حجية محاضر وضبوطات الضابطة العدلية أمام القضاء الجزائي

حجية محاضر وضبوطات الضابطة العدلية أمام القضاء الجزائي

في مستهل الحديث عن حجية محاضر وضبوطات الضابطة العدلية أمام القضاء الجزائي، ينبغي أن أؤكد على أن الإجراءات التي تقوم بها الضابطة القضائية كثيرة ومتنوعة، لكن للمحاضر والضبوطات أهمية خاصة بين تلك الإجراءات، لما تلعبه من دور جوهري في تحديد مسار الملف إما نحو البراءة وإما نحو الإدانة، وعلي الرغم أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لم يعرف المحضر ولم يصنف أنواع محاضر وضبوطات الضابطة العدلية، بل ترك تقدير تمتعها بالحجية أم لا، وتحديد درجاتها في القوة الإثباتية للقناعة الشخصية لقاضي الموضوع وفقاً لمبدأ حرية الإثبات، إلا أن المشرع الأردني وضع الإطار العام لمهام الضابطة العدلية في المادة الثامنة من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والشروط الشكلية لمحاضر وضبوطات الضابطة العدلية في نصوص متفرقة من هذا القانون، وأشار أيضاً للشروط الموضوعية لها في أحكام المادة( 151 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وترتيباً على ما تقدم ينبغي لنا أن نسلط الضوء في هذا المقال على حجية محاضر وضبوطات الضابطة العدلية أمام القضاء، وتحديد أنواعها بشكل واضح وبيان القوة الإثباتية لكل نوع، ولكن قبل ذلك حري بنا أن نتطرق للشروط الشكلية والموضوعية لمحاضر وضبوطات الضابطة العدلية، وذلك من خلال العناصر الآتية:

أولاً: الشروط الشكلية لمحاضر وضبوطات الضابطة العدلية.

ثانياً: الشروط الموضوعية لمحاضر وضبوطات الضابطة العدلية.

ثالثاً: حجية محاضر وضبوطات الضابطة العدلية.

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن محاضر وضبوطات الضابطة العدلية أمام القضاء الجزائي.

خامساً: الخاتمة

 

أولاً: الشروط الشكلية لمحاضر وضبوطات الضابطة العدلية.

من المسلم به أن هناك مجموعة من الشروط يلزم توافرها في محاضر وضبوطات الضابطة العدلية حتى تتحقق الحجية لها، وهذه الشروط ترتبط بشكليات المحضر، ولقد جاءت هذه الشروط مبعثرة في العديد من مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني نذكر من هذه النصوص ما يلي:
المادة (100) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني نصت على أنه: ” في الأحوال التي يتم فيها القبض على المشتكي عليه وفقاً لأحكام المادة (99) من هذا القانون يتوجب على موظف الضابطة العدلية وتحت طائلة بطلان الإجراءات القيام بما يلي: –

أ- تنظيم محضر خاص موقع منه ويبلغ إلى المشتكي عليه أو إلى محاميه إن وجد ويتضمن ما يلي:

  1. اسم الموظف الذي أصدر أمر القبض والذي قام بتنفيذه.
  2. اسم المشتكي عليه وتاريخ إلقاء القبض عليه ومكانه وأسبابه.
  3. وقت إيداع المشتكي عليه وتاريخه ومكان التوقيف أو الحجز.
  4. اسم الشخص الذي باشر بتنظيم المحضر والاستماع إلى الأقوال.
  5. توقيع المحضر ممكن ورد ذكرهم في البنود (2،3،4) من هذه الفقرة ومن المشتكي عليه وفي حالة امتناعه يشار إلى ذلك في المحرر مع بيان السبب.

ب- سماع أقوال المشتكي عليه فور إلقاء القبض عليه وإرساله خلال أربع وعشرين ساعة إلى المدعي العام المختص مع المحضر المشار إليه في البند (أ) من هذه الفقرة، ويتوجب على المدعي العام أن يثبت في المحضر التاريخ والوقت الذي مثل المشتكي عليه أمامه لأول مرة، ويباشر إجراءات التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة حسب الأصول.

ج- تسري أحكام الفقرة (أ) من هذه المادة على جميع الحالات التي يتم فيها إلقاء القبض على أي شخص وفقاً لأحكام هذا القانون).

