العقد المفضي لإنهاء عقد
تتباين العقود وتختلف إلى أكثر من نوع ويتم تصنيفها تحت أكثر من طائفة، ومن أهم تلك التصنيفات تصنيف العقود من حيث تسميتها والتنظيم القانوني لها إلى عقود مسماة وعقود غير مسماة، وعلى الرغم من أن العقود المسماة تقع في الصدارة لكونها اختصت من قبل المشرع بتسمية وأحكام وضوابط خاصة بها، إلا أن العقود غير المسماة لا تقل عنها في الأهمية لاسيما وأن تطورات الحياة التي نعيشها تفرز أنماط جديدة من العقود التي يتم استخدامها في نطاق واسع، وتقع في ذات الوقت ضمن طائفة العقود غير المسماة.
ومن أهم العقود التي تقع ضمن طائفة العقود غير المسماة، والتي لم تحظى باهتمام سواء من قبل المشرع بتنظيمها بشكل مستقل وخاص بها، أو من قبل الفقه القانوني بوضع المؤلفات والشروحات الخاصة بها هي العقود المفضية لإنهاء العقود، ونظراً لندرة الكتابات التي تناولت هذا النوع من العقود فسوف يكون هذا المقال محلاً لبيان وتوضيح هذا النوع من العقود.
أولاً: المقصود بالعقد المفضي لإنهاء عقد
ثانياً: صور العقد المفضي لإنهاء عقد
ثالثاً: الآثار القانونية المترتبة على العقد المفضي لإنهاء عقد
رابعاً: الخاتمة
أولاً: المقصود بالعقد المفضي لإنهاء عقد
حتى يمكننا التعريف بالعقد المفضي لإنهاء عقد يلزم أولاً أن نوضح ما هو المقصود بالعقد بوجه عام، ثم نبين المقصود بالعقد المفضي لإنهاء عقد باعتباره نوعاً من أنواع العقود.
1- المقصود بالعقد
تصدى الفقه القانوني للعقد بأكثر من تعريف، وهذه التعاريف لم يكن بينها سوى اختلاف طفيف في ظاهرها دون أن يتعدى إلى مضمونها، حيث أنها كانت في جوهرها متفقة على أن العقد هو توافق بين إرادتين – إرادة الإيجاب وإرادة القبول – بهدف ترتيب أثر قانوني على ذلك، ويستوي الأمر بين ما إذا كان هذا الأثر القانوني يتمثل في إنشاء التزام جديد أو نقل التزام قائم أو تعديله أو إنهاؤه[1].
ولم يبتعد المشرع الأردني في تعريفه للعقد عما اتفق عليه الفقه القانوني، حيث عرفه في نص المادة رقم (87) من القانون المدني رقم 43 لسنة 1976 بأنه (العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر).
2- المقصود بالعقد المفضي لإنهاء عقد
كما سبق وأن أشرنا في تعريف العقد بوجه عام أن العقد يبرم بغرض ترتيب أثر قانوني معين، وهذا الأثر القانوني لا يخرج عن كونه إما إنشاء التزام قانوني لم يكن متواجداً من قبل، وإما أن ينصب على التزام قانوني قائم بالفعل ولكنه ينقله أو يعدله أو ينهيه، ويعد العقد المفضي لإنهاء عقد كما يتبين من مسماه هو عقد يرتب الأثر القانوني المتمثل في إنهاء الالتزام.
ويطلق على العقد المفضي لإنهاء عقد مسمى آخر وهو “العقد المنهي”، ويمكننا تعريف العقد المفضي لإنهاء عقد على أنه ارتباط وتوافق الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين مع قبول المتعاقد الآخر بهدف ترتيب أثر قانوني معين يتمثل في إنهاء عقد قائم، ويستوي في ذلك أن يكون هذا الإنهاء مباشر أو غير مباشر.
