الجهل بصفة المبيع وأثره على عقد البيع
من أهم ما قررته الشريعة الإسلامية الغراء في العقود بوجه عام وعقود البيع بوجه خاص هو أن يتم إبرامها في ظل سيادة العدالة والمساواة بين طرفيها، فلا يجبر احدهما على غبرامها، ولا يغبن في حقه المترتب عليها، وبوجه عام يجب أن تسود العدالة والمساواة كافة ما يتم إبرامه من عقود.
ومن أهم أوجه تحقق العدالة والمساواة في عقود البيع أن يكون المشتري على علم بالصفات الخاصة بالمبيع، وأن تكون تلك الصفات متحققة بالفعل فيه دون أي نقض أو اختلاف، لاسيما إذا كانت تلك المواصفات مشترطة من قبل المشتري، وهو ما يثير التساؤل حول مآل عقد البيع متى تخلفت إحدى مواصفات المبيع أو اختلفت عما هو متفق عليه بين البائع والمشتري، أو كان المشتري غير عالماً بأن المبيع ينقصه صفة جوهرية يلزم توافرها فيه، وسوف يكون هذا المقال محلاً لبيان ذلك.
أولاً: المقصود بالجهل بصفة المبيع
ثانياً: صور الجهل بصفة المبيع
ثالثاً: شروط تحقق الجهل بصفة المبيع المؤثر في العقد
رابعاً: الآثار المترتبة على تحقق الجهل بصفة المبيع
خامساً: نماذج من أحكام محكمة التمييز الأردنية ذات العلاقة
سادساً: الخاتمة
أولاً: المقصود بالجهل بصفة المبيع
من أهم الاشتراطات اللازمة لصحة عقد البيع أن يكون كلاً من طرفي العقد على بينة وعلم بالشيء المبيع، وهو ما يتم التعبير عنه في عقود البيع بعبارة “العلم النافي للجهالة شرعاً وقانوناً”، ويلزم لتحقق هذا العلم أن بكون كلاً من طرفي العقد محيطاً بكافة الصفات الخاصة بالشيء المبيع، وحتى يمكننا أن نتناول الفحوى الموضوعي لذلك ينبغي علينا أولاً ان نوضح المقصود بالجهل والصفة في مجال التعاقد، وبيان التمييز بين الجهل والغرر باعتباره من العيوب التي تصيب العقد وتتداخل مع عيب الجهل بصفة المبيع، ويتقارب في مضمونه مع الجهل لدرجة أن البعض يلتبس لديهم الأمر في التفرقة بينهما على الرغم من اختلافهما.
1- التعريف بالجهل
بالبحث في معاجم اللغة عن المقصود بالجهل تبين لنا أن الجهل يمثل المصطلح المضاد للعلم، والتجاهل هو إظهار الجهل، زالاستجهال هو اعتبار الشخص جاهلاً، والجهالة هي أن يقوم الشخص باقتراف فعلاً او تصرف بدون علم، والتجهيل يقصد به نسبته إلى الجهل[1]، والجهل في جوهره هو عدم المعرفة بحقيقة الأمر، حيث يقال تجهل الأمر اي لا تعرف حقيقته.
أما في إطار التعريف الفقهي للجهل فقد اتفق الفقهاء على أن الجهل هو اعتقاد حقيقة الأمر بالمخالفة لما هو عليه، وهي بمثابة أحد العيوب التي تشوب صحة عقود المعاوضاتالمتمثلة في العلم بمحل العقد من حيث الوصف والثمن[2].
2- التعريف بالصفة
تعرف الصفة في اللغة بأنها مستمدة من المصدر “وصف”، ويقال وصف الشيء أي نعته بأمر فيه، ومن قبيل النعوت النوع أو اللون أو الحال أو ميزة من مزاياه.
