الإفراج بسبب حسن السلوك

الإفراج بسبب حسن السلوك

ارتبط مفهوم العقوبة بكونها شكل من أشكال الجزاء المقرر لمن ثبت مسؤوليته عن ارتكاب الفعل المعاقب عليه، ولعل الهدف الأساسي من قيام كافة الأنظمة الجنائية الحديثة بفرض العقوبة على مرتكب الفعل المجرم، ووضعه داخل  المؤسسات العقابية ليس تقييد حريته فحسب، وإنما يكمن الهدف الأساسي من وراء ذلك في إعادة تأهيل المساجين وتدريبهم وإصلاحهم ثم إعادتهم إلى حضن المجتمع مره أخرى كأعضاء صالحين، وإزاء تحقيق هذا الهدف رأى المشرع ضرورة تشجيع المساجين على التحلي بالسلوك الحسن أثناء فترة قضاء العقوبة ومنحهم في مقابل ذلك الحق في الإفراج لحسن السلوك وهو ما سوف نتناوله خلال هذا المقال على التفصيل الآتي :

أولاً: التعرف على الإفراج لحسن السير في التشريع الأردني

ثانيا: الشروط الواجب توافرها للإفراج عن المحكوم عليه في التشريع الأردني

ثالثا: الجهة المختصة بإصدار قرار الإفراج عن المحكوم عليه في التشريع الأردني

رابعا: الآثار المترتبة على الإفراج عن المحكوم عليه لحسن السلوك في التشريع الأردني

 

أولاً: التعرف على الإفراج لحسن السير في التشريع الأردني

يعتبر الإفراج لحسن السير أحد أهم أساليب المعاملة العقابية الحديثة والتي يهدف من خلالها إلى إصلاح المحكوم عليهم وإعادة تأهيلهم اجتماعياً، وكذلك الحد من مساوئ إبقاء المحكوم عليهم داخل المؤسسات العقابية لفترات طويلة قد تنعكس عليه بالعديد من الآثار السلبية التي تعوق إعادة تأهيله وتقويمه، كما أن المجتمع الدولي ككل اتجه لمحاولة الحد من ظاهرة العودة إلى ارتكاب الجريمة من خلال العمل على إصلاح السجون والمسجونين، وكان هذا الأمر محل اهتمام العديد من المؤتمرات الدولية كالمؤتمر الدولي الأول للأمم المتحدة بشأن مكافحة الجريمة ومعاملة المذنبين، والذي وضع مجموعة من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المسجونين عام 1955، والمؤتمر الخامس للأمم المتحدة والمتعلق بحماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب العقوبة أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية، والمؤتمر السادس للأمم المتحدة لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، ومؤتمر كراكاس المنعقد في فنزويلا عام 1980 والخاص بالتعذيب والمعاملة الإنسانية، واتفاقية الأمم المتحدة في ديسمبر 1984، والتي دخلت حيز التنفيذ في يونيو 1987 والمتعلقة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية.[1]

ـ هذا وقد بدأ المشرع الأردني بالاهتمام بنظام الإفراج عن المساجين وإصلاحهم اعتباراً من عام 1953 وذلك من خلال إصدارة لقانون السجون رقم 54 لسنة 1953، والذي نصت المادة (29) منه على ” تشجيعاً للسجناء على تحسين سلوكهم وإنماء روح حب العمل فيهم وتسهيلاً لمعاملتهم على وجه يرجي منه صلاحهم تتخذ جميع السجون الترتيبات اللازمة التي تمكن كل سجين محكوم عليه بالحبس لمدة شهر أو أكثر أو بالاعتقال أو بالأشغال الشاقة بمقتضي حكم واحد وأحكام متتالية أن يستحق الإفراج عنه عندما يكون قد بقي من كامل المدة المحكوم بها عليه ما لا يزيد على الربع “.

