جريمة إفشاء السر المصرفي

جريمة إفشاء السر المصرفي

يلعب القطاع المصرفي دورا كبيرا في تطوير الاقتصاد وذلك بما يفعله من حفظ للأموال وتنميتها سواء للأفراد أو الأشخاص الاعتبارية والتزامه بعدم إفشاء السر الخاص بهم، فيلتزم المصرف بعدم إفشاء أسرار عملائه من أصحاب رؤوس الأموال أو الأفراد بصفة عامة.

فتلعب البنوك دورا كبيرا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية داخل البلاد فهي مخزنا للودائع وصمام أمان للعمليات الاقتصادية والمشروعات الهامة التي يرتكز عليها الاقتصاد القومي لأي بلد.

لذلك فان الدولة قد اهتمت بالسرية المصرفية لكافة عملاء البنوك وعدم إفشاء أسرار العملاء كي تبعث الطمأنينة في نفوس أصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين.

 

أولا: مفهوم السرية المصرفية

ثانيا: أسباب تجريم السرية المصرفية

ثالثا: أساس السرية المصرفية

رابعا: أركان جريمة إفشاء الأسرار المصرفية

خامسا: المسئولية المدنية لجريمة إفشاء السر المصرفي

 

أولا: مفهوم السرية المصرفية

فلو تمعنا في نصوص المواد \72،73،74من قانون البنوك الأردني سالف الذكر والمادة \355\3 من قانون العقوبات الأردني رقم \16لسنة1960 يمكن أن نعرف إفشاء السر بأنه” الإفصاح – بالإعطاء أو الكشف أو تمكين الغير من الاطلاع – بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن وقائع لها صفة السرية من شخص معنوي أو طبيعي مؤتمن عليها لمجرد أنه اطلع على هذه الوقائع بحكم مهنته، أو وظيفته، أو عمله، أو رقابته بصورة مخالفة للقانون”([1]).

ويمكن تعريف السرية المصرفية بأنها الحفاظ على أسرار العملاء وعدم البوح بها بأي شكل وذلك لبث روح الطمأنينة في نفوس المتعاملين معه ن العملاء.

وعرفه البعض بأنه” كل أمر أو معلومات أو وقائع تتصل بعلم البنك من خلال عملية مصرفية أو بسببها سواء أفضى بها العميل وودائعه وقيمة مبالغة والتسهيلات المصرفية والقروض الممنوحة له وضماناتها والشيكات التي يسحبها العميل على البنك وغيرها ([2]).

ثانيا: أسباب تجريم السرية المصرفية

لقد هدف المشرع من وراء تجريم السرية المصرفية إلى تحقيق أهداف من شأنها النهوض بالبلاد وتحقيق الاستقرار:

1- جذب رؤوس الأموال الأجنبية نتيجة الاستقرار في المعاملات داخل البلاد.

2- تجسيد لحرية الشخصية في أبهى صورها، إذ أنه من حق كل شخص الاحتفاظ بأسراره لدى البنوك وعدم معرفة الغير لها.

3- الحماية الدستورية التي كفلها المشرع، إذ نص في المادة \7 منه على ” الحرية الشخصية مصونة”.

4- تفادي الأضرار التي من الممكن أن يتعرض لها العميل، إذ أنه لو قام البنك بإفشاء الموقف المالي للعميل، لترتب على ذلك خسارة مادية كبيرة للعميل وخاصة لو كان تاجرا، كما يترتب عليه أضرار أدبية.

5- حماية مصلحة البنك، إذ أن في كتمان أعمال البنك مصلحة كبيرة له، فسمعة أي بنك وقوته وثقة المتعاملين معه ترتبط ارتباطا كبيرا باستقرار المعاملات داخل البلاد وتقية من الاهتزازات التي يمكن أن يتعرض لها.

5- تحقيق المصلحة العامة بما يرتبه من ثقة للمتعاملين وثقة في النظام المصرفي ككل، وما يرتبه ذلك من استقرار في المعاملات وتشجيع الاستثمار الأجنبي.