والعقد المفضي لإنهاء عقد في حد ذاته لا يقوم بشكل منفرد، بل يستلزم لقيامه أن يسبقه عقد آخر وهو العقد المنشود إنهاؤه، لاسيما وأن الهدف الرئيسي والغرض الأساسي من إبرام هذا العقد هو إنهاء عقد آخر يسبقه في الوجود، وبدون وجود العقد السابق لا يكون هناك جدوى من إبرام العقد المنهي أو المفضي لإنهاء عقد.
ثانياً: صور العقد المفضي لإنهاء عقد
يتم إبرام العقد المفضي إلى إنهاء عقد في أكثر من صورة وتحت أكثر من مسمى، إلا أن تلك الصور يمكن تصنيفها في إطار طائفتين من العقود، الطائفة الأولى هي طائفة العقود المفضية لإنهاء عقود بصورة مباشرة، والطائفة الثانية هي العقود المفضية لإنهاء عقود بصورة غير مباشرة.
1- العقود المفضية لإنهاء عقود بصورة مباشرة
يقصد بهذه الصورة من صور العقد المفضي لإنهاء عقد أن يكون القصد المباشر من إبرام ذلك العقد هو إنهاء عقد سابق في إبرامه على هذا العقد، وهذه العقود غالباً – وإن لم يكن دائماً – ما تكون عقوداً مسماة، وسوف نتناول أهم وأبرز العقود المندرجة تحت تلك الصورة من العقود والتي تتمثل في عقد الفسخ وعقد الإقالة.
أ- عقد الفسخ
يعد عقد الفسخ من أبرز العقود المفضية لإنهاء عقود وأكثرها شيوعاً في الاستخدام، وهو عقد يتم اللجوء إلى إبرامه بغرض فسخ عقد سابق في إبرامه على تاريخ هذا العقد، وقد يظن البعض أن الفسخ مجرد شرط يرد في العقود ويمنح أحد طرفيها – أو كلاهما – الحق في فسخ العقد في حالات محددة، وذلك وفقاً لما ورد بنص المادة (254) من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 والتي نصت على أنه (يجوز الاتفاق على أن يعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائي عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه).
إلا أن ذلك الظن يجافي الحقيقة الثابة في ذات النص القانوني المذكور، حيث أن المشرع قد استهل نص المادة بأن الفسخ ينتج عن اتفاق وذلك بقوله (يجوز الاتفاق)، والعقد هو في جوهره بمثابة اتفاق بين طرفين مما يجعل الاتفاق على الفسخ جائزاً بموجب عقد فسخ مستقل عن العقد الأصلي المراد فسخه ولاحق عليه، لاسيما وأن شرط الفسخ الذي يرد بالعقد الأصلي يكون مشروط بإخلال طرف من طرفي العقد بالتزاماته، ويكون عقد الفسخ أيضاً متضمناً للفسخ في حالة وجود اي إخلال بالالتزامات من أي طرف من طرفي العقد الأصلي.
وتأكيداً لذلك فإنه وبمراجعة حالات الفسخ المختلفة يتبين لنا أنها حالات يمكن أن تتحقق بموجب عقد فسخ لاحق على العقد الأصلي المراد إنهاؤه، حيث أنه من المستقر قانونهاً أن الفسخ يتحقق في عدة صور نوجزها في النقاط التالية:
- الصورة الأولى: هي الفسخ المتفق عليه بين طرفي العقد والمتضمن أن يصبح العقد مفسوخاً متى صدر من أحد طرفيه إخلالاً بالتزاماته التعاقدية، وهذه الصورة لا تسلب من المتعاقد صاحب الأحقية في الفسخ حقه في اللجوء إلى القضاء بدعوى الفسخ، ولا تعفيه من شرط الإنذار، ولا تسلب من القاضي المعروض عليه دعوى الفسخ سلطته التقديرية في القضاء بالفسخ من عدمه، وفي واقع الأمر فإن تلك الصورة من صور الفسخ لا تضيف شيئاً، وذلك لأن الفسخ فيها يخضع لتطبيق القواعد العامة[2].
