السفتجة (سند السحب)
أدى انتشار التجارة في السنوات الأخيرة سواء على المستوى المحلي أو الدولي إلى كثرة تبادل السلع بين التجار بشكل كبير مما جعل حاجة التجار إلى وسائل تضمن لهم الوفاء بتعهداتهم المادية التي تضمن للمتعاملين معهم مستحقاتهم المادية، ومن هنا كانت الحاجة إلى النقود كوسيلة للوفاء بتلك الالتزامات.
ودفع ذلك التجار والمتعاملين بالتجارة إلى إيجاد وسائل لتوفير تلك النقود في الوقت الذي لا يمتلك فيه التجار السيولة اللازمة رغم ما يمتلكونه من أصول كثيرة إلا أن هذه الأموال في صورة بضائع وسلع متداولة في السوق لا يمكن التصرف فيها بشكل سريع أو بشكل فوري، لذلك كان ظهور ما يسمى بالأوراق التجارية بكافة أنواعها ومنها السفتجة.
رابعا: التمييز بين السفتجة والشيك
أولا: مفهوم السفتجة
يمكن تعريفها بأنها ورقة تجارية يتم سحبها من شخص يسمى الساحب بغرض الوفاء بالتزام على المسحوب عليه بدفع مبلغ من النقود لدى الاطلاع أو في تاريخ معين لشخص آخر غير معلوم له يسمى المستفيد، وسواء كان ذلك لغرضا تجاريا أم مدنيا وبصرف النظر عن الشخص الذي سحبها تاجرا أم غير تاجر.
وعرفها المشرع الأردني في المادة \123 من قانون التجارة رقم \12لسنة1966 على أنه” أ- سند السحب ويسمى أيضا البوليصة أو السفتجة وهو محرر مكتوب وفق شروط مذكورة في القانون ويتضمن أمرا صادرا من شخص هو الساحب إلى شخص آخر هو المسحوب عليه بأن يدفع لأمر شخص ثالث هو المستفيد أو حامل السند مبلغا معينا بمجرد الاطلاع أو في ميعاد معين أو قابل للتعيين”.
ثانيا: شروط صحة السفتجة
السفتجة كورقة تجارية يشترط فيها توافر أمور معينه حتى يكون إصدارها صحيحا، وتتنوع هذه الشروط ما بين شروط شكلية وأخرى موضوعية:
1– الشروط الشكلية
أ- أن تكون كلمة سفتجة (سند سحب) مكتوبة في مضمون السند وبذات اللغة المكتوب بها.
ويجب أن يكون ذلك مدون في ديباجة السند أو السفتجة، ولا يترتب على غياب هذا الشرط بطلان السند، متى كان هناك ما يشير إلى أن هذا السند هو سند سحب وأن الساحب قد قصد منه دفع مبلغ من النقود سواء كان معينا أو قابلا للتعيين.
وهو ما قرره قانون التجارة الأردني في المادة \125\وعلى أنه” إذا خلا متن سند السحب من ذكر كلمة (سند سحب أو بوليصة أو سفتجة) وكان المعنى المستخلص من المتن يدل على أنه سند سحب فيعتبر كذلك”.
ب- أن يكون أمر الدفع غير معلق على شرط وأن يكون هذا الأمر بأداء قدر معين من النقود.
ويقصد بهذا الشرط أن يكون الأمر منجزا غير معلق على شرط يتضمن دفع مبلغ معين من النقود، وأن يكون دفع هذا المبلغ وجوبيا لا جواز فيه.
ج- أن يتضمن الأمر اسم من يلزمه الأداء (المسحوب عليه).
ويجب كذلك أن يتضمن الأمر اسم المسحوب عليه، فلا يصح أن يكون الأمر مسحوبا على شخص مجهول وإلا لا يمكن تنفيذ هذا الأمر، كما يجوز أن يكون المسحوب عليه أكثر من شخص متضامنين معا بحيث إذا تعثر أحدهم يجوز الرجوع على الآخر أو الرجوع عليهم معا.
د- أن يتضمن الأمر تاريخ الاستحقاق.
ويجب أن يكون تاريخ استحقاق المبلغ محددا في الأمر سواء كان حالا أم محدد بتاريخ لاحق.
وإذا لم يكن التاريخ محددا فيكون تاريخ الاستحقاق مستحق الأداء لدى الاطلاع عليه وهو ما نصت عليه المادة \125\ أ من القانون التجاري.