وفي سياق التعريف الذي وضعه الفقه للصفة نجد أنها عرفت بكونها الأمر الذي يدل على ذات الشيء استناداً إلى المقصود من جوهر حروفه، أي يدل على الذات لصفة فيه كلفظ “أحمر” فإنه بجوهر حروفه يدل على المعنى المقصود منه وهو الحمرة، لاسيما وأن الوصف والصفة مصدران، وقد فرق بينهم المتكلمون بأن الوصف يقوم بالواصف، والصفة تقوم بالموصوف[3].
وهو ما يستدل منه على أن صفة المبيع يقصد بها وصف من الأوصاف الخاصة به كما لو كان المبيع هو وحدة سكنية اتفق الطرفين على أن تكون مكونة من أربع غرف ثم يتبين المشتري أنها ثلاث غرف فقط، أو كان الاتفاق بين المتعاقدين أن تلك الوحدة تقع في طابق معين ثم تبين أنها تقع في طابق مختلف.
3- التمييز بين الجهل والغرر
يعد الغرر من العيوب التي تصيب عقود البيع في صحتها مثله في ذلك مثل الجهل، ولعل ذلك هو ما يزيد من إمكانية الخلط بينهما لكونهما يتشابهان في العديد من الأمور، والمقصود بالغرر في البيع هو البيع الذي يشتمل على جهالة في الثمن أو المبيع أو الأجل أو إمكانية التسليم[4].
وقد تعرض المشرع الأردني لتعريف الغرر – التغرير – في القانون المدني رقم 43 لسنة 1976 بالمادة رقم (143) منه والتي نصت على أن (التغرير هو أن يخدع أحد العاقدين الآخر بوسائل احتيالية أو قولية أو فعلية تحمله على الرضا بما لم يكن ليرضى به بغيرها)، واعتد أيضاً بالتغرير بالسكون كما جاء بنص المادة رقم (133) من ذات القانون والتي نصت على أن (يعتبر السكون عمداً عن واقعة أو ملابسة تغريراً إذا ثبت أن المغرور ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة).
ومن خلال نص هاتين المادتين يتبين لنا الاختلاف الجوهري والحيوي بين الجهل والغرر أو التغرير، ويتمثل هذا الاختلاف في مدى توافر القصد والتعمد في انتفاء الصفة الخاصة بالمبيع واختفائها، حيث أنه لو كانت الصفة المنتفية في المبيع قد انتفت بدون اتجاه قصد ونية من البائع لإخفائها فعندئذ نكون بصدد جهل، أما إذا كانت نية البائع وقصده قد اتجها إلى إخفاء تلك الصفة كما لو كانت عيباً أو إظهار صفة مطلوبة على أنها متوافرة في المبيع خلافاً للحقيقة فإننا عندئذ نكون بصدد غرر أو تغرير.
ثانياً: صور الجهل بصفة المبيع
الأصل في البيوع – فقهاً وقانوناً – أن المبيع يكون محدداً ومعلوماً لدى طرفي البيع، وهذا التحديد والعلم يكونان بصورة قطعية لمنع وجود أي خلافات مستقبلية يمكن أن تنشأ بينهما في هذا الشأن، ولكي يتحقق هذا فإن له أكثر من وسيلة، فيمكن أن يتم العلم بالمبيع عن طريق النظر برؤية المبيع، وقد يتحقق عن طريق الوصف، وغيرها من الوسائل الأخرى التي يمكن أن يتحقق بها العلم بالمبيع.
وهناك أكثر من صورة قد يتحقق فيها الجهل بصفة المبيع، وسوف نتناول في هذا القسم من المقال هذه الصور، موضحين آراء الفقه في مدة صحة عقد البيع المبرم في كل صورة منها على حدة.
1– الجهل بصفة المبيع بسبب غياب المبيع عند إبرام العقد
في تلك الصورة من صور الجهل بصفة المبيع يتحقق الجهل نتيجة لعدم وجود الشيء المبيع بمجلس العقد، فيتم إبرام العقد في ظل عدم وجود المبيع، وفي هذه الصورة توجد ثلاثة افتراضات مختلفة نوضحها في النقاط الآتي بيانها.
