تسوية منازعات سوق الأوراق المالية

تسوية منازعات سوق الأوراق المالية

نظرا للتقدم التكنولوجي واستخدامه في مجال الاقتصاد وتطويره بما يناسب العصر الحديث، فقد انتشر استخدام الأفراد والشركات للأوراق المالية والمضاربة في سوق الأوراق المالية بما يعود عليهم بالفائدة والمنفعة، وتحقيق أرباح كبيرة دون مجهود يذكر.

وأدى التعامل بكثافة في تلك السوق ورغبة المتعاملين فيها نحو تحقيق منافع ومكاسب كبيرة، إلى وجود منازعات كثيرة بين المتعاملين بسوق الأوراق المالية، وتنتج غالبا هذه المنازعات حول التزامات الطرفين، وإخلال أي منهما بتلك الالتزامات، وما يترتب على تلك المنازعات من محاولة تسويتها بطرق مختلفة بعيدا عن القضاء.

أولا: مفهوم الأوراق المالية وسوق الأوراق المالية وتسوية المنازعات

ثانيا: أطراف منازعات الأوراق المالية

ثالثا: طرق فض منازعات سوق الأوراق المالية

رابعا: التحكيم كإحدى وسائل فض منازعات الأوراق المالية

خامسا: الطبيعة القانونية للتحكيم كوسيلة لفض المنازعات

 

أولا: مفهوم الأوراق المالية وسوق الأوراق المالية وتسوية المنازعات

1- الأوراق المالية

عرف المشرع الأردني الأوراق المالية في المادة \3 \أ من قانون الأوراق المالية رقم \ 18لسنة2017 بانها” أ- يقصد بالأوراق المالية أس حقوق ملكية أو أي دلالات أو بينات متعارف عليها على أنها أوراق مالية سواء كانت محلية أو أجنبية يوافق المجلس على اعتبارها كذلك”.

2- سوق الأوراق المالية

وقد عرف المشرع الأردني سوق تداول الأوراق المالية في المادة \2 من قانون الأوراق المالية سالف الذكر بأنها “أي سوق منظم أو أي استخدام دوري أو مستمر لوسائل الاتصال يتيح تداول الأوراق والأصول المالية”.

وعرف في ذات المادة السوق المالي بأنها” أي سوق لتداول الأوراق المالية مرخص من الهيئة وفقا لأحكام هذا القانون”.

 

3- تسوية المنازعات

ويمكن تعريفها بأنها قيام الأفراد أو المتعاملين في الأوراق المالية بعرض منازعاتهم حول الأوراق المالية على جهات أو لجان معينة داخل البورصة المالية لحل تلك المنازعات، ولكن بعيدا عن اللجوء للقضاء، سواء كان بالوساطة أو التحكيم أو غيره من الطرق.

ثانيا: أطراف منازعات الأوراق المالية

من الطبيعي أن تكون منازعات الأوراق المالية بين المتحكم في سوق الأوراق المالية وهو هيئة الرقابة المالية والمتعاملين على الأوراق المالية والسماسرة:

1- هيئة الرقابة المالية

تناول المشرع الأردني بيان هيئة الأوراق المالية في المادة \7 من قانون الأوراق المالية بقوله” تنشأ هيئة تسمى (الأوراق المالية) تتمتع بشخصية اعتبارية ذات استقال مالي وإداري ولها بهذه الصفة تملك الأموال المنقولة وغير المنقولة والقيام بجميع التصرفات القانونية اللازمة لتحقيق أهدافها بما في ذلك إبرام العقود والاقتراض وقبول المساعدات والهبات والتبرعات ولها حق التقاضي وينوب عنها في الإجراءات القضائية المحامي الهام المدني أو أي محام توكله لهذه الغاية”.

2- السماسرة

ويمكن تعريفه بأنه الشخص الذي يوكله الأفراد في التعامل مع البورصة في شراء الأوراق المالية وبيعها بوصفه صاحب الخبرة في هذا المجال.

وتناول المشرع الأردني بيان الوسيط المالي في المادة \2 من ذات القانون بأنه” هو الشخص الذي يمارس شراء الأوراق المالية وبيعها لحساب الغير”.

3- جمهور المتعاملين

ويمكن تعريفهم بأنهم الأفراد الذين يتعاملون بأنفسهم مع البورصات في تداول الأوراق المالية بالشراء والبيع لحساب أنفسهم.

وتثور المنازعات بين الطرفين الأخيرين وهيئة الرقابة المالية ([1])، أو بين الطرفين الأخيرين وبعضهما البعض، أو بين أحد الطرفين الأخيرين والوسيط الذي أبرم معه عقد وساطة ([2]).

وتالك المنازعات التي تنشأ بين هذه الأطراف يجب حلها سواء عن طريق اللجوء للقضاء أو التحكيم، أو عن طريق اللجنة الإدارية التي تنشأ في سوق الأوراق المالية لهذا الغرض.

