القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال كأسباب لنقض الأحكام
الأحكام هي عنوان الحقيقة لكنها في النهاية تظل عملًا بشريًا يفتقد الكمال، وحرصًا من التشريعات الوضعية على تحري الحقيقة من خلال الأحكام لأقصى درجة فقد شرعت طرق الطعن على الأحكام، وأسباب الطعن على الأحكام لا حصر لها فهي تختلف باختلاف الأحكام، لكن هناك من الأسباب التي تعد جوهرية تصيب أكباد الأحكام وتنزلها موضع النقض، ومن تلك الأسباب الجوهرية والتي هي موضوع مقالنا وسنناقش ذلك من خلال النقاط التالية:
أولًا: التعريف بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال
ثانيًا: السند القانوني لاشتراط التسبيب وصحة الاستدلال
أولًا: التعريف بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال
قبل الحيث عن التعريف بكلا من القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال يجب علينا التعرف أولًا على مفهوم ما يقع عليه الطعن (الحكم)، ومع تعدد التعريفات إلا أن التعريف الأقرب إلى ما يشمله الحكم هو «الحكم هو إعلان القاضي عن إرادة القانون أن تتحقق في واقعة نتيجة قانونية تلتزم بها أطراف الدعوى[1]»، ومن هذا التعريف يتبين أن الحكم لابد أن يتحقق من صحة واقعة قانونية معينة ليكون ملزم لطرفي النزاع.
ومن الجدير بالذكر أن تحري الحكم لصحة الواقعة القانونية ليس الهدف منه الحكم بالعدل بين طرف النزاع فقط بل كذلك الهدف منه أرساء مبدأ العدالة في المجتمع كافة، حيث القضاء العادل هو من أهم أسس قيام الدول المتقدمة.
يعتبر الالتزام بالتسبيب ضمانة هامة لصالح الرأي العام، كما هو الشأن بالنسبة للخصوم، فمن خلال بيان أسباب الأحكام يتحقق علم الرأي العام بالأحكام التي تصدر باسمه من القضاء، فيمكنه رقابتها والتحقق من صحتها وعدالتها بما يشبع حاسة العدالة لديه، ويؤدي إلى ثقته في القضاء[2].
والتسبيب بالنسبة للقاضي هو السبيل الأوحد، لكي يجيء حكمه متفقا مع حكم القانون، وافيا في بيانه، غير مشوب بما يعرضه للبطلان والإلغاء مع أنه قد يكون فيما انتهى إليه من إدانة، أو براء متفقا في حكم الواقع مع الحق والعدل[3].
1- القصور في التسبيب
التسبيب هو عبارة عن مقدمات تؤدي إلى نتائج محددة تترتب عليها، ولكي تأتي هذه النتائج صحيحة ومطابقة للواقع يجب أن تكون المقدمات صحيحة أيضا، وبالتالي تكون الأسباب المنطقية والسائغة هي الأساس الذي تستند إليه النتيجة[4].
وكذلك يعد التسبيب من أشق المهام الملقاة على عاتق القاضي، لان كتابة الأسباب تتطلب منه فضلا عن اقتناعه هو بما اختاره من قضاء أن يقتنع به أصحاب الشأن، وكل من يطلع على حكمه بقصد مراقبته[5].
ويمكن تعريف القصور في التسبيب على أنه افتقاد الحكم للأسانيد التي قام عليها بحيث يصعب على المطلع على الحكم أن يتوصل إلى لسبب الذي استند إليه الحكم للوصول للنتيجة التي وصل إليها، فلا يكفي أن يكون الحكم صحيحًا بل لابد أن يكون الحكم موضحًا لخصوم الدعوى ووقائعها ودفوع الخصوم ودفاعهم والأسباب التي بني عليها الحكم، فالقاضي لابد أن يبين ذلك بيانًا واضحًا وإلا شاب الحكم عيب القصور في التسبيب.
