مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري

مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري

إن عقد الحساب الجاري من العقود التجارية التي لها دور مهم في تنظيم علاقة المديونية بين كل من الدائن والمدين، ومحل هذا العقد هي المدفوعات والتي تتكون من نقود أو أموال أو أسناد تجارية قابلة للتمليك، وقد سبق وأن تحدثنا في مقالات سابقة عن عقد الحساب الجاري وعن مدفوعات الحساب الجاري وبما تتميز به فهي أساس عقد الحساب الجاري، وهي لا تقتصر على النقود، كما أنه لا يمكن تصفيتها إلا بإغلاق الحساب الجاري، وهي تخضع لمبدأ عدم التجزئة والذي هو موضوع مقالنا هذا، والذي سنتحدث عنه بالاستناد إلى قانون التجارة الأردني لسنة 1961 وتعديلاته، وذلك على النحو التالي:

جدول المحتويات

مفهوم مبدأ عدم تجزئة المدفوعات

أسباب عدم التجزئة المدفوعات

موقف المشرع الأردني من مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري

تطبيق مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري في القضاء الأردني

العلاقة بين مبدأ عدم تجزئة الحساب الجاري والأثر التجديدي للحساب الجاري

شروط التجديد

الآثار المترتبة على مبدأ عدم تجزئة الحساب الجاري

 

مفهوم مبدأ عدم تجزئة المدفوعات

إن مبدأ عدم تجزئة المدفوعات هو أحد آثار قيد المدفوعات في الحساب الجاري، ويقصد به تحول الدين إلى مجرد مفرد في الحساب والذي من شأنه أن يؤدي إلى فقدان صفات الدين الخاصة واندماجه في وحدة لا تتجزأ وذلك حتى يتم إقفال الحساب الجاري واستخراج الرصيد النهائي [1]، كما يعرف على أنه دخول الدين للحساب وعدم بقائه على حاله وتحوله إلى مفرد حسابي ، وفقدانه  الكثير من صفاته التي كانت له، وأن هذا المفرد الحسابي أو المدفوع كما يسنيه الفقه لا يعيش منفرداً بل أنه يندمج مع غيره من المفردات أو ينصهر مع تلك المفردات داخل الحساب حتى يحين موعد قفل الحساب ليشارك معها في تكوين الرصيد وما يترتب على ذلك من آثار[2].

وعليه يمكن بدورنا أن نعرف مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب على أنه وحدة مدفوعات الحساب واتحاد كل مفرد يدخل بالحساب مع ما قبله وما بعده من مفردات بحيث لا يمكن فصلها عن بعضها البعض لتحديد فيمن هو الدائن ومن هو المدين وإنما عند تصفية الحساب حال إغلاق وبنتيجة تصفية إجمالية هذه المدفوعات يعرف من هو الدائن ومن هو المدين.

أسباب عدم التجزئة المدفوعات

تقسم أسباب عدم التجزئة إلى قسمين وهما:

1_ أسباب عدم التجزئة المطلقة أو النسبية.

2_ أسباب عدم التجزئة الاتفاقية.

عدم التجزئة النسبية أو المطلقة

يقصد بعدم التجزئة المطلقة أي أن الالتزام غير قابل للقسمة بطبيعته، أما عدم التجزئة النسبية أي أن محل الالتزام غير قابل للانقسام لا بأصله بل لعارض من عمل الإنسان، كالالتزام ببناء منزل في مجموعة بالكامل [3].

عدم التجزئة الاتفاقية

وتعني أن يكون محل الالتزام قابل للانقسام بطبيعته، إلا أن إرادة طرفي العلاقة التعاقدية تتجه إلى عدم القابلية للانقسام، أي أن قصد الطرفين اتجه إلى تأجيل المقاصة بين الديون أو مفردات الحساب إلى وقت القفل النهائي للحساب، وقبل ذلك فليس هناك سوى مفردات في الجانب الدائن والجانب المدين، وفكرة التماسك هي التي تفسر هذه الفترة المعلقة ما بين دخول الدين الحساب حتى وقت قفله، فهي تربط المفردات بالحساب، فإذا لم تتوافر هذه الإرادة مع سائر شروط الحساب كان الحساب عادياً وغير خاضع بالتالي لهذا المبدأ [4].

موقف المشرع الأردني من مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري

أكد المشرع الأردني في المواد 106 و111 و112 من قانون التجارة الأردني على مبدأ عدم جواز تجزئة مدفوعات الحساب الجاري حيث ورد في نص المادة106: يراد بعقد الحساب الجاري الاتفاق الحاصل بين شخصين على أن ما يسلمه كل منهما للآخر بدفعات مختلفة من نقود وأموال وأسناد تجارية قابلة للتمليك يسجل في حساب واحد لمصلحة الدافع ودينا على القابض دون أن يكون لاي منهما حق مطالبة الآخر بما سلمه له بكل دفعة على حدة بحيث يصبح الرصيد النهائي وحده عند إقفال هذا الحساب دينا مستحقا ومهيا للأداء.

