جرائم التنصت على المراسلات الإلكترونية
يعتبر حق الإنسان في التمتع بالحرية والخصوصية من أهم الحقوق الطبيعية التي يكفلها له الشرع ويقره له الدستور، لاسيما وأن الحياة الخاصة تتمتع بحرمة جمة في شريعتنا الإسلامية السمحاء، وأيضاً في الدستور الأردني الذي كفل لها الحماية في مادته رقم (7/2)، والتي نصت على أن (2- كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون).
وعلى إثر تطور الوسائل الإلكترونية المستخدمة في الاتصال والتواصل، وبعد أن أصبحت شبكة الإنترنت تسود الغالبية العظمى من أرجاء الأرض، فقد ظهرت بعض الجرائم الحديثة المواكبة لتطور الطرق الحديثة للتواصل، والتي تستهدف النيل من خصوصية الإنشان وحقه في الحرية الشخصية، والتي تتمثل أهمها في جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية، والتي ستكون محل تناولنا في هذا المقال.
أولاً: المقصود بالحق في الخصوصية
ثانياً: مكانة وأهمية الحق في سرية المراسلات
ثالثاً: التأصيل القانوني لجرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية
رابعاً: أركان جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية
خامساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
سادساً: الخاتمة
أولاً: المقصود بالحق في الخصوصية
يتمحور تجريم مراقبة المراسلات الإلكترونية حول حماية حق الفرد في الخصوصية، فأساس التجريم في مراقبة المراسلات الإلكترونية ومحل هذا التجريم هو حق الإنسان في خصوصيته، ولذلك كان يلزم علينا قبل التعرض للجريمة ذاتها والفعل الذي يشكلها أن نتعرض إلى محل الحماية القانونية والمستهدف الأساسي بها.
وهذا الحق يعد أهم الحقوق التي يمثل المساس بها اعتداء على حرمة الحياة الخاصة التي يحميها الدستور والقانون، حيث يعد الحق في الخصوصية حقاً يرتبط بالإنسان منذ ولادته وحتى وفاته، ولا يمكن المساس به إلا في ظل الحدود والقيود التي يقررها القانون، وفي حالات استثنائية فقط وليس بشكل مطلق، وذلك كما هو الحال في أن تصدر النيابة العامة إذن بمراقبة المراسلات الإلكترونية الخاصة بشخص يشتبه في ارتكابه لجريمة ما، فيكون ذلك الإذن متضمناً للحدود التي يجب على القائم بتنفيذه أن يتقيد بها ولا يتجاوزها.
ولم يتم الاتفاق على تعريف موحد سواء قانوني أو فقهي للحق في الخصوصية، فالقوانين التي تناولته بالتعريف قد اختلفت حول تعريفه، وهو ذات الحال بين فقهاء القانون الذين تصدوا لتعريفه في ظل التشريعات التي لم تتعرض له بالتعريف، ويرجع ذلك إلى الاختلاف في مفهوم الخصوصية لدى كل مشرع، والمنظور الذي يراها من خلاله، ولكن في المجمل يمكننا القول بأن تعريفات هذا الحق على اختلاف ظاهرها ومضمونها يمكن أن يتم تقسيمها إلى طائفتين رئيسيتين: – الطائفة الأولى هي طائفة التعريفات التي قامت على أساس النظرة الموسعة لنطاق الحق في الخصوصية، وهذه التعريفات منحت الحق في الخصوصية نطاقاً واسعاً، حيث وصلت به إلى الحد الذي يشمل حياة الشخص الشخصية والعائلية وحالته الصحية والمالية بل والعاطفية أيضاً.
ولا يوجد تعريف يمكن أن نقدمه كنموذج للتعريفات التي تشملها تلك الطائفة ويعبر عن مغزاها أبلغ من التعريف الذي وضعه معهد القانون الأمريكي للحق في الخصوصية، حيث عرفه بأنه حق الإنسان في عدم وصول أخباره وحالته باختلاف أنواعها إلى علم الغير، وألا توضع صورته على مرأى من أنظار الجماهير[1].
