التزامات الوكيل في التشريع الأردني
نظرا للأهمية الشديدة لعقد الوكالة وما يترتب على إبرامه من أثار قانونية هامة أحاط المشرع الأردني هذا العقد بالعديد من الضوابط والتي يقع في مقدمتها الالتزامات التي تقع على الوكيل كونها تضمن للموكل تنفيذ عقد الوكالة بالشكل الذي يحقق مصلحته ويجعل الوكيل في مرمى المسئولية المدنية اذا لم يلتزم بالوفاء بالالتزامات التي تقع على عاتقه.
وفي خلال هذا المقال سوف نتناول التزامات الوكيل في التشريع الأردني على التفصيل الآتي :
أولا: مفهوم عقد الوكالة وتعريف أطرافه
ثانيا: الالتزامات التي تقع على الوكيل في عقد الوكالة
ثالثا: الالتزامات التي تقع على الوكيل بالشراء أو بالبيع
رابعا: بعض الاجتهادات القضائية المتعلقة بالتزامات الوكيل في التشريع الأردني
أولا: مفهوم عقد الوكالة وتعريف أطرافه
تعرف الوكالة بأنها ما يصدر من صاحب الأمر من تفويض لغيره لأداء هذا امر نيابة عنه بغض النظر عن مدى قدرة صاحب الأمر في أدائه بنفسه من عدمه. [1]
كما عرف المشرع الأردني عقد الوكالة في المادة ( 833 ) من القانون المدني بانه : ( عقد يقيم الموكل بمقتضاه شخصا آخر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم ).
وبالتالي فيمكننا القول أن عقد الوكالة هو عقد بمقتضاه يتفق طرفاه على أن يتولى الوكيل أداء عمل معين نيابة عن الموكل في حدود الوكالة سواء تم الاتفاق على أجر أو لا .
- و لعقد الوكالة أطراف ثلاثة هم :
1- الموكل: وهو الشخص الذي ينيب غيره في أداء عمل ما أو تصرف قانوني معين نيابة عنه تحقيقا لمصلحة قانونية معينة لصالحه، ويجب أن يكون الموكل ممن يتمتع بالأهلية القانونية اللازمة لأداء التصرفات القانونية وتحمل الواجبات.
2- الوكيل : وهو الشخص الذي يلتزم بموجب عقد الوكالة بأداء العمل الموكل إليه بالشكل المتفق عليه لصالح الوكيل، وباسمه لا باسم الموكل، ويجوز للوكيل قبول الوكالة أو رفضها كما يجوز له اشتراط الأجر نظير أداء الوكالة.
3- محل الوكالة: وهو التصرف أو العمل القانوني الذي يكون موضوع عقد الوكالة، ويهدف العقد إلى تحقيقه بواسطة الوكيل، ويجب أن يكون التصرف القانوني محل الوكالة مما يجوز التعامل فيه شرعا وألا يكون مخالفا للنظام العام، كما يجب أن يكون موجودا أو من الممكن وجوده مستقبلا وعموما يجب أن يتوفر في المحل في عقد الوكالة ما يجب توافره في المحل في جميع العقود.
- و ترتيبا على ذلك فيضحى عقد الوكالة عقد رضائي كما قد يكون لزم للجانبين خاصة إذا كان في مقابل أجر إذ يكون على الوكيل تنفيذ العمل الموكل إليه ويكون على الموكل دفع الأجر نظير قيام الوكيل بأداء الوكالة.
ثانيا: الالتزامات التي تقع على الوكيل في عقد الوكالة
كما ذكرنا فإن عقد الوكالة يُرتب التزامات متقابلة على طرفيه ونحن هنا بصدد الحديث عن الالتزامات التي تقع على الوكيل باعتبارها الأكثر تأثيرا على عقد الوكالة، خاصة مع تعدد هذه الالتزامات والتي جميعها يهدف إلى ضمان تنفيذ الوكيل للأعمال الموكلة إليه بشكل يتفق مع ما اتجهت إليه إرادة الموكل وما يقتضيه الحال.
