جريمة الشروع في الانتحار في التشريعات العربية
وقانون العقوبات الأردني المعدل بالقانون رقم (10) لسنة 2022
(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)[1]، فالله عز وجل قد حرم القتل لأن الروح ليست ملك لأحد ولا حتى صاحبها إنما هي ملك لله، فلا تمس إلا بحقها، بل إن الإسلام كان أكثر حرصًا على حياة الإنسان من التشريعات الوضعية، حيث نبذ الإسلام دعاء الإنسان على نفسه بالموت، وفي ذلك يقول الرسول (ًصلى الله عليه وسلم): (لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت لضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بد متمنِّيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا له، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)[2]، وفي هذا المقال سنتحدث عن تناول التشريعات العربية والتشريع الأردني لجريمة الشروع في الانتحار:
أولًا: تعريف الانتحار والشروع فيه
ثانيًا: موقف الشريعة الإسلامية من الانتحار
ثالثًا: موقف التشريعات العربية من الانتحار
رابعًا: موقف المشرع الأردني من الانتحار
خامسًا: أركان جريمة الشروع في الانتحار
سادسًا: تقييم نهج المشرع الأردني المجرم للشروع
أولًا: تعريف الانتحار والشروع فيه
عرف البعض الانتحار على أنه هو المحصلة النهائية لمجموعة من الأفعال التي يقوم بها الفرد للتخلص من حياته، وهو مدرك لذلك، ودون أن يكون دافعه لذلك التضحية لقيمة اجتماعية ما، أو تحريضًا من أخر[3].
وعرفه دور كايم بأنه كل حالات الموت التي تنتج بصورة مباشرة – دون مساعدة – أو غير مباشرة – الاستعانة بالغير- إيجابا أو سلبا، والذي يقوم به الشخص بنفسه عالما بما سيؤدي إليه ذلك أي الموت[4].
ومن التعرفين السابقين يمكن القول إن الانتحار هو عبارة عن إزهاق روح الشخص بنفسه أو بتحريض منه لغيره بإرادة متجهة لذلك مع العلم بعواقبها.
الشروع في القيام بالأفعال التي من شانها أن تزهق الروح دون أن يتم ذلك فال تحصل النتيجة لسبب من الأسباب، خارجيا كان أو لعدول الشخص نفسه[5].
والشروع في الانتحار له طبيعة خاصة فهو عبارة عن اتخاذ خطوات جدية نحو البدء في عملية الانتحار، فلا يكفي أن يكون الفعل مجرد تهديد بالانتحار بل من اللازم أن يبدأ في أحد الأفعال التي ستؤدي في النهاية حتمًا لإزهاق روحه، الحكم رقم 618 لسنة 2022 – صلح جزاء الموقر الصادر بتاريخ 2022-12-29 بتطبيق القانون على هذه الوقائع تجد المحكمة ما يلي: أولا: فيما يتعلق محاولة الانتحار المسند للمشتكى عليه خلافا لأحكام المادة (339/1) من قانون العقوبات تجد المحكمة أن قيام المشتكى عليه بضرب رأسه بالزجاج و إيذاء نفسه و التهديد بالانتحار إنما تشكل أفعاله كافة أركان وعناصر الجرم المسند إليه الأمر الذي يقتضي إدانته عن هذا الجرم.
ثانيًا: موقف الشريعة الإسلامية من الانتحار
شدد الإسلام على ضرورة المحافظة على النفس وحرم قتلها، وفي نطاق تناول الإسلام للانتحار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجاها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا[6])
فليس للإنسان حق التصرف في حياته أو إنهائها بإرادته متى شاء؛ لأنه لا يملك الحياة أساسا حتى يملك الموت، فهذا الحق هو هبة من الله، وهو من بيده التصرف فيه. والشرائع السماوية مجتمعة اعتبرت أن الحياة ليست ملكا للإنسان، وإنما هي ملكا خالصا للخالق وحده[7].
ثالثًا: موقف التشريعات العربية من الانتحار
اختلفت التشريعات العربية من حيث تناولها للانتحار ويمكن تقسيمها لثلاث فئات نذكر تلك الفئات وأمثلة عليها:
1- تشريعات لم تتناول
بعض التشريعات العربية مثل التشريع المصري والتونسي لم تتناول موضوع الانتحار لا بالإباحة أو بالتجريم، بل سكتت عن الحديث عنه، ونجد أن ذلك يعد قصورًا تشريعًا لما سنبين من مبررات في تناول الانتحار تشريعيًا في السطور القادمة.