  • وفى نفس الصدد فإن المادة( 46 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أكدت على أن: ( موظفي الضابطة العدلية المذكورين في المادة( 44 ) ملزمون في حال وقوع جرم مشهود، أو حالما يطلبهم صاحب البيت أن ينظموا ورقة الضبط ويستمعوا لإفادات الشهود، وأن يجروا التحريات وتفتيش المنازل وسائر المعاملات التي هي في مثل هذه الأحوال من وظائف المدعي العام، وذلك كله طبقاً للصيغ والقواعد المبينة في الفصل الخاص بإجراء وظائف المدعي العام).
  • ومن استقراء تلك النصوص وغيرها يلاحظ أن هناك شروطا شكلية استلزم المشرع الأردني توافرها في محاضر وضبوطات الضابطة العدلية لضمان حجيتها وهذه الشروط هي:-

1– اسم محرر المحضر وصفته ومكان عمله وتوقيعه:
مما لا شك فيه أن تحرير المحضر بواسطة موظفي الضابطة العدلية يضفي عليه الحجية، لأن المحضر المحرر من مجهول ليس له أي حجية ويلحق به البطلان، لذا فمن الضروري أن يذكر في المحضر اسم موظف الضابطة العدلية وصفته ومكان عمله، حتي يمكن إجراء الرقابة على عمل الضابطة العدلية سواء من النيابة العامة أو المحكمة، وللتأكد من عدم خروجها عن قواعد الاختصاص الممنوحة لها.
– وبالنسبة لتوقيع موظف الضبطية العدلية فهو أيضاً أمر لا غني عنه وذلك على جميع أوراق المحاضر والضبوطات، حتي يتسنى إحاطتها بسياج من الرقابة الصارمة من خلال النيابة العامة، والتي ينبغي عليها التأكد من أن المحاضر والضبوطات قد استوفت الشكليات القانونية، تمهيداً لإحالتهم مع أوراق الملف إلى المحكمة.
– وغني عن البيان أن المشرع الأردني في المادة السابعة من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد رتب البطلان على كل إجراء يشوبه عيب جوهري، ولا يتحقق بسبب هذا العيب الغاية من الإجراء، وترتيباً على ذلك فيلزم أيضاً توقيع المشتكي عليه، وإذا امتنع عن التوقيع يثبت ذلك في المحضر مع بيان السبب، وتبدو الحكمة من ذلك هي إضفاء المزيد من الشفافية على عمل الضابطة العدلية، وإضفاء الحجية على تلك المحاضر، لأن عدم توقيع المحضر من المشتكي عليه يعد دليل على عدم صدور تلك الإفادات عنه.([1])
2تحديد الوقت والتاريخ المتعلق بإنجاز الإجراء وتحرير المحضر:-

تجدر الإشارة إلى أهمية هذا الشرط وأنه بيان جوهري لازم، والحكمة منه هي منع أي تجاوز أو شطط في عمل الضابطة العدلية، وخضوعها لرقابة القضاء حفاظاً على حقوق المواطنين وحرياتهم، لذلك فقد اشترط المشرع الأردني لصحة المحاضر ضرورة تحديد وقت إيداع المشتكي عليه وتاريخه وتاريخ إلقاء القبض عليه ومكان توقيفه أو حجزه، علاوة على ضرورة سماع أقوال المشتكي عليه فور إلقاء القبض عليه وإرساله خلال أربع وعشرين ساعة إلى المدعي العام.
ويثور التساؤل عما هو الجزاء إذا لم يتوافر في المحاضر والضبوطات هذا البيان الجوهري؟ في الحقيقة إذا تم مخالفة ذلك الشرط فإن الإجراءات تبطل، ولا يجوز التعويل على تلك المحاضر والضبوطات في الإثبات.