و من أهم الالتزامات التي تقع على الوكيل الالتزامات الآتية :
أولا: التزام الوكيل بأداء الأعمال المكلف بها على وجه الدقة
لما كانت الوكالة من العقود التي تقوم على الاعتبار الشخصي القائم في الوكيل، والذي على أساسه اختاره الموكل لأداء العمل محل الوكالة، فإن مقتضى ذلك أن يكون الوكيل على درجة من الدقة والكفاءة اللازمة لتنفيذ العمل محل الوكالة بشكل يحقق ما يرتجيه الموكل من هذا العقد، وبالتالي فيصبح التزام الوكيل بأداء العمل على الدقة المطلوبة والمشروطة التزام أساسي في عقد الوكالة لا يجوز بحال التغاضي عنه ويسال عنه الوكيل.
وللوقوف على مدى التزام الوكيل بتحقيق ذلك يجب أن يعمل الوكيل في أداء هذا العمل وفقا للشروط والمتطلبات والإرشادات التي يطلبها الموكل، بحيث إذا قام بأداء العمل وفقا لهذه الشروط وهذه المتطلبات ثبت أدائه للعمل بشكل دقيق حتى لو لم يحقق النتيجة المرجوة، إلا انه في جميع الحالات يجب أن يلتزم الوكيل أثناء أدائه للوكالة بالحدود التي وضعها الموكل له، بحيث لا يجوز مجاوزتها والتصرف بتصرفات قانونية غير متفق عليها أو لا يجيزها عقد الوكالة إلا بإذن الموكل، ومع ذلك إذا كانت الأعمال التي يقوم بها الموكل تحقق مصلحة الوكيل فتبقى جائزة ومنتجة لآثارها في مواجهة الموكل حتى لو ثبت تجاوز الوكيل حدود وكالته ما دامت تؤدي إلى الى تحقيق نفع أكبر لمصلحة الوكيل، ويرجع ذلك من حيث الأصل أن الموكل إنما قصد بإبرام عقد الوكالة تحقيق اقصى حد لمنفعته الشخصية بواسطة الوكيل وهو ما قام به الوكيل من خلال تغليب مصلحة موكله على حدود وكالته، وقد نصت المادة ( 840 ) من القانون المدني الأردني على : ( تثبت للوكيل بمقتضى عقد الوكالة ولاية التصرف فيما يتناوله التوكيل دون أن يتجاوز حدوده إلا فيما هو اكثر نفعا للموكل ).
ثانيا: التزام الوكيل ببذل العناية اللازمة في أداء الوكالة
في حالات كثيرة يلجأ الموكل إلى توكيل غيره في أداء عمله كونه لا يتقن أداء هذا العمل أو لا يعرف كيفية أدائه، وبالتالي فلا يضع شروط ومتطلبات أو إرشادات معينة لأداء العمل، ويتوقف الأمر عند رغبته في تحقيق نتيجة معينة بواسطة عمل الوكيل، وهو الأمر الذي يحدث كثيرا خاصة في مجال الوكالة القضائية مثلا فالموكل يلجأ إلى أحد المحامين بغية الدفاع عنه أو المطالبة بحق من حقوقه القانونية، دون أن يوجه وكيله إلى الطريق الذي يجب عليه سلوكه لتحقيق النتيجة، وفي هذه الحالة يكون الوكيل ملتزما بأداء العمل الموكل إليه بالقدر الذي يشير إلى بذله العناية اللازمة لتحقيقه، إلا أن هذه العناية تختلف باختلاف نوع الوكالة على النحو الآتي :
