إفشاء مضمونها مسموحاً به.
    • أي تقارير للاستخبارات العسكرية تخرج عن نطاق أي تصنيف أعلى.
    • أي تقارير يكون من شأن إفشاء مضمونها أن تصيب المواطنين بتأثيرات سيئة على روحهم المعنوية طالما لم يصدر إذن بنشرها.
    • الموجات اللاسلكية العسكرية التي تتبع القوات المسلحة والأمن العام والمخابرات العامة أو أي سلطة أخرى تتبع الحكومة.
    • أي معلومات أو وثائق محمية تضر بسمعة أي شخصية رسمية في الدولة، أو تكس بهيبة الدولة.

    د- وثائق بدرجة عادية

    وتتمثل تلك الطائفة من الوثائق وفقاً لما جاء بنص المادة رقم (10) من القانون في كافة الوثائق الرسمية الأخرى التي لم يشتمل عليها هذا القانون أو أي قانون آخر مطبق في الدولة.

    رابعاً: أركان جريمة نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي

    باعتبار أن المسؤولية الجزائية عن نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي هي النتاج الطبيعي لثبوت تحقق أركان الجريمة في حق مرتكبها، فإن ذلك ينقلنا مباشرة إلى بيان ما هي أركان جريمة نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي بتحققها تتحقق المسؤولية الجزائية لدى الجاني؟

    تتمثل إجابة هذا التساؤل في أنه لكي تتحقق جريمة نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيلزم أن تتوافر الأركان التي سنتناولها بالشرح فيما يلي.

    1- الركن المفترض

    تتفق التشريعات والقوانين على أن الجريمة لا تقوم إلا بتوافر ركنين رئيسيين وأساسيين وهما الركن المادي والركن المعنوي، وهذا أمر متفق عليه ولا جدال فيه، إلا أن هناك جرائم محددة يضاف فيها ركن أساسي ورئيسي ثالث يلزم تحققه لتتحقق معه الجريمة، ونقصد بالركن الثالث هنا الركن المفترض، والذي يعد ركن خاص بجريمة محددة لا تتحقق إلا بتحققه بجانب الركنين المادي والمعنوي.

    كما هو الحال في أن تتطلب الجريمة توافر صفة في فاعلها فيفترض فيه أنه يحمل تلك الصفة، كالجرائم التي ترتكب من قبل الموظف العام في الدولة، فهذه الجرائم يلزم لقيامها ركن إضافي وخاص وهو أن تتوافر لدى مرتكب تلك الجريمة صفة الموظف العام أو من يدخل في عداده وحكمه[7].

    وبالرجوع إلى نص مادة تجريم فعل نشر وثائق الدولة وإفشاء أسرارها، وهو نص المادة رقم (16) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة، سنجده قد نص على أن (أ- من وصل إلى حيازته أو علمه أي سر من الأسرار أو المعلومات أو أية وثيقة محمية بحكم وظيفته أو كمسؤول أو بعد تخليه عن وظيفته أو مسؤوليته لأي سبب من الأسباب فأبلغها أو أفشاها دون سبب مشروع عوقب بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن عشر سنوات. ب- ويعاقب بالأشغال المؤبدة إذا أبلغ ذلك لمنفعة دولة أجنبية، وإذا كانت الدولة الأجنبية عدوة فتكون العقوبة الإعدام).

    ومن خلال عبارة (…. بحكم وظيفته أو مسؤوليته ….) الواردة في نص مادة التجريم يتبين لنا أن المشرع قد قرر ركن مفترض يجب أن يتوافر في مرتكب تلك الجريمة، ألا وهو أن يتمتع بكونه موظف أو مسؤول، ولذلك يجب أن نتعرض إلى التعريف القانوني لكل من الموظف والمسؤول.

    وبالنسبة للموظف العام فإن قانون حماية أسرار ووثائق الدولة لم يتعرض إليه بالتعريف، وإن كان هناك أكثر من قانون قد تعرض له بالتعريف، كقانون العقوبات وقانون الخدمة المدنية وغيرها من القوانين الأردنية، وأيضاً الفقه القانوني الذي عرفه بأكثر من تعريف، وكان أهمها وأبرزها هو أن الموظف العام يقصد به أي شخص يمارس عمل من الأعمال العامة أو مكلف بالقيام بخدمة عامة، وذلك في أياً من المرافق العامة التابعة للدولة.

    أما بالنسبة للمسؤول فقد تكفل قانون حماية أسرار ووثائق الدولة بتعريفه في المادة رقم (2) منه، حيث عرف فيها المسؤول بأنه (أي وزير، أو مدير، أو رئيس، أو قائد، أو موظف تقتضي طبيعة عمله أن يحتفظ أو يطلع على وثائق رسمية أو معلومات عامة يشكل إفشاؤها خطراً على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي.