– أما الطائفة الثانية فهي طائفة التعريفات التي ضيقت من المنظور الذي تتخذه أساساً لتعريف الحق في الخصوصية، فلم تتطرق إلى مختلف أوجه حياة الإنسان كما هو الحال في الطائفة الأولى، ولكنها ربطت الحق في الخصوصية بالخلوة، والخلوة هي أن يستطيع الإنسان الانفراد بنفسه بعيداً عن أسماع وأبصار الغير، وهو ما حدا ببعض منها إلى تعريف الحق في الخصوصية هو حق الإنسان في أن يُترك وشأنه دون أي تدخل في حياته، وأن يستطيع أن ينأى بنفسه عن الغير.
ونحن نرى من وجهة نظرنا أن الحق في الخصوصية يمكن أن نعرفه بأنه حق الإنسان في ألا يتم الكشف عن أسراره وخبيئة نفسه إلا بالقدر الذي يتيحه هو للغير ويسمح به طوعاً، بحيث لا يتطفل أحد عليه إلا بالقدر الذي يسمح به بإرادته الحرة، ولا يتم إجباره على ذلك أو يتم الاطلاع الغير مصرح به على أسراره إلا في أضيق الحدود، وذلك في الحالات التي يقررها القانون، وفي ظل الإجراءات والقيود والحدود التي تنص عليها النصوص القانونية المحددة لها، ومن الجهة التي تتمتع بهذا الحق.
ثانياً: مكانة وأهمية الحق في سرية المراسلات
يعد الحق في سرية المراسلات من الحقوق التي تدل في مجملها على حق الخصوصية، فهو جزء لا يتجزأ من هذا الحق ومكملاً ومتمماً له، لاسيما وأن المراسلات بشتى أنواعها تمثل تعبيراً عما يكنه الإنسان في نفسه بشأن أمر أو شخص ما، فيكون محتوى المراسلات بمثابة جزء من شخصيته لا يريد أن يطلع عليه سوى من وجه إليه[2].
ومن أهم ما يؤكد حرمة المراسلات الشخصية ومدى خطورة الجرائم التي تستهدف انتهاك تلك الحرمة هو ما حرص الدستور الأردني من النص عليه بغية الحفاظ على سرية المراسلات، وذلك فيما ورد بالمادة (18) منه على أن (تعتبر جميع المراسلات البرقية والبريدية والمخاطبات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال سرية لا تخضع للمراقبة، أو الاطلاع، أو التوقيف، أو المصادرة إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون)، ونلاحظ من هذه المادة بعض الملاحظات من أهمها نذكر الملاحظتين التاليتين:
- أنه ومن خلال عبارة “وغيرها من وسائل الاتصال” يتبين لنا أن المشرع قد عمم هذا النص على كافة وسائل الاتصال المكتوبة والمسموعة والمرئية، وذلك بما يشمل المراسلات الإلكترونية باعتبارها وسيلة اتصال حديثة، فتأخذ ذات الحرمة التي تتمتع بها المراسلات التقليدية التي تتم من خلال وسائل الاتصال المعتادة.
-
قرر الدستور على سبيل الاستثناء إباحة انتهاك خصوصية المراسلات عموماً، وذلك متى صدر أمر من القضاء بذلك، على أن يكون هذا الأمر صادراً من جهة تختص بإصداره، وفي الحدود والضوابط التي يقررها القانون.