فهذا النص يؤكد على وحدة مدفوعات الحساب وعدم جواز المطالبة بأي مفرد على حده لأنه جزء لا يتجزأ من الحساب، وهذا ما أكدت عليه المادة 112 من ذات القانون فقد جاء في الفقرة الأولى منها: 1. أن الديون المترتبة لاحد الفريقين إذا أدخلت في الحساب الجاري فقدت صفاتها الخاصة وكيانها الذاتي فلا تكون بعد ذلك قابلة على حدة للوفاء ولا للمقاصة ولا للمداعاة ولا لإحدى طرق التنفيذ ولا للسقوط منفردة بالتقادم.

وكذلك نص المادة 112 من ذات القانون حيث جاء بالفقرة الأولى منها: لا يعد أحد الفريقين دائنا أو مدينا للفريق الآخر قبل ختام الحساب الجاري.

ماهية الاندماج بين مدفوعات الحساب الجاري

لا يعد اندماج مفردات الحساب الجاري اندماجاً مادياً، وإنما هو اندماج قانوني إذا ترتبط المفردات برباط قانوني، ويفسر ذلك إلى أنه إذا كان الارتباط مادياً لأدى إلى توقف الحساب عند قيد كل عملية وهو ما يخالف جوهر الحساب الجاري، وإذا حدث العكس بأن تخلف الاندماج القانوني وذلك بانفصال المفردات عن بعضها البعض فلا نكون أمام حساب جاري [5].

تطبيق مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري في القضاء الأردني

فعل القضاء الأردني مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري في عدد من الأحكام ومنها:

حيث قضت محكمة التمييز بأنه (3_ عملاً بنص الفقرتين الأولى والثانية من المادة 112 من قانون التجارة أنه لا يعد أحد الطرفين دائناً أو مديناً للفريق الآخر قبل ختام الحساب الجاري إذ أن إيقاف هذا الحساب هو وحده الذي يحدد حالة العلاقات القانونية بين الطرفين وهو الذي ينشأ عنه حتماً المقاصة الإجماعية لجميع بنود الحساب من تسليف واستلاف وهو الذي يعين الدائن والمدين)[6].

شرط قابلية المدفوعات للتبادل والتشابك

إن من الشروط الخاصة بالحساب الجاري والتي تمييزه عن غيره من الحسابات المصرفية هو قابلية مدفوعات الحساب الجاري للتبادل وهو الشرط هام لتطبيق مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري، وفي حال عدم توفر هذا الشرط اعتبر الحساب حساباً عادياً لا تنطبق عليه مبدأ عدم تجزئة الحساب الجاري.

العلاقة بين مبدأ عدم تجزئة الحساب الجاري والأثر التجديدي للحساب الجاري

لكي نحدد طبيعة العلاقة بين مبدأ عدم تجزئة الحساب الجاري والأثر التجديدي للحساب الجاري، لا بد أن تعرف على ماهية التجديد من حيث مفهومه وشروطه.

مفهوم التجديد

التجديد بشكل عام هو اتفاق بين طرفين ينتج عنه إحلال التزام جديد مكان التزام قديم مختلف عنه في أحد عناصره، إما الشخصية أو الموضوعية، وما يهمنا بالتجديد العناصر الموضوعية ويقصد بها المصدر والدخل[7]، وتجديد الحساب الجاري يقصد به هو تجدد الحساب الجاري بكل مفرد يدخل عليه ، فكل مفرد يدخل في الحساب الجاري تنقطع صلته بما كان عليه ويفقد خصائصه ويشترك في مدفوعات الحساب الجاري ويندمج معها وتأخذ صفات الحساب وخصائصه ،  كما يعرف الأثر التجديدي على أنه فقدان القيود المقيدة في الحساب الجاري لصفاتها الأصلية وكيانها الذاتي ليحل محلها قيد في الحساب طرفاه الدائن والمدين [8]، وقد أكد المشرع الأردني على فكرة التجديد في المادة 111 من قانون التجارة الأردني حيث جاء فيها:

  1. إن الديون المترتبة لاحد الفريقين اذا أدخلت في الحساب الجاري فقدت صفاتها الخاصة وكيانها الذاتي فلا تكون بعد ذلك قابلة على حدة للوفاء ولا للمقاصة ولا للمداعاة ولا لإحدى طرق التنفيذ ولا للسقوط منفردة بالتقادم.
  2. وتزول التأمينات الشخصية أو العينية المتصلة بالديون التي أدخلت في الحساب الجاري ما لم يكن اتفاق مخالف بين الفريقين.

وعليه فإن المشرع الأردني رأى أن الدين أو الحق يتجدد فور دخوله الحساب الجاري دون الانتظار حتى إقفال الحساب الجاري واستخلاص الرصيد النهائي، ودليل ذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 111 وهي زوال تأمينات الحق أو الدين بدخولها الحساب وجعل الحق لطرفي الالتزام في البقاء على هذه التأمينات استثناءاً وليس أساساً.

