حصانة القضاة ضد العزل
تعتبر السلطة القضائية من العناصر المكونة للدولة الحديثة، ويعود ذلك كونها السلطة التي من وظيفتها الأسمى إرساء العدل والمساواة بين أفراد المجتمع، وكذا تطبيق الشرعية القانونية داخل الدولة. ومنذ قديم الأزل وتحاول كافة الأنظمة حماية تلك السلطة من خطر السيطرة عليها، ومن سبل تلك الحماية فرض حماية القاضي من العزل. وسنناقش ذلك الشكل من أشكال حماية القضاء من التدخل في عمله من خلال النقاط التالية:
أولًا: الغاية من حصانة القضاة ضد العزل
ثانيًا: المقصود بحصانة القضاة ضد العزل ومبرراته
ثالثًا: السند القانوني لحصانة القضاة ضد العزل
رابعًا: حالة عزل القاضي وضمانات عدم التعسف
أولًا: الغاية من حصانة القضاة ضد العزل
القواعد القانونية عند سنها تكون مجردة هدفها حماية مصلحة معتبرة رأى المشرع ضرورة حمايتها. تلك الحماية تكون مجردة فلا تكون بسبب جنس أو لون أو انتماء، وبالرجوع لموضوع بحثنا نجد أن غاية فرض الحماية للقضاة من العزل هي ضمان استقلالية القضاء.
ومصطلح استقلال القضاء يعني عمل السلطة القضائية بشكل مستقل عن باقي السلطات في الدولة، مثل التشريعية والتنفيذية. هذا الاستقلال غايته أن للقضاة الحرية الكاملة في إصدار قرارتهم دون تدخل أو ضغط أي جهة. وحماية استقلال القضاء تحمي مجموعة من المبادئ التي ترمي إليها أي دولة متقدمة، على سبيل المثال حماية حقوق المواطنين، وتطبيق القانون دون تحيز أو تدخل سياسي يؤثر على حيادية الأحكام الصادرة من القضاء.
1- استقلال القضاء في التشريع الداخلي
عرفت المادة (3) من قانون استقلال القضاء الأردني ماهية استقلال القضاء إذ نصت على:
أ. القضاء مستقل والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.
ب. يحظر على أي شخص أو سلطة المساس باستقلال القضاء والتدخل في شؤونه.
ج. يكون لشؤون المجلس موازنة مستقلة تظهر كفصل مستقل باسم (المجلس القضائي) ضمن الموازنة العامة للدولة.
ومن هذه المادة نجد أن المشرع الأردني ورغبة منه في عدم وقوع القضاة تحت رهبة أو سلطان سلطة أخرى فقد فرض لهم الاستقلال المناسب، فهم عير تابعين لأحد بخصوص ما يصدر منهم من أحكام إلا لنصوص القانون، كما حظر التدخل في شؤونه، كما فرض لهم ميزانية خاصة غير تابعة للسلطة التنفيذية.
2- استقلال القضاء في المعاهدات الدولية
وكذلك النصوص الدولية أقرت هذه الحماية المواثيق الدولية ” يتمتع القضاة، سواء أكانوا معينين أو منتخبين، بضمان بقائهم في منصبهم إلى حين بلوغهم سن التقاعد الإلزامية أو انتهاء الفترة المقررة لتوليهم المنصب، حيثما يكون معمولاً بذلك[1]”
ونلاحظ هنا أن المواثيق الدولية قد عمدت هي الأخرى إلى منع التدخل في عمل القضاء عن طريق التهديد بالعزل، فقد أقرت أن القضاة سواء كانوا معينين أو منتخبين لا يتم عزلهم (يقصد بالعزل التعسفي) وإنما يتم تقاعدهم وفق اللوائح الخاصة بتنظيم أعمالهم.