وبالنسبة للمراسلات التي يقصدها الدستور ويضع القانون الاعتداء عليها وانتهاك حرمتها موضع التجريم، فيقصد بها أي محادثات تتم بين طرفين، سواء كانت مكتوبة أو مرئية أو مسموعة، بل وقد اتجه جانب من الفقه القانوني إلى اعتبار أن التنصت يعد بمثابة اطلاع غير مصرح به على الرسائل الشفوية التي تتم بين طرفين[3]، وبالتالي فإن أي مراسلة إلكترونية تتم بين طرفين فهي تتمتع بالخصوصية والسرية بين هذين الطرفين، بغض النظر عن صورة هذه المراسلة الإلكترونية، سواء كانت مكتوبة كالبريد الإلكتروني أو الشات (المحادثة)، أو صوتية (مسموعة) كالبريد الصوتي، أو مرئية كالفيديو شات أو رسائل الفيديو، أو أي صورة أخرى قد تفرزها التطورات الإلكترونية المستمرة، فإذا ما انتهك طرف ثالث حرمة تلك المراسلة ومراقبتها دون أمر قضائي.
ثالثاً: التأصيل القانوني لجرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية
خلافاً لكون مراقبة المراسلات بوجه عام تجد أصل تجريمها دستورياً في الدستور الأردني، فهي أيضاً تجد الأصل القانوني الخاص بتجريمها في أكثر من نص قانوني، وهما تحديداً نصين قانونيين أحدهما خاص وهو نص المادة (5) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27 لسنة 2015، والآخر عام وهو نص المادة (15) من ذات القانون والمؤيدة بالمادة (348) من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته.
1- النص الخاص
نصت المادة رقم (5) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني على أن (يعاقب كل من قام قصداً بالتقاط أو باعتراض أو بالتنصت أو أعاق أو حور أو شطب محتويات على ما هو مرسل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أي نظام معلومات بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن (200) مائتي دينار ولا تزيد على (1000) ألف دينار).
وقد وصفنا هذا النص بالنص الخاص لكونه يجرم صور مراقبة المراسلات الإلكترونية المختلفة بشكل مباشر، واعتبر أن أي فعل يمثل صورة من صور تلك المراقبة هو فعل يجرمه القانون، ويعاقب مرتكبه بالحبس لمدة تتراوح من ثلاثة أشهر إلى سنة، والغرامة التي تتراوح من مائتي دينار وألف دينار.
وقد أيد هذا النص ما سبق وأن ذكرناه من أن شكل المراسلات – مكتوبة، أو صوتية، أو مصورة، أو فيديو – لا يؤثر في خصوصيتها، فجميع أشكال المراسلات يحظر مراقبتها أو العرض إليها بأي صورة من صور التعرض.
2- النص العام
أما النص العام فهو نص المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية والذي قرر أن (كل من ارتكب أي جريمة معاقب عليها بموجب أي تشريع نافذ باستخدام الشبكة المعلوماتية او أي نظام معلومات او موقع الكتروني او اشترك او تدخل او حرض على ارتكابها يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في ذلك التشريع).
وهذا النص نطلق عليه مسمى نصاً عاماً نظراً لعمومية مقصده، فهو عام لكونه يشمل كافة الجرائم التي نص عليها أي قانون، شريطة أن يكون قد تم ارتكابها بشكل إلكتروني من خلال استخدام شبكة المعلومات أو أي نظام معلومات أو موقع إلكتروني، وجعل المشاركة والتدخل والتحريض على هذا الجرائم الإلكترونية أيضاً محل تجريم وعقاب، وهو ما نستدل منه على أن هذا النص يعد نص تجريم متى ارتبط بنص تجريم آخر في قانون آخر يحمل بين طياته فعلاً، وهذا الفعل قد تم ارتكابه بشكل إلكتروني.
والنص الآخر المقصود هنا هو نص المادة (348) مكرر من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن (يعاقب بناء على شكوى المتضرر بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبالغرامة مائتي دينار كل من خرق الحياة الخاصة للآخرين باستراق السمع أو البصر بأي وسيلة كانت بما في ذلك التسجيل الصوتي أو التقاط الصور أو استخدام المنظار، وتضاعف العقوبة في حالة التكرار)، فهذا النص يجرم اختراق الحياة الخاصة – والتي من أحد مكوناتها الحق في سرية المراسلات – سواء بالتنصت السمعي أو البصري أو بأي وسيلة أخرى، ومن ضمن ذلك الاختراق الذي يعتمد على وسيلة إلكترونية.
