مبدأ تغير الأحكام بتغير الأحوال في القانون الأردني
الأصل أن الأحكام متى تم صدورها على أسباب سائغة مستوفاة الشكل واستنفد طرق الطعن عليها فإنها تكون عنوان للحقيقة، ومتى كانت كذلك فتكون سابقة فصل فيما تناولت من مواضيع ولا يجوز التعرض للوقائع المحكوم فيها مرة أخرى، وفي هذا المقال سنتحدث عن مبدأ تغيير الأحكام بتغير الأحوال كاستثناء على القاعدة الأصلية وسيكون ذلك من خلال النقاط التالية:
أولًا: ماهية قاعدة “سابقة الفصل”
ثانيًا: علة الخروج عن القاعدة وتغير الأحكام
ثالثًا: تغير الأحكام الموضوعية ذات الحجية المؤقتة
رابعًا: تغير الأحكام الموضوعية الدائمة
خامسًا: تغير الأحكام في الدعاوى المستعجلة
أولًا: ماهية قاعدة “سابقة الفصل”
إن الأحكام هي عنوان الحقيقة، وقبل الحديث عن مبدأ تغير الأحكام بتغير الأحكام لابد أولًا أن نتعرف على القاعدة التي يشذ منه هذا المبدأ، فنعني بقاعدة “سابقة الفصل” أن الوقائع التي يتم تناولها أمام القضاء فإنها يمتنع تناولها مرة أخرى ما دامت قد استنفذت طرق الطعن وأصبحت أحكام باتة لا يجوز طعنها بأي شكل من الأشكال.
ويرجع التمسك بتلك القاعدة إلى سعي التشريعات المتباينة لاستقرار المعاملات بين الأشخاص وعدم حدوث تضارب في الأحكام إذا ما صدرت عدة أحكام مختلفة عن ذات الوقائع.
وفي ذلك نصت المادة (41) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني على:
- الأحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة، ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه القوة إلا في نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون ان تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلاً وسبباً.
- ويجوز للمحكمة ان تأخذ بهذه القرينة من تلقاء نفسها.
وباستقراء نص المادة المشار إليها وما استقر عليه الاجتهاد القضائي يتبين بأن القاعدة العامة تقضي بتوافر حجية الأمر المقضي به لمنطوق الحكم القطعي دون أسبابه إلا إذا كانت الأسباب مرتبطة بالمنطوق ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يقوم المنطوق بدونها عندها تحوز هذه الأسباب حجية الأمر المقضي به إضافة إلى توافر الشروط الأخرى وهي وحدة الخصوم والمحل والسبب فإذا تحققت هذه الشروط حازت الأسباب التي أدت إلى صدور الحكم على الحجية فلا يقبل أي دليل يناقضها طالما تعلق هذا الدليل بالواقعة ذاتها دون أن تتغير ظروفها ذلك أن هذه الأسباب في حقيقتها جزء لا ينفصل عن المنطوق وهو القسم الذي يوضح الوقائع والحجج التي أدت إلى صدوره وتحوز طبقاً لذلك قوة الشيء المحكوم به كون الخصوم سبق وأن تجادلوا بهذه الوقائع وتعرضت لها المحكمة في أسباب حكمها وفصلت فيها[1].
ثانيًا: علة الخروج عن القاعدة وتغير الأحكام
بينا في العنصر الأول ماهية قاعدة سابقة الفصل وأهميتها، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا النطاق هل تلك القاعدة تطبق على إطلاقها أم أن لها استثناء؟، والإجابة نجدها بنص المادة (39) من مجلة الأحكام والتي نصت على (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان. (انظر المادة 596. وينطبق عليها أيضا ما جاء في معناها في تقرير جمعية المجلة من ان رؤية أحد بيوت الدار كان قديما كافيا عند شرائها، وأما اليوم فلا، لان بناء البيوت في هذا الزمان لم يعد على طرز واحد كما كان قديما).
فمناط الخروج عن حجية الأحكام بالتغيير لتغير الأحوال يرجع إلى أن هناك بعض الأحوال التي قد تطرأ تجعل النزاع يطرح أمام القضاء بشكل مختلف غير الذي عرض به بدايةً.
قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان هو على التسليم بصحة هذه المقولة، وإلا فقد أنكرها كثير من المحققين جملة وتفصيلا؛ منهم الإمام التقي السبكي حيث يقول: قد يحصل بمجموع أمور حكم لا يحصل لكل واحد منهما وهذا معنى قول مالك يحدث للناس أحكام بقدر ما يحدث لهم من الفجور فال نقول: إن الأحكام تتغير بتغير الزمان، بل باختلاف الصورة الحادثة فإذا حدثت صورة على صفة خاصة علينا أن ننظر فيها فقد يكون مجموعها يقضي الشرع له حكما[2].
ثالثًا: تغير الأحكام الموضوعية ذات حجية المؤقتة
بعض الأحكام تكون ذات حجية مؤقته، وبذلك فإنها تتغير بتغير تلك الصفة المؤقتة، ويرجع التغير في الأحكام الموضوعية إلى أحد سببين إما شكلي وإما موضوعي.
وللتوضيح فإن ما نعني بمصطلح (الأحكام الموضوعية ذات الحجية المؤقتة) هي تلك الأحكام التي تصدر في دعوى معينة ويعلم من منطوق الحكم من أول وهلة أنه مؤقت لعيب في شكل الدعوى أو عيب في الإثبات، ومعنى ذلك أن هذا النوع من الأحكام قد يطرأ عليه التغير بمجرد تصحيح العيب سواء كان شكليًا أو موضوعيًا، فلا تعد مثل تلك الأحكام سابقة فصل في الدعوى.
1- الشكلي
قد يصدر حكم قضائي برفض الدعوى لعيب في شكل الدعوى كعدم وجود صفة كاملة مثلًا، ويرتب عدم قيام الخصومة بالحالة المعروضة أمام المحكمة، فهذا الحكم برفض الدعوى لسبب شكلي تكون حجيته مؤقتة باستمرار العيب في الشكل يرد عليه التغيير بتصحيح العيب في الشكل.
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 7323 لسنة 2018 – استئناف عمان- الصادر بتاريخ 2018-02-11 (وبما أن استمرار وكيل المدعية بالدعوى بعد انقضاء وتصفية موكلته كان استناداً إلى وكالة موقعة من مفوض المدعية فإن ذلك يخالف أحكام المادة (40/ب) من قانون الشركات وفقاً لما فصلناه، وتغدو هذه الدعوى حريةً بالرد لعدم أهلية المدعية (المستأنف ضدها) للاختصام، إذ أن أهلية الاختصام شرط لا بد من توافره في بداية الدعوى واستمراره لغاية صدور الحكم النهائي.
وحيث انتهت محكمة الصلح إلى خلاف هذه النتيجة إذ قضت للجهة المدعية بطلباتها رغم ما يشوب الخصومة وكما توصلنا أعلاه، فيغدو قرارها والحالة هذه في غير محله مستوجباً الفسخ لورود هذا السبب من أسباب الاستئناف عليه.
لهذا وتأسيساً على ما تقدم ودون الحاجة للرد على باقي أسباب الاستئناف نقرر قبول الاستئناف موضوعاً وعملا بالمادة (11/أ/3) من قانون محاكم الصلح وتعديلاته رقم 15 لسنة 1952 فسخ القرار المستأنف وبذات الوقت الحكم بردّ دعوى الجهة المدعية لعدم صحة الخصومة وتضمينها الرسوم والمصاريف عن المرحلتين ومبلغ (225) دينار أتعاب محاماة للمستأنف عن مرحلتي التقاضي وإعادة الأوراق إلى مصدرها.)
2- الموضوعي
في هذا النوع من الأحكام تقوم المحكمة بعد اكتمال الشكل بمناقشة موضوع الدعوى، ولسبب من الأسباب قد يعجز المدعي عن إثبات دعوى، فمتى رأت المحكمة أن مستند معين مهم ورغم ذلك لم يقدمه المدعي فتقوم برفض الدعوى بحالتها، ففي هذا الحالة يكون لهذا الحكم حجيته المؤقتة مالم يصحح المدعي دعواه ويتقدم بما طلب منه ويصدر حكمًا فاصلًا في النزاع دائم الحجية.