ثانيًا: المقصود بحصانة القضاة ضد العزل ومبرراته
1- المقصود بحصانة القضاة ضد العزل
قبل التعرض لعدم قابلية القاضي للعزل لابد أولًا أن نعرف المقصود بـ “حصانة القضاة ضد العزل”، فيقصد بمبدأ عدم القابلية للعزل ھو “عدم جواز فصل القاضي عن وظيفته أو نقله إلى وظيفة أخرى، داخل ملاك القضاء أو خارجه، أو إحالته على التقاعد ، إلا في الحالات ووفقا للإجراءات والشكليات التي نص علیھا القانون”[2]. ومن خلال هذا التعريف نجد أن المقصود “بالعزل” في مبدأ الحصانة ضد العزل الذي يكون قائم على سبب تعسفي لا علاقة له بما أوجبه القانون من اتباع لإجراءات قانونية تتخذ ضد القضاة حال مخالفتهم المخالفة الموجبة للعزل.
2- مبررات عدم جواز عزل القاضي
عدم قابلية القضاة للعزل ليست ضمانا للقاضي فقط بل تمتد للمتقاضين الذين سيدركون ان حصانة القاضي من العزل ستجعله يعلي كلمة الحق و القانون في مواجهة السلطات الأخرى فينصفون بهذه الحصانة[3].
مما يمكن معه القول أن الدفاع عن حصانة القضاة ضد العزل يعد هدف لإرساء قواعد العدالة، مع التنويه إلى أن تلك الغاية السامية لابد أن لا تكون مداعاة لاستبداد القضاة في ممارستهم مهام عملهم، أو تناول سلطة القضاء بالتوريث، أو المجاملة على حساب سير العدالة.
كذلك يمكن أن يؤدي العزل إلى إضعاف الثقة بين النظام القضائي والجمهور، حيث يمكن للجمهور أن يرى العزل كعلامة على انعدام الاستقلالية القضائية وتدخل السلطات الأخرى في عمل القضاة. وبالتالي، يمكن أن يؤدي ذلك إلى زعزعة ثقة الجمهور في النظام القضائي وعدم احترام الحكم القضائي.
وعلى النقيض نجد أن العمل على تقوية مبدأ حصانة القاضي ضد العزل يؤدي للحفاظ على الحصانة القضائية وبناء الثقة بين النظام القضائي والجمهور. فعندما يعتقد الجمهور بأن القضاة يتمتعون بالحماية والحصانة القضائية، يمكن أن يثقوا بأن النظام القضائي سيتعامل معهم بشكل عادل ومنصف.
وتكمن أهمية هذا المبدأ بأن تطبيقه يؤدي إلى ان يتمتع القضاة بالطمأنينة عملهم، وعدم الخوف من مستقبلهم الوظيفي، لأن مسألة العزل تشكل سلاحًا خطيرًا يستخدم ضد القضاة غیر المرغوب فیھم، أو ضد فئة من القضاة الذین لا ينفذون أجندة من يملك الحق بعزلهم[4].
ثالثًا: السند القانوني لحصانة القضاة ضد العزل
إذا نظرنا للتشريع الأردني لوجدنا أنه قد سطر مجموعة من القواعد القانونية التي تدور في فلك الحفاظ على استقلالية القضاء وعدم قابلية القاضي للعزل التعسفي، وتلك المواد بيانها كالتالي:
1- المادة (97) من الدستور تنص على أن ( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون).
2- المادة ( 1/ 98) من الدستور تنص على أن ( يعين قضاة المحاكم النظامية، والشرعية ويعزلون بإرادة ملكية وفق أحكام القوانين).
3- المادة (25) من قانون استقلال القضاء:
أ. مع مراعاة أحكام المادة (15) من هذا القانون لا يجوز عزل القاضي أو الاستغناء عن خدمته إلا تأديبيا وبقرار من المجلس وبإرادة ملكية سامية.
ب. لا يجوز تنزيل درجة القاضي إلا بقرار من المجلس.
وكذلك جاء تقرير تلك الحصانة مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الصادرة عن الأمم المتحدة إذ جاء بالمبدأ رقم (18) ما يلي: (لا يكون القضاة عرضة للإيقاف أو للعزل إلا لدواعي عدم القدرة أو دواعي السلوك التي تجعلهم غير لائقين لأداء مهامهم.)[5].
