التزام المحامي بعدم إفشاء مضمون الاستشارة القانونية
في عالم تتشابك فيه القوانين وتتداخل المصالح، تبرز الاستشارة القانونية كمنارة يهتدي بها الأفراد والشركات على حد سواء. إنها ليست مجرد خدمة يقدمها المحامي، بل هي أمانة يحملها على عاتقه، سر يكتمه في صدره. فبين طيات هذه الاستشارة تكمن أسرار وحقوق ومصائر، تتطلب من المحامي التزامًا راسخًا بعدم الإفشاء، والتزامًا أشد بالدقة والإتقان. إنها علاقة تقوم على الثقة والاحترام، أساسها سرية المعلومات وغايتها الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة.
ةأولا: مفهوم الاستشارة القانونية
ثانيا: الطبيعة القانونية لالتزام المحامي بالاستشارة القانونية
ثالثا: أساس التزام المحامي بالاستشارة القانونية
رابعا: أهمية التزام المحامي بعدم إفشاء الاستشارة القانونية
خامسا: المسئولية المدنية المترتبة على مخالفة الالتزام بعدم إفشاء الاستشارة القانونية
أولا: مفهوم الاستشارة القانونية
يمكن تعريفها بأنها طلب إبداء الموكل أو صاحب المصلحة من الغير الرأي القانوني أو النصيحة المبنية على الأصل القانوني من المحامي كشخص له الخبرة القانونية التي تؤهله لتلك الاستشارة.
ويمكن تعريفها بأنها طلب المشورة والرأي القانوني بخصوص مسألة معينة قد تكون أو لا تكون محل نزاع حيث يسعى من خلالها طالب الاستشارة إلى معرفة موقف القانون بخصوص الموضوع المطروح مستعينا بالخبرة القانونية العلمية والتجربة العملية للمستشار القانوني.
ولقد عرفها البعض بأنها” الاستشارة المنصبة على نصوص وقواعد قانونية وتنتخي إلى رأي قانوني معين لحل مسألة قانونية ([1]).
ثانيا: الطبيعة القانونية لالتزام المحامي بالاستشارة القانونية
إن التزام المحامي بإبداء الاستشارة القانونية هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة، فالتزام المحامي تجاه موكليه لا تعدو أن تكون التزامات تعاقدية ببذل عناية الرجل المعتاد ([2]).
والرجل المعتاد هنا ليس الرجل العادي وإنما هو محاميٌ من أواسط المحاميين خبرة ودراية بالعمل القانوني.
إذ أن أي التزام للمحامي هو ببذل عناية فهو يبذل قصارى جهده في نطاق القانون والمتعارف عليه من الوسائل القانونية والطرق الشرعية في إبداء الرأي القانوني الصحيح وطبقا لما تقتضيه أصول مهنة المحاماة للوصول إلى الهدف المنشود، ودون تقصير منه..
ذلك أن دور المحامي في إبداء المشورة يتمثل في تحليل المواقف طبقا لنصوص القانون وأصول المهنة والمتبع في مثل الحالة المعروضة من إجراءات قانونية وطبقا للوقائع المعروضة عليه وظروف الحالة.
وبالتالي فان أي نزول للمحامي عن تلك العناية المطلوبة عند عرض الحالة عليه فانه يوقعه في الخطأ المهني الذي يوجب المسئولية.
ثالثا: أساس التزام المحامي بالاستشارة القانونية
لقد نصت غالبية قوانين الدول والدساتير على حق المحامي في إبداء الاستشارة القانونية لموكله، فلكل شخص الحق في أن يوكل محامي للدفاع عنه واستشارته في أي أمر قانوني، ويعد هذا انعكاسا لما نصت عليه المبادئ الأساسية التي أقرها مؤتمر الأمم المتحدة حول دور المحامين، حيث ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أ،” لكل شخص الحق في طلب المساعدة والاستعانة بالمحامين والحصول على الخدمات القانونية بما فيها المشورة القانونية”([3]).
ولقد نص المشرع الأردني على حق المحامي في إبداء المشورة القانونية في قانون المحامين النظاميين في المادة \6 \ 3على أنه” المحامون هم من أعوان القضاء الذين اتخذوا مهنة لهم تقديم المساعدة القضائية والقانونية لمن يطلبها لقاء اجر ويشمل ذلك: ……………. 3- تقديم الاستشارات القانونية”.
والمحامي في تقديمه المشورة القانونية قد يقدمها لموكله وقد تكون للغير الذي يدخل مكتبه ويسأله عن أمر معين خاص به ويقدم المحامي المشورة له.