    فإذا ما وقع في يد الموظف أو المسؤول أي معلومة أو وثيقة سرية تخص الدولة، فإن ذلك لا يكون سوى لأنه المختص – وفقاً لوظيفته أو مسؤوليته – بأن يحفظها وأن تكون في عهدته، فتكون حيازته لها في ذلك التوقيت حيازة قانونية سليمة بحكم الوظيفة أو المسؤولية، ولا يتحقق عدم المشروعية إلا بمجرد أن يتم إفشاء ما بها من أسرار.

    2- الركن المادي

    تتمتع جرائم نشر وثائق الدولة بوجه عام ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوجه خاص بركن مادي فريد من نوعه، لاسيما وأن الجرائم دائماً ما يتكون ركنها المادي من العناصر الثلاث الرئيسية وهي (السلوك الإجرامي، والنتيجة الإجرامية، وعلاقة السببية فيما بينهما)، إلا أن الركن المادي في تلك الجريمة يتكون من السلوك الإجرامي فقط، والذي ما إن ارتكبه الجاني في ظل توافر بعض الشروط فإنه يكون مرتكباً للجريمة ومستحقاً للعقاب المقرر لها، وسوف نتناول في النقاط التالية السلوك الإجرامي الذي تقوم معه تلك الجريمة، وأيضاً الشروط الواجب تحقق هذا السلوك في ظل توافرها حتى تتحقق الجريمة.

    أ- السلوك الإجرامي (فعل النشر أو الإفشاء)

    السلوك الإجرامي في جريمة نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتمثل في فعل إيجابي يأخذ أحد صورتين، فإما أن يكون بالنشر أو بالإفشاء.

    ويقصد بالنشر هنا الفعل الإيجابي الذي يقوم به الجاني – الموظف – بإذاعة وثائق الدولة التي في حوزتها على الجمهور، وذلك لا يؤثر فيه طريقة النشر أو الإذاعة طالما كانت تحت أنظار الجمهور وفي متناول أيديهم أن يصلوا إليها ويطلعوا على ما بها، فيمكن أن تنشر عن طريق وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، وعلى مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أيضاً باعتبارها قد أصبحت تمثل عالماً افتراضيا موازيا.

    أما الإفشاء فيقصد به الفعل الذي يتيح للغير إمكانية الاطلاع على الوثيقة والعلم بمحتواها ومضمونها، وهو ما نرى معه أن النشر يعد أحد سبل وطرق الإفشاء، فالسر يمكن أن يفشى إما بالنشر أو بغيره من طرق ووسائل طرح مضمون الوثيقة على الجمهور، سواء كان بالإبلاغ، أو بالإخبار، أو غيرها من سائر طرق وصور الإفشاء.

    وبالتالي فإن التجريم هنا ينصب على فعل النشر في حد ذاته، فيصبح مرتكبه مستوجباً ومستحقاً للعقوبة متى قام بتنفيذه، وذلك دونما انتظار لتحقق نتيجته باعتبار أن النتيجة لا تمثل ركناً في الفعل المادي المكون للجريمة.

    ونود أن ننوه إلى حقيقة هامة وهي أن مناط التجريم في جريمة نشر وثائق الدولة هو صفة من يتم طرح الوثيقة عليهم، فيلزم لقيام الجريمة أن يكون المفشى له بمضمون الوثيقة من الغير الذين لا يحق لهم الاطلاع على مثل تلك الوثائق، وبالتالي يخرج من نطاق التجريم فعل النشر الذي يقوم به الشخص لوثيقة من وثائق الدولة على موقع تواصل اجتماعي، وذلك متى كان هذا النشر قد تم بين أشخاص يحق لهم جميعاً بموجب وظيفتهم أو مسؤوليتهم أن يطلعوا عليها[8].

    ب- الشروط التي يقع في ظلها السلوك الإجرامي

    حتى يكون الشخص الذي ارتكب فعل النشر أو الإفشاء لوثيقة الدولة مرتكباً لجريمة نشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيلزم أن تكون هناك بعض الشروط القائمة أثناء ارتكابه للسلوك الإجرامي، وتتمثل تلك الشروط فيما يلي:

    • أن تكون الوثيقة محل النشر هي وثيقة تثبت لها صفة كونها من وثائق الدولة، لاسيما وأن زوال تلك الصفة عن الوثيقة يفقدها سريتها، وبالتالي ينتفي العقاب عن نشرها لانتفاء وصف السرية وبالتالي الحماية القانونية عنها، ولم يحدد المشرع في نص التجريم مدى سرية الوثيقة أو درجتها، وهو ما يجعل كافة الوثائق السرية التي تتمتع بحماية القانون أياً كانت درجتها صالحة كي تكون محل لتلك الجريمة.
    • أن يتم النشر للوثيقة عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من أن المشرع لم يتضمن النص على وسائل التواصل الاجتماعي كإحدى وسائل النشر التي يجرمها، إلا أن وصف الجريمة يستلزم أن تكون الوسيلة المرتكبة من خلالها هي إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، وإلا أصبحت جريمة نشر وسائل الدولة التقليدية.
    • أن يكون فعل النشر قد تم من قبل الجاني لوثائق الدولة دون قيام أي سبب مشروع لديه يبيح له القيام بهذا الفعل، لاسيما وأن توافر مثل هذا السبب المشروع ينفي التجريم عن فعل النشر.