ـ وقد تم إلغاء القانون أعلاه واستبدل بقانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 40 لسنة 2001 المؤقت، ووصولاً إلى قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 9 لسنة 2004 وتعديلاته والمعمول به حتى الآن،  وعلى الرغم من ذلك وما يتمتع به نظام الإفراج من أهمية ومكانة في النظام الجنائي الحديث فإن المشرع الأردني لم يقم بوضع تعريف محدد ودقيق له، سواء في قانون العقوبات أو في قانون أصول المحاكمات  الجزائية أو في قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 9 لسنة 2004 وتعديلاته، ولكن اكتفى المشرع من خلال المادتين (34) و (35) من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 9 لسنة 2004 وتعديلاته على تشجيع المحكوم عليهم ل تحسين السلوك، حيث نصت المادة (34) من القانون : ” على مراكز الإصلاح والتأهيل اتخاذ الترتيبات اللازمة لتشجيع النزلاء على تحسين سلوكهم لتمكين النزيل المحكوم عليه بالحبس شهراً أو أكثر أو بالاعتقال أو بالأشغال من الإفراج عنه إذا قضى ثلاثة أرباع مدة محكوميته “.

ـ كما نصت المادة (35) من ذات القانون على أن ” للوزير بناء على تنسيب المدير أن يقرر اطلاق سراح النزيل المحكوم عليه بالأشغال المؤبدة إذا كان حسن السلوك وأمضى من العقوبة مدة عشرين سنة “.

ـ وإذا كان الأصل أنه لا يتم الإفراج عن المحكوم عليه إلا بانتهاء مدة عقوبته، إلا أنه وخروجاً عن هذا الأصل فقد قرر المشرع الأردني واستثناء على هذا الأصل فإنه يجوز الإفراج عن المحكوم عليه حال ثبوت حسن السير والسلوك خلال المدة التي قضاها داخل المؤسسة العقابية، كما أن المشرع الأردني لم يأخذ بمبدأ تنوع الإفراج، ولم يسلك النهج الذي سار عليه غالبية التشريعات الأخرى التي قسمت الإفراج إلى إفراج مطلق غير مشروط، وإفراج آخر مشروط أو مقيد، حيث أن المشرع الأردني نص صراحة على لفظ الإفراج دون تقسيمه أو تحديد تعريف له، ومن ثم فقد اتجه الفقه نحو وضع تعريف محدد للإفراج، والذي يمكن تعريفه على أنه ” الإفراج عن المحكوم عليه لحسن سلوكه دون فرض رقابة أو قيود عليه، فهو إفراج غير مشروط “. [2]

ـ ولما كان المشرع الأردني قد انتهج هذا الأسلوب في الإفراج عن المحكوم عليهم فقد استبدل لفظ السجن بلفظ مراكز الإصلاح والتأهيل، واستبدل كذلك لفظ السجين بلفظ النزيل، إيماناً منه بأن دور المؤسسات العقابية ليس العقاب فحسب، وإنما إصلاح النزلاء وتأهيلهم للدخول في المجتمع من جديد بعد التأكد من حسن سلوكهم وأنهم سوف يواصلون هذا السلوك بعد الخروج من المؤسسة العقابية.

ثانيا: الشروط الواجب توافرها للإفراج عن المحكوم عليه في التشريع الأردني

 فرض المشرع  الأردني في قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 9 لسنة 2004 وتعديلاته مجموعة من الشروط الواجب توافرها حتى يخضع النزيل لنظام الإفراج لحسن السلوك، ويمكن بيان هذه الشروط على النحو التالي:

1ـ أن تكون العقوبة المحكوم بها على النزيل من العقوبات السالبة للحرية: حيث أنه ومن استقراء المادة (34) من قانون الإصلاح والتأهيل سالف الذكر يتضح أن المشرع حدد مجموعة من العقوبات بعينها للخضوع لنظام الإفراج لحسن السلوك، حيث أجاز للنزيل المحكوم عليه بالحبس شهراً أو أكثر أو بالاعتقال أو بالأشغال، والبين من نص المادتين (34، 35) سالفتي البيان أن المشرع الأردني فسح المجال أمام النزلاء للاستفادة من هذا النظام من خلال الأخذ بمبدأ العقوبة بغض النظر عن الجريمة المرتكبة حتي ولو تعلق الأمر بالجرائم الإرهابية، إلا أن عمومية نظام الإفراج لا تمنع من فرض بعض الخصوصيات تتعلق ببعض النزلاء كالمحكوم عليهم بعقوبة الإعدام، والمحكوم عليهم بالاعتقال المؤبد، حيث أن المشرع الأردني قد ميز بين المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة والاعتقال المؤبد إذ نص على الأولي وجعلها من ضمن العقوبات التي يجوز الإفراج عن النزيل فيها لحسن سلوكه، وذلك حال قضائه مده عشرين سنة من المدة المحكوم عليه بها، ولكن الثانية لم ينص عليها المشرع لخطورتها ولو أراد المشرع النص عليها وجعلها من بين العقوبات التي تخضع لنظام الإفراج لضمنها في نص المادة (35) من ذات القانون كما فعل مع الأشغال الشاقة المؤبدة، كما أن المحكوم عليه بالإعدام لا يستفيد من الإفراج.

ـ وعلى الرغم من ذلك جاء المشرع في قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته وأجاز للجهات المختصة الإفراج عن المحكوم عليه بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد إلا بعد قضاء مدة ثلاثين سنة داخل المؤسسة العقابية، وهو ما جاء في المادة (20/1) من هذا القانون بالنص على : ” 1- على الرغم مما ورد في أي قانون آخر، يطلق سراح المحكوم عليه بالأشغال المؤبدة أو بالاعتقال المؤبد اذا أمضى من العقوبة ثلاثين سنة “.

ـ وعلى الرغم من أن قانون مراكز الإصلاح والتأهيل هو القانون الخاص وقانون العقوبات هو القانون العام، والقاعدة القانونية الثابتة أن الخاص يقيد العام بمعني أنه حال وجود نص خاص وآخر عام يطبق النص الخاص، إلا أن المشرع الأردني وبعبارته الواردة في الفقرة الأولي من المادة العشرين من قانون العقوبات أزاح نص المادة (35) من قانون الإصلاح والتأهيل الخاصة والتي أجازت لوزير الداخلية بناء على تنسيب مدير الأمن العام إطلاق سراح النزيل المحكوم عليه بالأشغال المؤبدة إذا كان حسن السلوك وأمضى مدة عشرين سنة داخل المؤسسة العقابية، على الرغم من أنه القانون واجب التطبيق والزم المؤسسات العقابية بعدم إطلاق سراح النزيل في المحكوم عليه بأي من عقوبتي الأشغال المؤبدة أو بالاعتقال المؤبد إلا اذا أمضى من العقوبة ثلاثين سنة، وهو ما يعد خروج من المشرع الأردني عن القواعد القانونية المألوفة.

 

2ـ قضاء المحكوم عليه مده محدد من العقوبة داخل المؤسسات العقابية: استلزم المشرع الأردني من أجل تطبيق نظام الإفراج على المحكوم عليه أن يمضي داخل المؤسسة العقابية مدة معينة من العقوبة بحيث لا يجوز الإفراج عنه قبل قضاء هذه المدة، ولعل العله من قيام المشرع بذلك تكمن في رغبته في وضع المحكوم عليه بالمؤسسة العقابية لفحص شخصيته وتقرير سلوكه أثناء وجوده بهذه المؤسسة، ومن ثم تقدير عدم خطورته على المجتمع، كما أن تحقيق العقوبة لأهدافها من إضفاء الشعور العام بالعدالة والردع من ناحية، وتحقيق أساليب المعاملة العقابية من إصلاح وتأهيل النزلاء من ناحية أخرى.[3]

