مدة التنفيذ في عقد المقاولة
يعتبر عقد المقاولة من أكثر العقود انتشارا في الآونة الأخيرة نظرا للحاجة المتزايدة عليه بين أفراد المجتمع، خاصة في إنشاء المشروعات الكبيرة التي تحتاج الى خبرة كبيرة وتمرس في الإنشاء، و لا يقف الاهتمام والاعتماد على عقود المقاولة على الأفراد والشركات الخاصة فقط، بل أيضا كثيرا ما تلجأ الدول الى إبرام هذه العقود مع شركات المقاولات لتقوم بإنجاز بعض المشروعات لصالحها، ولما كانت هذه العقود بتلك الأهمية الكبيرة فكان من اللازم بيان أهمية المدة في عقد المقاولة، وتحديد الطبيعة القانونية لها، وما إذا كانت شرطا يمكن إغفاله في عقد المقاولة، أم ركنا فيه يبطل العقد بدونه، و على ضوء ذلك تحديد أهمية المدة و مدى جواز إيقافها من عدمه على التفصيل الآتي :
أولا: تعريف عقد المقاولة وبيان خصائصه
ثانيا: تعريف المدة في عقد المقاولة و أهميتها
ثالثا: الطبيعة القانونية للمدة في عقد المقاولة
رابعا: وقف المدة في عقد المقاولة
خامسا: بعض الاجتهادات القضائية المتعلقة بالطبيعة القانونية للمدة في عقد المقاولة
أولا: تعريف عقد المقاولة وبيان خصائصه
عرف القانون المدني الأردني عقد المقاولة في المادة ( 780 ) من على أنه : ( المقاولة عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بان يصنع شيئا أو يؤدي عملا لقاء بدل يتعهد به الطرف الآخر).
- كما عرفه بعض الفقهاء على أنه عقد يقصد منه قيام الشخص بعمل محدد لصالح طرف آخر دون أن يخضع لإشرافه وإدارته وذلك في مقابل أجر معلوم.[1]
فعقد المقاولة من العقود التي تهدف إلى استغلال خبرات المقاول في إنجاز الأعمال الموكلة إليه في المدة المتفق عليها، وذلك في مقابل حصوله على اجر مقابل أدائه العمل، وهو من أكثر العقود شهرة في الآونة الأخيرة، و يعتبر صورة أكثر توسعا لعقد الاستصناع الذي تناول الفقه الإسلامي شرحه وتفصيله.
– خصائص عقد المقاولة:
1– المقاولة عقد رضائي: والعقود الرضائية هي التي تنعقد بمجرد تحقق الإيجاب والقبول بين طرفيه ولم يشترط المشرع شكلا محددا لانعقادها أو نفاذها، فعقد المقاولة عقد ينعقد بين أطرافه بمجرد الاتفاق عليه دون اشتراط شكل معين في هذا الاتفاق كالكتابة أو غيره.
2- المقاولة عقد من عقود المعاوضات : ويرجع ذلك إلى ما يترتب على هذا العقد من حقوق لكلا أطرافه، حيث يحصل المقاول على مقابل مالي نظير أدائه للعمل محل عقد المقاولة، بينما يحصل الطرف الثاني على العمل منجزا من قبل المقاول في مقابل ما يدفعه من أجر للمقاول
3- عقد يرد على عمل : حيث أن الالتزام الأساسي في هذا العقد هو أن يقوم المقاول بأداء عمل لصالح صاحب العمل، وهو إذ يقوم بأداء العمل فإنما يؤديه بشكل مستقل ولا يخضع في أدائه إلى إشراف أو إدارة رب العامل، إلا انه في ذات الوقت يلتزم بأداء العمل وفقا للشروط المتفق عليها في عقد المقاولة. [2]
4- عقد ملزم للجنابين: حيث يرتب عقد المقاولة التزامات متقابلة بين أطرافه فبينما يلتزم المقاول بأداء العمل محل هذا العقد وفق شروط العقد ، فإن صاحب العمل يلتزم بدفع الجر للمقاول نظير قيامه بأداء العمل، إلى جانب عدم التعرض له ومنع تعرض الغير له أثناء قيامه بالعمل.
5- عقد من العقود المستمرة في التنفيذ: ويقصد بذلك أن عقد المقاولة عقد لا يتم إنهاء العمل فيه على الفور في الغالب بل يتم تنفيذه على فترات متتابعة .