ثالثا: طرق فض منازعات سوق الأوراق المالية

المنازعات التي تنشأ بين الهيئة الرقابة المالية أو هيئة الأوراق المالية والمتعاملين معها من السماسرة وجمهور المتعاملين، أو المنازعات التي تنشأ بين جمهور المتعاملين بعضهم البعض، أي بين المستثمر والوسيط أو بين الوسطاء أنفسهم وتكون حول تسليم الأوراق المالية المبيعة، أو صحتها، أو سلامتها، أو الوفاء بثمنها، غالبا ما يتم حلها بالتسوية فيما بينهم بدون اللجوء للقضاء.

لكن لو تمعنا النظر في قانون الأوراق المالية الأردني سالف الإشارة وكذلك بالرجوع لقانون سوق عمان المالي رقم\ 1لسنة 1990 وتعديلاته نجدا أن المشرع الأردني لم يحدد جهة معينة يتم التظلم إليها في تلك المنازعات التي تنشأ بين الأطراف سالفة الذكر.

فتنص المادة \ 46منه على أنه” قرارات الوزير والمحافظ واللجنة في حدود أحكام القانون خاضعة للطعن أما محكمة العدل العليا خلال ثلاثين يوما من تاريخ تبليغها”.

كما تنص المادة \47 من ذات القانون على أنه” أ- كل مخالفة لأحكام هذا القانون تعرض المخالف لغرامة لا تقل عن 500دينار ولا تزيد عن 5000دينار.

ب- تحال هذه المخالفات إلى المحكمة المختصة من قبل رئيس الهيئة”.

فالمشرع الأردني لم يحدد جهة معينة للتظلم في تلك المنازعات وإنما تركها للقواعد العامة، إذ أن القانون سابق الإشارة قد أناط بالقضاء تولي هذا الأمر في فض المنازعات التي تنشأ في مجال هيئة سوق المال وذلك عن طريق القاعد العامة عن طريق رفع الدعاوى، إذا لم يكن هناك شرط يتطلب إحالة المنازعة للتحكيم.

رابعا: التحكيم كإحدى وسائل فض منازعات الأوراق المالية

أدى اللجوء إلى لمحاكم لتسوية المنازعات التي تنشأ في إطار الأوراق المالية لبطء حل هذه المنازعات بالإضافة إلى زيادة التكلفة المادية الكبيرة لذلك الإجراء، لذلك كان لابد من البحث عن وسيلة أخرى لسرعة حل هذه المنازعات وتوفير الجهود والتكاليف المادية، لذلك كان اللجوء للتحكيم لما يتميز به من سرعة ي الأداء وتوفير للتكاليف المادية.

ويقصد بالتحكيم المؤسسي هو التحكيم الذي يتفق الأطراف فيه على أن يتم التحكيم بواسطة مؤسسة أو مركز دائم للتحكيم ووفقا لنظامه وإجراءاته ووفقا لما تنص عليه لائحته، وقد يكون مركز التحكيم محليا أو دوليا يتسم بالطابع الدولي والمنشأ بمقتضى اتفاقية دولية بين حكومة لدولة معينة وبين منظمات قانونية على المستوى الإقليمي أو القارية ([3]).

أما التحكيم الحر فيقصد به اتفاق الأطراف المتنازعة على حل مشكلة أو منازعة فيما بينهم بالاتفاق على ذلك بعيدا عن قواعد العمل المؤسسي.

وعرفت محكمة النقض المصرية التحكيم الاتفاقي بأنه” التحكيم الاتفاقي هو طريق استثنائي لفض المنازعات قوامه الخروج على طريق التقاضي العادية وما تكلفه من ضمانات ومن ثم فهو مقصور حتى على ما تتصرف إليه إرادة المحتكمين على عرضه على هيئة التحكيم”([4]).

وعرفته محكمة التمييز الأردنية في حكم لها بأنه” احتكام الخصوم إلى شخص أو أكثر لفض النزاع بينهم”([5]).

وعرفه جانب من الفقه بأنه” وسيلة فض نزاع قائم أو مستقل ويتضمن العزوف عن اللجوء للقضاء المختص بشأنه وطرحه أمام فرد أو أفراد وهم المحكمون الذيم أسندت عليهم مهمة نظرة والفصل فيه بناء على اتفاق من المتنازعين على ذلك”([6]).

والتحكيم إما أن يرد أصليا في عقد الاتفاق المبرم بين الطرفين ويسمى شرط تحكيم أو لا يرد وإنما يتم الاتفاق عليه مستقلا في صورة اتفاق مستقل بذاته بين الطرفين ويسمى مشارطة تحكيم.

موقف المشرع الأردني من نوعي التحكيم: منح المشرع الأردني لطرفي المنازعة حرية اختيار نوع التحكيم وما إذا كان اتفاقي أو مؤسسي ([7])، إذ أنه تبنى مبدأ سلطان الإرادة وحرية الفرد في اختيار نوع التحكيم المتناسب مع الحالة والظروف طبقا لما يراه ويقدره ويتم الاتفاق عليه من الطرفين.

فلقد نصت المادة \3 من قانون التحكيم رقم \31 بسنة 2001 على مبدأ سلطان الإرادة وحرية الأفراد على أنه” تسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم اتفاقي يجري في المملكة ويتعلق بنزاع مدني أو تجاري بين أطراف أشخاص القانون العام أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع عقدية كانت أو غير عقدية”.