3- الهوية الكاملة للمشتكي عليه:-
من الشروط الشكلية الأساسية لمحاضر وضبوطات الضابطة العدلية والتي ينبغي احترامها أثناء تحرير المحضر ضرورة إثبات الهوية الكاملة للمشتكي عليه، حتي يمكن معرفته المعرفة الكافية النافية للجهالة، فيلزم كتابة الاسم الكامل للمشتكي عليه وتاريخ ومكان ولادته ومهنته وعنوانه ورقمه الوطني، حيث نصت المادة ( 160) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: ( لإثبات هوية المتهم أو الظنين أو المشتكي عليه أو هوية من له علاقة بالجرم، تقبل في معرض البينة بصمات الأصابع وبصمات راحة اليد وباطن القدم أثناء المحاكمات أو إجراءات التحقيق إذا قدمت بواسطة الشاهد أو الشهود وكانت مؤيدة بالبينة الفنية، كما يجوز قبول الصور الشمسية في معرض البينة للتعرف على صاحبها)، والحكمة من ذلك تحديد ما إذا كان المشتكي عليه رشيداً أم حدثاً، وما إذا كان المختص بالدعوي القضاء النظامي أم القضاء العسكري أو الشرطي ولسهولة تنفيذ الحكم في المستقبل.([2])

4- سماع أقوال المشتكي عليه:-
في واقع الأمر أن هذا الشرط الشكلي يعد شرطاً أساسياً لأنه يدل على شفافية عمل الضابطة العدلية، كما يبين مدي دقة عملها من ناحية أخري، ويضفي على محاضر الضابطة العدلية الثقة والمصداقية، فيتعين سماع أقوال المشتكي عليه وتصديقه عليها بتوقيعه أو ببصمته إن كان لا يعرف القراءة والكتابة، أو الإشارة بأنه قد رفض التوقيع مع بيان السبب.
– وجدير بالذكر أنه لا يجوز لموظف الضابطة العدلية استجواب المشتكي عليه، لأن الاستجواب يعد حق قانوني للمدعي العام فقط، وذلك تأسيساً على ما ورد في المادة (48/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تشير إلى أنه: ( يمكن للمدعي العام أثناء قيامه بالوظيفة في الأحوال المبينة في المادتين (29-42) أن يعهد إلى أحد موظفي الضابطة العدلية كلٌ حسب اختصاصه بقسم الأعمال الداخلة في وظائفه إذا رأي ضرورة ذلك، ماعدا استجواب المشتكي عليه).
– ويلاحظ أنه إذا كان المشتكي عليه أجنبياً فلابد من الاستعانة بمترجم، أما إذا كان المشتكي عليه أصم أو أبكم فيجب الاستعانة بمترجم الإشارة، ولا يفوتنا أن ننوه على أنه من ضمانات وحقوق المشتكي عليه حقه في الصمت، وهو من الحقوق المكفولة له بمقتضي المواثيق الدولية، وإحدى الدعامات الأساسية للسياسة الجنائية المعاصرة.([3])

ثانياً: الشروط الموضوعية لمحاضر وضبوطات الضابطة العدلية.

ويقصد بها تلك الشروط التي ترتبط بمضمون وجوهر المحضر أو الضبط وتمييزها عن باقي المحررات الأخرى، وذلك ليحوز المحضر أو الضبط قوة وحجية في الإثبات.

  • ولقد أشار إلى ذلك المشرع الأردني في نص المادة (51) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني والتي جاء فيها أنه: (لكي تكون للضبط قوة إثبات يجب:
  • ‌أ- أن يكون قد نظم ضمن حدود اختصاص الموظف وأثناء قيامه بمهام وظيفته.
  • ‌ب- أن يكون الموظف قد شهد الواقعة بنفسه.

أن يكون الضبط صحيحاً في الشكل.
أما الضبوط الأخرى فتكون جميعها كمعلومات عادية).

  • ومن استقراء النص سالف الذكر يمكن أن نستخلص عدة شروط موضوعية يلزم توافرها في محاضر وضبوطات الضابطة العدلية حتى نضمن حجيتها، وهذه الشروط هي: –

1شرط الكتابة: – لعله من المفيد أن نؤكد على أهمية شرط الكتابة لصحة المحضر والضبط، فلا حجية للضبوطات الشفوية أو المسجلة بوسيلة مرئية أو سمعية ما لم تكن مكتوبة، ولذلك نصت المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه ينبغي أن يكون المحرر أو الضبط مكتوباً باللغة العربية، لأنها اللغة الرسمية للقضاء الأردني طبقاً للدستور، كما لا يخفي عن الفطنة أنه يشترط في صياغة المحضر أن يتم بأسلوب واضح ودقيق، ولا يجوز استخدام العبارات الغامضة أو المبهمة والتي لا تدل على المعني المقصود بشكل صريح وواضح.

