الكتابة في العقود الإلكترونية في القانون الأردني
لا شك أن الكتابة تُعد من أهم وسائل الإثبات على الإطلاق، وقد يجعل المشرع تخلفها سببًا في عدم انعقاد العقد، والكتابة إما أن تكون عادية أو إلكترونية، والكتابة الإلكترونية تتم بواسطة جهاز الحاسب الآلي، وتُعتبر وسيلة للتعبير وحمل الأفكار، وقد ساوى المشرع بين الكتابة العادية والكتابة الإلكترونية فجعل الغرض متحققًا بالكتابة الإلكترونية؛ لذا سوف نتناول في هذا المقال جميع ما يتعلق بالكتابة في العقود الإلكترونية في القانون الأردني، وذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
ثانيًا: دليل مشروعية الكتابة في العقود الإلكترونية
ثالثًا: أهمية العقود الإلكترونية في القانون الأردني
رابعًا: أهمية الكتابة في العقود الإلكترونية في القانون الأردني
خامسًا: خصائص العقود الإلكترونية في القانون الأردني
سادسًا: خصائص الكتابة في العقود الإلكترونية
سابعًا: الفرق بين العقود الإلكترونية والعقود التقليدية
ثامنًا: الفرق بين الكتابة الإلكترونية والكتابة التقليدية
تاسعًا: شروط الكتابة الإلكترونية المعتد بها كسجل إلكتروني
وسوف نقدم شرحًا تفصيليًا لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة، فيما يلي:
أولًا: تعريفات مهمة
هناك بعض التعريفات المهمة المتعلقة بالكتابة في العقود الإلكترونية، وتتمثل في الآتي:
١. العقد الإلكتروني
لم يضع المشرع الأردني تعريفًا صريحًا للعقد الإلكتروني، ولكنه نص على مفهوم السند الإلكتروني في قانون المعاملات الإلكترونية، حيث نص على أنه: “السند الذي يتم إنشاؤه والتوقيع عليه وتداوله إلكترونيًا”، وذلك وفقًا لنص (المادة ٢) من قانون المعاملات الإلكترونية لسنة 2015م.
٢. الكتابة الإلكترونية
“هي تلك التي يتم إدراجها على دعامة إلكترونية قابلة للاسترجاع والاستنتاج بواسطة جهاز الحاسب الآلي مهما كان نوعه أو درجة تقدمه أو مكوناته المادية”([1]).
ثانيًا: دليل مشروعية الكتابة في العقود الإلكترونية
هناك أدلة كثيرة على مشروعية الكتابة في العقود الإلكترونية من القرآن الكريم والسنة، ومنها الآتي:
١. دليل مشروعية الكتابة في العقود الإلكترونية من القرآن الكريم
(ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ).
٢. دليل مشروعية الكتابة في العقود الإلكترونية من السنة
عن ابن عمر رضي الله أن رسول الله قال: “ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده”
ثالثًا: أهمية العقود الإلكترونية في القانون الأردني
تكمن أهمية العقود الإلكترونية في القانون الأردني في أن العقود أصبحت تتطور بسرعة وبصفة مستمرة مما أدى ذلك إلى ظهور عقود جدیدة، وفي ظل الصحوة المعلوماتية التي یعرفها العالم الیوم أصبحت تكنولوجيا المعلومات تشكل الجهاز العصبي للمجتمعات الحدیثة، فقد تم تعريف العمليات التعاقدية بأنها مجموعة من التغيرات لها نظامها وبنیتها القانونية.