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 42537 لسنة 2015-استئناف عمان-الصادر بتاريخ 2016-01-19 (أي ان رد الدعوى بحالتها لعدم تقديم المدعي أي بينه تثبت دعواه هو حكم مرتبط بالحالة التي كانت عليها الدعوى حين ردها ولا يفصل بموضوع الدعوى على وجه حاسم وبالتالي فانه يجوز رفعها مرة أخرى عند تغير الحالة)
الحكم برفض الدعوى استنادا إلى خلو الأوراق من سندها هو في حقيقته قضاء في الدعوى بالحالة التي كانت عليها وقت صدوره له حجية موقوتة تقتصر على الحالة التي كانت عليها حين رفعها أول مره تحول دون معاودة طرح النزاع من جديد متى كانت الحالة التي انتهت بالحكم السابق هي بعينها لم تتغير وإنما يجوز رفع النزاع من جديد بعد تصحيح هذه الحالة أو تغييرها[3].
رابعًا: تغير الأحكام الموضوعية الدائمة
والنوع الثاني من الأحكام التي قد يطرأ عليها التغير هي الأحكام الموضوعية الدائمة، ونقصد بالأحكام الموضوعية الدائمة تلك الأحكام التي هي في الأساس لم تصدر بشكل مؤقت أن يظهر عليها تلك الصفة، بل صدرت كعنوان للحقيقة تعد سابقة فصل في الموضوع ولا يجوز إثارة موضوعها ما لم يحدث تغير يوجب ذلك.
ولعل أكثر الأمثلة إيضاحًا لهذا النوع من الأحكام هي الأحكام الخاصة بدعاوى الأسرة (خاصة النفقات)، فالأصل في الأحكام الصادرة في شق النفقات تعد سابقة فصل فيما هي مرفوعة لأجله، إلا أن تلك الأحكام قد يرد عليها التغير بتغير الحال، فعلى سبيل المثال قد تقضي المحكمة لزوجة بمبلغ صغير كنفقة زوجية لعمل الزوج وظيفة عادية، وبعد فترة من الزمن تبدل حال الزوج وأضحى مديرًا في عمله مما ضاعف راتبه أضعاف كثير، ففي هذه الحالة يكون الحكم الصادر بمبلغ بسيط عنوان للحقيقة وسابقة فصل في موضوع نفقة زوجية بناء على العمل البسيط، أما وأن حدث التغير في حال الزوج وزاد يساره فإنه يحق للزوجة المطالبة للتغير الحكم وإن كان قد فصل فيه سابقًا لتغير عنصرًا جوهريًا بني عليه الحكم.
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 34 لسنة 2017 – بداية حقوق مادبا الصادر بتاريخ 2018-02-25 (وفي هذا تجد المحكمة ان البينات المقدمة في الدعوى تشير وتثبت :ان المدعي سليمان شهير سليمان ناصر كان متزوجا من المدعى عليها ديما متري جميل الفرح وقد تولد لهما من فراش الزوجية بتاريخ 19/7/2017 الطفل ناصر وتم الطلاق بينهما بتاريخ 25/3/2015 حيث سبق للمدعي ان قام القضية رقم 15/2015 لدى محكمة بداية مادبا في مواجهة المدعى عليها بموضوع طلب مشاهدة واستزارة واصطحاب صغير مع مبيت حيث تم وبتاريخ 2/7/2015 المصالحة بين طرفي الخصومة على ان يقوم المدعي سليمان بمشاهدة ابنه ناصر على ان تكون المشاهدة لمرة واحدة في الشهر وتكون أخر خميس من كل شهر على ان تتم بداخل دائرة تنفيذ مادبا ولمدة ثلاث ساعات للمرة الواحدة على ان تكون أول مشاهدة بتاريخ 30/7/2015 وان المدعي مقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة ويحضر للبلاد من فترة إلى أخرى وان الطفل ناصر ما زال في هذه المرحلة برعاية والدته ويعتمد في معيشته وحياته اليومية على رعاية واهتمام والدته.
وحيث انه يجب ان ينظر بشأن دعوى الاستزارة والمبيت إلى مصلحة الصغير وحيث ثبت ان الصغير ناصر بحاجة مستمرة لرعاية والدته وحضانتها وحيث ان سبق وحصل المدعي على حكم بالمشاهدة فان طلب المدعي بتعديل قرار المشاهدة إلى استزارة ومبيت لا يحقق مصلحة الطفل ناصر فانه يتوجب في الحالة هذه رد دعوى المدعي لكونها لا تحقق مصلحة الطفل المطلوب تعديل قرار مشاهدته إلى استزارة ومبيت)
ومن هذا الحكم يتضح أن المحكمة الموقرة في تناولها لموضوع الدعوى لم تحكم بسابقة الفصل في موضوع الدعوى خاصة في الشق الخاص بالمشاهدة، وإنما تناولت الحال الجديد الذي طرأ على الزوج (صاحب الحق في المشاهدة) وسفره لدولة الأمارات وناقشت ذلك التغير ومدى موائمة طلبات الزوج لمصلحة الصغير.