2- تشريعات لم تجرم
بعض التشريعات اتخذت موقفًا سلبيًا في مواجهة الانتحار بأن رفعت صراحةً التجريم عن فعل الانتحار، ومن تلك التشريعات:
– المشرع العراقي
حيث نصت المادة (٤٠٨/3) من قانون العقوبات العراقي على «لا عقاب على من شرع في الانتحار»
3- تشريعات لم تجرم
وأخيرًا هناك بعض التشريعات التي واجهة ظاهرة الانتحار بأن سنت المواد القانونية لتجريم الشروع في الانتحار، ومن تلك التشريعات:
– المشرع القطري
المادة (304) من قانون العقوبات (يُعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر، وبالغرامة التي لا تزيد على ثلاثة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من شرع في الانتحار، بأن أتى فعلاً من الأفعال التي تؤدي إلى الوفاة عادة.)
– المشرع السوداني
والقانون السوداني أيضًا يرى الأمر بالطريقة نفسها، فهو ينص في مادته رقم (١٣٣) على أن «من يشرع في الانتحار بمحاولة قتل نفسه بأي وسيلة يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز سنة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معًا»
رابعًا: موقف المشرع الأردني من الانتحار
في بداية الأمر سكت المشرع الأردني عن تناول الانتحار واقتصر التجريم للمحرض عليه إذ نصت المادة (339) من قانون العقوبات قبل التعديل على:
أ- من حمل إنسانا على الانتحار أو ساعده بطريقة من الطرق المذكورة في المادة (80) عوقب بالاعتقال المؤقت.
ب- وإذا بقي الانتحار في حالة الشروع عوقب ذلك الشخص بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وتكون العقوبة حتى ثلاث سنوات إذا نجم إيذاء أو عجز دائميين.)
إلا أنه على الرغم من ذلك قد تناول الانتحار لأسباب تخص الأمن الوطني وذلك بقانون العقوبات العسكري، إذ نصت المادة (47) منه على (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر كل من حاول الانتحار بسبب الخدمة أو للتخلص منها أو احتجاجا على تصرفات القادة أو الرؤساء واذا أدى الفعل إلى جعله غير لائق للخدمة العسكرية نهائيا أو إلى وضعه في خدمات ثابتة يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.).
ثم بعد ذلك انتقل المشرع الأردني للمرحلة الثانية من تناول الانتحار إذ جعل الشروع فيه جريمة يعاقب عليه القانون وجاء ذلك بنص المادة (25) من القانون معدل لقانون العقوبات – رقم (10) لسنة 2022 إذ نصت على (تعدل المادة (339) من القانون الأصلي على النحو التالي: –
أولا: بإضافة الفقرة (1) إليها بالنص التالي: –
1- يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من شرع في الانتحار في مكان عام بأن أتى أيا من الأفعال التي تؤدي إلى الوفاة عادة وتشدد العقوبة إلى ضعفها اذا تم ذلك باتفاق جماعي.
ثانيا: بإعادة ترقيم الفقرتين (أ) و(ب) الواردتين فيها لتصبحا الفقرتين (2) و(3) منها.)
خامسًا: أركان جريمة الشروع في الانتحار
رأينا من خلال العرض السابق كيف أن المشرع الأردني قد تدرج في مكافحة الانتحار، وفي هذا العنصر سنتناول أركان جريمة الشروع في الانتحار، وتلك الأركان تتمثل في:
1- الركن القانوني
الركن القانوني هو عبارة عن السند الشرعي لتجريم فعل معين، وهذا الركن يتكون من ثلاث عناصر، نص تقرير التجريم، نص تقرير العقوبة، والثالث عدم وجود سبب للإباحة، وفي موضوع مقالنا فإن الركن القانوني لجريمة الشروع في الانتحار يمثل في نص المادة (339/1) من قانون العقوبات إذ نصت على (يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من شرع في الانتحار في مكان عام بأن أتى أيا من الأفعال التي تؤدي إلى الوفاة عادة وتشدد العقوبة إلى ضعفها إذا تم ذلك باتفاق جماعي)
2- الركن المادي
الركن المادي هو عبارة عن الأفعال المادية (النشاط الإجرامي) الذي يقوم به المجرم لارتكاب فعل غير مباح (الجريمة)، وفي جريمة الشروع في الانتحار في التشريع الأردني فإن الركن المادي للجريمة يتمثل في ارتكاب الشخص لفعل في مكان عام يؤدي في العادة لوفاته.