وبالتالي فإن المادتين السابقتين يتم قراءتهما معاً على أنه متى خرق الشخص الحياة الخاصة للآخرين- ومنها المراسلات الإلكترونية – باستراق السمع أو البصر على تلك المراسلات باستخدام وسيلة إلكترونية، فإنه يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها بنص المادة (348) وبدلالة المادة رقم (15) من قانون الجرائم الإلكترونية.
3- الشروع في جرائم مراقبة المراسلات
نظراً لما يمثله تجريم الشروع من إجراء وقائي يحول دون ارتكاب الجريمة، حيث يعاقب الجاني بموجبه على محاولته ارتكاب الجريمة حتى وإن لم تتحقق نتيجتها الإجرامية، فإن الغالبية العظمى من التشريعات قد جرمت الشروع في ارتكاب الجرائم الإلكترونية، ومن ضمنها تجريم الشروع في ارتكاب جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية، والتي منها على سبيل المثال القانون المصري لمكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي نص في ماده رقم (40) على أن (يعاقب كل من شرع في ارتكاب الجنح المنصوص عليها في هذا القانون بما لا يجاوز نصف الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة).
ويعد المشرع الأردني من المشرعين الذين لم يضعوا نصاً خاصاً وصريحاً في قانون الجرائم الإلكترونية يجرم الشروع في ارتكاب الجريمة الإلكترونية بوجه عام أو الشروع في جريمة مراقبة المراسلات الإلكترونية والتنصت عليها، حيث خلا قانون الجرائم الإلكترونية من ثمة نص يجرم به المشرع الشروع في ارتكاب الجرائم المقررة بهذا القانون، ولكن إذا أردنا البحث في تأصيل مسألة الشروع في الجرائم الإلكترونية، سنجد أن المشرع قد استند في تجريم الشروع في الجرائم بوجه عام إلى نص المادتين رقمي (68) و(71/1) من قانون العقوبات، وبيانهما كالتالي:
المادة (68) عقوبات: (الشروع هو البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب جناية أو جنحة، فإذا لم يتمكن الفاعل من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجناية أو الجنحة لحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها عوقب على الوجه الآتي ….).
المادة (71/1) عقوبات: (ا1- لا يعاقب على الشروع في الجنحة إلا في الحالات التي ينص القانون عليها صراحة).
ومن مجمل نص هاتين المادتين يتبين لنا أن الجرائم التي تصنف جناية يكون الشروع فيها قائماً حتى لو لم ينص عليه القانون صراحة، في حين أن جرائم الجنح لا يمكن العقاب على الشروع فيها إلا بموجب نص قانوني صريح يجرم الشروع فيها، وبالرجوع إلى نص مادة تجريم مراقبة المراسلات الإلكترونية – وهي المادة (5) من قانون الجرائم الإلكترونية – سنجد أن العقوبة المقررة لهذه الجريمة هي عقوبة الجنح وليست عقوبة الجنايات، حيث يعاقب القانون مرتكب جريمة مراقبة المراسلات الإلكترونية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة والغرامة، وهذه العقوبة توضح أن تلك الجريمة هي جنحة وليست جناية، وبالتالي فإن تجريم الشروع فيها يقتضي وجود نص خاص بذلك، وهو ما يخلو منه قانون الجرائم الإلكترونية.
وهو ما نستخلص معه أن جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية لا تدخل في إطار جرائم الشروع، ولا يعاقب من يشرع في ارتكابها بأي عقوبة، إلا في حالة اكتمال الجريمة وتحقق النتيجة الإجرامية لها، فتصبح جريمة كاملة تستحق العقاب، ونحن نرى أن هذا الأمر يعد قصوراً قانونياً يلزمه تدخل من قبل المشرع الأردني لعلاجه.
