العدالة التصالحية في المسائل الجنائية

العدالة التصالحية في المسائل الجنائية

السياسة العقابية في بدايتها كانت قائمة على فرض العقوبة الجنائية على الجاني، لكن مع الوقت بدأ فشل تلك الوسيلة في الظهور حيث لم تعمل تلك العقوبات على ردع المجرمين، وفي سبيل البحث عن وسائل جديدة لمواجهة الظاهرة الإجرامية ظهر ما يسمى بالعدالة التصالحية في المسائل الجنائية، وسيكون ذلك من خلال النقاط التالية:

أولًا: الاتجاه للتحول عن السياسة العقابية التقليدية

ثانيًا: التعريف بالعدالة التصالحية ومبرراتها وطرق تطبيقها

ثالثًا: تطبيقات متفرقة للعدالة التصالحية بالتشريع الأردني

ثالثًا: تطبيقات قضائية

سابعًا: خاتمة

أولًا: الاتجاه للتحول عن السياسة العقابية التقليدية

في بداية الأمر كان جسد الإنسان هو محل العقاب على الجرائم التي يرتكبها سواء كانت تلك الجرائم تمس بحقوق آحاد الناس أو التي تمس بأمن المجتمع كافة، وتطورت تلك السياسة من القيام على إيلام جسد المجرم حتى وصلت إلى مجرد تقيد حريته، وتطور كذلك الهدف من السياسة العقابية فبعد أن كانت هدفها إنزال العقاب للجاني فقط أضحى من ضمن أهدافها إصلاح المجرم ذاته. وترجع هذه التطورات لعدم وجود جدوى فعلية من مجرد فرض عقوبات سالبة للحرية.

حيث تؤدي بيئة السجن في كثير من الأحيان إلى خلق شعور بالحقد والسخط على المجتمع والدولة بسبب الإحساس بالظلم لعدم تناسب عقوبته مع الجرم الذي اقترفه ما يجعل من المؤسسة العقابية تخرج عن هدفها بدلا من الإصلاح والتأهيل إلى مؤسسة تقوم بإنتاج المجرمين[1].

وبدأ ظهور أفكار جديدة لموجهة الجريمة وخلصت هذه الأفكار إلى أن مواجهة الجريمة يجب ألا تتمثل في العقوبات إصلاح المؤسسات العقابية وإنما بتغيير جذري للنظام الاجتماعي القائم على استغلال الإنسان. وقد تزامنت هذه الأفكار مع ظهور تيار التأثير التبادلي interactionnisme والذي ينظر إلى المجرم باعتباره نتاجا للتنظيم الموضوعي لمعنى الانحراف، بمعنى أن المجرم لا يَعّد كذلك إلا أنه وصف بهذا الوصف من خلال عملية تتضمن لصق بطاقة عليه تصفه بذلك، فعلم الإجرام يجب ألا يظل هو علم الجريمة والمجرم وإنما يصبح علم رد الفعل الاجتماعي[2]. فالهدف الأسمى لا يكون مجرد حماية لأفراد بعينهم فقط، بل الهدف الأسمى هو تحقيق العدالة الجنائية.

والعدالــة الجنائيــة هي: أداة اجتماعيــة لتطبيــق معاييــر الســلوك الضروريــة لضمــان حريــة وســلامة الأفراد وحفــظ النظــام العــام فـي المجتمـع. وبشـكل عـام، تهـدف العدالـة الجنائيـة إلـى تحقيـق هدفيـن رئيسـين: تحقيـق المصلحـة الخاصـة للأفراد بضمـان حرياتهـم وحقوقهـم، وتحقيـق المصلحـة العامـة للمجتمـع بضمـان الأمن والاستقرار، مـن خـلال تطبيـق قواعـد عامـة ضمـن لمبــدأ شــرعية بيئــة طبيعيــة مــن اســتقرار المجتمــع، بحضــور الدولــة وأجهزتهــا الحياديــة تجــاه الأفراد والجماعــات، واســتنادا الجرائـم والعقوبـات واستقلال المؤسسـة القضائيـة وحيادهـا، بمـا يوفـر حمايـة حقـوق الإنسان الأساسية[3].