وفي واقع الأمر فإن الالتزام بالتسبيب ليس قيدا على حرية القاضي في الاقتناع، وإنما هو أداة لتحقيق التوازن بين هذه الحرية ووضع الضوابط التي تهدف أو تضمن عدم تحكم القاضي واستبداده ويكفل تحقيق الرقابة على هذا الاقتناع[6].
– أنواع القصور في التسبيب
أ- التسبيب المبهم
في هذا النوع من أنواع القصور في التسبيب يكون تسبيب المحكمة مبهمًا، ويكون هذا الإبهام بأي يشكل من الأشكال يمنع المطلع على الحكم من فهم كيفية توصل المحكمة للحكم من خلال الاطلاع، هذا الإبهام قد يصيب الوقائع (الأدلة) التي استند إليها الحكم لتسبيب حكمه فيكون ذكرها مخلًا بالضرورة المطلوبة لفهم الواقعة القانونية وتقدير مدى دقة التسبيب، وقد يصيب الإبهام الإسناد القانوني بأن يذكر الحكم المواد القانونية دون إنزالها على الواقعة المنظورة فيكون الربط ما بين النصوص والواقعة صعب الفهم للمطلع على الحكم.
ب- التسبيب المخل
يمكن تعريف التسبيب المخل بأنه التسبيب الذي يفتقد الفهم الجيد لطبيعة النزاع المطروح، ويظهر عدم الفهم الجيد لوقائع النزاع متى أغفل الحكم ذكر عناصر مهمه لابد من ذكرها لفهم أسباب الحكم، مثال ذكر إفال الحكم القاضي بالتعويض لذكر عناصر المسؤولية التي بناء عليها تم القضاء بالتعويض.
2- الفساد في الاستدلال
يطلق الاستدلال على إقامة الدليل، لا على النظر، لأن الـدليل قـول مؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر، وليس الاستدلال به النظر في الدليل، وإنما هو إقامة الدليل[7]. فالاستدلال هو الوصول إلى نتيجة بطريقة غير مباشرة عن طريق استنباط المجهول من المعلوم.
عدل البشر عدل مصنوع، ومن ثم فإنه يحتاج إلى التبرير، وهذا لن يتأتى إلا بالتسبيب، فالتسبيب هو وسيلة الخصوم ليتحقق علمهم بالحكم الصادر ضدهم أو لصالحهم، ومن ثم التيقن من عدالته أو جوره، فإذا وكان عادلا قبلوه، وإن كان جائرا رفضوه عن طريق الطعن عليه أمام محكمة أعلى درجة، فإذا كانت العدالة البشرية تحتاج إلى وجوده ضابط يجب أن يسير على هدية القضاة، ويرجع إليه الخصوم إذا أرادوا الانتفاع من عدل القضاء[8].
إن كان لقاضي الموضوع السلطة التامة في تحصيل فهم الواقع في الدعوى من الأدلة المقدمة وفي وزن الأدلة وتقديرها وترجيح بعضها على البعض الأخر إلا أنه يخضع لرقابة محكمة النقض في تكييف هذا الفهم بحيث لا يجوز له أن يطرح ما يقدم إليه تقديما صحيحا من الأدلة أو الأوراق المؤثرة في حقوق الخصوم دون أن يدون في حكمه بأسباب خاصة ما يبرر هذا الإطراح[9].
– أنواع القصور في التسبيب
أ- الفهم الخاطئ
يعد هذا النوع من أخطر أنواع العيب في الاستدلال من وجهة نظرنا، علة وجهة النظر تلك أن القاضي متى لم يكن على دراية بطبيعة النزاع المطروح أمام وفهم الواقعة الفهم الجيد فإنه يستحيل عليه الوصول إلى نتيجة سليمة.
ب- المبالغة
ميزان الأحكام الحياد فعلى القاضي متى اتبع قواع الاستنتاج والاستدلال أن يعتدل في ذلك، حيث إن المبالغة في الاستخدام الاستنتاج يؤدي لتعييب الحكم بالعيب في الاستدلال، فيجب أن يضع القاضي الأدلة في مقاديرها للوصول للنتيجة الموافقة للحقيقة المقبولة عقلًا ومنطق.