شروط التجديد

1_ التزامن بين التزامين، التزام جديد ينشأ في وقت انقضاء التزام قديم، ويشترط في كلا التزامين أن يكونا موجودان فعلاً، وخاليان من أسباب البطلان، كما يشترط أن يختلف كلا الالتزامين عن بعضهما البعض، وشرط النية، أي أن تتجه إرادة الطرفين إلى التجديد وهذا شرط في مدفوعات الحساب الجاري.

وبالعودة إلى الحديث عن العلاقة بين مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري والأثر التجديدي للحساب الجاري هو أن التجديد هو القاعدة الأساسية لمبدأ عدم التجزئة وتهيئة الديون والحقوق التي تقيد في الحساب بحيث تكون قابلة للخضوع لأثار مبدأ عدم التجزئة [9].

فالديون التي تقيد في الحساب ولم تتحول إلى بنود مجردة في الحساب لها استقلاليتها وذاتيتها المنفصلة فإن مبدأ عدم التجزئة سيبقى عاجزاً من أن يلعب دوره في دمج كل هذه الحقوق أو الديون في كتلة واحدة من المفردات الحسابية لتصبح غير قابلة للتجزئة[10].

الآثار المترتبة على مبدأ عدم تجزئة الحساب الجاري

1_ عدم مديونية أحد الطرفين أثناء تشغيل الحساب الجاري.

2_عدم اعتبار أي مدفوع وفاء للأخر.

3_ عدم جواز إجراء المقاصة بين مدفوعات الحساب أثناء سريانه.

4_ عدم جواز رفع دعوى عدم نفاذ التصرف.

5_ اندماج بنود الحساب الجاري.

من بعض قرارات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بمبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري

الحكم رقم 3547 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية

يستفاد من المادة (111 ) من قانون التجارة أن الحساب الجاري عبارة عن وحدة واحدة تفقد فيه كل دفعة صفاتها وكيانها ( قرار تمييز 48/1990) ويعبر الفقه عن هذه القاعدة ( بعدم تجزئة الحساب الجاري ) والمقصود بذلك أن الدين بدخوله إلى الحساب يتحول إلى مفرد حسابي ويفقد بذلك كثيراً من صفاته التي كانت له وهذا الفرد الحسابي لا يعيش منفرداً بل أنه يندمج مع غيره من المفردات داخل الحساب حتى يحين موعد قفله ليشارك معها في تكوين الرصيد فالمفرد يندمج مع القرارات الأخرى وأنه طالما أن الحساب مفتوح لا يمكن النظر فيه إلى مفرد بعينه لمعرفة مَنْ طرفيه الدائن ومن المدين د. علي جمال الدين عوض /عمليات البنوك صفحة 367 وما بعدها ) ومن نتائج هذا المبدأ امتناع المطالبة بأي مفرد في الحساب ويقوم هذا الحكم على إرادة الطرفين إذا قصدا تأجيل تسوية الديون حتى وقف قفل الحساب وجاء في أحكام القضاء المصري أن الحساب الجاري يعتبر وحدة متماسكة العناصر غير قابلة للتجزئة فلا يجوز فصل العمليات الداخلة فيه والنظر إلى كل منها بانفراد ذلك أن كل دين يدخل الحساب يفقد ذاتيته ومقوماته كدين مستقل ويعتبر مفردة من مفردات الحساب لا يمكن فصلها أو المطالبة بها على استقلال وتنعدم الديون والحقوق داخل الحساب وتحل محلها مفردات حسابية من الجانبين بحيث تتجمع هذه المفردات وتتقاص دفعة واحدة عند قفل الحساب (المرجع السابق صفحة 371.).

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] اليأس ناصيف، الحساب الجاري في القانون المقارن، سلسلة أبحاث قانونية مقارنة (2)، 1992، ص 134.

[2] د. علي جمال الدين عوض، عمليات البنوك من الوجهة القانونية في قانون التجارة الجديد وتشريعات البلاد العربية، ط3، دار النهضة، القاهرة، سنة 2000، ص 318.

[3] أحمد محمود جمعة، مبدأ عدم تجزئة مفردات الحساب الجاري في الفقه والقضاء (دراسة مقارنة)، الناشر منشأة المعارف، الإسكندرية، 74.

[4] محمود حسين القيام، مبدأ عدم تجزئة مدفوعات الحساب الجاري، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك 2014، ص 22.

[5] أحمد محمود جمعه، المرجع السابق، ص 99.

[6][6] محمود حسين القبام، مرجع سابق، ص 27.

[7] هشام فالح الطاهات، آثار قيد المدفوعات في الحساب الجاري: دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، 2000.

[8] د. هشام فرعون، القانون التجاري البري، ج 2، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، جامعة حلب، ص 190.

[9] د. أحمد محمود جمعة، المرجع السابق، ص 109_ 108.

[10] د. علي البارودي، القانون التجاري، مطبعة الدار الجامعية، القاهرة، 1991، ص 329.

Scroll to Top