ثانيًا: التعريف بالعدالة التصالحية ومبرراتها وطرق تطبيقها

1 – تعريف العدالة التصالحية

يقصد بالعدالة التصالحية جعل الجاني مسؤولا عن الضرر الذي أحدثته الجريمة، ومنحه فرصة لإثبات إمكاناته الإيجابية في التعامل مع مشاعر الذنب بطريقة بناءة، بالإضافة إلى إشراك الآخرين ليؤدون دورا في حل النزاع بمن فيهم الضحية، وأفراد الأسرة والمجتمع الذي وقعت فيه الجريمة، كما يمكن تعريفها بأنها أسلوب يتم من خلاله اللجوء إلى المجتمع في التعامل مع الجريمة والانحراف، أو هي عملية الاستجابة للجريمة بطريقة تعزز إعادة الحالة إلى طبيعتها وتوفق بين جميع الأطراف المتضررة، فالعدالة التصالحية تعتبر طريقة غير قضائية لإدارة الدعوى العمومية[4].

تعرف أيضًا بأنها نهج شبه قضائي. من بين استجاباته للجريمة أن يعقد اجتماع بين المعتدي والمعتدي عليه بحضور ممثلين عن المجتمع أحيانًا يهدف هذا الاجتماع إلى مشاركة تجربة ما حدث. ومناقشة ما تأذى بالجريمة وكيف كان ذلك. والتوصل إلى إجماع على ما يجب ان يفعله المعتدي ليعوض المعتدي عليه عن الأذى الذي لحق به من الاعتداء مما يتفق عليه عادة أن يدفع المعتدي مبلغًا من المال للضحية. أو يقدم اعتذارًا أو تعويضًا أخر أو أشياء أخرى لتعويض الذين تأذوا من الجريمة ومنع المعتدي من أن يؤذي أحد في المستقبل[5].

2- مبررات تطبيق العدالة التصالحية

كما بينا في السطور المتقدمة فإن السياسة العقابية لم تعد مجدية بالشكل التي كانت عليه منذ القدم، وللتخفيف عن كاهل القضاء فلقد سعت التشريعات المتباينة لنشر ثقافة العدالة التصالحية في الجرائم ذات الطبيعة الخاصة، ومبررات هذا السعي نجد له العديد من المبررات، فقد يكون المبرر راجع لأطراف النزاع كما لو كانوا أطراف في أسرة واحدة، كما قد يكون المبرر عدم فظاعة الجرم كأن يكون متعلق بالمال فقط مثل الجرائم الخاصة بالجمارك، كما قد يكون المبرر راجع لكون الجرم من الجنح الخفيفة التي لا تؤثر على الأمن العام، وقد يكون المبرر وهو من المبررات الأقوى عدم فاعلية نظام العقاب العادي في التقليل من الجريمة،…ألخ

3 – طرق تطبيق العدالة التصالحية

ومن خلال تلك التعريفات يتضح لنا أنه يمكن تقسيم طرق تطبيق العدالة التصالحية إلى ثلاث أنواع:

أ- الطريق القضائي

في هذا الطريق يكون تطبيق العدالة التصالحية من خلال جهة قضائية بحيث يخول القانون للقاضي الطبيعي من خلال مواد قانونية سلطة إنهاء النزاع صلحًا متى اتفقا أطراف النزاع على ذلك، فيسقط الحق العام تباعًا لسقوط الحق الخاص.