ثانيا: تعريف المدة في عقد المقاولة و أهميتها
تعرف المدة قانونا بأنها الفترة الزمنية التي يحددها القانون أو القاضي أو المتعاقدان لأداء عمل معين. [3]
– ويقصد بالمدة في عقد المقاولة بأنها الفترة الزمنية اللازمة لأداء المقاول العمل المتفق عليه مع صاحب العمل في عقد المقاولة، ولما كان عقد المقاولة من العقود التي يتم تنفيذها على فترات ومراحل متتابعة فهو من العقود مستمرة التنفيذ فتعتبر المدة هي أحد أدوات قياس وتحديد حقوق والتزامات طرفي العقد. [4]
- وتظهر أهمية المدة في عقد المقاولة كونه من العقود المستمرة التي لا تنفذ بشكل لحظي بمجرد اتفاق المتعاقدان بل تحتاج إلى فترة زمانية لأداء العمل محل التعاقد ما يعني دور وأهمية المدة في عقد المقاولة، وبالنظر إلى التغيرات الاقتصادية الحالية فنجد أن المدة التي ينفذ فهيا العقد أصبحت من اخطر وأهم الأمور في عقد المقاولة فقد يترتب على فوات المدة دون إنجاز المقاول للعمل محل هذا العقد إلى الحاق ضررا كبيرا بصاحب العمل أو فوات منفعة العمل بالنسبة لصاحبه، ففي الحالة الأولى إذا كان مالك الأرض قد تعاقد مع الغير لتسلميه وحدة سكنية خلال عام من التعاقد و تعاقد مع المقاول لبناء العقار خلال هذه المدة فإن تأخير المقاول عن إنجاز العمل سيؤدي إلى تأخير بائع العقار في تسليمه على الصفة المتفق عليها إلى المشتري منه ما قد يعرضه للمسئولية المدنية، أما الصورة الثانية وهي فوات المنفعة من العمل وذلك عندما يكون صاحب العمل قد اتفق مع المقاول لتجهيز مكان معين لتنظيم حفل أو مسابقة عليه ثم يتأخر المقاول عن إنجاز العمل عن الميعاد المحدد للحفل أو المسابقة إذ أن إنهاء العمل بعد فوات ميعاد المسابقة أو الحفل لن يحقق أي فائدة لصاحب العمل وبالتالي فإن المدة في عقد المقاولة أمر ضروري جدا لا يمكن إهماله أو التغاضي عنه.
ثالثا: الطبيعة القانونية للمدة في عقد المقاولة
يقصد بالطبيعة القانونية للمدة في عقد المقاولة أي ما إذا كان تحديد مدة انتهاء عقد المقاولة من الأركان التي يجب توافرها في العقد بحيث يبطل العقد بمجرد عدم تحديد مدة انتهائه أم أنها أحد شروط صحة عقد المقاولة.
وحتى يتم الوقوف على الطبيعة القانونية للمدة في عقد المقاولة وما اذا كانت ركنا أم شرطا فيجب أن نوضح أولا الفرق بين كل من مدلول لفظ الركن ولفظ الشرط، حيث نجد أن المقصود بلفظ الركن أي ما يعد جزء من حقيقة الشيء الذي لا يمكن بحال فصله عنه بل إن عدم توفره فيه يبطل العقد بطلانا مطلقا، لذا فإن الرضا ركن في العقود الملزمة للجانبين لأنه اذا انتفى التراضي وثبت أن العقد تم باكراه على احد طرفيه بطل العقد ولو صحت باقي الأركان، أما الشرط فهو ما يخرج عن ماهية الشيء إلا أنه يبقى لازما لتمام العقد فالشهود ليسوا جزءا من عقد النكاح إلا أنهم شرطا لتمامه.