ج- البطلان والتغيير
القاعدة القانونية “ما بني على باطل فهو باطل” لذا يجب على القاضي متى استند إلى أدلة أن تكون تلك الأدلة هي في الأساس أدلة مقبولة (صحيحة) حيث أن عدم توافر شرط الصحة يجعل الدليل باطلًا فما ينتج عنه يكون باطل، استناد الحكم على أدلة غير مقبولة (باطلة) يعيبه بالفساد في الاستدلال.
كذلك القاضي لابد أن يأخذ الأدلة المطروحة عليه بالحالة التي عليها فلا يغير فيها وإلا عيب حكمه بالفساد في الاستدلال، ومن أمثلة ذلك تغير أقوال الشهود عن طريق الاجتزاء المخل بصحة الشهادة.
ثانيًا: السند القانوني لاشتراط التسبيب وصحة الاستدلال
1- التسبيب
المادة (237/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية نصت على (يشتمل القرار على ملخص الوقائع الواردة في قرار الاتهام والمحاكمة وعلى ملخص مطالب المدعي الشخصي والمدعي العام ودفاع المتهم وعلى الأدلة والأسباب الموجبة للتجريم أو عدمه، أما قرار الحكم فيجب ان يشتمل على المادة القانونية المنطبق عليها الفعل في حالة التجريم وعلى تحديد العقوبة والالتزامات المدنية.)
المادة (160) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على (يجب ان يبين في الحكم المحكمة التي أصدرته وتاريخ إصداره ومكانه وأسماء القضاة الذين اشتركوا في إصداره وحضروا النطق به وأسماء الخصوم بالكامل وحضورهم أو غيابهم وأسماء وكلائهم كما يجب ان يشتمل الحكم على عرض مجمل لوقائع الدعوى وطلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم الجوهري وأسباب الحكم ومنطوقه.)
ومن المواد سالفة الذكر يتضح أن المشرع الأردني قد اشترط تسبيب الأحكام الجزائية والحقوقية، فاشتراط بيان موجز لمجريات القضية بالحكم يضمن التأكد من أن الأسباب التي اتكأ عليها الحكم في الوصول للنتيجة التي وصل إليها.
2- الاستدلال
لم ينص القاضي صراحة على ضرورة مراعاة قواعد الاستدلال في الأحكام، إلا أنه يمكنا القول إن ضرورة استعمال المنطق السليم لا يحتاج لنص، فالوصول من معطيات لنتائج لابد أن تبنى على استدلال صحيح يقبله العقل والمنطق.
وقد أوضحت محكمة النقض المصرية هذا القيد بقولها إن “أساس الأحكـام الجنائيـة هـو حريـة قاضـى الموضوع في تقدير الأدلة القائمة في الدعوى إلا أنه يرد على ذلك قيود منها أن يدلل القاضي على صحة عقيدته في أسباب حكمه بأدلة تؤدى إلى ما رتبه عليهـا لا يـشوبها خطـأ في الاستدلال أو تناقض أو تخاذل[10].
ثالثًا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 5351 لسنة 2022 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-12-19
ورداً على ذلك كله نبدي أن وزن وتقدير البينة بمقتضى المادتين (33و34) من قانون البينات من صلاحيات محكمة الموضوع ولا رقابة عليها من محكمة التمييز فيما تتوصل إليه منها متى كان مستخلص استخلاصاً سائغاً من واقع البينة وموافقاً للقانون.