– مثال على ذلك بالتشريع الأردني

المادة (5) من القانون معدل لقانون العقوبات – رقم (10) لسنة 2022 المادة (52) من قانون العقوبات إذ نصت بعد التعديل على:

إن صفح المجني عليه يسقط دعوى الحق العام والعقوبات المحكوم بها التي لم تكتسب الدرجة القطعية في أي من الحالات التالية:

  1. إذا كانت إقامة الدعوى تتوقف على اتخاذ صفة الادعاء بالحق الشخصي أو تقديم شكوى.
  2. إذا كان موضوع الدعوى هو إحدى الجنح المنصوص عليها في المواد (83) و(221) و(227) و(271) و(272) و(281) و(333) و(349) و(350) و(374) و(382) و(408) و(409) و(410/1) و(412/2،1) و(417) و(418) و(444) و(446) و(447) و(448) و(449) و(450) و(451) و(452) و(453) و(465) من هذا القانون ما لم تتحقق إحدى حالات التكرار.

ب_ الطريق الغير قضائي

يكون هذا الطريق من خلال جهة غير قضائية حيث يخول القانون لتلك الجهة الغير قضائية سلطة التصالح على المخالفات التي تكون مجرمة بموجب نوصوص قانونية، والجدير بالذكر أن تلك الحالات تكون في الجرائم التي لا تمس الأمن العام، بل تكون مقتصرة على الإضرار بالأموال. كما في الصلح مع الجهة الإدارية.

الصلح بين المتهم والجهة الإدارية (الشخصية المعنوية) كما هو الحال في جرائم المرور أو مخالفات الضرائب والجمارك. يعتبر بمثابة عقد يعبر فيه المتهم عن رغبته في التصالح (الإيجابي) فإذا ما التقى مع موافقة الإدارة المختصة أنتج أثره بانقضاء الدعوى الجنائية أو وقف تنفيذ العقوبة ويكفي لتحقق الصلح الجنائي اتجاه إرادة الأطراف إلى مجرد الواقعة القانونية والقانون وحده هو الذي يرتب الآثار القانونية بمجرد اتفاق طرفي النزاع على الصلح ويحدد القانون الجنائي جرائم محددة على سبيل الحصر. أما الصلح المدني فهو يتعلق بمصالح الطرفين الخاصة سواء كانت مالية أو غيرها ويتم بتالفي إرادة الطرفين المتعاقدين[6].

– مثال على ذلك بالتشريع الأردني

المادة (1) من قرار دليل التسويات الصلحية /الصادر عن معالي وزير المالية/الجمارك:

استناداً لأحكام المادتين (212، 213) من قانون الجمارك رقم (20) لسنة 1998، فإنني أفوض (مدير عام الجمارك، مساعد مدير عام الجمارك، مدير القضايا، مدير مكافحة التهريب الجمركي، ومدير / رئيس مركز جمرك . . . بالصلاحيات التالية:

عقد التسوية الصلحيه في جرائم التهريب وما في حكمها سواء قبل رفع الدعوى أو خلال النظر فيها وقبل صدور الحكم البدائي وذلك مع جميع المسؤولين عن التهريب أو مع بعضهم عن كامل الجرم وضمن الشروط الواردة في عقد المصالحة.

الاستعاضة عن الجزاءات والغرامات الجمركية التي نصت عليها المادة (206) من قانون الجمارك النافذ وذلك عند عقد التسوية الصلحية بالجزاءات والغرامات الجمركية الواردة بالدليل المرفق مع الالتزام بما يلي:

مصادرة البضائع الممنوعة المعينة والبضائع الممنوع استيرادها أو تصديرها.

إعادة البضاعة المحجوزة لوضعها بالاستهلاك المحلي بعد استيفاء الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى المتوجبة عنها والتحقق من توافر متطلبات الاستيراد للمملكة الأصولية بما في ذلك موافقة جهة الحصر في حال كانت من البضائع المحصورة ، أو لإعادة تصديرها وفق الإجراءات الأصولية.

إعادة وسائط النقل والمواد المستخدمة في التهريب لقاء الغرامة المحددة في الدليل المرفق.