ثالثا: أساس السرية المصرفية

لقد نص المشرع الأردني على السرية المصرفية في العديد من المواضع القانونية ومنها:

1- أكد المشرع الأردني في الدستور على الحرية الشخصية ونص على صونها والحفاظ عليها، إذ نص في المادة \7 منه على ” الحرية الشخصية مصونة”.

وجاء نص المادة عاما مطلقا وجامع لكل جوانب الحرية الشخصية بما فيها السرية المصرفية، فلم يذكر نوع معين من الحرية وإنما ذكر الحرية بصفة عامة كي تشمل كل جوانب الحياة، والدستور هو أبو القوانين فلا يجوز مخالفته، فهو الحاكم لكل أنواع القوانين فلا يوجد قانون يخالفه وإلا عيب بعدم الدستورية، فالالتزام به واجب على كل فرد في البلاد، وبالتالي فيجب على البنوك عدم مخالفته، وبذلك لا يجوز إفشاء سرية المعلومات السرية للأفراد.

2- وكذلك لو نظرنا في القانون المدني نجد أن المشرع قد نظم التعامل مع البنوك من خلال التعاقد معها وأوجب الالتزام بها وتنفيذها بموجب اعتبار حسن النية وفي نطاق العقد دون مخالفة بنوده، فالعقد شريعة المتعاقدين فإذا اتفقا الطرفان على عدم إفشاء سرية فوجب عليهما تنفيذ لك دون إخلال.

وعلى ذلك فالعقد المبرم بين العميل والبنك ينص على عدم إفشاء السرية وبالتالي فلا يجب عليهما مخالفة ذلك، سواء كان ذلك الاتفاق صريحا أو ضمنيا.

فلقد نصت المادة \ 87من القانون المدني في تعريفها للعقد على أنه” هو ارتباط الإيجاب الصدار من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المفقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر”.

كما نصت المادة \ 202من ذات القانون على أنه” 1- يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.2- ولا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه، ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف وطبيعة التصرف”.

فما ورد في العقد من اتفاق أيا كان نوع العقد فيجب تنفيذه طبقا لما ورد به وبما يوجبه حسن النية عند التنفيذ.

3– كما نص المشرع الأردني في قانون العمل رقم \8لسنة1996في المادة \ 28منه على أنه” لصاحب العمل فصل العامل دون إشعار وذلك في أي من الحالات الآتية: “… و-إذا أفشى العامل الأسرار الخاصة بالعمل”.

فلقد نص المشرع الأردني في هذه المادة على وجوب فصل العامل في حالة إفشائه أسرار العمل وهو دليل على تأكيد احترام السرية في العمل.

ولو نظرنا إلى السرية المصرفية في هذا الخصوص فنجد أن هناك العديد من البنوك الخاصة التي تخضع لقانون العمل وبالتالي فهي تتضمن واجب الاحترام للسرية المصرفية.

ولقد أكد المشرع الأردني في المادة \814 من القانون المدني على تلك السرية عندما أكد على واجب الحفاظ على أسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية على أنه” يجب على العامل                     ” … 5-أن يحتفظ بأسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية ولو بعد انقضاء العقد وفقا لما يقتضيه الاتفاق والعرف”.

4- ولقد أورد المشرع الأردني في قانون البينات الأردني رقم \30 لسنة1952في المادة \37منه على أنه” من علم من المحامين أو الوكلاء أو الأطباء عن طريق مهنته أو صنعته بواقعة أو بمعلومات لا يجوز له أن يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته أو زوال صفته أو صنعته ما لم يكن ذكرها مقصودا به ارتكاب جناية أو جنحة ويجب عليهم أن يؤدوا الشهادة عن تلك الواقعة أو المعلومات متى طلب منهم من أسرّها إليهم على ألا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم”.

فيتوجب هنا على الوكلاء من المحامين أو الأطباء احترام السرية المصرفية فيما يوكلون فيها من عملائهم، وذلك فيما يخص المعلومات التي تصل إليهم عن طريق عملهم أو مهنتهم.