    3- الركن المعنوي

    يقصد بالركن المعنوي لتلك الجريمة قيام القصد الجنائي لدى مرتكبها، فهي تعد من الجرائم العمدية، ولم يتطلب المشرع في تلك الجريمة لقيام الركن المعنوي لها أن يقوم لدى الجاني القصد الجنائي الخاص المتمثل في قصده الخاص بتحقيق نتيجة محددة ومعينة من ارتكابه للجريمة، وإن كان قد جعل تحققه سبباً في تشديد وتغليظ العقوبة على الجاني، وهوما سوف نوضحه في البند التالي عند التعرض لعقوبة هذه الجريمة.

    وبالعودة للحديث عن الركن المادي – القصد الجنائي العام – لهذه الجريمة فسنجد أنه يتشكل من عنصرين، الأول هو عنصر العلم والثاني هو عنصر الإرادة.

    ويتمثل عنصر العلم في أن الجاني يجب أن يكون عند ارتكابه للسلوك الإجرامي عالماً بأن الفعل الذي يقوم به بنشر وثائق الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو فعل يجرمه القانون ويعاقب عليه، فيكون الجاني عند ارتكابه للفعل المجرم على علم بتجريمه، فلا يكون هناك تجريم لفعل النشر متى كان الفاعل لا يعلم بأن ما يقوم بنشره هي وثائق دولة يحظر نشرها.

    أما عنصر الإرادة فيقصد به أن الجاني على الرغم من علمه بجرم ما يرتكب من فعل، فهو يقصد ويتعمد ويصر على ارتكاب هذا الفعل، أي أن تكون إرادته الحرة متجهة للقيام بهذا الفعل دون أي ضغط أو تأثير من الغير عليها، فمتى ارتكب الجاني فعل النشر ضد إرادته وتحت تأثير ضغط وإكراه من الغير، فلا يقوم في حقه القصد الجنائي للجريمة.

    وإن كنا نرى أن عنصر الإرادة هو الذي يتوقع حصول تأثير عليه ويؤثر بدوره على تجريم الجاني، في حين أن العلم لا يمكن تصور تخلفه في حق الجاني، لاسيما وأنه يحوز تلك الوثائق بحكم وظيفته أو مسؤوليته، فيكون على علم يقيني بأن تلك الوثائق هي وثائق دولة، وبالتالي لا يجوز له الدفع بانتفاء العلم لديه، وهذا يمثل الرأي الشخصي لنا في تلك المسألة.

    خامساً: العقوبة المقررة للجريمة

    متى تحققت أركان الجريمة في حق الجاني، وذلك بأن كانت وثائق الدولة محل الجريمة قد وصلت إلى حيازته أو علمه بحكم وظيفته أو مسؤوليته، وقام بارتكاب الركن المادي لها بأن قام بنشرها دون سبب مشروع على مواقع التواصل الاجتماعي، وتوافر لديه القصد الجنائي العام الذي قرره القانون، فإن مسؤوليته الجزائية تتحقق ويترتب على تحققها توقيع العقوبة المقررة لتلك الجريمة على مرتكبها.

    وقد حدد المشرع الأردني في نص مادة التجريم رقم (16) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة عقوبة تلك الجريمة في صورة متدرجة، بحيث تشمل ثلاث عقوبات يتم توقيع أياً منها تبعاً لظروف الجريمة وملابساتها على النحو التالي:

    • تكون العقوبة هي الأشغال المؤقتة التي لا تقل في مدتها عن عشرة أعوام متى كانت الجريمة قد ارتكبت في صورتها التي تعرضنا لها، وتوافر لها الركن المادي والركن المعنوي (القصد الجنائي العام)، أي أن يحصل الجاني على وثائق الدولة بحكم وظيفته أو مسؤوليته، ثم يقوم بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي دون سبب قانوني أو مشروع يبيح له ذلك.
  • تصبح العقوبة هي الأشغال المؤبدة متى قامت الجريمة بصورتها سالفة البيان وتوافر لها الركن المادي والركن المعنوي (القصد الجنائي العام)، بالإضافة إلى تحقق القصد الجنائي الخاص لدى الجاني، والذي يتمثل في غاية خاصة لديه استهدف تحقيقها من الجريمة وهي تحقيق منفعة لدولة أجنبية كنتيجة لارتكابه الجريمة، فالقصد الجنائي الخاص هنا يمثل سبباً تشدد العقوبة حال تحققه.