ـ  وهو ما أكد عليه المشرع الأردني أنه لا يجوز الإفراج عن المحكوم عليه في العقوبات السالبة للحرية كالاعتقال المؤقت والأشغال الشاقة المؤقتة إلا بعد قضاء ثلاث أرباع المدة في داخل المؤسسة العقابية، وفي جميع الأحوال يجب أن لا تقل مدة الحبس عن شهر، غير انه وبالنسبة لجريمة الأشغال الشاقة المؤبدة يجب أن لا يقل المدة التي قضاها المحكوم عليه في المؤسسة العقابية عن عشرين سنة.

3ـ حسن سلوك المحكوم عليه داخل المؤسسة العقابية: يتعين أن يكون سلوك النزيل دالاً على تقدمه نحو طريق إعادة التكييف والتأهيل الاجتماعي، واستقامته من الاعوجاج على نحو يبشر بإصلاحه وبالأمل في عودته إلى المجتمع كإنسان قويم وصالح، ولقد أخذ المشرع الأردني بالمفهوم الضيق لحسن السلوك والمتمثل في قيام والتزام المحكوم عليه بالطاعة والانضباط وعدم الإخلال بالأنظمة واللوائح داخل المؤسسات العقابية، والأخذ بهذا المفهوم الضيق لحسن السلوك قد يؤدي إلى خروج نزلاء لا أحقيه لهم في الخروج كونهم يقومون بإيهام القائمين على التقييم  بندمهم والتوبة والعمل الحسن دون وجود ضمانات كافيه يمكن من خلالها التأكد عما إذا كان سلوك المحكوم عليه قد استقام من عدمه، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة نسبة العائدين إلى الإجرام من الحاصلين على الإفراج، كون شرط حسن السلوك بهذا المفهوم الضيق اثبت عدم صلاحيته الفعالة، حيث أن هناك دراسة قد أجريت عام 2008 على عدد أربعمائة نزيل تبين أن نسبة حوالي ما يزيد عن 28% منهم دخلوا المؤسسات العقابية مرتين بعقوبات سالبة للحرية، وأن نسبة ما يزيد عن 12% دخلوا هذا المؤسسات ثلاث مرات بعقوبات سالبة للحرية أيضاً.[4]

ـ هذا وقد أكد التقرير الدوري الثامن حول أوضاع مراكز الإصلاح والتأهيل وأماكن التوقيف المؤقت في المملكة الأردنية الهاشمية والصادر من المركز الوطني لحقوق الإنسان في توصيته السابعة عشر على ضرورة تفعيل الإشراف القضائي على مراكز الإصلاح والتأهيل، وقد أكدت التوصية كذلك إلى أن محدودية الرقابة القضائية الفعالة على أماكن التوقيف المؤقت تسهم في توافر البيئة المناسبة لزيادة الانتهاكات والتعذيب وسوء المعاملة للنزلاء من قبل أفراد الشرطة.

ـ  هذا وقد بينت المادة (37) من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 9 لسنة 2004 وتعديلاته المخالفات التي يحظر على النزلاء القيام بها، حيث نصت على: ” مع مراعاة أحكام قانون العقوبات وأي قانون آخر نافذ المفعول يعتبر ارتكاب النزيل لأي من الأفعال التالية مخالفة لأحكام هذا القانون :أ ـ التمرد أو العصيان أو العنف أو الشروع بأي منها أو التحريض عليها.

ب ـ الحاق الأضرار المادية بأبنية المركز أو ملحقاته أو معداته أو مرافقه.

ج ـ حيازة أي مادة محظورة قانوناً أو تم منع حيازتها بموجب تعليمات صادرة من جهة ذات صلاحية .

د ـ عدم المحافظة على الصحة العامة أو البيئة أو نظافة أبنية المركز أو ملحقاته .