5– كما أكد المشرع الأردني في قانون البنك المركزي رقم \24لسنة1971 في المادة \ 19\1 منه على عدم إفشاء أسرار أي شخص أو عميل ولو كان ذلك من خلال عمله في البنك، على أنه” لا يجوز للمحافظ أو نائب المحافظ أو العضو أن يفشي لأي شخص غير مفوض أية معلومات سرية يحصل عليها بحكم عمله في البنك المركزي إلا إذا تم خلال القيام بواجباته وإذا طلب إليه ذكرها في المحكمة وفق أحكام القانون”.

6- كما نص المشرع الأردني في قانون البنوك رقم \28لسنة 2000على مراعاة سرية الحسابات الشخصية للعملاء وأماناتهم، فنص في المادة \72 منه على أنه” على البنك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم لديه ويحظر إعطاء أي بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر إلا بموافقة خطية من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو الخزانة أو من أحد ورثته أو بقرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة أو بسبب إحدى الحالات المسموح بها بمقتضى أحكام هذه القانون ويظل الحظر قائما حتى ولو انتهت العلاقة بين العميل والبنك لأي سبب من الأسباب”.

رابعا: أركان جريمة إفشاء الأسرار المصرفية

جريمة إفشاء السر المصرفي شانها شأن أي جريمة يشترط لقيامها توافر ثلاثة أركان:

1- الركن المادي

ويقصد به الفعل أو السلوك الذي يقوم به مرتكب الجريمة أو الفاعل وهو في صورة موظف البنك الذي قوم بإتيان سلوك من شأنه إفشاء سر العميل والذي وصلت إليه المعلومات عن طريق عمله بالبنك.

ويعتبر السلوك المكون للفعل المادي هو الإفشاء للسر البنكي، ولا يشترط شكل معين في الإفشاء أو لعدد معين من الأشخاص فيكفي للإفشاء ان يكون لفرد واحد فقط، ولا يشترط العلانية لإتمام الإفشاء.

والعبرة في الإفشاء هي انتقال العلم لمعلومات معينة لشخص لا يجوز له الاطلاع على هذا السر المصرفي، ولا يشترط أن يكون الإفشاء بشكل معين سواء شفاهه أو كتابة، المهم أن يتم الإفشاء وينتقل السر المصرفي لهذا الشخص.

ويشترط في هذا السلوك المادي المكون للجريمة أن يكون الإفشاء لمعلومات تأخذ شكل السرية وليست أية معلومات، فإذا كانت معلومات لا تؤثر على وضع وحالة العميل فلا تكون السلوك المادي للجريمة.

2- أن يكون الفاعل ممن ينطبق عليه الصفة القانونية الخاصة

فلقد نصت المادة \73 من قانون البنوك الأردني على أنه”.. ويسري هذا الحظر على كل من يطلع بحكم مهنته، أو وظيفته، أو عمله بطريق مباشر، أو غير مباشر على تلك البيانات والمعلومات بما في ذلك موظفي البنك المركزي ومدققي الحسابات”.

وبالتمعن في هذه المادة نجد أن المشرع فد أضفى صفات معينة على مرتكب هذه الجريمة وذكرهم على سبيل الحصر وهم كل من اطلع على البيانات بحكم وظيفته سواء بطريق مباشر أو غير مباشر بما في ذلك موظفي البنك ومدققي الحسابات، ويفهم من ذلك أنه إذا لم تتوافر فيمن أفشى السر المصرفي هذه الصفات فلا تقوم جريمة إفشاء السر المصرفي، إذ لا يعقل أن يروج أحد الأشخاص معلومات عن عميل لدى بنك ويعتبر هذا إفشاءً.

3- الركن المعنوي

ويقصد بالركن المعنوي للجريمة أن تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل المكون لسلوك الجريمة وهو الإفشاء، وذلك بأن يتوافر لديه العلم والإرادة، أي أن يكون عالما بأن السلوك الذي يقوم به يؤدي إلى إفشاء السر المصرفي لعميل من عملاء البنك، كما تتجه إرادته إلى إحداث هذا الفعل وتكوينه، فالنية لازمه في هذه الجريمة.

وعلى ذلك فإذا حدث وأن أخطأ أحد العاملين بالبنك وأدى هذا الخطأ إلى إفشاء لسر مصرفي فلا تقوم جريمة إفشاء السر المصرفي وإنما يسأل عن خطأ تأديبي، لأنه لا تتوافر لديه النية في ارتكاب الجريمة ([3]).