1– إذا كانت الوكالة بلا اجر : رأى المشرع أن الاتفاق في عقد الوكالة على كونه بلا اجر يستوجب تخفيف التزامات الوكيل، ويظهر ذلك بشكل واضح من خلال تقرير المشرع الأردني التزام الوكيل بلا اجر أن يبذل العناية التي يبذلها في أداء أعماله الخاصة، فقصر المشرع التزامه بالعناية بالقدر الذي يبذله الوكيل فيما يخصه من أعمال مماثلة للأعمال الموكل فيها، وبالتالي فيكون المعيار المعتمد عليه فيما إذا كان الوكيل بذل العناية اللازمة من عدمه هو معيار شخصي أساسه ما يؤديه الوكيل في شئونه الخاصة، بحيث إذا كانت عنايته في ماله ـقل من عناية الرجل المعتاد فلا يسال عن تقصيره في أعمال الوكالة بلا اجر، [2] ومن الأمثلة التي ساقها الفقه القانوني على هذه الحالة، حالة إذا أوكل الشخص غيره في عمل ما ثم فشل في أدائه وكان فشله راجعا إلى تهاونه وسوء تصرفه المعروف عنه كأن يضيع الوكيل على موكله صفقة مربحة، إلا أن ذلك راجعا إلى طبيعة تصرفات الوكيل المستهترة والتي قد تحدث حتى في ماله وأعماله فلا يسال عن هذه الخسارة أو عن فوات الربح ما دامت الوكالة بدون أجر. [3]
2- إذا كانت الوكالة في مقابل اجر: وفي هذه الحالة رأى المشرع أن اتفاق الموكل مع الوكيل على أن يعطيه اجر في مقابل أدائه أعمال الوكالة يستلزم تباعا لذلك التشديد في العناية التي يجب أن يكون عليها الوكيل في أداء الوكالة بأجر، فبينما اكتفى المشرع بتقرير التزام الوكيل ببذل العناية التي يبذلها في شئونه الخاصة إذا كانت الوكالة بلا اجر، فإنه قرر وجوب التزام الوكيل ببذل عناية الرجل المعتاد أي أن يلتزم الوكيل بأداء العمل بالدقة والجدية التي إذا أوكل العمل لغيره من أقرانه ممن يعملون في ذات التخصص و يتمتعون بنفس الخبرة، فإذا قصر المدين عن أداء التزامه بالقدر الذي ينبئ عن عدم بذله عناية الرجل المعتاد ترتبت في مواجهته المسئولية المدنية، وعلى النقيض إذا بذل الوكيل بالأجرة عناية الرجل المعتاد ولم تتحقق النتيجة التي يهدف إليها الموكل فلا مجال لمسائلة الوكيل مدنيا، وبالتالي فتحديد العناية اللازمة في الوكالة باجر يخضع إلى معيار موضوعي قوامه عمل الرجل المعتاد وليس عمل الشخص في شؤونه الخاصة، ولا يجوز للوكيل في هذه الحالة دفع المسؤولية المدنية عنه بقالة أن ما بذله من عناية يعادل ما يبذله في ماله الخاص، إذ أن المشرع اشترط في الوكالة بأجر أن يبذل الوكيل عناية الشخص المعتاد، حيث راعى المشرع في هذه الحالة حصول الوكيل على اجر يستلزم زيادة حرصه ودأبه على إنهاء العمل الموكل فيه بشكل دقيق.
وتطبيقا لذلك فإذا كان الوكيل قد التزم بشراء سيارة أو آلة معينة لصالح الموكل ثم تبين بعد الشراء وجود عيوب بها لا يخفى على الرجل المعتاد فإنه يلتزم أمام الموكل بضمان هذا العيب، ولا يجوز له دفع المسئولية المدنية عنه بقالة أنه بذل العناية التي يبذلها في شئونه الخاصة إذ أن تقرير اجر في الوكالة يستلزم زيادة حرص الوكيل على الوفاء بأعمال الوكالة بشكل اكثر دقة عن الوكالة بغير بأجر، لذا فرق المشرع بين الوكالة باجر و الوكالة بغير أجر و اشترط على الوكيل بذل عناية الرجل المعتاد في الأولى بخلاف الوكالة الثانية، وفي ذلك فقد نصت المادة ( 841 ) من القانون المدني الأردني على : ( 1. على الوكيل أن يبذل في تنفيذ ما وكل به العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة إذا كانت الوكالة بلا اجر .
- وعليه أن يبذل في العناية بها عناية الرجل المعتاد إذا كانت باجر ).