- وترتيبا على هذه التفرقة فقد رأى بعض الفقه أن المدة في عقد المقاولة ركنا من أركان العقد لا ينعقد إلا بالاتفاق عليها والنص عليها في العقد والبعض يرى أن المدة في عقد المقاولة شرطا من شروط العقد، وسوف نبين آراء كل طرف و الأثر المترتب على اعتبار المدة ركنا أو شرطا على التفصيل الآتي :
– الرأي الأول : ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن تحديد مدة إنجاز العمل من قبل المقاول ركن في عقد المقاولة مثله مثل باقي الأركان، ولا يجوز التنازل عنه أو إغفاله وبالتالي يترتب على عدم النص عليه في عقد المقاولة بطلان العقد، وقد أيد الفقه الفرنسي هذا الاتجاه. [5]
-ويترتب على اعتبار المدة ركنا في عقد المقاولة قيام المسئولية المدنية في مواجهة المقاول إذا تأخر عن تنفيذ العمل المتفق عليه خلال المدة المحددة، ويجوز لصاحب العمل مطالبته بالتعويض جراء عدم الانتهاء من العمل المكلف به في الميعاد المتفق عليه، ولا يجوز للمقاول في هذه الحالة التمسك بأدائه للعمل المكلف به في المدة المعقولة أو المدة المتعارف عليها، كون أن اعتبار المدة ركنا من أركان عقد المقاولة يمنع المقاول من أن يتفلت من المسئولية المدنية لتأخيره عن إنجاز العمل إلا لأسباب تجعل من المستحيل تنفيذ العقد ولا يد له فيها مثل حدوث قوة قاهرة أو سبب أجنبي.
– الرأي الثاني : ويرى أن المدة في عقد المقاولة هي من قبيل الشرط المقترن الذي يتفق عليه طرفي العقد، حيث يشترط صاحب العمل على المقاول أن يقوم بإنهاء العمل محل عقد المقاولة في المدة المحددة في هذا العقد، ليتم على أثر هذه المدة تحديد الحقوق الناشئة لكلا الطرفين وكذلك تحديد العمر التعاقدي.[6]
وعلى ذلك فإنه يمكن القول إن المدة في عقد المقاولة تعتبر من قبيل الشرط الذي يضعه المتعاقدين بإرادتهما المنفردة، وبالتالي فيجوز لهما الاستغناء عنه وترك الأمر لما جرت عليه العادة في المدة التي يحتاجها المقاول لإنهاء العمل محل هذا العقد، وتترك مسألة تجاوز المقاول للمدة اللازمة لتنفيذ العقد إلى العرف.
رابعا: وقف المدة في عقد المقاولة
يقصد بوقف المدة في عقد المقاولة أي وقف تنفيذ عقد المقاولة لمدة زمنية معينة مع عدم اعتبار مدة الوقف جزء من المدة المتفق عليها في العقد.
ويرجع السبب في تقرير هذا الأثر هو أن يتفق طرفي العقد على وقف تنفيذ عقد المقاولة لمدة معينة لمجابهة ظروف محددة، أو لتحقيق غرض معين يتفاهم عليه أطراف العقد، والوقف الاتفاقي لمدة العقد يجب أن يكون بين طرفي العقد فلا يجوز للمقاول الاتفاق مع غير رب العمل على وقف تنفيذ عقد المقاولة لمدة معينة وإلا جاز لصاحب العمل مسائلته مدنيا عن التأخير في تنفيذ العقد، وهذا النوع من الوقف لتنفيذ العقد لا يثير أي مشكلة بين الطرفين ما دام ثبت أن الاتفاق على وقف التنفيذ مؤقتا قد صدر برضا الطرفين دون أن يلحق هذا الرضا أي عيب من عيوب الرضا كالغلط أو الإكراه أو الغش أو التدليس.
- إلا انه وفي بعض الحالات قد يلجأ احد المتعاقدين إلى القضاء للمطالبة بوقف التنفيذ مؤقتا وذلك في حالة حدوث ظروف طارئة أو قوة قاهرة من المتوقع زوالها بعد فترة معينةـ إلا أن وجودها في هذا الوقت يجعل من المستحيل تنفيذ العقد أو تنفيذه قد يلحق بأحد الطراف خسارة فادحة لا يمكن درئها، ولم يكن من المتوقع حدوثها.
ويستمد القضاء سلطته في وقف مدة عقد المقاولة من نصوص القانون المدني فنجد أن المادة ( 246 ) منه قد أجازت للمتعاقد أن يطلب فسخ العقد الملزم للجانبين إذا لم يقم الطرف الأخر بالوفاء الالتزامات التي تقع عليه مع اشتراطها أن يسبق المطالبة بالفسخ أن ينذر المتعاقد الطرف الأخر بالتنفيذ أو توقيع جزاء الفسخ، ثم جاءت الفقرة الثانية من ذات المادة لتجيز للقضاء حق الزام المتعاقد بتنفيذ التزامه إذا رات من ظروف الحال وطبيعة التعاقد أن ذلك مازال ممكنا، أما اذا رأت أن تنفيذ العقد في الحال غير ممكنا، فلها أن تمهل المتعاقد مدة من الوقت لتنفيذ العقد إذا كان ذلك ممكنا ولا يلحق بأحد اطراف العقد ضررا بالغا، وإلا قضت بالفسخ والتعويض على حسب الأحوال، حيث نصت المادة ( 246 ) على : ( 1. في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يوف أحد العاقدين بما وجب عليه بالعقد جاز للعاقد الآخر بعد إعذاره المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو فسخه.