خامسا: المسؤولية المدنية لجريمة إفشاء السر المصرفي

إن علاقة البنك بعميله قد يربطها علاقة عقدية وقد تكون بدون تعاقد بينهما، ومن هنا يمكن أن تقوم المسئولية العقدية أو التقصيرية:

1- المسئولية العقدية

تقوم المسئولية العقدية بوجود عقد بين الطرفين (البنك والعميل)، ويجب لكي تقوم المسئولية العقدية أن يكون العقد المبرم بينهما صحيحا ونافذا ولازما، وأيا كان نوعه فيتم الالتزام ببنوده وعدم مخالفته كما ذكرنا آنفا.

كما يجب أن تتوافر جميع شروط المسئولية العقدية من خطأ وضرر وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر، والبنك هنا شخصا معنويا وبالتالي فهو يتحمل كافة الأضرار الناتجة عن أحد موظفيه وهو ما نصت عليه المادة \288من القانون المدني على أنه” لا يسأل أحد عن فعل غيره ومع ذلك فللمحكمة بناء على طلب المضرور إذا رأت مبررا أن تلزم بأداء الضمان المحكوم به على من أوقع الضرر………… ب- من كانت له على من وقعت منه الأضرار سلطة فعلية في رقابته وتوجيهه ولو لم يكن حرا في اختياره إذا كان الفعل الضار قد صدر من التابع في حال تأدية وظيفته أو بسببها”. 1- ولمن أدى الضمان أن يرجع بما دفع على المحكوم عليه به”.

2- المسئولية التقصيرية

فقد تصل البيانات السرية للعميل أثناء المفاوضات العقدية التي تتم بين العميل والبنك، ففي هذه الحالة يصل إلى علم الموظف المتفاوض بينات سرية عن العميل فيقوم بإفشائها ففي هذه الحالة وإن كان لم يتكون العقد إلا أنه يوجد إفشاء سر مصرفي من قبل أحد موظفي البنك، ولكن المسئولية في هذه الحالة مسئولية تقصيرية وليست عقدية لأنه لا يوجد عقد بالفعل.

ولقد نص المشرع الأردني على التعويض في حالة حدوث ضرر وهو ما نصت عليه المادة \256من القانون المدني على أنه” كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”.

فالضمان في هذه الحالة يقع اعلى البنك لأن موظفه هو الذي قام بإفشاء السر المصرفي عند مرحلة التفاوض على العقد.

3- المسئولية الجزائية

إذا كانت المسئولية عن خطأ موظف البنك في إفشائه السر المصرفي ينحصر في المسئولية العقدية والتقصيرية، إلا أن المسئولية الجزائية تنحصر في عقاب من ارتكب الفعل المكون لسلوك الجريمة، فلم يهمل المشرع الأردني النص على عقوبة جزائية على مرتكب الفعل.

فقد نص المشرع الأردني على عقوبة جزائية على موظف البنك الذي تقوم في شأنه أركان جريمة إفشاء السر المصرفي فنص في المادة \75 من قانون البنوك الأردني على عقوبة الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات أو بالغرامة المالية لا تقل عن (عشرة آلاف دينار- خمسون أل دينار) أو بكلتا هاتين العقوبتين على كل من لم يلتزم بالسرية المصرفية بموجب المادتين (72،73) من ذات القانون.

 

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

 

([1]) مؤيد حسني أحمد الخوالدة، عبدالله يوسف على قاسم، جريمة إفشاء السر المصرفي والعقوبة المترتبة عليها وفقا للقانون الأردني، بحث منشور، مجلة علوم الشريعة والقانون، المجلد 43، ملحق3، 2016، ص1125.

([2]) عبدالرحمن عبيد الله عطا الله الوليدات، الحماية الجزائية للأسرار المهنية في القانون الأردني، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، 2010، ص57.

([3])مؤيد حسني أحمد الخوالدة، عبدالله يوسف على قاسم، مرجع سابق، ص1126.

Scroll to Top