أ- ألا يكون المشتري قد سبق له رؤية المبيع
تتمثل تلك الحالة في أن يكون عقد البيع قد تم إبرامه في غيبة المبيع، وذلك دون أن يكون المشتري قد سبق له رؤية المبيع من قبل، وهذه الحالة انقسم حولها الفقه إلى ثلاث آراء:
- الرأي الأول: اتجه أنصار الرأي الأول إلى صحة عقد البيع حتى وإن كان لم يسبق للمشتري رؤية المبيع، وذلك شريطة أن يكون البائع قد ذكر له بشكل محدد جنس المبيع ونوعه، ويكون للمشتري الخيار سواء كان قد تم اشتراطه في العقد أم لا، فالعقد يعد صحيحاً على الرغم من الجهالة بصفة المعقود.
وقد وجهت أوجه النقد لهذا الرأي استناداً إلى أن العلم بجنس المبيع ونوعه لا يعد علماً كافياً لزوال الجهالة، فيظل الغرر قائماً بانعقاد العقد دون رؤية المعقود عليه.
- الرأي الثاني: اتجه هذا الرأي إلى القول بأن البيع المنصب على مبيع غائب دون رؤيته أو وصفه يعد ضرباً من ضروب الغرر التي لا يصح معها العقد بشكل مطلق.
وقد وجه النقد لهذا الرأي باعتبار أن الوصف يقوم مقام الرؤية، ووصف المبيع يتحقق به العلم كما يتحقق عن طريق المعاينة بالرؤية، ويزيل كلاص منهما أي جهالة بالمبيع طالما كان الوصف محدداً.
- الرأي الثالث: وقد اتجه جانب آخر من الفقه إلى القول بأن البيع المبرم على مبيع غائب عند التعاقد ولم يسبق له رؤيته أو معاينته يعد بيعاً صحيحاً متى كان البائع قد ذكر للمشتري من صفات المبيع القدر الكافي لبيع السلم، ويقصد ببيع السلم البيع الذي يتم على مال مبيع مؤجل التسليم ولكن يتم سداد الثمن بشكل معجل.
ويعد الوصف الكافي لبيع السلم متمثلاً فيما ورد بنص المادة رقم (533/1 و2) من القانون المدني الأردني من أن (يشنرط لصحة بيع السلم: 1- أن يكون المبيع من الأموال التي يمكن تعيينها بالوصف والمقدار ويتوافر وجودها عادة وقت التسليم. 2- أن يتضمن العقد بيان جنس المبيع ونوعه وصفته ومقداره وزمن إيفائه)، فيكون وصف المبيع كافياً وفقاً لهذا الرأي لصحة بيع المبيع الغائب وقت التعاقد متى كان المبيع من الأموال التي يمكن أن يتم تعيينها عن طريق الوصف والمقدار كما هو الحال في الفاكهة والثمار التي يمكن وصف جودتها وكميتها، وأن يشتمل عقد البيع على بيان محدد بجنس المبيع ونوعه وصفته ومقداره والزمن المحدد لتسليمه، فإذا توافرت تلك المواصفات في المبيع عند استلامه فإن العقد يصبح ملزماً ولا يجوز للمشتري التمسك بخيار الفسخن أما إذا لم تتوافر بالمبيع ما ذكر عنه من مواصفات فإن المشتري يكون له الخيار بين قبول المبيع على حالته أو التمسك بالفسخ.
ويعد هذا الرأي هو الرأي الراجع في شأن بيع المبيع الموصوف الغائب وقت التعاقد، لاسيما وأن المشرع الأردني قد أتاح للمشتري في حالة كون البيع قد تم على مبيع غائب وقت التعاقد وكان معيناً بالوصف، حيث نص في المادة رقم (184) من القانون المدني على أن (يثبت خيار الرؤية في العقود التي تحتمل الفسخ لمن صدر له التصرف ولو لم يشترطه إذا لم ير المعقود عليه عند التعاقد وكان معيناً بالتعيين)، وهو ما يستدل منه على تمام بيع المبيع الغائب والموصوف صحيحاً مع ثبوت خيار الرؤية للمشتري، وهذا هو فحوى الرأي الفقهي الثالث سالف البيان.