ونجد أن الثابت بالبينة المقدمة والمستمعة ومن بينها محاضر القضية الجزائية رقم (432/2012) صلح جزاء إربد المبرز صورة عنها ضمن بينة المميز ضده أمام محكمة الدرجة الأولى أن المميز ضده ومساء يوم 24/5/2012 ساعد والدته في غسل سجادة داخل منزل والده بالماء ثم قام وهو مبلل بالوقوف على حافة البلكونة لنشر السجادة على السور وبهذه الأثناء صعقه التيار الكهربائي المار بالأسلاك التي تغذي المشتركين المملوكة للمميزة والممددة داخل حرم سور البناء الذي يسكنه والمؤلف من طابقين وتبعد عن بلكونة الطابق الثاني أفقياً مسافة متر واحد مما أدى إلى سقوطه على الأرض وإصابته بكسر في منطقة الكتف وبجرح قطعي في منطقة الإبط وتخلف لديه عجز قدرته اللجنة الطبية بما نسبته بـ (30%) من قواه العامة.
وبالتالي فإن المستفاد من البينة المتقدمة أن منشآت المميزة كانت من بين المساهمين بتضرر المدعي لأنها ناتجة عن أسباب ثلاثة ساهم كل منها في إحداث الضرر وهي:
1- وقوف المميز ضده وهو صغير في سن الرابعة عشرة وحيداً وهو مبلل على حافة البلكونة لنشر السجادة المبللة بالماء على حافة السور وبدون رقابة من ذويه.
2- تشييد وإقامة البناء الذي يقطنه المميز ضده على مسافة قريبة من منشآت الكهرباء (العامود وأسلاك التيار الكهربائي) وبحيث أصبح عامود الكهرباء والأسلاك داخل سور البناء وتبعد عن بلكونة الطابق الثاني مسافة متر واحد فقط وبشكل مخالف لتعليمات مسافة الأمان الكهربائي وهو خطأ يتحمل مسؤوليته مالك البناء والمميزة مجتمعين.
3- عدم رقابة المميزة لمنشآتها الكهربائية ولما يمكن أن تحدثه من أضرار نتيجة قرب بناء والد المميز ضده منها وكان عليها أن تبادر لإبعاد منشآتها لمسافة الأمان.
وبالتالي يكون كل من ذوي المميز ضده ومالك البناء والمميزة مجتمعين قد ساهموا بوقوع الضرر ومسؤولين عنه الأمر الذي يوجب إجراء خبرة ثانية لتقدير نسبة مساهمة المميزة بالضرر ومسؤوليتها عن الأضرار الناجمة عن نقص مقدرته على العمل بنسبة (30%) وتكاليف العلاج المستقبلية والضرر المعنوي والتي قدرتها الخبرة بمبلغ (32928) ديناراً.
وحيث إن محكمة الاستئناف لم تراع بقرارها المميز ذلك واستندت بالحكم على أن عامود الكهرباء وأسلاك التيار الكهربائي التي تسببت بصعق المميز ضده مملوكة للمميزة وأنها بمقتضى المادة (291) من القانون المدني ضامنة لما تحدثه هذه الأشياء من ضرر وبدون مراعاة أحكام المادتين (264و265) من القانون المدني في ضوء ثبوت تضافر العوامل المبينة أعلاه بإحداث الضرر فيكون حكمها مشوباً بعيب الخطأ بتطبيق القانون والفساد بالاستدلال وسابقاً لأوانه وما تبديه المميزة بهذه الأسباب من حيث وجوب تحديد نسبة مساهمتها بالضرر يرد على القرار المميز ويوجب نقضه.
الحكم رقم 3758 لسنة 2022 محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 2022-12-14
وعليه نجد أن الشخص المعنوي باستثناء الجهات المنصوص عليها في المادة (74) من قانون العقوبات يكون مسؤولاً عن أعمال ممثليه والعاملين لديه عندما يأتون هذه الأعمال باسمه أو بإحدى وسائله بصفته شخصاً معنوياً.