- ويجوز للمحكمة أن تلزم المدين بالتنفيذ للحال أو تنظره إلى اجل مسمى ولها أن تقضي بالفسخ وبالتعويض في كل حال أن كان له مقتضى).
- وبتطبيق ذلك على عقد المقاولة فإن عقد المقاولة وكما سبق واشرنا عقدا ملزما لجانبيه وعقدا من عقود التنفيذ المستمرة التي يعتبر الزمن فيه عاملا مهما، وبالتالي فإنه وإن كان للمتعاقد أن يطلب فسخ العقد لعدم وفاء الطرف الثاني بالتزاماته إلا أن المشرع قد منح القاضي سلطة تقديرية بحيث يجوز له إجابة الطرف الأخر إلى طلبه في منحه مهلة للوفاء وهو ما يعد تدخل إيجابي من القضاء لضمان عدم حل الرابطة التعاقدية خاصة في الأحوال التي يقدم فيها الطرف المتأخر في الوفاء المبررات التي يمكن للمحكمة الاقتناع بها لتمديد العقد.
-
ثم جاءت المادة ( 247 ) من القانون المدني الأردني لتقرر انقضاء الالتزامات المتبادلة بين أطراف العقد الملزم للجانبين إذا حدثت قوة قاهرة تجعل من المستحيل تنفيذ العقد، ومع ذلك أجازت إسقاط المدة أي وقفها في حالة حدوث استحالة جزئية نتيجة قوة قاهرة تمنع من تنفيذ العقد في هذا الوقت مع إمكانية تنفيذه بعد مدة، حيث نصت المادة ( 247 ) على : ( في العقود الملزمة للجانبين اذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا انقضى معه الالتزام المقابل له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل ومثل الاستحالة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة وفي كليهما يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين ).
-
و إذا كان المشرع قد منح القضاء حق وقف مدة العقود الملزمة للجانبين بما فيها عقد المقاولة، إلا أن ذلك الحق ليس مطلقا ولا يجب بحال الإفراط في استخدامه أو التوسع في استخدامه أو في تفسير النص المقرر له، كون هذا الحق منح للقاضي خلافا على الأصل العام الذي يقرر بأنه متى تم العقد صحيحا وخاليا من أي عيب فيجيب التزام أطرافه بما ورد فيه من التزامات، إذ أن وقف مدة العقد يعد تدخلا في العقد لم يشرع إلا في حدود ضيقة ولأسباب قاهرة جعلت من تنفيذ الالتزام في الحال مستحيلا، فوضع النص أمام القاضي عدة خيارات على حسب الواقع مثل فسخ العقد أو التعويض عن التأخير في التنفيذ أو وقف تنفيذ مدة عقد المقاولة حتى تزول الأسباب الطارئة.
– و هناك بعض الضوابط التي يجب توافرها للقضاء بوقف عقد المقاولة ومنها
1- أن يكون هناك عقد مقاولة قائم بالفعل بين أطرافه ومحدد فيه مدة لانتهائه، فإذا كان العقد غير محدد المدة أصلا ولم يثبت اتفاق أطرافه على مدة معينة، فتكون مدته هي المدة المعقولة التي يحددها العرف ويجب على المحكمة اللجوء لأهل الخبرة في مجال عقد المقاولة للوقوف على المدة المعقولة التي يجب أن يتم خلالها تنفيذ العمل محل عقد المقاولة و يتحدد على إثرها مدة إيقاف عقد المقاولة.