هـ ـ إلحاق مرض أو عاهة أو أذى بنفسه أو بالآخرين عن قصد .

و ـ عدم الاعتناء بما يسلم إليه من أدوات أو لوازم .

ز ـ عدم القيام بما يعهد إليه من أعمال أو التباطؤ في تنفيذها .

ح ـ تقديم الشكاوي الكيدية أو الإدلاء بمعلومات كاذبة أو إلصاق تهم بالآخرين .

ط ـ عدم تنفيذ التعليمات المتعلقة بترتيب أو تنظيم شؤونه بما في ذلك نظافة جسمه وملابسه وطعامه وشرابه .

ي ـ عدم ارتداء ما يسلم له من ملابس أو إتلافها أو إضاعتها أو التخلي عنها أو بيعها أو رهنها أو إزالة ما عليها من عالمات وأرقام .

ك ـ الظهور بمظهر منافي للحياء.           ل ـ ترك المكان أو الموقع المحدد له دون موافقة إدارة المركز .

م ـ إقلاق الراحة العامة في المركز نتيجة إهمال أو سلوك يؤدي الى ذلك .

ن ـ إساءة التصرف مع أي شخص في المركز .

س ـ  ارتكاب أي مخالفة لتعليمات المركز”.

ـ كما نصت المادة (38/ج) من ذات القانون على: ” إذا ارتكب النزيل أي من المخالفات الواردة في المادة (37) من هذا القانون فلمدير المركز أن يوقع عليه وحسب جسامة المخالفة أيا من العقوبات المسلكية التالية:ـ ج ـ الحرمان من جزء من المدة المنزلة من المدة المحكوم بها وفقاً لنص المادة (34) من هذا القانون على أن لا تزيد مدة الحرمان على أربعة عشر يوماً في كل مرة “.

ـ وكان الأحرى بالمشرع الأخذ بالمفهوم الواسع لحسن السلوك على غرار بعض التشريعات الأخرى، وهو ما قرره المشرع المصري في المادة (52) من قانون تنظيم السجون المصري من اشتراطه بالإضافة لحسن السلوك شرطاً آخر متمثل في ألا يكون في الإفراج عن المحكوم عليه خطر على الأمن، ويتمثل هذا المفهوم الواسع لحسن السلوك في وجوب تقديم ضمانات لحسن السلوك وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال المعاملة داخل المؤسسات العقابية والإعداد الجيد للمحكوم عليهم بما في ذلك الإداريون والقائمون على حسن تطبيق برامج الإصلاح والتأهيل، وهو ما يثبت معه حسن التقييم للنزلاء،  والتأكد من زوال الخطورة الإجرامية قبل الإفراج عنهم.

 

ثالثا: الجهة المختصة بإصدار قرار الإفراج عن المحكوم عليه في التشريع الأردني

نصت المادة (35) من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 9 لسنة 2004 وتعديلاته على أن ” للوزير بناء على تنسيب المدير أن يقرر اطلاق سراح النزيل المحكوم عليه بالأشغال المؤبدة إذا كان حسن السلوك وأمضى من العقوبة مدة عشرين سنة “، كما نصت المادة الثانية من ذات القانون على أن ” يكون للكلمات والعبارات التالية حيثما وردت في هذا القانون المعاني المخصصة لها أدناه ما لم تدل القرينة على غير ذلك : الوزير : وزير الداخلية .          المدير : مدير الأمن العام “.