فأصبح إبرام العقود يتم عن طريق وسائل الاتصالات الحدیثة، وأبرز ما یمیز هذا المجتمع الافتراضي على شبكة الإنترنت هو الطابع العالمي للنشاط الذي یقوم به كافة المشتركین من جمیع أنحاء العالم متجاوزین بذلك حدود المكان والزمان فارتبط العقد الإلكتروني بالتجارة الإلكترونية، فأصبحت العقود الإلكترونية بمثابة الأداة الأساسية لهذه التجارة، فهي تمثل ترجمة قانونية لتلاقي إرادة كلًا من البائع والمشتري، فأصبح العمل عن بعد يوثق من خلال العقود الإلكترونية، كما أن أي معاملة خارج نطاق العمل تحتاج إلى عقد إلكتروني.
رابعًا: أهمية الكتابة في العقود الإلكترونية في القانون الأردني
تكمن أهمية كتابة العقود بصفة عامة إلى كونها مهمة لحماية مصالح أطراف العقد فيتم من خلالها تحديد طبيعة ونوع العقد، وتحديد حقوق والتزامات أطراف العقد بصورة واضحة ومفصلة، ووضع بنود واضحة تبين كيفية تنفيذ العقد مما يمنع حدوث أي خلافات مستقبلية، بحيث يكون العقد بمثابة المرجع عند حدوث نزاع، أو أي إشكاليات من الممكن أن تحدث بعد تنفيذ العقد.
والأصل هو حرية أطراف التعاقد في اختيار شكل التعبير عن إرادتهم، أي أن الأصل في العقود هو الرضائية، فبمجرد توافق إرادتين متطابقتين يكفي لانعقاد العقود سواء العقود التقليدية أو الإلكترونية، غير أن القانون قد يتطلب إفراغ تراضي الأطراف في شكل معين، كأن يشترط أن يكون العقد مكتوبًا، فقد تكون الكتابة مطلوبةً ليس لإثبات العقد، وإنما لإبرامه وانعقاده صحيحًا بحيث لا يكون للعقد وجود قانوني إلا إذا تم في الشكل الكتابي الذي اشترطه القانون.
وهنا يكون العقد عقدًا شكليًا، وتكون الكتابة عنصرًا جوهريًا في العقد لا يقوم بدونها، ولا خلاف على أن المشرع إذا تتطلب الكتابة لانعقاد عقد معين؛ فإن هذا العقد يكون قد حقق ركنه الشكلي بمجرد تدوينه ولا أثر بعد ذلك للغة التي كتب بها أو للوسيلة التي استخدم الكتابة بها؛ كأن يكون خط اليد أم الآلة الكاتبة أم بواسطة أي دعامة إلكترونية كالحاسب الآلي، وعلى شكل محرر إلكتروني طالما كان بالإمكان حفظ هذا المحرر واسترجاعه ونسخه.
خامسًا: خصائص العقود الإلكترونية في القانون الأردني
تتميز العقود الإلكترونية عن بقية العقود الأخرى بالخصائص الآتية:
١. عقد مبرم عن بعد
يتميز العقد الإلكتروني عن بقية العقود الأخرى بأنه عقد من العقود المبرمة عن بعد، أي تلك العقود التي تبرم بين طرفين يتواجدان في أماكن متباعدة، أي يتم إبرامه بين طرفين لا يتواجدان وجهًا إلى وجه لحظة تلاقي إرادتيهما، وذلك من خلال استعمال إلكترونية من وسائل الاتصال عن بعد.
٢. عقد یتم بوسيلة إلكترونية
یتمیز العقد الإلكتروني بأنه عقد مبرم بوسيلة إلكترونية، كأجهزة الحاسب الآلي، وهذه الوسيلة التي يتم من خلالها إبرام العقد الإلكتروني هي التي تكسبه صفة العقد الإلكتروني، فالعقد الإلكتروني لا يختلف من حيث الموضوع أو الأطراف عن بقية العقود التقليدية، ولكنه يختلف فقط من حيث طريقة إبرامه وكونه يتم باستخدام وسائل إلكترونية
٣. عقد يغلب عليه الطابع التجاري
يتصف العقد الإلكتروني بالطابع التجاري؛ لذلك يعبر عنه بمصطلح التجارة الإلكترونية، ويقصد بذلك تنفيذ بعض أو كل المعاملات التجارية في السلع والخدمات التي تتم بين تاجر ومستهلك باستخدام وسائل الاتصال الإلكترونية.