  • أما في حالة توافر ظرف خاص آخر للجريمة، وهو أن تكون الدولة التي استهدف الجاني من ارتكابه لجريمته تحقيق منفعة لها هي دولة – بجانب كونها أجنبية – تجمعها بالمملكة عداوة ما، فإن العقوبة في تلك الحالة تشدد لتصل إلى أقصى درجاتها وهي الإعدام، سواء كان هذه العداوة للمملكة معلنة أم غير معلنة، فلا يشترط مثلاً أن تكون هناك حرب للدلالة على تلك العداوة، بل يمكن أن تكون العداوة متمثلة في عدم وجود علاقات ودية بين الدولتين.

  • سادساً: نماذج من أحكام محكمة التمييز الأردنية ذات العلاقة

    • حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية رقم 49 لسنة 1952 والصادر بجلسة 13/10/1952، والمتضمن أنه (إن القصد الجرمي في جريمة إفشاء المعلومات السرية لمنفعة دوله أجنبية يثبت في اغلب الأحيان من الأعمال التي تبدر من مرتكب هذه الجريمة، فإجابة المتهم على الأسئلة التي توجه إليه بإجابات تتضمن معلومات لا يفترض فيه أن يكون مطلعا عليها كمواطن عادي، وكان بإمكانه كتمانها دون أن يعرض نفسه لأي نقد أو ملامة، دليل كاف على وجود القصد في هذه الجريمة).

    • حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية رقم 176 لسنة 1996 والصادر بجلسة 27/3/1996، والمتضمن أنه (علم المميز بأنه كان يقوم بنقل معلومات عسكرية لدولة أجنبية بوعي وإرادة وسعيه إلى تجنيد أحد أفراد القوات المسلحة لتحقيق هذه الغاية يوفر القصد الجرمي بإلحاق الضرر بأمن وسلامة المملكة الأردنية الهاشمية، كما إن مجرد إفشاء معلومات سرية يشكل جرماً خلافاً لأحكام المادة الثالثة من قانون حماية أسرار الدولة إذا كان من شأن إفشائها أن تشكل خطراً على المملكة، ولا يرد قول المتهم أنه كان تحت تأثير ضغط مادي ومعنوي وإكراه جسيم، وعلى فرض صحة ذلك فإنه وبمجرد دخوله إلى الأردن يكون قد تخلص من ذلك الإكراه).

    سابعاً: الخاتمة

    تعتبر جريمة نشر وثائق الدولة وأسرارها من الجرائم التي تهدد الدولة بشكل يتسم بخطورة جسيمة وبالغة، لاسيما في ظل التقارب الشديد الذي أوجدته شبكة الإنترنت بين البشر على مستوى العالم، وأصبح يرتاد مواقع التواصل الاجتماعي الذي توفره تلك الشبكة غالبية سكان العالم، حيث لم يعد هناك إنسان لا يمتلك حساباً شخصياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما أنشأ عالم موازي لعالمنا الحقيقي يمكن أن ترتكب فيه الغالبية العظمى من الجرائم التي نعاني منها في عالمنا الحقيقي، وخاصة الجرائم التي تتعرف بالنشر والعلانية.

    كتابة: أحمد عبد السلام

     

    [1] – علي راشد – مبادئ القانون الجنائي – الطبعة الثانية – مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر – مصر – بجون عام نشر – ص57.

    [2] – محمد عوض – قانون العقوبات: القسم العام – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2000 – ص416.

    [3] – محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات اللبناني: القسم العام – الطبعة الثانية – دار النقري – بيروت – 1975 – ص469.

    [4] – إبراهيم اللبيدي -الحماية الجنائية لأمن الدولة – دار الكتب القانونية – مصر – 2008 – ص73.

    [5] – دينا فهمي – الحماية الجنائية من إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي – دار النهضة العربية – مصر – 2018 – ص19 وما بعدها.

    [6] – مجدي حافظ – الحماية الجنائية لأسرار الدولة – الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر – 1997 – ص116.

    [7] – رمسيس بهنام – قانون العقوبات: القسم الخاص – الطبعة الأولى – منشأة المعارف – مصر – 1999 – ص596 وما بعدها.

    [8] – ناجي الوريكات – مدى كفاية الحماية الجزائية لأسرار الدولة في القانون الأردني: دراسة مقارنة – أطروحة دكتوراة غير منشورة – كلية الدراسات القانونية – جامعة عمان الأهلية – الأردن – 2012 – ص131.

    Scroll to Top