ومن الملاحظ أن كلًا من الأفعال التي قد تؤدي للوفاة والمكان العام يخضعان للسلطة التقديرية للمحكمة، فالأفعال التي قد تؤدي للوفاة تختلف باختلاف المكان والزمان والأشخاص من حيث الجنس والسن والحالة الصحية، وكذا المكان العام فإن كانت بعض الأماكن لا تحتاج للبحث في مدى اعتبارها أماكن عامة مثل الطرق فإن بعض الأماكن قد تثير السلطة التقديرية للمحكمة كما لو كان المكان عيادة طبية والتي قد تكون عامة في أوقات العمل وغير ذلك في أوقات أخرى.
3- الركن المعنوي
الركن المعنوي عرفه المشرع الأردني في المادة (63) من قانون العقوبات على أنه (إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون).
فالركن المعنوي يتمثل في العلم والإرادة، العلم بعناصر الفعل الإجرامي الذي يقوم به وفي جريمتنا فيتمثل في معرفة المتهم بأن الأفعال التي يقدم على ارتكابها ستؤدي حتمًا إلى وفاته إذا أتمها، والإرادة أن تتجه إرادته الحرة لارتكاب هذا الفعل.
سادسًا: تقييم نهج المشرع الأردني المجرم للشروع
1- النقد المجتمعي للتشريع
لقد نال التشريع الجديد المجرم للشروع في الانتحار الانتقاد من العديد، فمنهم من تناوله بالسخرية تحت عنوان “عقوبة للفشل في الانتحار”، ومنهم من كان نقده ينال حدًا من الموضوعية بأن تحدث عن طبيعة المنتحر كمريض نفسي، أو من يواجه الصعوبات بحياته.
ويكون ذلك حسب قدرة تحمل الشخص لشدائد والصعاب، فالبعض من الأشخاص تتراكـم عليها المشاكل وتنغلق أمامه الأبواب بسبب ضعف إيمانه طبعا ونظرا لظروفه التي يمر بها تجعل فكر الانتحار بديلا مقبولا عن واقعه الذي يمر به وذلك لعدم تحقيق الهدف الذي يسعى إليه[8].
2- توصيات منظمة الصحة العالمية [9]
يمكن الوقاية من حالات الانتحار. فهناك عدد من التدابير التي يمكن اتخاذها على مستوى الفئات والفئات الفرعية من المعرضين للانتحار وعلى المستوى الفردي لمنع الانتحار ومحاولات الانتحار. ويوصى في نهج “عِش الحياة” (LIVE LIFE)، الذي وضعته المنظمة للوقاية من الانتحار، بالتدخلات التالية التي ثبتت فعاليتها استنادا إلى الأدلة:
تقييد الوصول إلى وسائل الانتحار (مثل مبيدات الآفات، والأسلحة النارية، وبعض الأدوية)؛
التواصل مع وسائل الإعلام لعرض مواد إعلامية مسؤولة بشأن الانتحار؛
تعزيز مهارات الحياة الاجتماعية والعاطفية لدى المراهقين؛
التعرف مبكرا على الأفراد الذين يظهرون سلوكيات انتحارية، وتقييم حالتهم، وإدارتها، ومتابعتها.
ويتعين أن تقترن هذه التدخلات بالركائز الأساسية التالية: تحليل الوضع، والتعاون بين القطاعات المتعددة، وإذكاء الوعي، وبناء القدرات، والتمويل، والرقابة، والرصد، والتقييم.
وتتطلب جهود الوقاية من الانتحار التنسيق والتعاون بين قطاعات متعددة من المجتمع، ومنها القطاع الصحي والقطاعات الأخرى مثل التعليم والعمل والزراعة وقطاع الأعمال، والعدل، والقانون، والدفاع، والسياسة، والإعلام. وينبغي أن تكون هذه الجهود شاملة ومتكاملة إذ لا يمكن لأي نهج أن يحدث بمفرده أثره على مسألة بهذا القدر من التعقيد مثل مسألة الانتحار.
3- بصيرة المشرع الأردني
رأينا في محور تناول منظمة الصحة العالمية لموضوع الانتحار أنها أوردت أنه لابد من تكاتف جميع أطياف المجتمع والمؤسسات والأجهزة لمواجهة مثل تلك الأفة التي قد تزداد بالمجتمع، ومن ضمنها القانون، فلابد أن يهتم القانون بمكافحة كل ما قد يضر بالمجتمع.