خامسًا: تغير الأحكام في الدعاوى المستعجلة
الأحكام في المواد المستعجل هي في طبيعتها أحكام مؤقتة غايتها الحفاظ على مصلحة معتبرة لحين الفصل الموضوعي في الدعوى، وفي ذلك نصت المادة (33) من قانون أصول المحاكمات المدنية على:
- تنظر المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة في المسائل المستعجلة تدقيقا دون حاجة لدعوة الخصوم إلا إذا رات المحكمة أو القاضي خلاف ذلك.
- على الطالب ان يرفق الوثائق التي يستند اليها في طلبه وللمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة ان يقرر تكليفه بتقديم تامين نقدي أو كفالة مصرفية أو عدلية تحدد المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة نوعها ومبلغها ويقدمها كفيل ملئ يضمن العطل والضرر الذي قد يلحق بالمستدعى ضده إذا ظهر ان المستدعي غير محق في طلبه، ويستثنى من تقديم التامين أو الكفالة الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية والعامة والبلديات والبنوك العاملة في المملكة، وللمحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة التحقق من ملاءة الكفيل.
- القرار الذي يصدر بقبول طلب المستدعي في المسائل المستعجلة يكون على ذمة الدعوى الموضوعية ولحين الفصل فيها.
ومن نص المادة سالفة الذكر يتبين لنا أن الأحكام الصادر في الدعاوى المستعجلة تكون مؤقتة قد يطرأ عليها التغير في الحكم الموضوعي المتناول لموضوع الدعوى، كذلك فإن تغير الأحكام الصادرة في الدعاوى المستعجلة قد يحدث أمام المحاكم المستعجلة، حيث أن الغايات التي يحميها القضاء المستعجل ليست محصورة بشكل معين، فالخطر الذي لم تقتنع به المحكمة المستعجلة في وقت معين قد تقتنع به في وقت أخر إذا ما رأت من الأسباب الجديدة التي تدفها لهذا التغير، وكذلك العكس فقد يكون الحكم الصادر في دعوى مستعجلة قد بني على أسباب للخطر تغيرت مع الزمن مما حق معه للطرف الأخر الطلب بتغيير القرار السابق في ذات الموضوع.
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 3663 لسنة 2014 – بداية اربد بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2017-01-09 (وعن الأسباب الأول والثاني والرابع والسابع من أسباب الاستئناف وخلاصتها أن القرار المستعجل قد اكتسب الدرجة القطعية ولا يجوز إعادة البحث به مجدداً أو الحكم بالعلم الشخصي للمحكمة أو تقديم مذكرات عليه أو إضافة أي حكم جديد على منطوقه أو تغيير ما جاء به، وبالرد على ذلك فإننا نجد أن القرار المستأنف الصادر من قبل قاضي الأمور المستعجلة إنما هو قرار وقتي يصدر لمعالجة واقعة لا تستطيع محاكم الموضوع التصدي لها وذلك بسبب الإجراءات القضائية الطويلة التي تتخللها من جراء طول المدة بتقديم البينات، فيكون بالتالي القضاء المستعجل هو صاحب القول والفصل في هذا الأمر المستعجل الذي لا يحتمل التأخير، وإن تغير أي ظرف من الظروف على هذه الواقعة المستعجلة لا يمنع قاضي الأمور المستعجلة من مراجعة قراره بالنظر للظروف التي أحاطت بهذه الواقعة وبالتالي فإن القرار المستعجل لا يكتسب الحكم به الدرجة القطعية بالمفهوم الوارد بالأحكام القضائية الصادرة عن محاكم القضاء العادي، ولا يمنع ذلك قاضي الأمور المستعجلة من إعادة النظر بقراره وفقا لتغير هذه الظروف ،وعليه تكون هذه الأسباب مردودة لعدم ورودها على القرار المستأنف.)