2– أن يحرر المحضر أو الضبط ضمن اختصاص موظف الضابطة العدلية:-يلاحظ من خلال القراءة الأولية لنص المادة (9/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أنه يجب أن يتوافر في محرر الضبط الضفة الضبطية وذلك لصحة الإجراءات، ولقد أكد ذلك نص المادة المشار إليها والتي تقضي بأنه: ( يقوم كل من الموظفين المذكورين بوظائف الضابطة العدلية في نطاق الصلاحيات المعطاة لهم في هذا القانون والقوانين الخاصة ببهم).
– وتأكيداً لذلك أيضاً يجب أن يكون موظف الضابطة العدلية مختصاُ مكانياً بالعمل، استنادا إلى ما ورد في الفقرة (أ) من المادة (15) من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي اشترطت أن يكون الضبط ضمن حدود اختصاص الموظف، وأثناء قيامه بمهام وظيفية.

1- أن يكون الموظف قد شهد الواقعة بنفسه وإثبات ذلك في المحضر: –
فإذا ثبت أن الموظف لم يشاهد بنفسه الواقعة، بل شاهدها غيره ونقلها له فالضبط يعد باطلاً لا حجية له، وكذلك الأمر إذا ثبت أن موظف الضابطة العدلية قد أنجز الضبط أثناء فترة أجازته أو خارج ساعات عمله الرسمية، أو لم يشاهد بنفسه ما قام بتحريره فإن الضبط يعتبر باطلاً ولا حجية له. ([4])

ثالثاً: حجية محاضر وضبوطات الضابطة العدلية.

لابد من الإشارة إلى أن محاضر وضبوطات الضابطة العدلية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع وذلك على النحو التالي: –

1- المحاضر والضبوطات التي لا يطعن فيها إلا بالتزوير: –

تنص المادة السابعة من قانون البيانات الأردني في الفقرة الأولي منها على أنه: (تكون الإسناد الرسمية المنظمة حجة على الناس كافة بما دون فيها من أفعال مادية قام بها الموظف العام في حدود اختصاصه، أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره وذلك ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً).

  •  ويستفاد من هذا النص أن المحاضر والضبوطات هي محاضر وضبوطات رسمية ولها حجية قوية تقوم على قرينة قانونية قاطعة لا يجوز إثبات عكسها أو دحضها بطرق الإثبات العادية، فالسبيل الوحيد لإنكار حجيتها هو الطعن بالتزوير وذلك بالإجراءات الخاصة بدعوي التزوير، ولا تستبعد حجيتها إلا إذا حكم بتزويرها.
  • ومن أمثلة ذلك تقرير مختبر الحكومة الكيماوي حيث ورد في المادة ( 161 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أن: ( التقرير الذي يستدل منه أنه صادر من الموظف المسؤول عن مختبر الحكومة الكيماوي أو محلل الحكومة الكيماوي والموقع بتوقيعه والمتضمن نتيجة الفحص الكيماوي أو التحليل الذي أجراه بنفسه بشأن أي مادة مشتبه فيها يقبل في معرض البينة في الإجراءات الجزائية دون أن يدعي الموظف أو المحلل كشاهد).
  • وبالرغم من ذلك أشارت ذات المادة في الفقرة الثانية إلى أنه: ( بالرغم من أحكام الفقرة (أ) يترتب على الموظف أو المحلل أن يحضر كشاهد في الإجراءات الجزائية القائمة أمام أية محكمة بما في ذلك محكمة الصلح، إذا رأت المحكمة أو قاضي الصلح أن حضوره ضروري لتأمين العدالة)، وتبدو الحكمة التي يبتغيها المشرع من ذلك إعطاء التقارير التي يقوم بها مختبر الحكومة أهمية خاصة مما يكسبها مكانة كبيرة، يتم الاعتماد عليها للوصول إلى الحقيقة.([5])