2- أن يطرأ بعد انعقاد العقد أحداث أو ظروف طارئة لم تكون موجودة وقت العقد ولم يكن من الممكن توقع حدوثها، وأن يكون من المتوقع زوال هذه الظروف الطارئة خلال وقت محدد أو مدة معقولة، وعلى ذلك فلا يجوز أن تكون الظروف الاستثنائية متعلقة بأحد طرفي العقد كإفلاس المقاول أو مرضه بل يجب أن تكون ظروف عامة و استثنائية وغير مألوفة ولا تتفق مع طبيعة الأمور، [7] ومن أمثلة هذه الظروف الحوادث والكوارث كالزلازل والفيضانات والحروب وهي أمور لا يمكن في وجودها تنفيذ العمل، وبالتالي فيكفي لتحقق هذا الضابط أن تكون الظروف التي حدثت طارئة ولا يمكن توقعها مع استحالة استكمال الأعمال محل عقد المقاولة أثناء وجودها.
3- ألا ينتج عن وقف مدة عقد المقاولة ضررا جسيما بأحد المتعاقدين أو أن يترتب على الوقف فوات الفائدة من تنفيذ العقد، فإذا كان عقد المقاولة يقصد منه بناء المقاول أو تجهيز مسرح لأداء فاعلية معينة، أو إقامة حفل محدد ميعاده سلفا، ثم فات هذا الميعاد دون تنفيذ المقاول لالتزامه أو كان وقف التنفيذ يُفَوًت الغرض من العقد فلا يجوز للقضاء في هذه الحالة أن يُقضي بوقف تنفيذ العقد، لأن وقف التنفيذ لمدة معينة قصد منه الشارع محاولة الحفاظ على الرابطة العقدية، إلا أنه في مثل هذه الحالات فلا تكون هناك فائدة من ذلك الوقف، حيث يكون الغرض الأساسي من عقد المقاولة قد فات وأن أي محاولة لوقف تنفيذ العقد لن تحقق فائدة بل ستقود إلى إرهاق الطرف الأخر دون جدوى محققة.
4- أن تكون مدة وقف التنفيذ المحكوم بها من القضاء مؤقتة ومعقولة و ترتبط بنهاية الظرف الطارئ، بحيث تحقق الغرض من الإيقاف وحتى تصل المحكمة لتلك المدة المعقولة فيمكنها الاستعانة بالخبراء لتحديدها وذلك بمعرفة ميعاد زوال الظروف الطارئة.
5- أن تكون الظروف الطارئة أو القوة القاهرة لم يكن بالإمكان توقعها عند إبرام العقد، وأن تتسم بعنصر المفاجأة الذي يربك حسابات أطراف عقد المقاولة ويجعل من المستحيل تنفيذ العقد، و للوقوف على مدى إمكانية توقع الظروف الطارئة من عدمه، فيمكن الاعتماد على معيار الرجل المعتاد بحيث لا يكون بإمكان الرجل العادي المعتاد توقع حدوث الظروف الطارئة، فإذا كانت الظروف الطارئة يمكن توقعها من قبل الرجل المعتاد فلا يكون هناك محل لوقف التنفيذ، فعقد المقاولة الذي يتم إبرامه أثناء مشاحنات وظروف دولية تنبئ بوقوع حرب قد يكون لها التأثير على تنفيذ عقد المقاولة بزيادة أسعار المواد بشكل فاحش، لا يصح أن يكون سببا لطلب وقف تنفيذ عقد المقاولة لمدة معينة، لأن الأجواء المحيطة بالمتعاقدين كانت تشير إلى احتمالية وقوع مثل هذه الحرب ومع ذلك أبرما العقد وبالتالي فعليهما تحمل تبعاته.
6- ألا تكون الظروف الطارئة أو الاستثنائية من الممكن للمدين إزالتها، أو العمل خلال وقت وجودها، أو كان المدين يملك تفاديها أو دفعها، فإذا ثبت للمحكمة أن المدين قد قصر في تفادي الظروف الطارئة، أو في دفعها أو ثبت لها قدرة المدين على العمل أثناء تلك الظروف دون إرهاق له، فجاز لها رفض وقف تنفيذ عقد المقاولة.
7- أن يظهر للمحكمة أن عدم وقف تنفيذ العقد لمدة معينة سوف يصيب التوازن الاقتصادي بين التزامات الطرفين بانهيار كبير لا يمكن معالجته، وسوف يلحق بالمدين طالب وقف التنفيذ خسارة فادحة لا يمكن توقيها.