ـ وبناء على ما ورد في المادتين أعلاه فإن المختص بإصراح أمر الإفراج عن النزيل هو وزير الداخلية بناء على اقتراح من مدير الأمن العام، والبين كذلك من نصوص قانون مراكز الإصلاح والتأهيل الأردني أن المشرع قد منح وزير الداخلية السلطة المطلقة في تقرير الإفراج أو الرجوع فيه طالما توافرت شروطه المبينة في هذا القانون، حيث أنه حال تقديم طلب من النزيل أو اقتراح من قبل مدير الأمن العام بتوافر الشروط القانونية المقررة للإفراج عن  نزيل معين فإن من حق وزير الداخلية رفض الإفراج عنه، حيث أن نظام الإفراج لحسن السلوك ليس حقاً للمحكوم عليه يطالب به، وإنما هو جوازي للسلطة المختصة تمنحه للمحكوم عليه وفق ضوابط ومعايير معينة، كما أن المشرع الأردني لم ينص صراحة أو ضمناً على إمكانية الطعن على قرار وزير الداخلية في الإفراج أو عدم الإفراج عن نزيل معين.

ـ وعلى الرغم من أن المشرع الأردني نص في المادة  الثامنة من ذات القانون على أنه :” أ ـ يحق لوزير العدل ورئيس النيابة العامة ولأي من رؤساء محاكم الاستئناف والبداية والجنايات الكبرى والنائب العام وأعضاء النيابة العامة كل في منطقة اختصاصه الدخول إلى المركز للتحقق مما يلي :

1ـ عدم وجود أي نزيل في المركز بصورة غير قانونية .

2ـ  تنفيذ قرارات المحاكم والنيابة العامة على النحو الوارد فيها .

3ـ عدم تشغيل أي نزيل لم يقض الحكم الصادر ضده بتشغيله إلا إذا كان لمقاصد تأهيله .

4ـ عزل كل فئة  من النزلاء عن الفئة الأخرى ومعاملتهم على هذا الأساس وفقا لأحكام هذا القانون .

5ـ إعداد السجلات بطريقة منظمة.

6ـ متابعة أي شكوى مقدمة من أي نزيل تتعلق بأي تجاوز تم ارتكابه ضده أو إخبار عن فعل تم ارتكابه ضد غيره بصورة غير قانونية .

ب. لوزير العدل تفويض الصلاحية الممنوحة له بمقتضى الفقرة (أ) من هذه المادة الى أي من ذوي الخبرة والاختصاص من الموظفين الحقوقيين العاملين في وزارة العدل “.

ـ كما نصت المادة (16) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته على أن:” 1ـ يراقب المدعي العام سير العدالة ويشرف على السجون ودور التوقيف وعلى تنفيذ القوانين ويمثل السلطة التنفيذية لدى المحاكم والدوائر القضائية ويخابر السلطات المختصة رأسا.

2 – وهو الذي يحرك دعوى الحق العام وينفذ الأحكام الجزائية “.

ـ كما أن العديد من المؤتمرات ومنها المؤتمر الثالث للدفاع الاجتماعي الذي عقد في أنفرس عام 1952، والمؤتمر الدولي العاشر لقانون العقوبات المنعقد في روما عام 1969، والحلقة العربية الثالثة للدفاع الاجتماعي المنعقدة في دمشق عام 1972، وقد أوصت جميعها بضرورة تدخل الإشراف القضائي على التنفيذ العقابي وأن القضاء هو المنوط به إصدار كافة القرارات المتعلقة بشأن المحكوم عليه، باعتبار القضاء هو الجهة الأصيلة المنوط بها حماية حقوق المحكوم عليهم من تعسف جهة الإدارة.[5]

ـ  إلا أن المشرع وبرغم هذا الإشراف والرقابة من قبل السلطة القضائية على قيام المؤسسات العقابية بدورها في إصلاح وتأهيل وتنفيذ الأحكام القضائية في حق المحكوم عليهم، إلا أن المشرع الأردني رأى أن دور السلطة القضائية قد انتهي بإصدارها للحكم القضائي وفق منطوقه، ومن ثم فقد رأي المشرع أن الحق في تقدير مدى  حسن سلوك النزيل وانطباق الشروط القانونية للإفراج عنه مخوله لوزير الداخلية بناء على اقتراح وتنسيب من قبل مدير الأمن العام، باعتبار أن الجهة المنوط بها الإصلاح والتأهيل والتعامل مع النزلاء عن قرب هي المؤسسة العقابية ذاتها، وبالتالي فهي صاحبة الاختصاص الأصيل في تقرير مدي تحسن سلوك النزيل وقدرته على التعامل مع المجتمع الخارجي دون تجاوز منه وعودته لارتكاب هذه الجرائم مستقبلاً.