ه- أن يتضمن الأمر مكان الأداء.
ويجب أن يتضمن الأمر مكان الوفاء بمبلغ النقود، فيجوز الاتفاق بين الساحب والمسحوب عليه أو الساحب والمستفيد على محل الدفع أو مكان الوفاء بالنقود، وإذا لم يتم الاتفاق على مكان معين فيتم اللجوء إلى قاعدة الدين مطلوب وليس محمول أي موطن، أو محل إقامة المدين، أو محل عمله، أو المكان الذي يذكر بجانب اسم المسحوب عليه فيعد مكانا للدفع أو موطنا للمسحوب عليه في الوقت نفسه، وهو ما نصت عليه المادة \125 \ب من القانون سالف الذكر، وإذا لم يتيسر ذلك فيكون التنفيذ العيني للالتزام.
و- أن يتضمن الأمر اسم من يجب الأداء له (الحامل للسند).
فيجب أن يكون اسم من يصدر السند لصالحه سواء كان شخص مستفيد أو حامله وفي هذه الحالة الأخيرة يجوز تظهير السند، أما إذا كان المستفيد محددا فلا يجوز له أن يظهره.
ز- أن يتضمن الأمر تاريخ إنشاء سن السحب ومكان إنشائه.
فيجب أن يكون السند مؤرخا أي ثابت به التاريخ، ذلك أن وجود التاريخ له أهمية:
أ- إذ وجود التاريخ يساعد على تحديد عما إذا كان الساحب له أهليه أم أنه ناقص الأهلية، إذ أنه يجوز لناقص الأهلية الحق في الدفع حتى في حالة وجود الحامل حسن النية.
ب- كما أن التاريخ عن طريقه يتم تحديد مواعيد تقادم السند.
ج- يفيد التاريخ في فترة الريبة في حالة إفلاس التاجر، فاذا حرر التاجر هذا السند في فترة الريبة فيترتب على ذلك البطلان.
د- يكون للتاريخ أهمية كذلك في حالة التزاحم بين الدائنين، إّ يكون الدائن الأسبق في التاريخ هو صاحب الحق الأول.
ح- أن يتضمن الأمر توقيع الساحب.
فيجب أن يكون التوقيع سواء كان إمضاء أو بصمة أو ختم موجودا على السند، ويجب أن يقوم الساحب بالتوقيع على السفتجة، ويعتبر هذا التوقيع التزاما مستقلا عن الالتزامات الصرفية لباقي الموقعين، فكل موقع على السفتجة ملزم بالوفاء بقيمتها أي أنهم متضامنين فيما بينهم بالوفاء بقيمتها.
وإذا كان التزام أحد الموقعين باطلا لنقص في الأهلية مثلا أو لانعدامها أو لعيب في الرضا أو المحل أو لعدم مشروعية السبب فان البطلان يقتصر على هذا الالتزام دون غيره ولا يحول ذلك دون صحة التزام باقي الموقعين.
وهو ما أكده قانون التجارة الأردني في المادة \130\1 على أنه” 1- إذا حمل سند السحب تواقيع أشخاص لا تتوافر فيهم أهلية الالتزام به أو تواقيع مزورة أو تواقيع أشخاص وهميين أو تواقيع
لا تلزم لأي سبب آخر الأشخاص الذين وقعوا السند أو الذين وقع باسمهم، فذلك لا يحول دون صحة التزام موقعي الآخرين”..
كما لا يمكن أن يحتج صاحب أحد التوقيعات بدفع يتعلق بتوقيع آخر حتى ولو شابه سببا من أسباب البطلان، فمثلا لا يحتج بانعدام الأهلية إلا من انعدمت أهليته دون غيره فتبق التوقيعات الأخرى صحيحة ([1]).
2– الشروط الموضوعية لصحة السفتجة
أ- أن يكون الساحب أهلا لمباشرة الأعمال التجارية
نظرا لأنه في الأغلب الأعم فان السفتجة لا تكون إلا في الأعمال التجارية والذي يقوم بإصدارها هو تاجرا، لذلك فانه يشترط أن تتوافر فيه شروط مباشرة التجارة، وهي وفقا لنص المادة \15 من قانون التجارة فيرجع فيها لأحكام القانون المدني، ولقد حدد المشرع الأردني سن الأهلية التجارية بثمانية عشر عاما.