لا يمنع ما ورد في البند (2) من مصادرة وسائط النقل والبضائع أو استيفاء ما يعادل قيمتها مشتملة على الرسوم والضرائب بما فيها ضريبة المبيعات عند عدم حجزها وفقاً لأحكام القانون باعتبار أنها استهلكت داخل المملكة مع مراعاة القيود التي تقضي بها النصوص النافذة.

ب_ الطريق المختلط

يكون هذا الطريق من خلال جهة غير قضائية تقوم على تسوية النزاع وديًا إلا أن تلك التسوية لا تكتسب الحجية إلا من وقت تصديق السلطة القضائية عليها، حيث تقوم الجهة الغير قضائية بعرض النزاع والتسوية التي تمت وإجراءاتها على سلطة قضائية للنظر في مدى قابليتها للتصديق من عدمه.

– مثال على ذلك بالتشريع الأردني

المادة نصت المادة (7/أ) من قانون الحماية من العنف الأسري نصت على (على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر، تتولى إدارة حماية الأسرة تسوية النزاع في قضايا العنف الأسري في الجنح شريطة موافقة الطرفين أو من يمثلهما قانوناً على إجراء التسوية وحضور جلساتها على أن تنحصر التسوية في الفعل الجرمي والشكوى المتعلقة به.)

نصت المادة 8 من قانون الحماية من العنف الأسري على:

تلتزم إدارة حماية الأسرة عند تسوية النزاع بين الأطراف بالإجراءات التالية:

أ. استدعاء الأطراف وعقد جلسة التسوية وتثبيت ذلك في الملف.

ب. مراعاة وضع الأسرة وظروفها.

ج. تثبيت التسوية الموقعة من أطراف النزاع، وإعداد تقرير بذلك مرفقا به دراسة اجتماعية يعدها الأخصائي الاجتماعي والنفسي.

د. الانتهاء من إجراءات التسوية خلال أربعة عشر يوماً من تاريخ عقد أول جلسة ولها تمديد هذه المدة لمرة واحدة ولمدة مماثلة إذا كانت إمكانية التسوية متوافرة بعد الاستئناس برأي الأخصائي الاجتماعي والنفسي.

نصت المادة 9 من قانون الحماية من العنف الأسري على:

أ‌. بعد انتهاء المدة المشار إليها في الفقرة (د) من المادة (8) من هذا القانون، يحال ملف التسوية إلى المحكمة المختصة سواء تمت التسوية أم لم تتم.

ب. للمحكمة المختصة المصادقة على قرار التسوية دون اشتراط حضور الأطراف خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام من تاريخ ورود ملف التسوية لقلم المحكمة ويكون قرارها بالمصادقة على التسوية قطعيا.

ثالثًا: تطبيقات متفرقة للعدالة التصالحية بالتشريع الأردني

في هذا العنصر سنعرض لمجموعة من نصوص وردت متفرقة في التشريع الأردني التي تهدف لتحقيق العدالة التصالحية في المسائل الجنائية، والتي تهدف جميعها لإنهاء النزاع:

المادة (14) من قانون الأحداث نصت على:

‌أ. تعتبر إجراءات تسوية النزاع سرية ولا يجوز الاحتجاج بها أو بما تم فيها من تنازلات من أطراف النزاع أمام أي محكمة أو أي جهة كانت. ‌

ب. لا يجوز توقيف الحدث أثناء مرحلة التسوية

‌ج. لأطراف النزاع وفي أي مرحلة من مراحل إجراء التسوية الطلب من الجهة التي تتولاها إحالة النزاع إلى المحكمة المختصة على أن يتم ذلك من خلال قاضي تسوية النزاع

المادة (25) من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 نصت على:

أ. للمشتكي أو ورثته التصالح مع المشتكى عليه في أي مرحلة تكون عليها الشكوى وحتى لو كانت أمام اللجنة الفنية العليا.