ـ ومن هذا المنطلق يمكننا القول بأن الإفراج عن المحكوم عليهم لحسن السلوك والذي تقوم به السلطة التنفيذية متمثلة في وزير الداخلية ما هو إلا عمل إداري بحت لا علاقة للسلطة القضائية به، فالمؤسسة العقابية هي من تقوم بتقويم وتأهيل المحكوم عليهم، ويعتبر ذلك ما هو إلا تعديل لأسلوب المعاملة العقابية، كما أن السلطة القضائية بإصدارها لحكم الإدانة على المحكوم عليه قد استنفذت ولايتها، وبالتالي تبدأ مرحلة التنفيذ التي تقوم عليها السلطات الإدارية والتي يكون لها الصلاحيات الكاملة في تقدير مدي استحقاق النزيل للإفراج من عدمه.[6]

 رابعا: الآثار المترتبة على الإفراج عن المحكوم عليه لحسن السلوك في التشريع الأردني

إن العقوبات السالبة للحرية لا يمكن أن تحقق الغاية منها، إلا إذا تم تنفيذها في المؤسسات العقابية، وتم تطبيق أساليب معاملة جدية فيها باستخدام كافه الوسائل والطرق العلاجية والتربوية والأخلاقية، وغيرها من المؤثرات التي تعمل على تقليل الفارق بين الحياة داخل المؤسسة العقابية والحياة الحرة، ولا شك في أن النمط السلوكي للمفرج عنه سريع التأثير والتغير بما قد يصادفه بعد خروجه من المؤسسة العقابية، ومن ثم يجب أن يكون هناك دور لمراكز الإصلاح والتأهيل ليس حال وجود المحكوم عليه بالمؤسسة العقابية فحسب وإنما أيضا بعد خروجه منها والإفراج عنه.

ـ وقد أوجب المشرع الأردني نظام الإفراج المطلق دون قيد أو شرط، وهو ما يعني أن المحكوم عليه حال الإفراج عنه يصبح حر وطليق ليس عليه أيه قيود أو التزامات، ويعامل معاملة من قام بقضاء كامل المدة المحكوم بها داخل المؤسسة العقابية، كما أنه وفي حالة العود غلى ارتكاب الجريمة مره أخرى فإنه يعامل ذات المعاملة، ويطبق في شأنه ذات القواعد المتعلقة بالإفراج لحسن السلوك.

ـ كما تتولي وزارة التنمية الاجتماعية تقديم الرعاية والخدمات الاجتماعية المتاحة عن طريق فتح مراكز خاصة بناء على تعليمات من وزير التنمية الاجتماعية، وهو ما أكدت عليه المادة (30) من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 9 لسنة 2004 وتعديلاته، والتي نصت على :” تتولى وزارة التنمية الاجتماعية وحسب الإمكانات المتاحة لها تقديم الخدمات الاجتماعية والرعاية اللاحقة للنزلاء بواسطة مراكز خاصة يتم فتحها في المركز وفق تعليمات يصدرها وزير التنمية الاجتماعية لهذه الغاية “.