ومن مطالعة تلك النصوص نجد أن المجلس القضائي هو الذي يتولى مهمة تأديب أي قاضٍ يرتكب مخالفة أو يتجاوز واجباته، وتتم هذه المهمة من خلال تشكيل مجلس تأديبي مستقل يتكون من قضاة آخرين غير القاضي المخالف. يتم إجراء التحقيقات اللازمة بشأن المخالفة المزعومة، ويتم اتخاذ الإجراءات اللازمة وفقًا لنتائج التحقيقات.
ومع ذلك، فإن القانون يحظر عزل القاضي أو إنهاء خدمته إلا بقرار من المجلس القضائي وبموجب إرادة ملكية سامية، ولا يمكن لأي جهة أخرى التدخل في هذا الأمر. ويأتي هذا النظام لحماية استقلالية القضاء وضمان عدم تعرض القضاة لأي ضغوط أو تأثيرات خارجية تؤثر على تحكيمهم وإجراءاتهم القضائية، ويجب تطبيقه بمنهجية منصفة وعادلة لضمان سلامة العدالة وثقة المواطنين في النظام القضائي..
رابعًا: حالة عزل القاضي وضمانات عدم التعسف
على الرغم من ما قرره القانون بشأن حصانة القاضي إلا أن ذلك قد يرد عليه الاستثناء، فقد جاء في الفقه الإسلامي، زوال العدالة، بأن ارتكب أي جريمة تؤدي إلى إسقاط صفة العدالة، وتوجب وصفه بالفسق، كما لو شرب خمرا، أو سرق، أو أخذ رشوة، وهكذا[6].
وفي التشريع الأردني، يمكن عزل القاضي إذا ارتكب جريمة . وفقًا لقانون القضاء الأردني، يمكن للمجلس الأعلى للقضاء، اتخاذ إجراءات عزل القاضي إذا كان قد ارتكب جريمة تؤدي لانتهاك أخلاقيات المهنية. ويتم تنفيذ هذه الإجراءات بعد إجراء التحقيقات وإجراء الإجراءات القانونية اللازمة.
1- حالة العزل القاضي
لا يمكن عزل القاضي وفقًا للتشريع الأردني إلا كعقوبة تأديبية، وفي ذلك نصت المادة (36) من قانون استقلال القضاء على مبررات عقاب القاضي تأديبيًا إذ نصت على:
أ. كل إخلال بواجبات الوظيفة وكل عمل يمس الشرف أو الكرامة أو اللياقة يشكل خطأ يعاقب عليه القاضي تأديبيا.
ب. ويشمل الإخلال بواجبات الوظيفة تأخير البت في الدعاوى وعدم تحديد موعد لإفهام الحكم والتمييز بين المتقاضين وإفشاء سر المداولة والغياب بدون معذرة وعدم التقيد بأوقات الدوام ومخالفة مدونة قواعد السلوك القضائي.
وقررت المادة (37/ هـ) من قانون استقلال القضاء العقوبات التأديبية المقررة لارتكاب القاضي للمخالفات الموجبة للعقاب إذ نصت على (للمجلس التأديبي فرض العقوبات التأديبية التالية: (العزل))
2- ضمانات عدم التعسف
ولقد عمل المشرع الأردني على ضمانة عدم التعسف في فرض العزل كعقوبة تأديبية ومن جملة تلك الضمانات، ما جاء بالمادة (30) من قانون استقلال القضاء إذ نصت على:
(أ. يشكل المجلس التأديبي من ثلاثة على الأقل من قضاة محكمة التمييز يعينهم المجلس من غير أعضائه لمدة سنتين ويجوز للمجلس ان يشكل أكثر من مجلس تأديبي.
ب. يصدر المجلس التأديبي قراراته بالإجماع أو بالأكثرية خلال مدة لا تزيد على أربعة اشهر.)
ونجد ان تلك المادة قد أعطت سلطة محاكمة القاضي تأديبيًا لمجلس مكون من قضاة على قدر عالي من الخبرة، كذا حددت المادة مدة المحاكمة بحيث لا يظل القاضي قد ضغط المحاكمة فترة طويلة.