فتناولنا لموضوع الانتحار وإن كان يصبغ بالصبغة القانونية إلا أنه لابد لنا ألا نغفل الدور المجتمعي الذي لابد أن يلعبه القانون في أيقاظ الوعي المجتمعي نحو خطورة هذا الفعل الإجرامي، فالجزاء وإن كان بسيطًا إلا أن مجرد التجريم يعد خطوة نحو تقييد تلك الظاهرة.
ونحن إذ نؤيد موقف المشرع الأردني في ذلك النهج إذ عمل على ردع المجتمع من ذلك الفعل خاصة أن المشرع الأردني قد قصر التجريم على ارتكاب الفعل بالأماكن العامة، ونجد ذلك مناسبة جدًا خاصة مع انتشار استغلال المواقف على مواقع التواصل الاجتماعي والتي قد تدفع بالبعض لفعل بعض الأفعال الخطرة فقط من أجل جمع مشاهدات دون التفكير في العواقب، فذلك التجريم سيوقف مثل هؤلاء خوفًا من الوقوع تحت طائلة القانون.
سابعًا: تطبيقات قضائية
الحكم رقم 3769 لسنة 2022 بداية الزرقاء بصفتها الاستئنافية- الصادر بتاريخ 2022-12-12
باستعراض محكمتنا لأوراق هذه الدعوى وما قدم فيها من بينات فإننا نجد بأن واقعة هذه الدعوى تتلخص أنه بتاريخ 10/9/2022 وأثناء قيام منظمي الضبط بالوظيفة الرسمية تم ضبط المستأنف ضدها تهدد بالانتحار داخل محلات سعيفان للصاغة والمجوهرات وكان بيدها سكين حيث تم التفاوض معها من اجل منعها من الانتحار حيث تم السيطرة عليها وتم تم تنظيم الضبط اللازم بحقها وجرت الملاحقة ، وحيث نجد أنه مجرد تهديد المستأنف ضدها بالانتحار في حال لم تنفذ طلباتها لا يشكل جرم الشروع بالانتحار كون المشرع يتطلب البدء بالأركان المادية للفعل وان يحول دون إتمام الفعل ظرف ما قبل ارتكاب الفعل وعليه فإن المستأنف ضدها وحسب ما ورد بكتاب الشرطة كانت تهدد بالانتحار بواسطة سكين فواكه داخل المحل لتدفع الشخص التي حضرت لمقابلته للخروج إليها وجلب الانتباه وأن مجرد التلوع بالانتحار دون إتيان أي فعل مادي لا يشكل جرماً وبالتالي فإن أفعال المستأنف ضدها لا تشكل جرماً جزائياً ويتوجب إعلان عدم مسؤوليتها إلا أننا نجد بأنه قد ثبت حيازة المستأنف ضدها لأداة حادة مما يتوجب إدانتها بهذا الجرم ، وحيث توصلت محكمة الدرجة الأولى إلى ذات النتيجة التي توصلت إليها محكمتنا فإننا نقرها على ذلك وأن سبب الاستئناف لا يرد على القرار المستأنف ويتعين رده.
لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر وعملاً بأحكام المادة (267) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رد الاستئناف موضوعاً وتأييد القرار المستأنف وإعادة الأوراق إلى مصدرها.