ـ كما أن المشرع الأردني أوجب تشكيل لجنة عليا للإصلاح والتأهيل تكون  من رئيس وثمانية أعضاء على أن يرأسها وزير الداخلية، ويكون مدير الأمن العام نائب له، وعضوية كل من أمين أمين عام وزارة العدل، أمين عام وزارة التربية والتعليم، أمين عام وزارة الصحة، أمين عام وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، أمين عام وزارة التنمية الاجتماعية، مدير عام مؤسسة التدريب المهني، مدير إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل، على أن يكون الأخير مقررا للجنة، كما يمكن للجنة الاستعانة بأي شخص من ذوي الخبرة اذا وجدت ضرورة لذلك، ويكون من بين مهام هذه اللجنة توفير الرعاية الاجتماعية للنزلاء وأسرهم، وهو ما أكدت عليه المادة (34) من ذات القانون بالنص على: ” تتولى اللجنة العليا المهام والصلاحيات التالية: أ ـ وضع السياسة العامة لمعاملة النزلاء وإصلاحهم وتأهيلهم ومتابعة تنفيذها .

ب ـ التنسيق بين الأجهزة المعنية لتوفير الإمكانات اللازمة لتنفيذ خطط الإصلاح والتأهيل .

ج ـ اعتماد أسس برامج تدريب النزلاء وتشغيلهم والاستفادة من طاقاتهم الإنتاجية وإقرار التعليمات اللازمة لذلك .

د ـ وضع أسس متابعة توفير الرعاية الاجتماعية والرعاية اللاحقة للنزلاء وأسرهم.

هـ ـ وضع أسس متابعة توفير الرعاية الصحية للنزلاء .

و ـ أي أمور أخرى يرى رئيس اللجنة ضرورة عرضها عليها “.

ـ كما يترتب على الإفراج عن المحكوم عليه لحسن سلوكه أن تقوم وزارة التنمية الاجتماعية بإنشاء وتسجيل جمعيات لخدمة نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل وأسرهم، وبعض الإفراج عن النزيل تقوم مديرية التنمية الاجتماعية التي يقع ضمن اختصاصها مركز الإصلاح والتأهيل الموجود به النزيل المفرج عنه بالتعاون مع الجمعية المسجلة من قبل وزارة التنمية الاجتماعية وفق أحكام قانون الجمعيات والهيئات الاجتماعية والتي تكون أهدافها وغايتها خدمة نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل وأسرهم، بمتابعه احتياجات النزيل المفرج عنه وتوفير عمل له.

ـ وهو ما أكدت عليه المادة الثامنة من تعليمات الخدمات الاجتماعية المقدمة لنزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل لسنة 2008بالنص على أن ” تتولى المديرية وفقا للإمكانيات المتاحة بالتعاون مع الجمعية متابعة الحالات الاجتماعية للنزلاء المحتاجين المفرج عنهم وإمكانية تدريب من لم يتم تدريبه داخل مراكز الإصلاح والتأهيل وتوفير فرص عمل لهم ولمن تم تأهيلهم بمهن داخل مراكز الإصلاح والتأهيل “.

إعداد: د. محمد سعيد

[1]  المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، المجلة العربية للدفاع الاجتماعي، العدد الثالث عشر، يناير 1982، صـ 607.

[2] محمد عبد الله الوريكات ـ حسن محمد أمين الجوخدار، الإفراج لحسن السلوم في التشريع الأردني والمقارن، البلقاء للبحوث والدراسات، كلية الحقوق ـ جامعة عمان، الأردن، 2015، صـ 158.

[3] محمود نجيب حسني، دروس في علم الإجرام وعلم العقاب، دار النهضة العربية، القاهرة، 1967، صـ 355.

[4] فهد يوسف الكساسبة، وظيفة العقوبة ودورها في الإصلاح والتأهيل، رسالة دكتوراه منشورة بجامعة عمان العربية، عمان، 2010، صـ 250.

[5] محمد عبد الله الوريكات، مبادئ علم العقاب، الطبعة الثانية، دار إثراء للنشر، عمان، 2012، صـ 259.

[6] الطاهر بريك، فلسفة النظام العقابي في الجزائر وحقوق السجين على ضوء القواعد الدولية والتشريع الجزائري، دار الهدي للنشر والتوزيع، الجزائر، 2009، صـ 114.

Scroll to Top