ب- ان يكون المشتري قد سبق له رؤية المبيع
تتمثل تلك الحالة في أن يكون عقد البيع قد تم إبرامه في غيبة المبيع، ولكن يكون المشتري قد سبق له رؤية المبيع من قبل، وهذه الحالة انقسم حولها الفقه إلى رأيين:
- الرأي الأول: اتجه اصحاب هذا الرأي إلى عدم جواز بيع المبيع إلا برؤيته في مجلس العقد، واستندوا في ذلك إلى أن الرؤية التي يعتد بها كشرط للعقد هي رؤية المبيع حال التعاقد، ولا يكفي في ذلك رؤية المشتري للمبيع قبل التعاقد بمدة زمنية، وضربوا مثالاً على ذلك بالشهادة في الزواج حيث يجب أن يكون الشاهد حاضراً بمجلس العقد.
وقد انتقد هذا الرأي لكونه يستند إلى قياس غير صحيح، حيث أن الشهادة في الزواج تتم بغرض الاحتياط، بينما رؤية المبيع في عقد البيع تتم بغرض نفي الجهالة والعلم بالمبيع، وهذا العلم يتحقق بالرؤية السابقة على العقد وتنتفي به تلك الجهالة، لاسيما إذا لم تتغير أوصاف المبيع وحالته حتى إبرام التعاقد.
- الرأي الثاني: أما أنصار الرأي الثاني فقد اعتبروا أن هذا البيع يتم صحيحاً استناداً إلى أن المشتري قد سبق له رؤية ومعاينة المبيع، ولكنهم اشترطوا أن يكون الفارق الزمني بين رؤية المشتري للمبيع وبين إبرام العقد هو فارق زمني وجيز وقصير، بحيث لا يكون هناك فسحة من الوقت يمكن خلالها أن تتغير حالة المبيع وصفاته، ويختلف تحديد تلك الفترة من مبيع إلى آخر تبعاً لطبيعته وإمكانية تغير صفاته.
ويعد هذا الرأي هو الرأي الراجح في هذا الشأن، لاسيما وأن رؤية الشيء المبيع لا يستدعي الأمر تمامها حال إبرام العقد في بعض البيوع كما هو الحال في العقارات والسيارات باعتبارها ذات طبيعة ثابتة لا تتغير، بينما تراعى الفترة الزمنية بين الرؤية والتعاقد في بعض البيوع كما هو الحال في بيع المزروعات والأطعمة التي قد تتأثر بمرور الوقت.
2- الجهل بصفة المبيع بسبب وجوده تحت الأرض
يقصد بوجود المبيع تحت الأرض أن يكون المبيع من المزروعات والمحاصيل التي لا تكون ثمارها على أشجار بل تكون من المزروعات التي تنمو ثمارها تحت الأرض، كما هو الحال في نباتات البطاطا والبصل والجزر وغيرها من النباتات الأخرى المشابهة، وفي حالة بيع تلك المحاصيل قبل جنيها يكون من الصعب معاينتها ورؤيتها لوجودها تحت الأرض، وقد انقسم الفقه حول جواز بيع تلك المحاصيل إلى ثلاث آراء نوجزها فيما يلي.
- الرأي الأول: اتجه هذا الرأي إلى القول بجواز بيع تلك المحاصيل شريطة أن يكون في مقدور المشتري أن يعلم بها علماً نافياً للجهالة بحيث ينتفي معه الغرر، وهو ما لا يتحقق إلا باقتلاع بعض منه ليتمكن المشتري من رؤيته ومعاينته.
ويؤخذ على ذلك الرأي أنه يشكل ضرراً لمصلحة البائع، لاسيما وأنه يشترط اقتلاع بعض المحصول المبيع لمعاينته، وهو ما يترتب عليه تلف ما يتم اقتلاعه، علاوة على أنه لو لم يتم إبرام البيع سيكون هذا الضرر أشد جسامة على البائع.