سادسًا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 2447 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقي الصادر بتاريخ 2022-09-28
وعن الأسباب الأول والثالث والخامس والسادس المنصبة على تخطئة محكمة الاستئناف بتطبيق أحكام المادة (41) من قانون البينات ولم تراعِ أهم شرط لم يتحقق بالطلب ألا وهو تعلق النزاع بالحق محلاً وسبباً ولم تأخذ بعين الاعتبار أن الضرر ما زال مستمراً وأن الحكم عن الفترة السابقة لإقامة الدعوى رقم (367/2007) لا يمنع من المطالبة بأجر المثل عن الفترة اللاحقة لإقامتها خاصة أن النظر بها استمر حتى تاريخ 14/11/2018 بصدور قرار محكمة التمييز المؤيد لقرار محكمة الاستئناف القاضي بالحكم بمنع المعارضة وبدل أجر المثل وبدل تكاليف إزالة أسباب التعدي وأن قرار محكمة الاستئناف بتأييد قرار محكمة البداية بقبول الطلب ورد الدعوى مخالف للأصول والقانون وغير معلل بشكل قانوني.
وبالرد على ذلك نجد أن المميزين أقاموا هذه الدعوى لمطالبة المدعى عليها بالتعويض عن أضرار مادية وأجر مثل وإزالة الضرر وتكاليف إزالته جراء ممانعة المدعى عليها لهم بمنفعة قطعة الأرض الموصوفة بلائحة الدعوى وما زالت تضع يدها على هذه القطعة رغم إقامتهم سابقاً للدعوى رقم (367/2007) وحصولهم على قرار حكم بمنع المعارضة وأجر المثل واكتساب هذا الحكم الدرجة القطعية بتاريخ 14/11/2018 ، وأن المدعين يزعمون بدعواهم أن المدعى عليها لا تسمح لهم باستغلال قطعة الأرض ونجد أن المدعى عليها تقدمت بطلب رد الدعوى لعلة القضية المقضية مستندة بذلك إلى أحكام المادة (41) من قانون البينات وإلى أنه سبق للمدعين وأن أقاموا دعوى بمواجهة وزارة الزراعة بذات بالمطالبة وللأسباب ذاتها.
وعليه وحتى يمكن الأخذ بالقرينة القانونية المنصوص عليها بأحكام المادة (41/2) من قانون البينات يجب أن يكون الحكم القطعي محل هذه القرينة قد صدر بين الخصوم ذاتهم وأن يكون النزاع متعلقاً بالحق ذاته محلاً وسبباً.
وبرجوع محكمتنا للدعوى رقم (367/2007) نجد أن النزاع فيها بين الخصوم ذاتهم إلاّ أن محل هذه الدعوى هو المطالبة بمنع المعارضة وبدل أجر المثل عن الفترة السابقة لإقامتها بينما محل الحق المطالب به في دعوانا هذه هو بدل أجر المثل عن الفترة الزمنية اللاحقة لإقامة الدعوى السابقة رقم (367/2007) وبالتالي فإن شرط وحدة المحل قد اختلفت بين الدعويين وبالتالي لا يمكن الأخذ بالقرينة القانونية الواردة بأحكام المادة (41) المشار إليها وأن دفع القضية المقضية لا ينطبق على واقعة دعوانا هذه ، خاصة أن المدعين يزعمون أن المميزة ما زالت تعارضهم في منفعة قطعة الأرض وتمنعهم من استغلالها وهذه وقائع مادية محل إثباتها وكذلك نفيها الدعوى الأصلية وليس الطلب وحيث توصلت محكمة الاستئناف إلى نتيجة مغايرة لما توصلنا إليه فتكون قد توصلت إلى نتيجة مخالفة للقانون وعلى وجه الخصوص أحكام المادة (41) من قانون البينات وأن هذه الأسباب ترد على حكمها المطعون فيه هذا مع التنويه أنه كان على محكمة الاستئناف أن تكلف وكيل المدعين بإحضار حجج الوصايا للتحقق من صحة خصومة الموصي عليهم وفيما إذا بلغوا السن القانوني عند إقامة الدعوى وأثناء إجراءات التقاضي كما كان عليها أن تلاحظ أن محكمة الدرجة الأولى لم تدون حكماً في الدعوى يتفق وأحكام المادة (160) من قانون أصول المحاكمات المدنية .