ثالثا: التزام الوكيل بالمحافظة على أموال موكله
إذا كانت الوكالة تقوم على الاعتبار الشخصي في الوكيل ما يجعل الموكل يمنحه الثقة اللازمة لأداء أعمال الوكالة فإن ذلك يقابله التزام الوكيل بالحفاظ على أموال الموكل وعدم التعدي عليها، ويظهر ذلك صراحة من خلال ما قرره المشرع الأردني من اعتبار أموال الموكل وديعة لدى الوكيل وبالتالي فيديه عليها يد مستأمن لا يجوز له بحال إتلافها أو التصرف فيها بدون إذنه، ورغم ذلك فقد رأى المشرع ضرورة التفرقة بين حكم هلاك أموال الموكل تحت يد الوكيل وبفعله وبين هلاكها بسبب قوة قاهرة لا يد للوكيل فيها، بحيث إذا كان هلاكها راجعا إلى تعدي من الوكيل عليها لزمه التعويض أما إذا كان راجعا لأسباب لا يد له فيها فتنتفي مسئوليته المدنية عن هذا الهلاك، وهو ما قررته المادة ( 846 ) من القانون المدني بقولها : ( يعتبر المال الذي قبضه الوكيل لحساب موكله في حكم الوديعة فاذا هلك في يده بغير تعد أو تقصير فلا ضمان عليه ).
- ولما كان المشرع قد اعتبر أموال الموكل في حكم الوديعة لدى الوكيل وما يترتب على ذلك من إجراء أحكام الوديعة على أموال الموكل تحت يد الوكيل فسوف نتعرض للنصوص القانونية التي تناولت التزامات المودع لديه الوديعة وتطبيق أحكامها على الوكيل، حيث نصت المادة ( 873 ) من القانون المدني على : ( يجب على المودع لديه أن يعنى بحفظ الوديعة عناية الشخص العادي بحفظ ماله وعليه أن يضعها في حرز مثلها .
- وله أن يحفظها بنفسه أو بمن يأتمنه على حفظ ماله ممن يعولهم ).
كما نصت المادة (875 ) من ذات القانون على : ( لا يجوز لمودع لديه أن يستعمل الوديعة أو يرتب عليها حقا للغير بغير إذن المودع فان فعل فتلفت أو نقصت قيمتها كان ضامنا ) .
ثم لحقتها المادة (876) بقولها : ( 1. على المودع لديه رد الوديعة وتسليمها إلى المودع في مكان إيداعها عند طلبها إلا إذا تضمن العقد شرطا فيه مصلحة للعاقدين أو لاحدهما فانه يجب مراعاة الشرط .
- فاذا هلكت الوديعة أو نقصت قيمتها بغير تعد أو تقصير من المودع لديه وجب عليه أن يؤدي إلى المودع ما حصل عليه من ضمان وان يحيل إليه ما عسى أن يكون له من حقوق قبل الغير بسبب ذلك ) .
رابعا: التزام الوكيل بأن يقدم لموكله جميع المعلومات الهامة الخاصة بالوكالة وان يقدم كشف حساب عنها
حتى يتمكن الموكل من متابعة تنفيذ وأداء الوكيل لأعمال الوكالة والتأكد من التزام الوكيل بأدائه بالشكل المتفق عليه فيجب على الوكيل أن يوافي موكله بجميع المعلومات الضرورية التي تمكنه من رقابة عمل الوكيل، سواء كان ذلك بناء على طلب الموكل أو من خلال فعل الوكيل نفسه، [4] وهذا الالتزام قد تناوله المشرع الأردني في المادة ( 856 ) من القانون المدني بنصه على : ( يلتزم الوكيل بان يوافي موكله بالمعلومات الضرورية عما وصل إليه تنفيذ الوكالة وبان يقدم إليه الحساب عنها ) .