- الرأي الثاني: أما الراي الثاني فقال بأن بيع ما تحت الأرض من محاصيل لا يجوز إلا بعد أن يتم حصده واقتلاعه بأكمله ومعاينة المشتري له، لاسيما وأن النبات تحت الأرض يعد من قبيل المجهول الذي لا يجوز التعاقد عليه.
ويؤخذ على هذا الرأي نفس ما تم توجيهه للرأي الأول من مآخذ، فهو رأي يقوم على ضرورة اقتلاع المبيع من تحت الأرض لمعاينته حيث قد يتم البيع أو لا يتم، وهو ما يمثل ذات الضرر على البائع.
- الرأي الثالث: أما ثالث الآراء الفقهية التي قيلت في هذا النوع من البيع فقد أجاز بيع المبيع الموجود تحت الأرض إجازة مطلقة، ولكنه أقر للمشتري بخيار الرؤية عند حصد المحصول واقتلاعه من الأرض، بحيث يصبح العقد لازماً متى كان المحصول سليماً مطابقاً للوصف والتعيين المتفق عليه في العقد.
ويعد هذا الرأي هو الرأي الراجح بين الآراء التي قيلت في هذا الشأن، لاسيما وأن أصحاب الخبرة يحددون صلاحية الباطن على أساس صلاحية الظاهر، ولا يوجد به أي ضرر على أياً من طرفي العقد، فالبائع لن يقوم باقتلاع اياً من المحصول إلا في وقت حصاده الطبيعي فلن يصيبه ثمة ضرر سواء تم البيع أم لم يتم، والمشتري يثبت له خيار الرؤية ولا يكون العقد لازماً في حقه إلا بعد أن يتبين تطابق المحصول مع وصفه وتعيينه المحدد بالعقد.
3- الجهل بصفة المبيع بسبب تغليفه
يقصد بالمبيع المغلف هنا الاشياء التي تكون مغلفة بقشورها كالقمح في سنابله والبيض، أو الأدوية الموجودة داخل أغلفتها، والأطعمة المحفوظة التي تكون في عبوات مغلقة، وسائر الأشياء المبيعة التي لا يمكن معاينتها ورؤيتها عند التعاقد عليه، وقد انقسم الفقه حول صحة بيع هذا النوع من المبيع إلى رأيين.
- الرأي الأول: يتجه هذا الرأي إلى لبقول بعدم جواز هذا البيع، واستندوا في ذلك إلى أن العلم لا يتحقق بالمبيع في تلك الحالة لكونه غير ظاهر، بما يضعه في مقام المبيع المجهول الذي لا تنتفي الجهالة عند التعاقد عليه، وهو ما يجعل بيعه بمثابة بيع غير صحيح.
وقد انتقد هذا الرأي لكونه غذا ما وجد به غرر سيكون بقدر يسير يمكن تجاوزه، وذلك مقارنة بما يمكن أن يصيب البائع إذا ما تم معاينة جوهر المبيع بأكمله، كما أن المبيع هنا متى تم نزع غلافه عنه سيفسد وسيكون ضرراً جسيماً للبائع متى لم يتم إبرام البيع.
- الرأي الثاني: ذهب أنصار هذا الرأي إلى إجازة بيع المبيع المغلف، واستندوا في ذلك إلى أن الشارع لم يمنع مثل هذا البيع لاسيما وأن طبيعة المبيع تحتم أن يتم التعامل عليه على حالته (مغلف)، خاصة وأن هذا النوع من المبيع يحقق للناس حاجاتهم فلا يجوز منعهم من التعامل عليه من أجل قدر يسير من الغرر، ويعد هذا الرأي هو الرأي الراجح لقوة وسلامة ما استند إليه من أسانيد.