وحيث إن الشخص المعنوي (الحكمي) وفق أحكام المادة (51) من القانون المدني يتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان منها ملازماً لصفة الإنسان الطبيعية وذلك في الحدود التي قررها القانون ويكون للشخص المعنوي ذمة مالية مستقلة وأهلية في الحدود التي يعينها سند إنشائه أو التي يقررها القانون الأمر الذي يقتضي ولغايات تطبيق أحكام المادة (74) من قانون العقوبات معرفة طبيعة المشتكى عليه ( مركز الكيلاني لفحص السيارات ) فيما إذا كان يُعد من الشركات التجارية أو المدنية التي تتمتع بالشخصية المعنوية وفقاً لأحكام المادة (50) من القانون المدني أم أنه مؤسسة فردية ذمتها وذمة مالكها واحدة وبالتالي لا تتمتع بذمة مالية مستقلة ولا تُعد شخصاً معنوياً ولا تخضع لأحكام المادة (74) من قانون العقوبات وهو ما كان يقتضي من المحكمة الاطلاع على سند تسجيل هذا المركز وبيان طبيعة شخصيته ومن ثم ترتيب الأحكام القانونية وفق مبدأ شخصية الدعوى وهو ما لم تفعله محكمة الصلح أو محكمة البداية بصفتها الاستئنافية الأمر الذي يجعل القرار المطعون فيه من هذه الناحية مشوباً بالفساد في الاستدلال والقصور في التعليل الذي يوجب نقضه .
الحكم رقم 4709 لسنة 2022 محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-12-13
وبالرد على أسباب التمييز كافة ومحصلتها واحدة ومفادها تخطئة المحكمة المطعون في حكمها بمخالفتها بقرارها لأحكام المادة (160) من قانون أصول المحاكمات المدنية من حيث الفساد في الاستدلال والقصور في التعليل ومخالفتها بالنتيجة التي توصلت إليها لشروط العقد المبرز في الدعوى وكذلك تخطئتها بتطبيق المواد (241 و644 و685) من القانون المدني المتعلقة بإقالة العقد وتعرض المالك للمستأجر في منفعة العقار.
وبالرد على ذلك نجد أن المدعي ووفقاً لما جاء بلائحة دعواه والبينات المقدمة منه قد تقدم بهذه الدعوى لمطالبة المدعى عليه بقسط الأجور المستحقة على العقار المستأجر من قبل المدعى عليه بتاريخ 1/7/2019 وبواقع (24) ألف دينار بالإضافة إلى ضريبة المعارف بواقع (480) ديناراً وأن المدعى عليه دفع الدعوى بعدم استحقاق المدعي لهذه الأجور كونه لم ينتفع بالمأجور لحصول انفجار وحريق في البناية وحصل تدمير في أجزاء البناية بما في ذلك (المأجور) وأن المأجور كان تحت يد المدعي .
ونجد أن الثابت من خلال البينات المقدمة في الدعوى أنه حصل انفجار في مطعم يقع في جزء من البناية التي يستأجر المدعى عليه شقة فيها ويستغلها كمطعم ومن الثابت أن لجنة السلامة العامة المشكلة من الحاكم الإداري والدفاع المدني قد وضعت يدها على البناية وأخلت سكانها ومشغليها ومشغلي البنايات المجاورة لغايات التحقق من سلامة البناء والحيلولة دون سقوط مزيد من الضحايا والإصابات وتم تشكيل لجان فنية من قبل الجمعية العلمية الملكية والتي قام خبراؤها ومهندسوها بفحص البناء وتقدير نقاط الضعف فيه ووضع خطة لإعادة تأهيل البناية لغايات عودة أصحاب المحلات والمطاعم لممارسة أعمالهم فيها وأنه وبتاريخ 19/9/2019 تم الانتهاء من أعمال الصيانة والترميم للمبنى وتم السماح لمالكي المطاعم وباقي المستأجرين العودة للبناية واستكمال الأعمال الخاصة بأعمالهم الأمر الذي نجد معه أن الفترة الواقعة ما بين 4/7/2019 وحتى 19/9/2019 لم يستطع المدعى عليه من دخول المأجور والانتفاع به حيث كان الانتفاع بالمأجور خلال هذه الفترة مستحيلاً لما تم بيانه وهذا ثابت من خلال تقرير الجمعية العلمية الملكية المبرز في الدعوى والذي يفيد أيضاً أن أصحاب الشأن كانوا على اطلاع بعمليات الترميم ومراحلها هذا من جهة .