أي أن المحامي بين أمرين:
(الأول) إبداء الرأي القانوني للغير وذلك بعقد غير مسمى
(الثاني) وهو إبداء الرأي القانوني لموكله المرتبط معه بعقد وكالة
1- أساس التزام المحامي عقد غير مسمى
وفي هذه الحالة يدخل الغير إلى مكتب المحامي ويسأله عن أمر معين وينتهي الأمر بإبداء الرأي القانوني دون اتخاذ أي إجراء قانوني في هذا الأمر، على أن يكون ذلك مقابل أجر يتم الاتفاق عليه أو يكون ذلك دون مقابل أو من قبيل المجاملة أو بمقابل رمزي.
والمحامي في هذه الحالة قد تعرض لإيجاب من قبل الغير الذي دخل مكتبه ويعد قبول المحامي إبداء الرأي بمثابة قبول منه وفي هذه الحالة نكون أمام عقد غير مسمى، يرتب التزامات لكل الطرفين.
2- أساس التزام المحامي عقد وكالة
تتنوع الوكالة في مهنة المحاماة بين وكالة خاصة ووكالة عامة تتيح للمحامي رفع الدعاوى وعمل الاستئنافات وإبداء المشورة بوصفها حق للمحامي بموجب نص قانون المحاميين النظاميين كما سبق أن بينا.
ولقد خص المشرع في قانون المحاميين النظاميين المحامي وحده دون غيره إبداء المشورة القانونية، فعقد الوكالة يعتبر الأساس القانوني الذي يقوم عليه التزام المحامي نحو موكله، فهو العقد الذي يبيح للمحامي أن ينوب عن موكله في كافة الدعاوى.
فأساس العلاقة بين الوكيل والموكل في عقد الوكالة هو أن يلتزم الوكيل (المحامي) بما عهد إليه به من التزامات من رفع الدعاوى وغيرها من الأمور القانونية وإبداء المشورة القانونية متى طلب منه ذلك.
وما يقوم به المحامي من أعمال لمصلحة موكله كإبداء المشورة القانونية إنما هي أعمال مادية كما يتصور البعض بأنها أعمال يكون فيها المحامي مقاولا لابد من أن تسري عليه أحكام عقد المقاولة بينما رأى البعض الآخر تطبيق عقد الوكالة على أعمال المحامي جميعها بغض النظر عن كونها مادية أم قانونية وذلك في حالة إنابته عن موكله فان لم يكن نائبا عنه فيكون مقاولا.
ونرى أن عمل المحامي لا يتم إلا في إطار عقد وكالة سواء كان في إبداء مشورة قانونية أو أعمال قانونية.
رابعا: أهمية التزام المحامي بعدم إفشاء الاستشارة القانونية
ترجع أهمية التزام المحامي بهذا الالتزام للأسباب الآتية:
1- بإفضاء الموكل لمحاميه بأسراره فانه بذلك يطلعه على أسراره وكل بياناته الخاصة المتعلقة بالمسألة المعروضة عليه لإبداء المشورة القانونية فيها.
2- أن هذا الالتزام من شأنه أن يحفظ أسرار الموكل من الانتشار والذيوع بين الناس فيجعلها عرضه للتسريب واستغلالها بما يضره من المنافسين أو الخصوم.
3- أن مهمة المحامي في إبداء المشورة القانونية هي بمثابة تقديم النصح والإرشاد لمن يطلبه من الموكلين أو غيرهم، وذلك لحفظ حقوقهم وتجنب مخاطر الوقوع في صعوبات يجهلها الشخص العادي وإعطاء حل قانوني لها، وبالتالي فهو يقدم خدمات استشارية قانونية قد بمقابل كما نص عليه القانون المحاميين النظاميين في المادة \6 على أنه” المحامون هم من أعوان القضاء الذين اتخذوا مهنة لهم تقديم المساعدة القضائية والقانونية لمن يطلبها لقاء اجر ويشمل ذلك………………… “.
4- أن التزام الموكل أو الغير بطلب المشورة القانونية من المحامي صاحب الخبرة القانونية الكبيرة تقية من التعرض للمخاطر القانونية التي قد توقعه في أمور يصعب حلها أو يترتب عليها أضرار كثيرة له سواء كانت أضرارا مادية أو معنوية.
5- للمستشار القانوني دور كبير بالنسبة للأفراد والشركات على حد سواء، إذ انه يساعد الأفراد على توعيتهم لعدم الوقوع في المشاكل القانونية التي قد يتعرضون لها في أمور حياتهم، وهو كذلك يمثل صمام الأمان بالنسبة للشركات إذ أنه لا يمكن لصاحب شركة ألا ليكون له مستشارا قانونيا يلجأ إليه عند الحاجة وعند تكوين شركته، فهو يوفر عليه الوقوع في العديد من المشكلات القانونية.