رابعاً: أركان جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية
تستند جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية في قيامها إلى ركنين رئيسيين وهما الركن المادي للجريمة، والركن المعنوي للجريمة، بالإضافة إلى الركن القانوني المتمثل في نص التجريم الخاص بها.
1- الركن القانوني للجريمة
يحقق الركن القانوني للجريمة مبدأ “لا جريمة أو عقوبة إلا بنص قانوني”، فلا يجوز تجريم أي فعل لم يجرمه المشرع بنص قانوني صريح، لذا فإنه وحتى يمكن أن يتم تقديم أي شخص للمحاكمة على إثر اركابه لفعل ما يلزم أن يكون القانون قد تضمن نصاً صريحاً يجرم الفعل الذي ارتكبه هذا الشخص، فالتجريم لا يجوز الاستناد فيه إلى القياس ولا الاجتهاد القضائي[4].
وباعتبار أن جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية هي محل تناولنا في هذا المقال، وهي من الجرائم التي واكبت في ظهورها التطورات الإلكترونية المتتابعة والمتسارعة التي تطرأ على حياتنا، فيلزم أن نوضح النص المستحدث بشأن تجريمها والذي وضع مواكبة لذات التطورات في الجريمة الإلكترونية، والذي يعد نص تجريم وعقاب في آن واحد.
ويتحقق أول أركان جريمة مراقبة المراسلات الإلكترونية وهو الركن القانوني أو كما يسميه البعض الركن الشرعي بنص المادة (5) من قانون الجرائم الإلكترونية، والتي تضمنت تجريم الأفعال التي تشكل تلك الجريمة، وينص على عقوبتها الي توقع على من يثبت ارتكابه لأياً من الأفعال المكونة لها على سبيل القصد والتعمد، وقد سبق وأن ذكرنا نص المادة كاملاً في البند (ثالثا/1) من هذا المقال، لذا فإننا نحيل إليه منعاً للتكرار.
2- الركن المادي للجريمة
يتمثل الركن المادي في جريمة مراقبة المراسلات الإلكترونية في الفعل أو السلوك الإجرامي الذي يجرمه القانون، والذي يقوم به الجاني في سبيله لارتكاب تلك الجريمة، بجانب شرط أساسي وهو أن يكون ذلك الفعل قد تم ارتكابه على المراسلات التي تتم عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أي نظام معلومات.
ولم يترك المشرع تحديد هذا الفعل أو السلوك مطلقاً، بل استلزم ظهور هذا الفعل أو السلوك الإجرامي في صور محددة أوردها بنص مادة التجريم رقم (5) من قانون الجرائم الإلكترونية، وتتمثل هذه الصور في:
– فعل الالتقاط: ويقصد بهذا الفعل قيام الجاني بالاطلاع على مضمون أي رسالة إلكترونية سواء بالنظر أو السمع أو أي شكل من أشكال الحصول على مضمونها[5]، فهو يشكل أحد طرق اعتراض طريق ما يتم تداوله من رسائل إلكترونية بين شخصين.
– فعل الاعتراض: يقصد به فقهياً وضع أي مؤثرات في المجال الكهرومغناطيسي الخاص بشخص من الغير للحيلولة دون قيام هذا المجال بنقل المراسلات من وإلى هذا الشخص.
– فعل التنصت: هو استراق السمع على المراسلات المسموعة كالشات الصوتي الذي يتم بين شخصين، أو اختلاس النظر للمراسلات الإلكترونية المكتوبة أو المرئية، والتي تتم بين شخصين خلاف الجاني ودون الحصول على إذن منها.