ب- التراضي
وبطبيعة الحال فان القانون المدني قد اشترط حرية الإرادة في إنشاء الالتزامات أيا كان مصدرها، فلا يمكن أن ينشأ التزام بدون توافر الإرادة اللازمة، إذ أنه لابد من وجود إرادة سواء للتعاقد أو للوفاء بالالتزام.
فيشترط ألا يكون هناك عيب من عيوب الرضا كالإكراه والغبن والتغرير والغلط فإذا توافر عيب من هذه العيوب انتفى الالتزام أي كان معيبا بعيوب الإرادة، مما يجعله باطلا.
فاذا أكره الساحب عند تحرير السفتجة فيجوز له التمسك ببطلان التزامه تجاه المستفيد الذي صدر منه الإكراه أو كان على علم به، وإذا انتقلت السفتجة إلى حامل آخر فلا يستطيع الساحب الاحتجاج بالإكراه على الجديد إلا إذا كان سيء النية، وعلى ذلك فالحامل حسن النية لا يجوز للساحب الاحتجاج عليه بالإكراه ([2]).
ج- المحل
يشترط في كل التزام تعاقدي أن يكون له محل، والمحل في هذه الحالة هو مبلغ من النقود، فمحل السند دائما هو مبلغ من النقود، فاذا كان غير ذلك بان كان بضاعة مثلا أو محل غير محدد فان ذلك يؤدي إلى بطلان الالتزام.
د- السبب: فلابد وأن يكون هناك سببا للالتزام الصرفي، كما ينبغي أن يكون هذا السبب مشروعا، فاذا كان السبب غير مشروع فانه يؤدي إلى بطلان الالتزام.
ثالثا: خصائص السفتجة
1- الشكلية والكفاية الذاتية
تعتبر السفتجة عقد شكلي لا يكون صحيحا إلا إذا تم في محرر مكتوب يتضمن بيانات محددة كما حددها القانون في المادة \123 سالفة الذكر، ويترتب على إغفال أحدها بطلانها كورقة تجارية وتتحول إلى ورقة عادية والالتزام الصرفي يتحول إلى التزام عادي ([3]).
كما تتميز السفتجة بأنها تكون كافية بذاتها لتقرير الالتزام وجعله مستحقا للأداء، فلا تحتاج إلى سند آخر إلى إثبات الاستحقاق ذلك أن هذه الورقة تحتوي على كافة البيانات اللازمة للمطالبة بالحق ([4]).
2- ورقة تجارية
ويتميز هذا السند بأنه ورقة تجارية وهو ما أكده المشرع الأردني في المادة \123 سالفة الذكر على أنه” الأوراق التجارية هي إسناد قابلة للتداول بمقتضى أحكام هذا القانون وتشتمل على ما يلي:
أ- سند السحب ويسمى أيضا البوليصة أو السفتجة وهو محرر مكتوب وفق شرائط مذكورة في القانون ويتضمن أمرا صادرا من شخص هو الساحب إلى شخص آخر هو المسحوب عليه
بأن يدفع لأمر شخص ثالث هو المستفيد أو حامل السند مبلغا معينا بمجرد الاطلاع أو في ميعاد معين أو قابل للتعيين”.
3- تتضمن حقا ماديا بمبلغ من النقود
فلا يجوز أن يكون محل السفتجة شيء آخر غير النقود وإلا كان باطلا، كما يجب أن يكون هذا المبلغ معين المقدار فلا يصح أن يكون قابلا للتعيين، أو مضاف لأجل أو معلق على شرط وإنما منجز بمجرد الاطلاع عليه أو حلول ميعاده
4- أداة وفاء
فلقد جرى العرف أن تكون السفتجة أداة وفاء بديلة للنقود في المعاملات التجارية، فهي قابلة للتحويل للنقود في أي وقت عن طريق الخصم ([5]).
ويتم الوفاء عن طريق تحرير السفتجة بإحالة الدائن إلى مدين المدين لاستيفاء دينه منه فبدلا من أن يدفع تاجر التجزئة مبلغ البضاعة التي اشتراها من تاجر الجملة ويقوم تاجر الجملة بالوفاء بدينه لدائنه صاحب المصنع فتقع عمليتان للوفاء تتداول فيهما النقود مرتين، فيمكن لتاجر الجملة أن يسحب سفتجة بمبلغ البضاعة على مدينه تاجر التجزئة لفائدة دائنة صاحب المصنع، فيقوم تاجر التجزئة بالوفاء في تاريخ الاستحقاق ([6]).