ومن جهة أخرى فإن القانون قد رسم طريقاً واضحاً كان على المدعى عليه سلوكه في حال عدم استطاعته الانتفاع بالمأجور للغاية التي استأجره من أجلها ولما لم يفعل ولم يتم إقالة العقد بالتقاضي أو بالتراضي فيكون ملزماً بالأجور المطالب بها إلا أن محكمتنا تجد أنه كان على محكمة الاستئناف أن تراعي الفترة التي حالت دون مقدرة المدعى عليه من الانتفاع بالمأجور وقتياً وتحديداً من تاريخ 4/7/2019 ولغاية 19/9/2019 ومدى تطبيق أحكام المادة (247) من القانون المدني على واقعة المطالبة بالأجور عن هذه الفترة ولما لم تأخذ بعين الاعتبار هذه المسألة عند وزن البينة فيغدو قرارها والحالة هذه سابقاً لأوانه وقاصراً في التعليل ومستوجباً للنقض .
لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر قبول الطعن التمييزي موضوعاً ونقض الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني.
سابعًا: خاتمة
في هذا المقال تحدثنا عن القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال كأسباب لنقض الأحكام، ويمكنا القول أن هذان السببان هما من أشهر الأسباب التي يتم نقض الأحكام لمخالفة فيهما، يرجع ذلك لأن شرط التسبيب وسلامة الاستدلال من أهم الشروط التي يجب توافرها في الحكم، ويجب على المشتغل بالمجال القانوني أن يكون تركيزه على تلك العيوب في الأحكام ذلك أنه يكون أقدر على فهم واقعة دعواه من القاضي ذاته فيكون من السهل عليه الاستدراك، ويجب ذكر نوع القصور في التسبيب أو الفساد في الاستدلال حيث ما يميز طعن عن أخر هو ذكر نوع القصور في التسبيب أو الفساد في الاستدلال.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] محمود نجيب حسني، قوة الحكم الجنائي في إنهاء الدعوى العمومية، ط2، دار النهضة العربية، 1977، ص 50
[2] علي محمود علي حمودة: النظرية العامة في تسبيب الحكم الجنائي في مراحله المختلفة، جامعة حلوان، الطبعة الثانية، 2003، ص83
[3] عادل مستاري، الأحكام الجزائية بين الاقتناع والتسبيب، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في الحقوق، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة بسكرة، 2005/2006، ص 107 -108
[4] يوسف محمد المصاروة، تسبيب الأحكام وفقا لقانون أصول المحاكمات المدنية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، صـ22، 2010
[5] إيمان محمد علي الجابري، يقين القاضي الجنائي، مصر، 2005 ،ص 383
[6] عادل مستاري، الأحكام الجزائية بين الاقتناع و التسبيب، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في الحقوق، كلية الحقوق و العلوم السياسية، جامعة بسكرة، 2005/2006، ص 116
[7] د. جميل صليبا : “المعجم الفلسفي”، دار الكتاب اللبناني حـ١ صـ٦٧ وما بعدها.
[8] علي محمود علي حمودة: النظرية العامة في تسبيب الحكم الجنائي في مراحله المختلفة، جامعة حلوان، الطبعة الثانية، 2003، ص 81
[9] ( طعن رقم 237 لسنة 41 ق جلسة 16/11/1977 س 282 ص 1693 )
[10] نقض ٤ يونيه ١٩٧٣ س٢٤ رقم ١٤٧ ص٧١٥ نقض ٢ أبريل سنة ١٩٥٧ مجموعة الأحكام س٨ رقم .٣٥٢ص ٩٢