ويرجع تقرير هذا الالتزام على الوكيل باعتبار أن الوكيل ما هو إلا نائب عن الموكل أقامه الموكل مقام نفسه لأداء بعض الأعمال عنه، وبالتالي فيبقى حقه أصيلا في الاطلاع على أعمال وكيله فيما وكله فيه، ليبدي ما يراه من إرشادات أو ملاحظات تؤدي إلى حسن تطبيق العمل، أو أن يحذر الوكيل من الإقدام أو السير في عمل ما قد يؤدي إلى عدم تنفيذ الوكالة، وهي أمور جميعها تتفق مع طبيعة عقد الوكالة، وبالتالي فيجب على الوكيل أن يلتزم بمضمونها خاصة مع ما تحققه هذه المعلومات التي يوافي موكله بها من بسط رقابة الموكل على أعمال الوكيل وتدارك أي خطأ قبل وقوعه، وفي ذلك فقد نصت المادة ( 524 ) من المذكرة الإيضاحية لشرح القانون المدني الأردني في معرض شرحها للمادة السابقة على : ( بما أن الوكيل نائب عن الموكل وقائم مقامه في الأمور الموكل بها فعليه أن يطلعه من حين لآخر على ما يقوم به من عمل في تنفيذ الوكالة كما تقتضي بذلك المادة 1449 من المجلة وشرحها لعلي حيدر ، وهي تقابل المواد 670 مشروع اردني و 671 سوري و 936 عراقي) .
- كما يجب على الوكيل أن يقدم لموكله كشف حساب يتضمن جميع الأمور المتعلقة بالوكالة سواء ما تم قبضه من أموال لصالح الموكل، أو ما تم إنفاقه لمصلحة الوكالة، إلا أن هذا الالتزام يقع عليه بعض الاستثناءات و التي يعفى فيها الوكيل من تقديم كشف الحساب مثل :
1- أن يعفيه الموكل من تقديم كشف حساب أو أن يتفق الطرفان على ذلك صراحة.
2- أن تكون طبيعة العمل الموكل فيه الوكيل لا تقتضي تقديم كشف حساب، مثل أن يكون الوكيل قد وكل في التوقيع على عقد أو التوكيل في الزواج أو الطلاق أو الإقرار بدين.
3- إذا كانت طبيعة العلاقة بين الموكل والوكيل تقتضي الإعفاء من هذا الالتزام، كأن يكون بينهم صلة قرابة أو زواج أو غيرها من أمور، ومع ذلك إذا انعدمت الثقة بين الطرفين أو شعر الموكل بخطأ الوكيل في الحساب فله أن يطالبه بتقديم كشف حساب.
خامسا: التزام الوكيل بعدم توكيل غيره في القيام بأعمال الوكالة إلا إذا أذن الموكل له
تطبيقا للمعيار الشخصي في اختيار الوكيل في عقد الوكالة وما ينبني عليه أن الموكل لا يختار وكيلا له يؤدي عملا لصالحه إلا بناء على اعتبارات شخصية متعلقة بشخص الوكيل ومدى ثقة الموكل فيه، فقد أوجب المشرع على الوكيل أن ينفذ الوكالة بنفسه ولا يوكل غيره في أدائها إلا إذا تحصل على إذن مسبق من الموكل، فإذا تحصل الوكيل على هذا الإذن كان له توكيل غيره في أداء كل أو بعض الأعمال حسبما يقضي التصريح، ويكون الوكيل الثاني وكيلا مباشرا عن الوكيل الأصلي، وقد نصت المادة ( 843 ) من القانون المدني على هذا الالتزام بقولها : ( 1. ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وكل به كله أو بعضه إلا إذا كان مأذونا من قبل الموكل أو مصرحا له بالعمل برايه ويعتبر الوكيل الثاني وكيلا عن الموكل الأصلي .
- فاذا كان الوكيل مخولا حق توكيل الغير دون تحديد فانه يكون مسؤولا تجاه موكله عن خطئه في توكيل غيره أو فيما أصدره له من توجيهات).