وفي هذه الحالة تسقط هذه الشكوى ولا يلاحق المشتكى عليه.

ب. إذا تم الصلح بعد صدور الحكم في الدعوى يوقف تنفيذ العقوبة.

ج. في الأحوال جميعها لا يؤثر الصلح على حقوق المتضرر في اللجوء للقضاء لطلب التعويض.

المادة (334) من قانون العقوبات نصت على:

إذا لم ينجم عن الأفعال المبينة في المادة (333) من هذا القانون أي مرض أو تعطيل عن العمل أو نجم عنها مرض أو تعطيل ولكن مدته لم تزد على العشرين يوما عوقب الفاعل بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين، ولا يجوز في هذه الحالة تعقب الدعوى بدون شكوى المتضرر كتابة أو شفهيا وللشاكي أن يتنازل عن شكواه إلى أن يكتسب الحكم الدرجة القطعية وعندئذ تسقط دعوى الحق العام.

ثالثًا: تطبيقات قضائية

الحكم رقم 2033 لسنة 2021 – صلح جزاء عمان- الصادر بتاريخ 2022-10-20

تجد المحكمة أنّ سياسة المشرع في التجريم والعقاب تتطور تبعاً لمتغيرات الحياة بحيث يسعى المشرع من خلال تطوير تلك السياسة إلى تطويع فلسفة التجريم والعقاب بحيث تحقق التناغم بين الحق العام والحق الخاص على اعتبار أنّ اقتضاء حق المجتمع في العقاب لم يعد هو الوسيلة المثلى لتحقيق الردع العام، ومن هذا المنطلق تظهر جلياً فكرة العدالة التصالحية في المسائل الجزائية على اعتبار أنّ تحقيق العدالة لا يؤتي أكله في كل الأحول بحبس الجاني أو وصمه بفعلته، لا سيما إذا كان المجتمع بأمس الحاجة لدور الجاني في تحقيق مآرب أخرى أولى بالرعاية من فلسفة الاقتصاص من الجاني، ومن بين أهم تلك الاحتياجات حاجة حفظ النفس التي تعد من الضرورات والتي يقوم عليها مقدموا خدمات الرعاية الطبية والصحية ومن بينهم الطبيب باعتباره الحارس الأمين على رعاية المرضى وتطبيب جراحهم، ونظراً لتلك الحاجة فقد ارتأى المشرع أنّ صفح المشتكي أو ورثته عن مقدم الرعاية الطبية والصحية من شأنه أن يرتب أثراً مفاده إسقاط الشكوى المقامة بمواجهته، وحيث أنّ الثابت من خلال وقائع هذه الشكوى أنّه تم التصالح في هذه الشكوى مع مقدمي الشكوى مما يتعين تبعاً لذلك تطبيق حكم المادة 25 من قانون المسؤولية الطبية والصحية وإسقاط الشكوى على حد تعبير المشرع تبعاً لذلك حتى في ظل عدم صدور تقرير اللجنة الفنية العليا بعد وذلك تطبيقًا لصراحة عجز الفقرة أ من المادة 25 كما أنّ حكم هذه المادة يسري على كافة الجرائم المسندة لمقدم الخدمة الطبية والناتجة عن الإجراء الطبي الوارد تعريفه في المادة 2 من قانون المسؤولية الطبية ولو نتج عن الإجراء وفاة متلقي الخدمة الصحية للعلل الواردة في بداية التسبيب من جهة، ولصياغة النص في أنّ التصالح يكون من قبل المشتكي أو ورثته وهذا يشمل حالة الوفاة ابتداءً نتيجة الخطأ الطبي وتقديم الشكوى من الورثة وفقًا لما ورد في المادة 9 من أنّ الشكوى تقدم من متلقي الخدمة أو ورثته وتشمل أيضًا فرض مباشرة متلقي الخدمة الشكوى بذاته كأن يكون الجرم المسند التسبب بالإيذاء ومن ثم يتوفى أثناء نظر الشكوى فيمكن والحالة هذه التصالح من قبل الورثة، وما يعزز هذا الحكم أنّ قانون المسؤولية الطبية الإماراتي لسنة 2016 وهو المصدر التاريخي لقانون المسؤولية الطبية الأردني 2018 تضمن ذات الحكم حتى وإن نتج عن الخطأ الطبي الوفاة .