– فعل الإعاقة: ويقصد بهذا الفعل قيام الجاني بوضع قيود مستحدثة لم تكن موجودة بشكل مسبق داخل مجال الاتصال الإلكتروني الخاص بشخص ما، بحيث يمكنه من خلال تلك القيود أن يعيق وصول مراسلات هذا الشخص إلى الغير.
– فعل التحوير: ويقصد بهذا الفعل أن يقوم الجاني بالتلاعب في مضمون المراسلات الإلكترونية، فيغير من مضمونها كاملاً أو في جزء منه فقط، بحيث يختلف هذا المضمون عن المضمون الأصلي المقصود من مرسلها.
– فعل الشطب: ويقصد بهذا الفعل قيام الجاني بإزالة كل أو جزء من المراسلات الإلكترونية المتبادلة بين شخصين أثناء إرسالها، بغض النظر عن نوع المراسلات الإلكترونية مكتوبة كانت أو مسموعة أو مرئية.
وقد اعتبر القانون أن أياً من مرتكبي تلك الأفعال يكون مرتكباً للركن المادي لجريمة من الجرائم التي تصنف ضمن طائفة جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية، ولم يشترط تحقق النتيجة الإجرامية لتجريم الفعل أو معاقبة الفاعل، ولكنه اعتبر أن القيام بالفعل في حد ذاته هو ارتكاب للركن المادي للجريمة.
3- الركن المعنوي للجريمة
يقصد بالركن المعنوي للجريمة القصد الجنائي، والذي يشتمل على عنصرين أساسيين وهما العلم والإرادة.
أما العلم يقصد به فهم ووعي وإدراك الجاني الذي يرتكب النشاط الإجرامي بأن الفعل الذي يرتكبه يشكل جريمة يقرر لها القانون عقوبة جنائية، بينما الإرادة هي أن يكون لدى الجاني الرغبة الحرة في ارتكاب هذا الفعل، فيعد الركن المعنوي للجريمة متحققاً متى كان الجاني عند قيامه بارتكاب الفعل المكون للركن المادي للجريمة على علم بأن فعله هذا يجرمه القانون، وتتجه إرادته على الرغم من علمه هذا إلى ارتكاب هذا الفعل قاصداً تحقيق الجريمة.
ومما هو واضح وجلي في نصوص قانون الجرائم الإلكترونية بوجه عام وجرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية بوجه خاص أنها قد تضمنت لفظ (عمداً)، أي أن المشرع قد اشترط في تلك الجرائم أن يم ارتكابها بشكل عمدي، وأخرج من دائرة التجريم ما قد يرتكب من تلك الأفعال في ظل عدم توافر القصد الجنائي لدى مرتكبها، سواء كان لانتفاء العلم بأن ما ارتكبه من فعل هو فعل يشكل جريمة، أو كان قد ارتكب الفعل ضد إرادته وتحت ضغط أو إكراه من الغير، فعندئذ ينتفي الركن المعنوي لجريمة مراقبة المراسلات الإلكترونية.
خامساً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
- حكم محكمة صلح جزاء غرب عمان رقم 8079 لسنة 2021 والصادر بجلسة 27/3/2022، والمتضمن أن (فيما يتعلق بجرم الدخول قصداً إلى الشبكة المعلوماتية أو نظام معلومات بالتقاط محتوى مرسل سنداً لأحكام المادة (5) من قانون الجرائم الإلكترونية المسند للمشتكى عليها فتجد المحكمة أن قيام المشتكى عليها بالتقاط صور (سكرين شوت) للصور والفيديوهات التي قام المشتكي بتنزيلها على حسابه على السناب شات دون علمه ودون إرادته وهي تعلم بأن ذلك جرماً يعاقب عليه القانون واتجاه إرادتها إلى ارتكابه إنما يشكل كافة أركان وعناصر الجرم المسند إليها).