الحكم رقم 14007 لسنة 2022 – صلح جزاء اربد- الصادر بتاريخ 2022-12-28
وبناءً على ما تقدم وحيث ثبت للمحكمة أن المشتكى عليه قام بطعن نفسه داخل المنزل حيث كان متواجداً في احد الغرف وثبت ذلك من خلال اعتراف المشتكى عليه أمام المدعي العام والذي جاء فيه أنه (” وقبل أسبوع وأثناء تواجدي في احدى الغرف برفقة احدى الفتيات وعند حضور الشرطة قمت بطعن نفسي بسكين في منطقة البطن خوفاً من الشرطة” ومن خلال شهادة منظمي الضبط حيث ذكر منظم الضبط ( محمد نجادات) أنه (…..وأذكر أن المشتكى عليه كان جوا البيت وأنا رايته بعد ما ضرب حاله بسكينه حيث أنه لا يوجد بالغرفة إلا هو والبنت”)، كما جاء في شهادة منظم الضبط (قتيبه الشبول) أنه (….”وأنا رايته بعد ما ضرب حاله بسكينه وكان في غرفة ومسكر من الداخل وكان معاه فتاة وانا سمعت الفتاة طعن نفسه..”)، وعليه تجد المحكمة أن فعل المشتكى عليه المتمثل بطعن نفسه داخل المنزل من شأنه أن يؤدي إلى الانتحار إلا انه يشترط للعقاب على هذا الجرم ان ترتكب الأفعال المؤدية للوفاة عادة في مكان عام بموجب التعديل على قانون العقوبات الذي طال نص المادة (339/1) منه الساري بتاريخ 24/6/2022 وحيث ان المشتكى عليه شرع بالانتحار في المنزل وليس في مكان عام مما يعني تخلف أحد عناصر الركن المادي للجرم المسند للمشتكى عليه الأمر الذي يستوجب معه إعلان عدم مسؤوليته عن الجرم المسند له لعدم توافر شروط التجريم.
الحكم رقم 872 لسنة 2022 – صلح جزاء الموقر- الصادر بتاريخ 2022-12-28
في القانون:
تنص المادة (339/1) من قانون العقوبات على: (1.يعاقـب بـالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامـة لا تزيد علـى مـائـة دينـار أو بإحدى هاتين العقوبتين كـل مـن شـرع في الانتحـار فـي مـكـان عـام بـأن أتـى أيـاً من الأفعال التي تؤدي إلى الوفاة عادة وتشدد العقوبة إلى ضعفها اذا تم ذلك باتفاق جماعي).
بتطبيق القانون على هذه الوقائع تجد المحكمة:
أن قيام المشتكى عليه بتناول مجموعة من الأدوية بقصد الانتحار إنما تشكل بالتطبيق القانوني كافة أركان وعناصر الجرم المسند إليه مما يقتضي إدانته عنه.
لذا وتأسيسا على ما تقدم تقرر المحكمة ما يلي:
أولا: عملا بأحكام المادة (177) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليه بجرم محاولة الانتحار خلافا لأحكام المادة (339/1) من قانون والحكم عليه عملا بأحكام ذات المادة بالحبس مدة أسبوع واحد والرسوم.
ثانيا: عملا بأحكام المادة (45) من قانون العقوبات تضمين المشتكى عليه نفقات الدعوى المتمثلة ببدل تنقلات حضور منظم الإفادة الشرطية والبالغة (20 دينار)، تدفع لصندوق لجرم المشهود في وزارة العدل.
ثامنًا: خاتمة
في هذا المقال تحدثنا عن الشروع في الانتحار، بينا موقف الإسلام من الانتحار إذ شدد من عقوبته في الأخرة، ورأينا كيف أن التشريعات العربية قد انقسمت بين ساكت ومبيح ومجرم، وبينا أركان جريمة الشروع في الانتحار في التشريع الأردني والتي يميزها أنه لابد أن يكون الفعل في مكان عام ليتم التجريم عليه، وفي النهاية يجب القول إن على التشريعات العربية حذو حذو المشرع الأردني في فرض عقوبة للشروع في الانتحار لما بيناه في مناقشة موقف المشرع الأردني من أسباب.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] سورة الإسراء: الآية/ 33
[2] رواه البخاري ومسلم
[3] ينظر: السلوك الإجرامي، النظريات” لفرانك ب، وليماس 3، ماريلين د ماك شأن ترجمة وتعليق عدلي السمري، صـ 293
[4] فرانك ب وليامس، مارلين د ماكسن، السلوك الإجرامي النظريات، ترجمة عدلي السمري، صـ291.
[5] عبد الله بن سعد الرشود، ظاهرة الانتحار – التشخيص والعالج، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الطبعة الأولى الرياض، 5112، صـ37
[6] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب شرب السم والدواء وبما يخاف منه الخبيث، رقم 5778، ص 1131.
[7] شعبان نبيه متولي، الحماية الجنائية لحق الإنسان في الحياة، (رسالة دكتوراه منشورة)، جامعة القاهرة، مصر، 1991م، ص: 707
[8] طيبة فاضل عباس، غزوان حيي يوسف، ظاهرة الانتحار وباء يصيب المجتمع الايزيدي، لا. ط؛ العراق: قسم حقوؽ الأقليات، 2012م، ص17.
[9] منظمة الصحة العالمية، بتاريخ 20/1/2023، https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/suicide