خامسا: بعض الاجتهادات القضائية المتعلقة بالطبيعة القانونية للمدة في عقد المقاولة
1- الحكم رقم 5663 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2019-12-31 حيث جاء فيه : ( وفي الحالة المعروضة نجد أن المميز والمميز ضدها تم الاتفاق بينهما بموجب عقد مقاولة شفهي بأن يقوم بنقل الموظفين من مكان تواجدهم في عمان والزرقاء إلى مقر الشركة بواسطة الباص الذي يملكه المدعي وأن يقوم بنقل البريد وأسطوانات الغاز وأن يقوم كذلك بإعادة الموظفين بعد انتهاء العمل من الشركة إلى المكان الذي تم تجمعهم فيه وإن المدعي لا علاقة له بالشركة من حيث الدوام بعد أن يقوم بإيصال العمال والموظفين إلا أن يعود بالوقت المحدد لإعادتهم ولا يقوم بالبصمة بالشركة كباقي الموظفين عند الحضور والمغادرة وأنه يقبض مقابل ذلك مبلغ ( 1500 ) دينار شهرياً .
لذلك وعلى ضوء ما تم بيانه نجد أن العقد الذي يربط طرفي الدعوى هو عقد مقاولة دللت عليه البينات المقدمة بالدعوى وشهادة الشهود الذين أيدوا ذلك وإن الجزاء الذي يقع على المدعي في حال لم ينقل أي موظف بالوقت المحدد هو أن يتم خصم أجرة المواصلات للموظف من راتب المدعي .
وحيث أن العلاقة التي تحكم طرفي الدعوى ليست علاقة عمل إنما هي علاقة مقاولة تحكمها أحكام عقد المقاولة ).
2- الحكم رقم 319 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-04-21 حيث جاء فيه : ( وعن السبب الأول ومفاده تخطئة محكمة الاستئناف عندما خلصت إلى أن إنهاء المميز ضدها للعقد موضوع الدعوى ليس إنهاءً تعسفياً وأن عقد المقاولة قد انتهى بانتهاء المدة على الرغم من عدم إنجاز كامل الأعمال للكميات المتفق على تعدينها وإغفال محكمة الاستئناف لنص المادة ( (800) من القانون المدني التي حددت حالات انتهاء عقد المقاولة بحالتين اثنتين على سبيل الحصر وهما أن يتم إنجاز العمل المتفق عليه أو أن يتم فسخ العقد رضاءً أو قضاءً …………………
ولما كان العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر عن أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر .
وإن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني وإذا كانت عبارات العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين .
وحيث أن النزاع في هذه الدعوى يدور فيما إذا كان العقد المبرم بين طرفي الدعوى هو تعدين كميات بما يساوي (141) مليون متراً مكعباً أم أنه عقد زمني أو عقد مدة.
وحيث أن العقود كثيرة ومتنوعة وتختلف طريقة التصنيف باختلاف الزاوية التي ينظر منها إليها .
فإذا نظرنا إليها من حيث انعقادها فهي إما رضائية أو شكلية أو عينية .
وإذا نظرنا إليها من حيث تنفيذها فهي إما فورية التنفيذ أو مستمرة التنفيذ .
وإذا نظرنا إليها من حيث تنظيم المشرع لها فهي إما مسماة أو غير مسماة .
وبتطبيق النصوص الواردة في العقد المبرم بين الطرفين وما ورد به من أحكام فنجد أن كمية التعدين الواردة في العقد هي مسألة تقريبية وليست محددة تحديداً قاطعاً ملزماً لطرفيه حيث ورد في البند رابعاً(4-3) ما يلي : ( من المتفق عليه بين الفريقين أن الكميات الواردة في البند (4-2) أعلاه هي كميات تقريبية، أما تقييم الكميات الفعلية لغايات الدفع والتسويات المالية فسوف يتم على أساس احتساب كميات الحفريات المستخرجة فعلياً من قبل الفريق الثاني وحسب الأقيسة المساحية كما هو موضح في البند (7) اللاحق بالنسبة لكميات الردم والردم البيني وما يتخللها من كميات الفوسفات) .
وبالتالي فإن الزمن والمدة المحددة بالعقد قد أعطت المميزة أن تقوم بردم وتعدين الكمية التقريبية المتفق عليها خلال خمس سنوات الأمر الذي يعني أن الزمن عنصراً جوهرياً في تنفيذ العقد ويراد (أي الزمن) لذاته وبه يتحدد المعقود عليه ذلك أن الغاية التي يراد الوصول إليها عن طريق العقد لا يمكن أن تتحقق إلا بالزمن فتنفيذه يكون مقترناً بالزمن وبقدر ما يمضي من الزمن يكون العقد قد نفذ في جزء منه يتناسب والزمن الذي مر، وأن وقف تنفيذه يترتب عليه نقص في كميته وزوال جزء منه .