سادسًا: خصائص الكتابة في العقود الإلكترونية
تتميز الكتابة في العقود الإلكترونية بالخصائص الآتية:
١. كيان مجرد غير ملموس
الكتابة الإلكترونية تتمیز بأنها كیان مجرد غیر ملموس بفضل التقنيات الحدیثة، بخلاف الكتابة التقليدية فهي تكون عبارة عن كیان مادي ملموس كالدعامة الورقية.
٢. الوضوح والإتقان
“إن طبيعة الكتابة الإلكترونية واستنادها إلى دعامة إلكترونية مما یمكن من تصحیح الأخطاء التي تقع أثناء الكتابة دون أن یترك التصحيح أثرًا یذكر على المحرر، فیساهم في ظهور المحرر الإلكتروني بشكل منظم وواضح وخال من الأخطاء”([2]).
٣. السرية وضمان الأمن القانوني لها
“تمتاز الكتابة الإلكترونية بالسریة وذلك لأنها تكتب بلغة الحاسبة ومن ثم لا یمكن معرفة مضمونها إلا من قبل المرسل أو المرسل إلیه ومن خلال الحاسب، بخلاف الكتابة العادیة التي یمكن أن یطلع علیها كل من یتداولها إلى أن تصل إلى المرسل إلیه. ذلك أن الكتابة الإلكترونية تقوم على تغیر فیزیائي یتمثل بمغنطة مادة المحرر”([3]).
٤. انخفاض تكاليف الحفظ والنقل
فقد ساهم الحاسب الآلي والوسائط الإلكترونية في حل تلك المشكلة، وذلك لقدرتها الفائقة في خزن كمیات هائلة من المحررات والوثائق على الرغم من صغر حجمها، ومن هنا ظهر ما يعرف بالأرشيف الإلكتروني، وذلك بخلاف الكتابة التقليدية التي تحتاج إلى أماكن واسعة لتخزينها وهذا ما أصبح مشكلة كبيرة لزيادة حجم الوثائق المكتوبة
سابعًا: الفرق بين العقود الإلكترونية والعقود التقليدية
العقود الإلكترونية المبرمة عبر شبكة الإنترنت لا تشكل نوعًا جدیدًا من العقود تضاف إلى العقود التقليدية المتداولة قانونًا كما لا تخرج بالكامل عن القواعد القانونیة المنظمة لأحكام العقد عمومًا والمنصوص عليها في القوانین المدنیة، وهذا ما تؤكده أغلبية التشریعات المنظمة للمعاهدات والتجارة الإلكترونية، فلم تنظم المسائل الموضوعية والتفصیلیة للعقود الإلكترونية؛ بل تركتها إلى القواعد العامة، ولكن على الرغم من ذلك يمكننا التمييز بين العقود الإلكترونية والعقود التقليدية من خلال الآتي:
١. من حيث الوسيلة المستخدمة في إبرام كل منهما
يتم استخدام الوسائط الإلكترونية في إبرام العقود الإلكترونية، ويُعد ذلك من أهم مظاهر الخصوصية في العقد الإلكتروني، بل إنها أساس هذا العقد حيث يتم إبرامه عبر شبكة اتصالات إلكترونية، فالعقد الإلكتروني لا يختلف من حيث الموضوع أو الأطراف عن سائر العقود التقليدية ولكنه يختلف فقط من حيث طريقة إبرامه وكونه يتم باستخدام وسائط إلكترونية، أنا العقود التقليدية يتم إبرامها بواسطة الدعائم الورقية
٢. من حيث مجلس العقد
فالعقد الإلكتروني یتم بغياب أطراف العقد، أي أن تلاقي الإیجاب بالقبول يكون عبر شبكة دولية مفتوحة للاتصال عن بعد من خلال وسیلة مسموعة ومرئية، فيجمعهم بذلك مجلس عقد حكمي افتراضي، أما العقد التقليدي يتم حضوريًا في وجود أطرافه، أي تلاقي الإيجاب بالقبول يتم وجهًا لوجه.