- الصورة الثانية: هي الفسخ المتفق عليه بين طرفي العقد والمتضمن ان يصبح العقد مفسوخاً من تلقاء ذاته في حالة الإخلال بالالتزامات التعاقدية، وتلك الصورة تنزع عن القاضي أي سلطة تقديرية في شأن الحكم بالفسخ من عدمه، فبمجرد أن يتم عرض دعوى الفسخ عليه ويتأكد من تحقق الحالة الموجبة للفسخ فيلزم عليه أن يقضي به، ويكون الحكم الصادر منه حينئذ بالفسخ هو حكم كاشف للفسخ وليس منشئاً له.
- الصورة الثالثة: هي صورة الفسخ الذي يتفق فيه الطرفين على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء ذاته دون الحاجة إلى حكم قضائي، وذلك متى تحقق إخلال بالتزامات أحد طرفي العقد، وهنا لا يستلزم الفسخ إقامة دعوى قضائية وإن أقيمت فلا يكون فيها للقاضي سلطة تقديرية، ولكن الامر الوحيد الذي يبقى هو الإنذار الذي يوجهه الطرف الذي تقرر الفسخ لصالحه للطرف المخل بالتزاماته.
- الصورة الرابعة: هي الفسخ الذي يتفق فيه على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء ذاته دون حاجة إلى إنذار أو حكم قضائي[3]، وتعد هذه الصورة هي أقوى صور الفسخ وأعلاها في المرتبة، حيث يصبح العقد مقسوخاً بمجرد تحقق الإخلال بالتزامات أياً من طرفيه، وذلك دون استلزام إنذار أو دعوى قضائية، وحتى إذا أقيمت دعوى قضائية فلا يكون للقاضي أي سلطة تقديرية في تقدير الحكم بالفسخ بل يكون لزاماً عليه أن يقضي به متى ثبت لديه تحقق الإخلال بالالتزامات.
وجميع صور الفسخ سالفة البيان يمكن أن تكون محلاً لعقد فسخ مستقل يتم تحريره بين طرفي العقد الأصلي، بحيث يتم الاتفاق فيه على فسخ العقد الأصلى متى تحقق إخلال بالالتزامات التعاقدية من قبل أياً من طرفيه، وفي جميع الحالات يعد عقد الفسخ من العقود المفضية لإنهاء عقد باعتبار ان الغرض الأساسي لعقد الفسخ هنا يكون إنهاء التعاقد الأصلي.
ب- عقد الإقالة
عرفت الإقالة بأكثر من مسمى، حيث عرفت لدى البعض بمسمى “التقايل”، بينما عرفتن لدى البعض الآخر بت “التفاسخ”، إلا أنها جميعها مسميات تدل على ذات المعنى والمضمون، وقد عرفها المشرع الأردني تحت مسمى الإقالة وإن كان قد أشار إليها بالتقايل في موضع وحيد بنص المادة رقم (242) من القانون المدني والتي نصت على أن (للعاقدين أن يتقايلا العقد برضاهما بعد انعقاده)، وهذا النص في فحواه يشير إلى أن الإقالة في جوهرها هي شكل من أشكال العقود التي تتطلب التراضي بين طرفيها.
والإقالة في مضمونها هي التقاء بين إيجاب وقبول متطابقين بهدف إنهاء لعقد قائم بين نفس المتعاقدين، وطالما كانت الإقالة تستلزم تطابق إيجاب مع قبول فهي صالحة لكي تكون محلاً لعقداً مستقلاً وقائماً بذاته، شريطة أن يكون هذا العقد لاحقاً على عقد صحيح وقائم بالفعل وهو العقد المراد إنهاؤه أو التقايل منه.
وتختلف الإقالة عن الفسخ في أن الفسخ يكون بسبب حدوث إخلال بالالتزامات التعاقدية من قبل احد طرفي العقد، بينما الإقالة لا يشترط فيها وقوع أي إخلال بالالتزامات من قبل أي طرف، بل هي تعد إنهاءاً للعقد الأصلي القائم بالتراضي بين طرفيه، والذي قد يكون بسبب عدم رغبة الطرفين في استكمال تنفيذ العقد الأصلي لأي سبب.