ثالثاً: شروط تحقق الجهل بصفة المبيع المؤثر في العقد
حتى يمكننا القول بتحقق الجهالة بصفة المبيع التي تؤثر على صحة العقد فيجب أن تتوافر مجموعة من الشروط، وتتمثل هذه الشروط في:
- أن يكون العقد الحاصل فيه الجهالة بصفة المعقود عليه هو عقد من عقود المعاوضات المالية، كعقد البيع أو الإيجار أو غيرها، حيث أن عقود التبرع لا تتأثر بصفة المبيعه.
- ان يكون الجهل بصفة المبيع له تأثيراً جوهرياً على البيع بصورة تحول دون إتمام البيع، فإذا كان الجهل بصفة المبيع بقدر يسير فلا يعد جهلاً بصفة المبيع المؤثر في العقد.
- أن يكون الجهل منصباً على المبيع أصالة، كما هو الحال في بيع الثمار قبل أن تثمر أشجارها ويظهر الثمر، فالمبيع هنا (الثمر) يكون مجهلاً بصورة تفسد العقد.
رابعاً: الآثار المترتبة على تحقق الجهل بصفة المبيع
تختلف الآثار المترتبة على الجهل بصفة المبيع باختلاف قدرة المشتري على معاينة المبيع، وسنوجز تلك الحالات وأثر كل منها على العقد في النقاط الآتي بيانها.
1– اثر الجهل بصفة المبيع الحاضر عند التعاقد
تتمثل تلك الحالة في وجود المبيع في مجلس العقد ويتمكن المشتري من رؤيته رأي العين، ففي تلك الحالة يكون العقد المبرم صحيحاً ولازماً لكون المبيع موجوداً أمام المشتري عند التعاقد، وبالتالي فإن معاينته بالرؤية تجعل المشتري قادراً على تبين مدى توافر الوصف المتفق عليه في المبيع متوافراً من عدمه، لاسيما وأن القاعدة الفقهية المستقرة تنص على أن (الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر)[5].
وقد يكون المبيع حاضراً بمجلس العقد ولكن صفة المبيع لا يمكن التثبت من تحققها بالرؤية بل يلزم تجربتها، كما هو الحال في أن يكون المبيع سيارة تستخدم في السباقات ووصفها أنها سريعة، ثم تبين للمشتري بعد إتمام البيع عدم توافر تلك الصفة في المبيع، فإن عدم توافر الصفة في المبيع يكون لها تأثيراً قانونياً يجعل من العقد غير لازماً للمشتري، ويكون له خيار فسخ العقد.
كما قد يكون المبيع أيضاً حاضراً بمجلس العقد ولكنه يكون موصوفاً وليس مرئياً بحيث تصعب معاينته، كالأدوية والأطعمة المحفوظة والمعلبة والقمح في سنابله وغيرها من طائفة المبيع الموصوف، فإن البيع الذي يبرم عندئذ يكون صحيحاً ولازماً، ويثبت للمشتري خيار الرؤية، فإذا ما ثبت له بعد ذلك أن الصفة المتفق عليها غير متحققة في هذا المبيع، فيكون العقد عندئذ غير لازماً في حق المشتري، وله التمسك بخيار الرؤية والمطالبة بفسخ العقد.
2- اثر الجهل بصفة المبيع الغائب عند التعاقد
قد يكون المبيع غير موجود بمجلس العقد عند إبرامه، حيث يكون المبيع قد تم التعاقد عليه بالوصف الذي يدل عليه، أو أنه يكون التعاقد عليه قد تم بدون وصف، ولكل من هاتين الحالتين اثراً قانونياً خاصاً بها.
ففي حالة أن يكون المبيع غير حاضر في مجلس العقد ولكن تم التعاقد عليه بوصفه فإنه يعد بيعاً صحيحاً ولازماً، ولكن يثبت للمشتري خيار الرؤية بحيث يحق له رد المبيع متى عاينه ولم يجد به الوصف المتفق عليه، أو أن يطلب استبداله بآخر يتوافق مع الوصف المتفق عليه، وله أن يجيز البيع ويرتضي بالمبيع على حالته، وعندئذ يسقط حقه في الخيار ويلزمه العقد.