- حكم محكمة صلح جزاء عمان رقم 1925 لسنة 2022 والصادر بجلسة 28/6/2022، والمتضمن أن (فيما يتعلق بمسؤولية المشتكى عليها الجزائية عن جرم التنصت عن طريق ما هو مرسل عن طريق الشبكة المعلوماتية خلافاً لأحكام المادة (5) من قانون الجرائم الالكترونية تجد المحكمة ان اركان وعناصر هذا الجرم تتمثل في: أولاً: الركن المادي للجريمة وهو السلوك أو الفعل الذي يأتيه الفاعل ليخرج به الجريمة إلى حيز الوجود بحيث تتحقق النتيجة المعاقب عليها لوجود علاقة سببية بينها وبين الفعل من خلال الاعتداء على الرسائل الالكترونية المرسلة عبر الشبكة المعلوماتية أو نظام المعلومات وذلك عندما يتم التقاطها واعتراضها أو اعاقتها أو تحويرها أو شطبها وأما التنصت فيقصد به هو الاصغاء الى رسائل و الاستماع لمحتواها. ثانياً: الركن المعنوي للجريمة ويقصد به القصد الجرمي على النحو الذي عرفته المادة (٦٣) من قانون العقوبات، والقصد الجرمي يتكون من عنصري العلم والإرادة، بحيث تتجه إرادة الفاعل لارتكاب الفعل على الرغم من معرفته بأن هذا الفعل معاقب عليه قانونا وأن من شأن ارتكابه تحقق الجريمة بتحقق نتيجتها، إلا أنه بالرغم من ذلك تتجه إرادته إلى ارتكاب الفعل وتحقيق النتيجة).
سادساً: الخاتمة
من خلال استعراضنا لموضوع هذا المقال يمكننا أن نستخلص أن قانون الجرائم الإلكترونية من وجهة نظرنا الشخصية يستلزم تدخل تشريعي بإضافة نص يجرم الشروع في الجرائم الإلكترونية بوجه عام، ويجرم الشروع في جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية بوجه خاص، لاسيما وأن عدم وجود مثل هذا النص يتيح لمرتكبي أفعال الشروع في ارتكاب الجرائم الإلكترونية المصنفة كجنح أن يتملصوا من العقاب، أو أن يتم تشديد العقوبة المقررة لجريمة مراقبة المراسلات الإلكترونية، حيث أن عدم وضع عقوبة مغلظة على الجريمة الكاملة في مراقبة المراسلات الإلكترونية يتيح أيضاً لمن يشرع في ارتكابها الهروب من العقاب، وهو ما يستلزم لعلاجه إما أن يتم إضافة نص قانوني يجرم الشروع في الجرائم الإلكترونية، وإما تشديد العقوبة المقررة بالمادة (5) من قانون الجرائم الإلكترونية لتصل إلى الحد الذي يمكننا معه تصنيفها كجناية حتى يمكن توقيع العقاب على الشروع فيها، لاسيما وأن تلك الجريمة تمثل اعتداء خطير وجسيم على الحريات الخاصة وخصوصية الأفراد، وهو ما يستلزم العقاب على الشروع فيها تحقيقاً للردع العام والخاص بشأن ارتكابها.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – مصطفى أحمد – الحياة الخاصة ومسؤولية الصحفي – دار الفكر العربي – مصر – 2001 – ص 53.
[2] – كريم يوسف – حماية سرية المراسلات – مجلة دراسات الشريعة الإسلامية – مج 23 – ع (2) – 1996 – ص257.
[3] – كوثر عبد الهادي – التنظيم الدستوري لعلاقة الدولة بالفرد – الطبعة الأولى – دار الكتب القانونية – مصر – 2015 – ص55.
[4] – حنان المضحكي – الجرائم المعلوماتية: دراسة مقارنة – الطبعة الأولى – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2014 – ص56.
[5] – فؤاد أمين – جرائم مراقبة المراسلات الإلكترونية: دراسة مقارنة – مجلة الفكر القانوني والاقتصادي – ع (2) – س (6) – جامعة بنها – مصر – 2016 – ص200.