2- العقود المفضية لإنهاء عقود بصورة غير مباشرة
في حين نجد أن العقود المفضية لإنهاء عقود بصورة مباشرة يكون الغرض المباشر والأساسي والصريح منها هو إنهاء العقود الأصلية السابقة في قيامها على تلك العقود، فإن هناك عقوداً اخرى يتم إبرامها لغرض ما ثم تتحول ليصبح غرضها هو إنهاء هذا العقد الذي تم إبرامه، وتعرف تلك العقود بالعقود المفضية لإنهاء عقود بصورة غير مباشرة.
ومن أهم الأمثلة على تلك العقود عقد الإيجار المنتهي بالتمليك، فهذا العقد يتم إبرامه على أنه عقد إيجار بين المؤجر والمستأجر، ويظل المستأجر يسدد القيمة الإيجارية للمؤجر لمدة زمنية متفق عليها وبمجرد انتهائها يصبح المستأجر مالكاً للشيء المأجور، وينتهي عقد الإيجار بتحوله إلى عقد بيع، ويكون عقد البيع هو العقد المفضي إلى إنهاء عقد الإيجار من جهة، وأنشأ عقد جديد من جهة أخرى مختلف في مضمونه عن العقد المنتهي وهو البيع.
وتعد تلك الصورة من العقود بمثقابة تطبيقاً لنظرية قانونية وهي نظرية تحول العقد، لاسيما وأن العقد المفضي لإنهاء عقد يتم إبرامه ثم إنهائه بتحوله من صورته التي أبرم عليها إلى صورة أخرى ينتهي معها وجود العقد الأول، وذلك جميعه برضا أطرافه وعن قصد منهم لتحقيق هذا الغرض.
وحتى يتحقق وجود عقد مفضي لإنهاء عقد فإن الأمر يستلزم توافر مجموعة من الشروط، وهذه الشروط يمكننا أن نوجزها في النقاط التالية:
- أن تتجه إرادة طرفي التعاقد إلى إبرام العقد الجديد وإلى إنهاء العقد القديم بموجب هذا العقد، لاسيما وأن إنهاء العقد القديم يعد هو مقياس ومعيار مدى اعتبار العقد الجديد هو عقد مفضي لإنهاء عقد أم لا.
- أن يكون إنهاء العقد القديم – الأصلي – بشكل كلي وليس جزئي، بمعنى أن العقد القديم يجب أن ينتهي بشكل كامل بموجب إعمال العقد الجديد المفضي إلى إنهائه، فإن انصب الإنهاء على جزء فقط من العقد القديم فلا يعد العقد الجديد عقد مفضي إلى إنهاء عقد.
- ألا يكون الغرض الرئيسي من العقد هو إنهاء العقد بشكل مباشر اي بالنص على الإنهاء يشكل واضح وصريح، وإلا أصبحنا أمام عقد مفضي لإنهاء عقد مباشر سواء كان فسخ أو إقالة، بل يلزم أن يكون العقد متضمناً إنشاء عقد جديد ينهي العقد الأصلي بحلوله محله.
ومتى تحققت تلك الشروط في العقد فإنه يعد عندئذ عقد مفضي لإنهاء عقد بصورة غير مباشرة، وهذه العقود دائماً ما تكون عقوداً مركبة لكونها تضم عقدين، بحيث تنهي عقد بموجب عقد جديد لاحق عليه.
ثالثاً: الآثار القانونية المترتبة على العقد المفضي لإنهاء عقد
متى تم إبرام عقد من العقود المفضية لإنهاء عقد فإن ذلك العقد يرتب آثاراً قانونية هامة، وهذه الآثار تظهر في اتجاهين، الاتجاه الأول هو الآثار القانونية التي يرتبها العقد المفضي للإنهاء على العقد المنتهي، والاتجاه الثاني هو الآثار القانونية التي يرتبها العقد المفضي للإنهاء على نفسه.