وكذا المادة (34) من قانون استقلال القضاء إذ نصت على:
(أ. تكون جلسات المحاكمة التأديبية سرية ويمثل القاضي شخصيا أمام المجلس التأديبي أو ينيب عنه احد القضاة من غير قضاة محكمة التمييز أو أحد المحامين وللمجلس التأديبي الحق في تكليف القاضي بالحضور واذا لم يحضر ولم ينب عنه احد تجري محاكمته غيابيا.
ب. وللقاضي الحق في تقديم دفاعه كتابة أو شفاهه وله أو لوكيله حق مناقشة الشهود الذين استمع اليهم المجلس التأديبي في أثناء التحقيقات الأولية.)
ونجد ان تلك المادة قد كفلت السرية في حال محاسبة القاضي تأديبيًا وذلك لعدم وقوع القاضي في الخوف من التشهير، وكذا بإعطاء القاضي فرصة جيدة للدفاع عن نفسه.
وأيد هذا الاتجاه في ضمانة عدم التعسف المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الصادرة عن الأمم المتحدة إذ جاء فيه:
التأديب والإيقاف والعزل[7]
- ينظر في التهمة الموجهة أو الشكوى المرفوعة ضد قاض بصفته القضائية والمهينة وذلك على نحو مستعجل وعادل بموجب إجراءات ملائمة. وللقاضي الحق في الحصول على محاكمة عادلة. ويكون فحص الموضوع في مرحلته الأولى سريا، ما لم يطلب القاضي خلاف ذلك.
- لا يكون القضاة عرضة للإيقاف أو للعزل إلا لدواعي عدم القدرة أو دواعي السلوك التي تجعلهم غير لائقين لأداء مهامهم.
- تحدد جميع الإجراءات التأديبية وإجراءات الإيقاف أو العزل وفقا للمعايير المعمول بها للسلوك القضائي.
- ينبغي أن تكون القرارات الصادرة بشأن الإجراءات التأديبية أو إجراءات الإيقاف أو العزل قابلة لإعادة النظر من جانب جهة مستقلة. ولا ينطبق ذلك على القرارات التي تصدرها المحكمة العليا أو السلطة التشريعية بشأن قضايا الاتهام الجنائي وما يماثلها.
خامسًا: تطبيقات قضائية
قضية رقم 31 لسنة 10 قضائية المحكمة الدستورية العليا المصرية “دستورية”
وحيث إن المدعي ينعى على المادة 108 من القرار بقانون المطعون عليه تحديدها العقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها على القضاة باللوم والعزل وذلك بالمخالفة لنص المادة 169 من الدستور التي تنص على أن القضاة غير قابلين للعزل، وينظم القانون مساءلتهم تأديبيا.
وحيث إن هذا النعي مردود بأن عدم قابلية القضاة للعزل حصانة قررها الدستور والمشرع كلاهما حماية للوظيفة القضائية، ونأيا بمن يضطلعون بأعبائها عن أن تضل العدالة طريقها إلى أحكامهم، أو أن تهن عزائمهم في الدفاع عن الحق والحرية والأعراض والأموال إذا جاز لأي جهة أيا كان موقعها أن تفرض ضغوطها عليهم أو أن تتدخل في استقلالية قراراتهم أو أن يكون تسلطها عليهم بالوعد أو الوعيد حائلا دون قيامهم بالأمانة والمسئولية على رسالتهم سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر. ولا شبهة في أن هذه الحصانة – وتلك غايتها – لا يجوز أن تكون موطئا لحماية أعضاء السلطة القضائية – من المسئولية عن عثراتهم التي تخل بشروط توليهم القضاء وقيامهم على رسالته، ولا أن تكون عاصما من محاسبتهم عما يصدر عنهم من أعمال تؤثر في هيبة السلطة القضائية وعلو منزلتها أو تنتقص من ثقة المتقاضين في القائمين على شئونها، وإنما يتعين أن تظل الحصانة مرتبطة بمقاصدها ممثلة في تأمين العمل القضائي من محاولة التأثير فيه ضمانا لسلامته، ذلك أن الدستور فرضها كضمانة لاستقلال السلطة القضائية في مواجهة السلطتين الأخريين بوجه خاص – تكفل حريتها في العمل وتصون كرامة أعضائها، وهي تلازمهم دوما طالما ظل سلوكهم موافقا لواجباتهم الوظيفية، مستجيبا لمتطلباتها، معتصما بالاستقامة والبعد عما يشينها، وإلا حقت مساءلتهم تأديبيا وتنحيتهم عن الاستمرار في عملهم إذا هم تنكبوا سبيله القويم، وفقدوا بالتالي شروط توليهم أعباء الوظيفة القضائية وتحملهم لتبعاتها. إذ كان ذلك، فإن التعارض المقول به بين الحصانة المانعة من العزل التي نص عليها الدستور وجواز مساءلة أعضاء السلطة القضائية تأديبيا وتوقيع جزاء عن مخالفتهم المسلكية قد يصل إلى العزل – يكون منتفيا، الأمر الذي يضحى معه هذا الوجه من النعي على غير أساس حريا بالرفض.
لهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة..
الحكم رقم 1 لسنة 2020 – المحكمة الإدارية العليا- الصادر بتاريخ 2020-01-29
أوجبت المواد (16/أ ، ب) و (25/ب) و (43/هـ) من قانون استقلال القضاء والمادة (4) من مدونة قواعد السلوك القضائي لسنة 2017 على القاضي أن يلتزم بواجبات وظيفته وبشرف مهنته وبقواعد السلوك القضائي التي يصدرها المجلس وأن لا يسلك بفعل أو امتناع سلوكاً يحط من قدرها، فجاء فالمادة (4) من مدونة السلوك القضائي بأنه على القاضي أن يصون استقلاله بذاته وأن يمارس قضاءه وفق تقديره الدقيق للوقائع الثابتة أمامه وفهمه الواعي والعميق وتطبيقه للتشريعات السارية والاتفاقيات الدولية النافذة والاجتهادات القضائية بعيداً عن أي مؤثرات وإغراءات أو ضغوط أو تهديد أو تدخل مباشر أو غير مباشر من أي جهة كانت أو لأي سبب كان وبما يعزز الثقة في استقلاله ) وحيث أن سلطة المجلس القضائي في تنزيل درجة القاضي هي سلطة تقديرية في حال قيام القاضي بأعمال تؤثر في هيبة السلطة القضائية وعلو منزلتها ، ذلك أن عمل القاضي لا يقاس بغيره من الموظفين العامين إذ يتوجب أن يكون سلوكه أكثر صرامة وأشد حزماً بحيث يكون محمود السيرة حسن السلوك متصفاً بالاستقامة ملتزماً بما ورد في قانون استقلال القضاء ومدونة قواعد السلوك القضائي التي أقرها المجلس القضائي نائياً بالعمل القضائي عن أن تحيطه الشبهات تحت طائلة المسؤولية التأديبية.