أما في حالة أن يكون المبيع غير حاضر في مجلس العقد وغير محدد بالوصف فإنن العقد ينعقد ويرتب كافة آثاره في حق طرفيه، ويثبت للمشتري خيار الرؤية بحيث يحق له إجازة البيع على حالة المبيع أو رده.
خامساً: نماذج من أحكام محكمة التمييز الأردنية ذات العلاقة
- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 6633 لسنة 2022 والصادر بجلسة 9/3/2023 والمتضمن أنه (أما القانون فقد جعل ضمان العيب شاملاً بالإضافة إلى هذا المفهوم حالة خلو المبيع من الصفات المشروطة في العقد ويتبين من ذلك أن المفهوم القانوني للعيب يشمل المفهومين معاً تبعاً لاتحادهما في الحكم، وإذا كان يقع على عاتق المشتري فحص المبيع ومعاينته وكشف العيب فيه خلال مدة وجيزة من تسلمه المبيع فعلاً فإن ذلك قد لا يحتاج له خلال هذه المدة فإذا اكتشف هذا الأمر بعد فترة طويلة وطلب البائع بالضمان فإن مطالبته هددت استقرار المعاملات من ناحية وعرضت حقوق أصحاب العلاقة إلى منازعات طويلة لا تتفق مع ما تقتضيه التجارة من سرعة بالإضافة إلى زعزعة الثقة العامة في العقود من ناحية أخرى لذلك أوجب المشرع على المشتري الادعاء بالضمان خلال مدة ستة أشهر من تسليمه المبيع تحت طائلة سقوط حقه).
-
حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 8136 لسنة 2018 والصادر بجلسة 11/3/2019 والمتضمن أنه (مخالفة المبيع للنموذج تمنح المشتري الحق في استعمال (خيار العيب) واستعمال الدعوى التي يستعملها صاحب خيار العيب وهي دعوى لا تسمع حسب أحكام المادة (521) من القانون المدني بعد انقضاء ستة أشهر على تسلم المبيع ما لم يلتزم البائع لمدة أطول وقد قصد المشرع من عدم سماع الدعوى بعد هذه المدة القصيرة تحقيق استقرار التعامل كي لا يكون البائع مهدداً برفض المشتري للمبيع أو مطالبته بالضمان أمداً طويلاً وإن هذه المدة كافية كي يتمكن المشتري خلالها من تفحص المبيع ليتبين ما إذا كان فيه عيب يخرجه عن المواصفات المتفق عليها في عقد البيع)
سادساً: الخاتمة
على الرغم من أهمية موضوع الجهل بصفة المبيع وآثاره على العقد إلا أنه لم ينل قسطاً وفيراً من اهتمام فقهاء القانون من حيث كم الدراسات والمؤلفات والشروحات التي وضعت من أجل تناوله، لذلك كان مقالنا هذا بمثابة خطوة من جانبنا في طريق إثراء المكتبة القانونية في هذا الموضوع، ونناشد فقهاء القانون بضرورة السير في هذا الطريق والاهتمام بوضع المؤلفات التي تتناول ذلك الموضوع بشيء من التفصيل والتعمق.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – محمد بن مكرم بن منظور – معجم لسان العرب – الطبعة الأولى – دار إحياء التراث العربي – لبنان – بدون عام نشر – ج2 – ص402.
[2] – زين الدين بن إبراهيم – الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان – تحقيق محمد الحافظ – الطبعة الأولى – دار الفكر – سوريا – 1983 – ص361.
[3] – عبد الرؤوف بن المناوي – التوقيف على مهمات التعاريف – الطبعة الأولى – عالم الكتب – مصر – 1990 – ص 338.
[4] – محمد قلعجي – معجم لغة الفقهاء – الطبعة الثانية – دار النفائس – لبنان – 1988 – ص330.
[5] – محمد عميم البركتي – قواعد الفقه – الطبعة الأولى – الصدف ببلشرز – باكستان – 1986 – الجزء الأول – ص27.