1- الأثر القانوني للعقد المفضي للإنهاء على العقد المنتهي
تتمثل أهم الآثار القانونية التي يرتبها العقد المفضي للإنهاء على العقد المنتهي في انتهاء العقد الأخير، لاسيما وأن الغرض الأساسي من العقد المفضي لإنهاء العقد هو تحقيق أثر الإنهاء للعقد الأصلي، إلا أن نطاق وحدود هذا الأثر القانوني يختلف باختلاف نوع العقد المفضي للإنهاء، فهذا الأثر في حالة العقد المفضي لإنهاء عقد مباشربختلف عن نظيره في حالة كون العقد المفضي للإنهاء غير مباشر، وسنتناول ذلك تباعاً في النقاط الآتي بيانها.
أ- بالنسبة للعقد المفضي لإنهاء عقد المباشر
تتسم آثار عقد الفسخ بأنها تماثل الآثار التي يرتبها العقد الباطل من حيث رجعية الآثار التي يرتبها، ويقصد بالأثر الرجعي أن عقد الفسخ يعود بالمتعاقدين إلى حالتهما الأولى التي كانا عليها قبل إبرام العقد الذي تم فسخه[4]، فيقوم كل طرف من أطراف العقد برد ما تحصل عليه نتيجة للعقد للطرف الآخر، بالإضافة لى ثمار ما قبضه وفوائده، ولذلك فإن أثر عقد الفسخ كعقد مفضي لإنهاء عقد يشمل باثره المنهي كافة الأطراف في العقد والغير أيضاً، وإن كان رجعة الأثر المنهي لعقد الفسخ تخضع لبعض الحالات الاستثنائية، والتي لا يتم فيها نفاذ الأثر الرجعي للفسخ، وهذه الحالات الاستثنائية يمكن أن نوجزها في النقاط التالية:
- الحالة الأولى هي الحالة التي تكون فيها طبيعة محل العقد – المعقود عليه – لا تسمح بإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد، كما لو كان محل العقد قد استهلك بالاستخدام، أو كان عملاً تم القيام به بالفعل كطبيب قام بتوقيع جانب من الكشف الطبي ثم تم فسخ العقد، وغيرها من حالات يستحيل فيها رد محل العقد، وهذه الحالات يتم الاستعاضة عن رد المعقود عليه وإعمال أثر الفسخ بشكل مطلق بالتعويض.
- الحالة الثانية هي الحالة التي تقوم على مبدأ حسن النية لدى الغير ممن تعامل مع أحد المتعاقدين بناء على العقد الأصلي، فعندئذ لا يشمل عقد الفسخ بأثره الرجعي المنهي للعقد الأصلي تلك التعاملات التي تمت مع الغير حسن النية.
وبالنسبة لعقد الإقالة فإنه يخضع في آثاره على العقد المنتهي ذات الأحكام السابق بيانها والخاصة بعقد الفسخ، لاسيما الأثر الرجعي المنهي وما يقيده من استثناءات.
ب- بالنسبة للعقد المفضي لإنهاء عقد غير المباشر
يعد الأثر الذي يرتبه العقد المفضي لإنهاء عقد الغير مباشر عن نظيره في العقد المباشر، حيث نجد أنه وعلى الرغم أن الأثر المترتب على عقد الإنهاء غير المباشر هو إنهاء عقد، إلا أن ذلك الإنهاء لا يتمتع بالأثر الرجعي الذي تتمتع به الإقالة والفسخ، فتظل جميع الحقوق الثابتة والسابقة على الإنهاء قائمة وصحيحة، ولا يعتد بالإنهاء إلا من تاريخ إبرام العقد المفضي للإنهاء، وتظل الآثار السابقة على إبرامه للعقد المنتهي قائمة ومرتبطة به.