بالنسبة للمشتكى عليهما إبراهيم ومحمود

ابتداءً تشير المحكمة إلى أنّ المشتكى عليهما المناوب الإداري إبراهيم وموظف الطب الشرعي محمود ليسا من الممارسين للمهن الطبية أو الصحية وبالتالي لا ينطبق عليهما قانون المسؤولية الطبية والصحية، وفي الجرم المسند للمشتكى عليهما تجد المحكمة أنه قد اتصل إلى علمهما وبحكم عملهما نبأ وفاة المريض خالد العبسي وخلال أقل من 24 ساعة من دخوله المستشفى ونتيجة لإجراء طبي الأمر الذي كان يتوجب عليهما القيام بواجبهم القانوني المفروض عليهم وهو المبادرة من تلقاء أنفسهم بالإبلاغ عن الحالة بوصفها حالة قضائية دون تأخير أو إبطاء وحيث ثبتت مسؤوليتهم من خلال تقرير لجنة التحقيق الداخلية مما يتعين إدانتهما .

لهذا وتأسيساً على ما تقدم تقرر المحكمة ما يلي:

عملاً بأحكام المادة 25/أ من قانون المسؤولية الطبية والصحية إسقاط دعوى الحق العام بالنسبة للجرائم المسندة للمشتكى عليه مهند تبعا لإسقاط الحق الشخصي وتضمين المشتكين رسم الإسقاط.

عملًا بأحكام المادة 177 من قانون أصول المحاكمات الجزائية إدانة المشتكى عليهما إبراهيم ومحمود بجرم عدم إبلاغ السلطة ذات الصلاحية عن جنحة تم العلم بها وفقًا لأحكام المادة 207 /2 من قانون العقوبات والحكم على كل منهما بالغرامة 20 دينار والرسوم.

الحكم رقم 879 لسنة 2022 – بداية الكرك بصفتها الاستئنافية الصادر بتاريخ 2022-07-13

ثانياً: بالنسبة إلى جرم التسبب بالإيذاء المسند إلى المشتكى عليها خلافا لأحكام المادة 344 من قانون العقوبات, وحيث ان تنازل الشاكي عن شكواه في جنحة الإيذاء غير المقصود يسقط دعوى الحق العام والعقوبة المحكوم بها حتى لو اكتسب الحكم الدرجة القطعية, كما تقضي بذلك المادة 344 /4 من قانون العقوبات, وان تطبيق المحكمة للنص القانوني الأمر الوارد في المادة سالفة الذكر يقتضي إسقاط دعوى الحق العام عن المشتكى عليها دون الحاجة إلى الحصول على تقرير طبي قطعي بحق المشتكية منى تبعا لإسقاطها لحقها الشخصي وتنازلها عن شكواها. حيث أن المادة (52) من قانون العقوبات بصيغتها المعدلة بموجب القانون المعدل لقانون العقوبات رقم (27) لسنة (2017) قد جعلت من إسقاط الحق الشخصي في جرم الإيذاء المقصود الوارد في المادة (333) من قانون العقوبات سبباً لإسقاط دعوى الحق العام وذلك في الأحوال التي ينجم فيها عن الإيذاء مرض أو تعطيل تزيد مدته على عشرين يوماً، وكذلك الحال فإن المادة (334/2) من القانون ذاته قد جعلت من إسقاط الحق الشخصي في جرم الإيذاء المقصود لإسقاط دعوى الحق العام وذلك في الأحوال التي ينجم فيها عن الإيذاء مرض أو تعطيل لا تزيد مدته على عشرة أيام، وكذلك الحال بشأن نص المادة (334/1) من القانون ذاته بشأن الأحوال التي تتراوح فيها مدة التعطيل بين عشرة أيام وعشرين يوماً وذلك انطلاقاً من قاعدة التفسير الأصولية “من باب أولى”، ذلك أن جعل إسقاط الحق الشخصي سبباً لإسقاط دعوى الحق العام في الأحوال التي تزيد فيها مدة التعطيل على عشرين يوماً مرده تشجيع العدالة التصالحية والتوسع في مفهومها، وهو أمرٌ يتوافر وبشكلٍ أقوى في الحالات الواردة في المادة (334/1) من قانون العقوبات.