وحيث أن المميز ضدها لم تلجأ إلى وقف العمل بالعقد خلال مدة سريانه ولم تلجأ إلى أي وسيلة لمنع المميزة من القيام بعملية الردم والتعدين وإنجاز الكمية التقريبية بالعقد خلال مدة العقد وبالتالي فإن إنهاء عقد الإزالة والردم والتعدين بانتهاء مدته لا يعد عملاً تعسفياً وإنما هو تطبيق لأحكام العقد .
أما بخصوص قول وكيل الطاعنة بتخطئة محكمة الاستئناف بتطبيق أحكام المادة ( (800) من القانون المدني التي حددت حالات إنهاء عقد المقاولة فإن العقد المبرم بين طرفي الدعوى هو الواجب التطبيق على حالة الإنهاء حيث نصت المادة ( (14) من العقد على: ( سوف تكون مدة هذا العقد خمس سنوات ابتداءً من 1/6/2009 وعند انتهاء هذه المدة يجوز للأطراف أن يتفقوا على الاستمرار بالأعمال وبالشروط العقدية نفسها .
لكل ما تقدم فإن ما تثيره المميزة بهذا السبب يستوجب الرد .
وعن الأسباب من الثاني وحتى السابع والتي تدور جميعها على تخطئة محكمة الاستئناف عندما اعتبرت عقد المقاولة المبرم بين الأطراف هو عقد زمني ينتهي بانتهاء المدة المتفق عليها إذ أن العنصر الزمني في عقد المقاولة ليس عنصراً جوهرياً .
ورداً على ذلك فبالإضافة إلى ما جاء بردنا على السبب الأول من أسباب التمييز فإن عقد المقاولة قد يقترن بمدة معينة ينجز في أثنائها العمل وقد تكون هذه المدة عنصراً أساسياً في المقاولة بحيث تجعلها عقداً زمنياً .
وحيث أن العقد المبرم بين طرفي الدعوى كان الزمن (المدة) عنصراً أساسياً فيه وإعمالاً لنص البند الرابع عشر من العقد والذي نص على : ( سوف تكون مدة هذا العقد خمس سنوات ابتداءً من تاريخ 1/6/2009 عند انتهاء هذه المدة يجوز للأطراف أن يتفقوا على الاستمرار بالأعمال وبالشروط العقدية نفسها.
فإن قيام المميز ضدها شركة مناجم الفوسفات بتوجيه الكتاب رقم (ر.ت/265/2014) تاريخ 30/5/2014 إلى المميزة شركة مناجم لتطوير التعدين تعلمها أن العقد ينتهي بتاريخ 1/6/2014 بموجب البند الرابع عشر وعند انتهاء هذه المدة يجوز للأطراف أن يتفقوا على الاستمرار بالأعمال وبالشروط العقدية نفسها وبناءً على ذلك واستناداً لأحقية الشركة بموافقة الفريق الثاني الاستمرار بالأعمال لمدة محددة متفق عليها فإن المميز ضدها أعلمت المميزة بتجديد الأعمال لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من 1/6/2014 ولغاية 30/8/2014 وبالشروط العقدية المتفق عليها نفسها).
إعداد : محمد إسماعيل حنفي
[1] محمد لبيب شنب، شرح عقد المقاولة ، 1962 ، ص 12 وما بعدها
[2] محمد عزمي البكري ، عقد المقاولة في ضوء الفقه والقضاء، دار محمود للنشر والتوزيع، 2017، ص11، 12
[3] محمد حلمي زين الدين، المواعيد في القوانين المصرية، ط1، دار الكتب المصرية، 1926، ص 15
[4] حسن علي الذنون، دور المدة في العقود المستمرة، مديرية دار الكتب للنشر، جامعة الموصل ، 1988، ص 9
[5] علاء حسين علي ، ، عقد المباني تحت الإنشاء، دراسة قانونية، ط1 ، منشورات زين الحقوقية، 2011 ، ص 109
[6] عبدالمنعم البدراوي، النظرية العامة للالتزامات، دراسة مقارنة، ج2، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، ص257
[7] سليمان مرقس، نظرية العقد، 1956، ص 341