خامسا: المسئولية المدنية المترتبة على مخالفة الالتزام بعدم إفشاء الاستشارة القانونية
إن الالتزام بعدم لإفشاء الاستشارة القانونية نابع بداية من المعاهدات الدولية وغالبية دساتير الدول والقوانين الداخلية وعلى وجه الخصوص ما نص عليه المشرع الأردني في المادة \6 من قانون المحامين النظاميين سالفة الذكر.
ويترتب على مخالفة هذا الالتزام لا يعرض المحامي للمسائل التأديبية فحسب، بل المسائلة المدنية والتي قد يتحمل على إثرها التعويض المدني، وتتمثل أوجه المسئولية وأسبابها في الآتي:
1- الخطأ
فليس معنى أن الاستشارة موكله إلى المحامي بوصفه خبيرا في القانون أنه لا يسأل عن خطئه وإنما كل مخطئ مسئول وإلا فلا يكون هناك ردع أو حساب للمساءلة.
ويمكن تصور الخطأ من جانب المحامي في حالة عدم بذله العناية اللازمة عند إبداء الاستشارة القانونية تجاه العميل أو الموكل الذي يسأله أو طلب منه إبداء المشورة القانونية في موضوع معين.
فعدم الدراية في أصول المهنة والتقصير في والإهمال من جانبه قد يشكل خطأ في جانبه يترتب عليه ضررٌ لمن يطلب منه المشورة سواء كان موكلا أو من الغير، إذ أن ما ينتظره السائل من المحامي هو أكثر بكثير مما ينتظره من الرجل العادي الذي لا يتوافر لديه الخبرة القانونية الكافية.
كما قد يكون الخطأ من جانب المحامي في عدم التدقيق في المعلومة والتحقق من صحتها مما يترتب عليه ضررا يلحق بالموكل أو العير الذي سأله ([4]).
2- الضرر
فلا يمكن أن يُسأل المحامي إذا لم ينتج ضرر على مشورته للموكل أو الغير وإنما لابد من أن يترتب على الخطأ في المشورة القانونية ضررا لمن سأله حتى يمكن أن يسأل المحامي في تعويضا عن ذلك.
ولا يمكن تصور الضرر بدون خطأ واقع من المحامي، وقد يكون الضرر الواقع على الموكل ضررا ماديا أو أدبيا، كما لو تعرض الموكل أو السائل إلى خسارة مادية نتيجة للمشورة الخاطئة في أمر تجاري خاص به من المحامي.
3- علاقة السببية
فإذا كان يشترط أن يكون هناك ضررٌ يترتب على الخطأ في المشورة القانونية إلا أنه لابد أو ن يكون هناك علاقة سببية تربط الضرر بالخطأ، فإذا لم يكن هناك علاقة سببية كما لو كان الضرر قد ترتب لسبب آخر غير الخطأ في المشورة، فلا يكون هناك تعويضا.
ويجب أن تكون علاقة السببية مباشرة، فهي ركن مستقل من أركان المسئولية التقصيرية أو العقدية، وإن كان إثبات علاقة السببية بالغ الصعوبة وخاصة في حالة المشورة القانونية، لذلك فإنه لا تكون علاقة السببية متوافرة إلا في حالة الإضرار المباشرة لذلك الخطأ ([5]).
الخاتمة:
إن خطأ المحامي في المشورة القانونية والمتمثل في إهماله وتقصيره في البحث وعدم درايته الكافية في المعلومة القانونية والتيقن من صحتها يعتبر خطأً مهنياً ناتجاً عن الإخلال بالتزام مهني، والمحامي بوصفه رجل قانوني مفترض فيه العلم الكافي للاستشارة القانونية يعتبر مخلا بواجباته المهنية ومرتكبا لخطأ فادح يستوجب المسئولية المدنية.
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1])د. محمد حاتم البيات، المشورة القانونية كعمل من أعمال المحاماة دراسة مقارنة، بحث منشور، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد23، ع1، 2007،ص234.
([2]) د. علي نجيده، محامي شركات النظرية العامة للالتزام، /صادر الالتزام، دار النهضة العربية، 2005، ص518.
([3]) د. محمد حاتم البيات، المشورة القانونية كعمل من أعمال المحاماة دراسة مقارنة، بحث منشور، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد23، ع1، 2007، 231.
([4])د. محمد حاتم البيات، مرجع سابق، ص 251.
([5]) د. سليمان مرقص، نظرية دفع المسئولية المدنية، رسالة دكتوراه، مطبعة الاتحاد، 1936، ص15 وما بعدها.