الحكم رقم 243 لسنة 2023 – صلح جزاء مأدبا الصادر بتاريخ 2023-01-31

وعن بتطبيق القانون : وحيث تجد المحكمة وعلى ضوء الاطار التشريعي الوطني للحماية من العنف الأسري والممارسات الفضلى في التعامل مع قضايا العنف الأسري وفق نهج العدالة التصالحية وذلك من اجل توفير الحماية القانونية للأسرة وبالتدقيق في موضوع النزاع وأسبابه وعلى ضوء الوضع الأسري وحيث ان رابطة العلاقة ما بين الأب والابن هي رابطة مقدسة تستدعي حمايتها والحفاظ عليها تجد المحكمة ان المصادقة على التسوية تمثل الممارسة الفضلى للعدالة التصالحية لضمان حماية الأسرة من التفكك والحد من العنف داخلها .

لهذا وتأسيسا على ما تقدم تقرر المحكمة ما يلي: عملا بأحكام المادة 7 من قانون الحماية من العنف الأسري رقم 15 لسنة 2017 المصادقة على التسوية المبرمة بين طرفي الدعوى أمام إدارة حماية الأسرة.

سابعًا: خاتمة

تحدثنا في هذا المقال عن العدالة التصالحية في المسائل الجنائية كأحد الاتجاهات الحديثة للقضاء على العقوبات السالبة للحرية المبالغ فيها، ورأينا أن المشرع الأردني قد سعى من خلال التعديل الأخير لقانون العقوبات للتوسع في تطبيق العدالة التصالحية، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل نجده في نصوص متفرقة قد عمل على تطبيق العدالة التصالحية من خلال جهات إدارية مثل الجمارك أو من خلال نظام مختلط كما بينا في النزاعات الأسرية، وفي النهاية يجب أن نشيد بتوجه المشرع الأردني العامل على تطوير المنظمة العقابية بما لا يخل بالنظام والأمن العام.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] أحمد عوض بلال، النظرية العامة للجزاء الجنائي، ط2، دار النهضة العربية، القاهرة، 1996، ص 67.

[2] جودة حسني جهاد وعلي محمود علي حمو، علمي الإجرام والعقاب – القسم الأول – علم الإجرام، أكاديمية شرطة دبي، ط1 ،2005، ص13.

[3] التومي خالد – الأزمة الليبية والمصالحة الوطنية – المعهد المصري للدراسات 3 كانون الثاني 2020

[4] بلقاسم سويقات جوان، 2018. العدالة التصالحية بين المعارضة والتأييد. مجلة دفاتر السياسة والقانون، المجلد 10(العدد 19.)، صـ 177

[5] البشرى محمد الأمين، العدالة الجنائية التصالحية القائمة على المجتمع” المفهوم والتطبيق، مجلة الفكر، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة المجلد 16 العدد الرابع، كانون الثاني 2008 ص.48-47

[6] د. أحمد محمود خلف، الصلح وأثره في انقضاء الدعوى الجنائية دار الجامعة الجديدة، 9118م، ص 18

Scroll to Top