2المحاضر والضبوطات التي يوثق بمضمونها ما لم يثبت عكسها:-
لقد تناول هذا النوع من المحاضر والضبوطات قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة (150 ) والتي نصت على أنه: ( يعمل بالضبط الذي ينظمه أفراد الضابطة العدلية في الجنح والمخالفات المكلفون بإثباتها بموجب أحكام القوانين الخاصة، وللمشتكي عليه إثبات عكسها بجميع طرق الإثبات)، ويستفاد من النص سالف الذكر أن المحاضر والضبوطات في الجنح والمخالفات تعتمد على قرينة بسيطة وهي صدق ما جاء فيها ما لم يثبت عكسها، ويمكن إثبات عكسها بأي وسيلة من وسائل الإثبات، وأغلب الأحكام الصادرة بالإدانة من القضاء الجزائي تبني على هذه المحاضر وما ورد بها من إفادات ووقائع، ومثال ذلك أن يتضمن محضر التحقيق الشرطي اعتراف المشتكي عليه بارتكاب جنحة السرقة بتاريخ معين، وأثناء مثوله أمام هيئة المحكمة يقدم نسخة من جواز سفره تثبت أنه يوم الفعل الإجرامي للسرقة كان موجوداً خارج الدولة، أو أن يتم إثبات أن اعترافه كان وليد إكراه وذلك بشهادة السهود أمام المجتمع.([6]) – ولقد استقر القضاء على أن القوة الإثباتية لمحاضر الجنح والمخالفات لا تنسحب إلا على ما قام به محرروها أنفسهم، وليس ما تضمنته من تصريحات تلقوها من غيرهم والتي تحتمل الصدق والكذب.

3- المحاضر والضبوطات التي تعتبر مجرد معلومات:-
وهذا النوع يأتي في المرتبة الثالثة من حيث اعتمادها كدليل في الإثبات فهو أضعف في الإثبات عن النوعين السابقين، فهذه المحاضر لا تلزم المحكمة وتتمتع في مواجهته بكامل السلطة التقديرية فقد تأخذ بها أو تطرحها ولا تعتمد بما جاء فيها وقد أشارت لهذا النوع المادة( 151) من قانون أصول المحاكمات الجزائية بقولها: ( أما الضبوطات الأخرى قد تكون جميعها كمعلومات عادية)، ويفهم من ذلك النص سالف البيان أنه باستثناء المحاضر والضبوطات التي لا يطعن فيها إلا بالتزوير والمحاضر والضبوطات التي يوثق بمضمونها ما يثبت ما يخالفها، فإن باقي المحاضر تعد مجرد معلومات عادية.

  • ومن هذه الضبوطات والمحاضر تلك التي يحررها موظفون عموميون لا ينسبون للشرطة القضائية ولا يتمتعون بالصفة الضابطة كالمحاضر والضبوطات التي يحررها موظفون إداريون وكذلك المحاضر التي فقدت شروطها القانونية لا حجية لها وليست سوي معلومات عادية.

رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن محاضر وضبوطات الضابطة العدلية أمام القضاء الجزائي.

1- قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء، رقم 1513 لسنة 2013 بتاريخ 4/5/2004:- حيث جاء فيه: ( أنه إذا كان ضبط الإفادة الذي قدمته نيابة أمن الدولة بحق المميز غير موقع منه وقد أنكر أمام المدعي العام وأمام المحكمة تلك الإفادة، فإنه يتوجب عملاً بنص الفقرة الثالثة من المادة( 63 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أن يوقع أي مشتكي عليه على إفادته حتي أمام المدعي العام، فإن هذه الإفادة تعتبر بينة غير صالحة للأخذ بها في الإثبات).
2-قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء، رقم 1513 لسنة 2013 بتاريخ 4/5/2004، منشورات مركز عدالة:-
حيث جاء فيه أيضاً أنه: ( يستفاد من المادة ( 7/5 ) من قانون محكمة أمن الدولة المعدل بأنه لا يجوز الاحتفاظ بالمشتكي عليهم مدة تتجاوز السبعة أيام قبل إحالتهم للمدعي العام، وأن يكون هناك ضرورة تستدعي ذلك فإن لم يرد وجود أية ضرورة لعدم إحالتهم فور ضبط أقوالهم وانتظار هذه المدة الطويلة، فإن هذا يخالف القانون مما يشير إلى وقوع الاعتداء والعنف عليهم مما يجعل الأقوال والإفادات التحقيقية وليدة إكراه نتيجة ضرب ولا يمكن الاعتماد عليها في تجريم المتهمين).