الحكم رقم 47 لسنة 1953 – محكمة العدل العليا- الصادر بتاريخ 1953-10-31
- موظف، وظيفة، مجلس قضائي، تعيين، قاضي، عزل:
- ضمن القانون للموظف حقوقاً كما بيناً آنفاً من جملتها أن لا يعزل الدستور بل التشريع المختص لذلك هو نظام الموظفين وبما أن قانون تشكيل المحاكم رقم 26/952 الذي أناط بالمجلس القضائي العالي حق تعيين القضاة وعزلهم فعلى الرغم من انه قانون خاص وكلمة العزل فيه وردت في المادة 20 فقرة 1 منه بصورة مطلقة فإن المجلس القضائي لا يقدم على عزل أي قاض دون اتخاذ إجراءات تأديبية بحقه ذلك لان عزل القاضي بدون اتخاذ هذه الإجراءات يعد افتيات على حصانته كموظف بموجب نظام الموظفين ولان قانون تشكيل المحاكم ليس هو التشريع المختص لبيان طريقة عزل القضاة وتعيينهم بل التشريع المختص هو نظام الموظفين. 3. إساءة استعمال السلطة:
- إن تعبير إساءة استعمال السلطة هو تعبير قانوني لا يقصد به التعبير عن الغرض وسوء النية حصراً وعلى كل حال بل قد يكون الغرض وسوء النية أحد أفراده وليس أدل على هذا من التعريف الفقهي لإساءة استعمال السلطة فقد عرفه بعضهم بأنه انحراف الإدارة صاحبة السلطة عن أهداف القانون بسائق دافع لا يمت للصالح العام بصلة حسنت نية الإدارة في هذا الدافع أو ساءت ، تعمدت الانحراف فيه أو انحرفت خطأ لا فرق في ذلك بين أن يكون الدافع فرضاً شخصياً أو مصلحة ذاتية أو مصلحة للغير أو دافعاً سياسياً أو غيرة على المصلحة العامة. ومن هذا التعريف يتضح أن حسن النية وسوء النية سيان في عيب إساءة استعمال السلطة وإنما المهم فيه مخالفة القانون روحاً لا نصاً. 4. قرار إداري، عيب، سبب، إساءة استعمال السلطة، قرار منعدم.
سادسًا: خاتمة
بينا في هذا المقال أن حصانة القضاة ضد العزل أمر بالغ الأهمية لضمان استقلال القضاء وتمكينه من أداء مهامه بحيادية ونزاهة بعيدا عن أي ضغوط أو تدخلات خارجية. فهي توفر للقضاة الطمأنينة والاستقرار الوظيفي وتحميهم من مخاطر العزل التعسفي الذي قد يصدر تحت تأثير انفعالات الرأي العام أو مصالح سياسية معينة. إلا أن هذا المبدأ ليس مطلقا، فلا بد من وجود ضوابط لمنع إساءة استخدام هذه الحصانة، كما يجب السماح بعزل القاضي في حالات محددة تتعلق بسوء السلوك أو عدم الكفاءة المهنية، تلك الحالة حددها المشرع الأردني عن طريق العقوبة التأديبية وذلك بعد إجراءات عادلة تضمن عدم التعسف. وختاما، تعد حصانة القضاة ضد العزل أحد أهم الضمانات التي تكرس استقلال القضاء، إلا أنها تحتاج إلى تنظيم يراعي مصلحة العدالة وحقوق الأفراد، فتوازن بين تمتع القضاة بالاستقلال وبين مساءلتهم عند الضرورة. وهذا ما يحقق مبدأ الفصل بين السلطات مع عدم إطلاق يد أي سلطة على حساب الأخرى.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في ميلانو/إيطاليا من26 آب/أغسطس إلى 6 أيلول/ديسمبر 1985 ؛ اعتمدت ونشرت بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة 32 / 40 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1985 ، و 146 / 40 المؤرخ في 13 كانون الأول/ديسمبر 1985
[2] حیدر ، نصرت منلا ( ١٩٧٣) ، (حصانة القاضي ، مجلة القانون ، نقابة المحامين السورية، الأعداد الأول والثاني والثالث ، ص٦
[3] د. الجبلي ، نجيب احمد عبدالله (٢٠٠٧ ، (ضمانات استقلال القضاء ، دراسة مقارنة ، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية ص٤٣،٤٢
[4] الكیلاني ، الكیلاني ، فاروق ، استقلال القضاء ، الطبعة الأولى ،١٩٧٧ ، دار النهضة العربية ، ص ١٥، ص ١٣٣
[5] مكتب المفوض السامي، حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/basic-principles-independence-judiciary ، إطلاع في 8/5/2023
[6] ص205 – كتاب النظام القضائي في الفقه الإسلامي – ما يراه العلماء فيما إذا كانت صفة العدالة تتوافر في القاضي ثم ارتكب ما يخل بالعدالة وتوجيه كل راي – المكتبة الشاملة
[7] مكتب المفوض السامي، حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/basic-principles-independence-judiciary ، إطلاع في 8/5/2023