الحكم رقم 195 لسنة 2020 بداية الزرقاء بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2020-01-20
وعليه وحيث تجد محكمتنا ان من الشروط السلبية لقبول الطلب المستعجل ثبوت عدم سبق الفصل في الطلب احتراماً لحجية الحكم المستعجل طالما لم تتغير الظروف التي صدر فيها الحكم الأول
وحيث لم يقدم المستأنف ضده ما يثبت تغير الظروف التي صدرت في ظلها الأحكام الاستئنافية ذوات الأرقام 3475/2019 ، 3587/2019 مما قد يستدعي الرجوع عن تلك القرارات، وبما انه في ظل وجود أحكام مكتسبة الدرجة القطعية والتي ينظر إليها على أنها عنوان للحقيقة الأمر الذي يحول دون منح المستأنف ضده الحماية الوقتية التي ينشدها في هذه المرحلة هذا من ناحية (راجع في هذا المعنى قرار محكمة التمييز رقم 2046/2003 هيئة عامة والقرار رقم 3756/2015 )ومن ناحية أخرى فان محكمتنا لا تجد من خلال ظاهر البينات المقدمة ما ينبئ ان هناك صفة الاستعجال التي تبرر وقف التنفيذ مما يعني ان شروط المادة (32) من قانون أصول المحاكمات المدنية غير متوافرة الأمر الذي كان يتوجب معه رد طلب وقف التنفيذ.
وحيث ان محكمة الصلح قد ذهبت بقرارها المستأنف لخلاف ما توصلت اليه محكمتنا فيكون قرارها في غير محله ومخالف للقانون وهذه الأسباب ترد عليه ويتعين فسخه.
لهذا وتأسيساً على ما تقدم وعملاً بالمادة (188/3) من قانون أصول المحاكمات المدنية والمادة العاشرة من قانون محاكم الصلح تقرر المحكمة قبول الاستئناف موضوعاً وفسخ القرار المستأنف القاضي بوقف إجراءات التنفيذ بالقضية التنفيذية رقم 9696/2019 وبنفس الوقت الحكم برد الطلب المذكور وإعادة الأوراق لمصدرها لمواصلة السير بالدعوى الأصلية.
الحكم رقم 2361 لسنة 2010 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2011-06-05
وبالنسبة للسبب الأول : فإن القرار الصادر عن قاضي إدارة الدعوى المدنية والمتضمن إحالة أوراق الدعوى إلى قاضي محكمة البداية ليس حكماً قضائياً فاصلاً في موضوع النزاع وليس من القرارات التي نص القانون على قابليتها للطعن وفقاً لأحكام المادتين 158 و 196 من قانون أصول المحاكمات المدنية وأن هذا القرار لا يعدو كونه قراراً ولائياً يدخل ضمن صلاحيات قاضي إدارة الدعوى وفقاً لأحكام المادة 59/4 مكرر من ذات القانون وبالتالي فإن القرار المذكور ليس حكماً قضائياً بالمعنى المقصود في المادة 27 من الدستور ( انظر قرار هيئة عامة رقم 87/2010) وعليه فإن صدوره بالطريقة التي صدر بها لا يشكل عيباً يوجب البطلان مما يتعين معه رد هذا السبب .
سابعًا: خاتمة
في هذا المقال تحدثنا عن مبدأ تغير الأحكام بتغير الأحوال، وبينا أن الأحكام وإن كانت حجة وعنوان للحقيقة وتعد سابقة للفصل لما فصلت فيها من وقائع لا يجوز التصدي لها مرة أخرى، إلا أن تلك القاعدة ورد عليها الاستثناء متى تغيرت الأحوال التي تم الحكم بمقتضاها، ذلك الاستثناء كان لزامًا لمقتضى العادلة وبينا أن ذلك ليس موجود بالتشريعات البرلمانية فقط، بل إن الشريعة الإسلامية الغراء أقرت هذا الاستثناء.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] (انظر تمييز رقم 1788/2020 و6036/2019).
[2] انظر فتاوى السبكي 2/572، وتابعه الزركشي في البحر المحيط 1/220.
[3] محكمة النقض المصرية- الطعن المقيد برقم 8976 – لسنة 83 قضائية – تاريخ الجلسة 28-12-2014