3-قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء، رقم 10 لسنة 1984 المنشور على صفحة رقم 790 من عدد مجلة نقابة المحامين بتاريخ 1/1/1985: – والذي ورد فيه أنه: (إذا ثبت بمحكمة الجنايات الكبرى أن الأقوال التي ضبطت من قبل أحد أفراد الضابطة العدلية قد أخذت بطريق الاستجواب خلافاً لأحكام المادة 48 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي لا تجيز استجواب المتهم فقد أصابت باستبعاد هذه الأقوال من عداد البينة).

4- قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء، رقم 1483 لسنة 2011 منشورات قسطاس: – والذي قضت فيه بما يلي: (أ- يعمل بالضبط المنظم من قبل أفراد الضابطة العدلية في الجنح والمخالفات المكلفون بإثباتها بموجب أحكام القوانين الخاصة، وللمشتكي عليه أن يثبت عكسها بجميع طرق الإثبات سنداً لنص المادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ب- يكون للضبط قوة ثبوتية، حال توفر الشروط المنصوص عليها في المادة 151 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).

5-قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء، رقم 99 لسنة 2021 بتاريخ 11/2/2021:- والذي قضت فيه بأن: ( تقرير المختبر الجنائي الذي ورد فيه تطابق السمات الوراثية لدم المميز المتهم مع الخلايا الطلائية المستحصلة من مقبض السكين رقم 3 الوارد بتقرير المختبر الجنائي وتقرير الكشف على مكان السرقة الذي جاء فيه أن السرقة تمت عن طريق خلع شباك البرنده في الطابق الأرضي الذي تطابق مع اعتراف المتهم أمام الشرطة، أن السرقة تمت عن طريق خلع الشباك في الطابق الأرضي هي بيانات قانونية كافية لربط المتهم بجناية السرقة بالاشتراك المسندة إليه بحدود المادتين ( 404 و 76) من قانون العقوبات، تؤدي إلى النتيجة ذاتها التي توصلت إليها محكمة الاستئناف).

6- قرار محكمة التمييز الأردنية، جزاء، رقم 14883 لسنة 2006 من منشورات قسطاس، بتاريخ 31/3/2021: – والذي أشارت فيه إلى أنه: (يُعمل بالضبط المنظم من قبل أفراد الضابطة العدلية في الجنح والمخالفات المكلفون بإثباتها بموجب أحكام القوانين الخاصة، وللمشتكي عليه أن يثبت عكسها بجميع طرق الإثبات سنداً لنص المادة (150) من قانون أصول المحاكمات الجزائية).

خامساً: الخاتمة

وأخيراً وفي نهاية هذا المقال أود أن أوصي بضرورة تدخل المشرع الأردني وجمع النصوص المتناثرة المتعلقة بالضبوطات والمحاضر، ووضعها في مادة واحدة مع تحديد أنواعها بشكل واضح وبيان حجية كل نوع، لحسم أية تأويلات أو تفسيرات، مع الالتزام بمبدأ حرية الإثبات في الجنايات والجنح والمخالفات الواردة في المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجنائية.

إعداد الأستاذ/ جمال مرعي

[1] – انظر: القاضي عاطف فهد مفلح المغاريز، مدي حجية محاضر وضبوطات الضابطة العدلية أمام القضاء الجزائي، مجلة العلوم القانونية والسياسية، المجلد 31، العدد 2، ص 287.

[2] – انظر: القاضي عاطف فهد مفلح المغاريز، مدي حجية محاضر وضبوطات الضابطة العدلية أمام القضاء الجزائي، مجلة العلوم القانونية والسياسية، المجلد 31، العدد 2، ص 288.

[3] –  انظر أحمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، مطبعة دار الشروق، القاهرة، 2004، ص 495.

[4] – انظر عبد اللطيف بوحموش، دليل الشرطة القضائية في تحرير المحاضر وتوثيق المساطر، مطبعة ومكتبة الأمنية، الرباط، الطبعة الثانية، 2011، ص 168.

[5] – انظر أحمد قلش، ومحمد زنون، الإجراءات العملية للتحقيق الإعدادي، سلسلة المعارف العلمية في الشرح العملي للمسطرة الجنائية، مطبعة سيدي مؤمن، الطبعة الأولي، 2012، ص 10.

[6] – انظر القاضي عاطف مهند مفلح المغارير، مدي حجية محاضر وضبوطات الضابطة الدولية، مرجع سابق، ص 297.

Scroll to Top