2- الأثر القانوني للعقد المفضي للإنهاء على نفسه
بجانب الآثار القانونية التي يرتبها العقد المفضي للإنهاء على العقد الأصلي الذي ينهيه فإنه يرتب ايضاً آثاراً قانونية على نفسه، وتختلف تلك الآثار باختلاف صورة العقد المفضي للإنهاء وما إذا كان مباشراً أم غير مباشر.
أ- اثر العقد المفضي للإنهاء المباشر على نفسه
كما سبق وأن أوضحنا فإن عقدي الفسخ والإقالة يمثلان النموذج الأبرز للعقود المفضية لإنهاء عقد، وعلى الرغم من وجود فروق واختلافات بين هذين العقدين إلا انهما يتقاربان بشكل كبير من حيث الأسلوب والآلية الخاصة بكل منهما، حيث نجد أن عقد الفسخ ينتهي بمجرد نشأته لكونه نشأ من حيث الأصل لإنهاء العقد الأصلي المبرم بين المتعاقدين، وبالتالي فهو ينتهي بمجرد انتهاء العقد الأصلي باثر مباشر يترتب عليه بمجرد نشأته، فيكون أثره القانوني على نفسه مباشراً وحالاً بحيث ينتهي بمجرد انتهاء العقد الأصلي، وهو الأمر عينه في عقد الإقالة باعتباره ينشأ لإنهاء العقد الأصلي المبرم بين المتعاقدين، ويستنفذ الغرض منه وينتهي بمجرد انتهاء العقد الأصلي، ويكون هو الآخر ذو تأثير مباشر وحال على ذاته.
ب- أثر العقد المفضي للإنهاء غير المباشر على نفسه
يعد الأثر القانوني للعقد المفضي لإنهاء عقد غير المباشر على نفسه على النقيض تماماً من نظيره في العقد المفضي للإنهاء المباشر، فالعقد المنهي غير المباشر ينهي عقداً وهو العقد الأصلي ثم ينشئ عقداً جديداً وهو العقد الذي يتم التحول إليه، وهو ما يجعل الأثر القانوني الذاتي له غير حال بل يلزم بداية أن ينتهي العقد الأصلي لكي يكون للعقد الجديد وجوداً قانونياً، وهذا الوجود القانوني هو أثر العقد غير المباشر على نفسه.
مما يمكننا معه القول أن الأثر القانوني للعقد المفضي لإنهاء عقد غير المباشر على نفسه لا يقع بمجرد إنشائه، لكون العقد الجديد الذي يقرره لا يكون له وجوداً إلا بعد انتهاء العقد الأصلي الذي يتم إنهاؤه.
رابعاً: الخاتمة
لم يجد العقد المفضي لإنهاء عقد الاهتمام التشريعي الكافي على الرغم من أهميته العملية البالغة، لاسيما وأنه ذائع الاستخدام بين الكثير من المتعاقدين الراغبين في إنهاء عقود قائمة فيما بينهم، لذلك فإننا نرى ضرورة ملحة لقيام المشرع الأردني بتنظيم هذا النوع من العقود بأحكام خاصة بها في جانب مستقل بالقانون المدني.
كتابة: أحمد عبد السلام مراجعة وتدقيق الأستاذ: سامي العوض
[1] – عبد الرزاق السنهوري – نظرية الالتزام بوجه عام: مصادر الالتزام – الجزء الأول – مطبعة دار إحياء التراث العربي – لبنان – بدون عام نشر – ص138.
[2] – مصطفى عبد الجواد – مصادر الالتزام: نظرية العقد والإرادة المنفردة – دار الكتب القانونية – مصر – 2005 – ص538.
[3] – منذر الفضل – الوسيط في شرح القانون المدني – الطبعة الأولى – دار أراس – كردستان – 2006 – ص242 وما يليها.
[4] – عبد المجيد الحكيم وآخر – الوجيز في شرح القانون المدني: مصادر الالتزام – بدون دار نشر – بغداد – الجزء الأول – 1990 – ص185.