ونصت المادة \ 5من قانون التحكيم الأردني على أنه” في الأحوال التي يجيز فيها هذا القانون لطرفي التحكيم احتيار الإجراء الواجب الإتباع في مسألة معينة فان ذلك يتضمن حقهما في الإذن للغير في اختيار هذا الإجراء ويعد من الغير كل مؤسسة أو مركز للتحكيم في المملكة أو في خارجها”.

وجدير بالذكر أن المملكة الأردنية الهاشمية قد انضمت رسميا إلى اتفاقية نيويورك لسنة 1958التي اعترفت بأحكام التحكيم وتنفيذها في المادة\ 1\2 منها والتي أخذت صراحة بأحكام التحكيم الصادرة عن مؤسسات التحكيم الدائمة.

  • الأساس القانوني لجواز استعمال التحكيم كوسيلة لحل منازعا الأوراق المالية

نصت تعليمات حل المنازعات في بورصة عمان لسنة 2004 في المادة \3\أ على أنه” يحل أي نزاع ينشأ بين الأعضاء وعملاءهم عن طريق إجراءات التحكيم في البورصة في اي من الحالات التالية:

1- إذا تضمن الاتفاقية المبرمة بين الطرفين شرطا تحكيمي ينص على أن جميع الخلافات المتصلة بالاتفاقية أو التي تتعلق بها تحل نهائيا وفقا لأحكام تعليمات حل المنازعات في البورصة بواسطة محكم فرد أو أكثر وفقا لاتفاق الطرفين.

2- إذا تفق الطرفان بعد نشوء النزاع على أن يتم حله نهائيا وفقا لأحكام تعليمات حل المنازعات في البورصة وذلك في حال عدم وجود شرط تحكيمي”.

ومن هذا النص يتبين لنا قانونية اللجوء للتحكيم كوسيلة لحل منازعات الأوراق المالية.

خامسا: الطبيعة القانونية للتحكيم كوسيلة لفض المنازعات

لقد اختلف الفقه حول الطبيعة القانونية للتحكيم ([8]):

فذهب رأي في الفقه إلى أن التحكيم ذا طبيعة اتفاقية أو إرادية وذلك على أساس الطابع الاتفاقي لغرض التحكيم، وذلك على أساس دور الإرادة في إنشائه ومبدأ سلطان الإرادة ودوره في اختيار الإرادة.

وذهب رأي آخر بأنه ذا طبيعة قضائية وذلك تأسيسا على ما يحكم به المحكم في المنازعة لحكم يشابه الحكم القضائي، ويكون حكمه ملزما للطرفين، فيأخذ شكل الحكم القضائي وإن كان ليس بحكم قضائي.

وذهب رأي ثالث بأنه ذا طبيعة مختلطة لا هو اتفاقي ولا هو قضائي، وإنما هو ذا طبيعة مختلطة وذلك على أساس أن التحكيم أوله اتفاق وأوسطه إجراء وآخره حكم.

وذهب رأي آخر بأنه ذا طبيعة مستقلة، فلا هو عمل إرادي محض ولا عمل قضائي محض، بل هو عمل خاص مستقل.

ونحن نؤيد الرأي الذي يقرر أنه ذا طبيعة مختلطة، إذ انه بالفعل يقوم على إرادة الأفراد في الاختيار وفي ذات الوقت نصت عليه التعليمات فهو ثابت قانونا، كما أنه إجراء يتخذه صاحب المصلحة بالاتفاق مع الطرف الآخر وينتهي بحكم يكتسب حجية الحكم القضائي، إذ أنه لا يستطيع أن يمتنع عن تنفيذه أي من الطرفين.

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

 دكتوراه القانون المدني

([1]) د. أحمد أبو الوفا، التحكيم الاختياري والإجباري، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط4، 1983.

([2]) د. أحمد محمد أحمد، مبادئ المحاكم الاقتصادية في ضوء سمو القانون الإلهي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2010.

([3]) د. أحمد مخلوف، اتفاق التحكيم في النظرية والتطبيق، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط1، 2007، ص38.

([4]) حكم نقض مصري رقم \13 لسنة15ق، جلسة 17\12\1994.

([5]) حكم تمييز اردني رقم\ 37لسنة1955، مشار إليه لدى، د. إبراهيم حرب محيسن، طبيعة الدفع بالتحكيم في الخصومة المدنية، دراسة مقارنة، المكتبة القانونية، 1999، ص14.

([6]) د. كمال إبراهيم، التحكيم التجاري الدولي حتمية التحكيم وضمنيته في قانون التجارة الدولي، دار الفكر العربي، 1991، ص15.

([7]) د. خالد كمال الدين عكاشة، دور التحكيم في فض منازعات عقود الاستثمار، دار الثقافة، عمان، ط1، 2014، ص344.

([8]) د. فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، دار النهضة العربية، 2001، بند 19، ص37وما بعدها.

Scroll to Top