٣. من حيث الوفاء
ففي العقود الإلكترونية فقد حلت وسائل الدفع الإلكترونية محل النقود العادية، ذلك أنه مع تطور التكنولوجيا وازدياد التعامل بأسلوب التجارة الإلكترونية ظهرت تلك الوسائل كأسلوب مبتكر لسداد المدفوعات في مثل هذه المعاملات، أما بالنسبة للعقد التقليدي فيتم الوفاء فیه بالطریقة المادیة المحسوسة المتداولة في حياتنا اليومية.
ثامنًا: الفرق بين الكتابة الإلكترونية والكتابة التقليدية
يمكننا بيان الفرق بين الكتابة التقليدية والكتابة الإلكترونية من خلال الآتي:
١. الكتابة التقليدية تحرر على دعامة ورقیة تسهل قراءتها بطریقة مباشرة وبالعين المجردة، أما الكتابة الإلكترونية لا یمكن قراءتها مباشرة إلا بعد فك بعض الرموز التشفیریة في حالة تشفیر الكتابة حیث یتم قراءتها من خلال عرضها على شاشة الحاسب الآلي أو بطبعها على الورق فیكون المحرر صورة عن الأصل.
٢. الكتابة التقليدية تتميز بالدوام والثبات حیث تتم بطریقة نهائية قابلة للتعديل أو التغییر وترك أثرها، وبناءًا على ذلك يمكن بسهولة اكتشاف أي تلاعب أو تزوير فیها، بینما الكتابة الإلكترونية لا تتمتع بصفة الدوام والاستقرار والثبات؛ لأنها قابلة للمحو أو التعديل أو التلف دون ترك أي أثر مما یصعب كشف أي تلاعب أو تزوير فیها، كما أن هناك بعض الوسائط الإلكترونية، لها مدة زمنیة معینة مما یستلزم نقل محتواها إلى وسیط جدید، الأمر الذي قد یفسح مجال التلاعب بهذا المحتوى في أثناء عملية النقل.
تاسعًا: شروط الكتابة الإلكترونية المعتد بها كسجل إلكتروني
يشترط في الكتابة الإلكترونية عدة شروط لاعتبارها بمثابة سجل إلكتروني ثابتة لمضمون العقد الإلكتروني، وتتمثل هذه الشروط فيما نص عليه قانون المعاملات الإلكترونية لسنة ٢٠١٥م: “إذا اشترط أي تشريع تقديم النسخة الأصلية من أي قيد، أو عقد، أو مستند، أو وثيقة فيعتبر السجل الإلكتروني مستوفيًا لهذا الشرط بتوافر ما يلي:
١. حفظه بالشكل الذي تم به إنشاؤه أو إرساله أو تسلمه وبشكل يضمن عدم إجراء أي تغيير أو تعديل على محتواه.
٢. حفظه على نحو يتيح الوصول إلى المعلومات الواردة فيه واستخدامها والرجوع إليها في أي وقت.
٣. التمكن من التعرف على المنشئ والمرسل إليه وتاريخ ووقت إنشائه أو إرساله أو تسلمه”، وذلك وفقًا لنص (المادة ٧) من قانون المعاملات الإلكترونية لسنة 2015م.
إعداد/ محمد محمود
[1] د. نائل علي، الكتابة في العقود الإلكترونية في القانون الأردني، (ص١٩٩).
[2] د. علي عبد العالي خشان الأسدي. حجیة الرسائل الإلكترونية، (ص٢٦).
[3] د. أحمد المهدي. الإثبات في التجارة الإلكترونية، (ص١٧).