5- أداة ائتمان
ويقصد بالائتمان في المفهوم الاقتصادي والتجاري للدلالة على منح المدين أجلا للوفاء، فعندما يسحب المدين سفتجة لصالح دائنة وتكون مستحقة الوفاء بعد اجل من تحريرها فمعنى ذلك أن هذا المدين يطلب من دائن هان يمنحه أجلا للوفاء، وإذا ما احتاج المستفيد غلى سيولة قبل حلول الميعاد فله أن يتنازل عنها بالتظهير إلى شخص آخر وبالتالي فيستوفي قيمة الورقة منه وتنتقل في هذه الحالة ملكية الورقة إلى الحامل الجديد ([7]).
6- السفتجة قابلة للتظهير
لحامل السفتجة الخيار ما بين أن يحتفظ بها حتى تاريخ الاستحقاق أو يقوم بنقلها لآخر عن مقابل أن يقوم بقبض قيمتها وتسمى هذه العملية بالتظهير، ويتم ذلك بأن يكتب على السفتجة ” ادفعوا لأمر فلان” ويحل هذا محل ذاك ويسمى بالحامل الجديد.
ولقد نصت المادة \141 من قانون التجارة على جواز تظهير السفتجة على أنه” 1- سند السحب قابل للتداول بطريق التظهير ولو لم يذكر فيه صراحة كلمة (لأمر).
2- وسند السحب الذي يدون فيه صاحبه عبارة (ليس لأمر) أو أية عبارة أخرى مماثلة يخضع تداوله لأحكام حوالة الحق المقرر في القانون المدني دون غيرها
ويصح التظهير ولو للمسحوب عليه سواء أكان قابلا لسند السحب أم لا3-
كما يصح تظهيره للساحب ولأي شخص آخر يكون ملزما له ويكون لهؤلاء جميعا الحق في تظهيره”
رابعا: التمييز بين السفتجة والشيك
رغم التشابه الكبير بين السفتجة والشيك وخاصة في حالة إذا ما كان الشيك يصرف لحامله والسفتجة الدفع لمجرد الاطلاع، إلا أنهما يختلفان في عدة وجوه ([8]):
1- أن الشيك دائما يكون مستحق الأداء لمجرد الاطلاع باعتباره أداة وفاء تحل محل النقود، فلا يشترط ذكر تاريخ الاستحقاق بينما السفتجة تكون مستحقة لمجرد الاطلاع أو عند حلول ميعاد الاستحقاق.
2- لا يشترط في السفتجة وجود مقابل وفاء إلا عند حلول أجل الاستحقاق أما في الشيك فلابد أن يكون هناك مقابل وفاء لدى المسحوب عليه وإلا تعرض المسحوب عليه للعقوبة الجنائية بالحبس.
3- في السفتجة لابد من ذكر اسم المستفيد ولا يجوز سحبها للحامل مباشرة، أما في الشيك لا يشترط ذكر اسم المستفيد منه، إذ انه يجوز تحرير الشيك ابتدائيا لحامله.
5- السفتجة إذا ما توافرت شروطها الشكلية كانت عملا تجاريا أما الشيك فلا يعد عملا تجاريا إلا إذا حرر لأجل عمل تجاري سواء كان من حرره تاجر أو غير تاجر.
كتابة دكتور\عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) د. محسن شفيق، القانون التجاري الكويتي، مطبوعات جامعة الكويت، 1972، ص176.
([2]) د. إدوارد عيد، الأسناد التجارية، مبادئ عامة، سند السحب، مطبعة النجوى، بيروت، 1966، ص221 ،ورد في كريمة عتماني، مرجع سابق، ص24.
([3]) كريمة عتماني، القبول في السفتجة، رسالة ماجستير، الجزائر، 2001\2002، ص12.
([4]) كريمة عتماني، المرجع السابق، ص12.
([5]) د. محسن شفيق، مرجع سابق، ص156.
([6]) كريمة عتماني، المرجع السابق، ص17.
([7])كريمة عتماني، المرجع السابق، ص17.
([8]) د. مصطفى مجدي هرجه، جرائم الشيك والنصب وخيانة الأمانة، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1992، ص91وما بعدها.