خامسا: التزامات الوكيل بمتابعة أعمال الوكالة في حالة إقالة نفسه
أجاز المشرع للوكيل أن يعفي نفسه من الوكالة إذا كانت الوكالة لا يتعلق بها حق غيره، إلا أن هناك بعض الالتزامات التي يجب على الوكيل تحقيقها حتى لا يسأل عن أي ضرر يلحق بالموكل جراء عزله لنفسه من الوكالة والتي تتمثل في :
أ- أن لا يتعلق بالوكالة حق للغير : و المقصود بالوكالة التي يتعلق بها حق الغير فهي الوكالة التي يقصد بها تحقيق مصلحة لطرف ثالث في عقد الوكالة ليس الوكيل وليس الموكل كالوكالة في أداء الدين للغير، إذ لا يجوز للوكيل أن يعزل نفسه من الوكالة بعد قبضه للدين وقبل الوفاء به إلى المدين وذلك المعنى يفهم مما قررته المادة ( 865 ) من القانون في صدرها بقولها : ( للوكيل أن يقيل نفسه من الوكالة التي لا يتعلق بها حق الغير… ).
ب- أن يقوم الوكيل بإعلان الموكل برغبته في عزل نفسه من الوكالة حتى يتيح له الفرصة في استعمال غيره في أداء الوكالة أو أدائها بنفسه.
ج- أن يلتزم الوكيل بمباشرة ومتابعة أعمال الوكالة في الوقت الذي يخشى معه فوات مصلحة الموكل إذا توقف الوكيل عن مباشرة عمله، وبالتالي فإذا زالت احتمالات ضرر الموكل من عدم متابعة الوكيل لأعماله وسبق إعلانه لموكله بإقالة نفسه من الوكالة فإن الوكيل يكون قد أدى التزامه بشكل يتفق مع القانون.
ثالثا: الالتزامات التي تقع على الوكيل بالشراء أو بالبيع
أ- التزامات الوكيل بالشراء : وضع المشرع الأردني العديد من الالتزامات التي يجب على الوكيل بالشراء أن يتقيد بها عند تنفيذ عقد الوكالة، فإذا قام الموكل بتوكيل غيره بشراء سيارة أو دار أو غيره من الأشياء فيجب على الوكيل أن يلتزم بالآتي :
1– أن يشتري بالثمن المتفق عليه أو بثمن المثل إذا لم يعين الثمن : إذا كان الموكل قد حدد ثمنا معينا وأناب الوكيل في شراء الشيء بهذا الثمن المعين، فلا يجوز للوكيل أن يشتري بثمن يزيد عن الثمن المعين ويلتزم بما تم الاتفاق عليه مع الموكل، أما في حالة عدم تعيين الثمن فيلتزم -الوكيل بالشراء- أن يشتري بثمن المثل أو بغبن يسير في الأشياء التي ليس لها سعر معين، أما في خلاف ذلك فلا يجوز له الشراء بغبن يسير فإذا كان الشيء محل الوكالة بالشراء له سعر معين فاشتراه الوكيل بغبن يسير أو كان اشتراه بغبن فاحش فيكون العقد متوقفا على إجازة الموكل فإذا لم يجيزه لم ينفذ العقد في مواجهة الموكل، وقد نصت المادة ( 848 ) على : ( 1. للوكيل بشراء شيء دون بيان قيمته أن يشتريه بثمن المثل أو بغبن يسير في الأشياء التي ليس لها سعر معين .
- فاذا اشترى بغبن يسير في الأشياء التي لها سعر معين أو بغبن فاحش مطلقا فلا ينفذ العقد بالنسبة للموكل.)
2– التزام الوكيل بعد شراء الشيء الموكل في شرائه لنفسه : لما كان عقد الوكالة قصد به تحقيق مصلحة الموكل لا مصلحة الوكيل، فإن الوكيل يكون ملتزما في جميع مراحل عقد الوكالة بالبحث عن مصلحة الموكل وبناء على ذلك فلا يجوز للوكيل – الموكل بشراء شيء معين- أن يشتري هذا الشيء لنفسه إذ أن ذلك لا يحقق مصلحة الموكل المعنية في عقد الوكالة، بل يحقق مصلحة الوكيل وهي غير مستهدفه من هذا العقد، لذلك فقد أوجب المشرع على الوكيل أن يشتري لصالح موكله، بل اعتبر أن الشراء لصالح الموكل حتى لو صرح الوكيل أن الشراء لصالح نفسه، حيث نصت المادة ( 849 ) على : ( 1. لا يجوز لمن وكل بشراء شيء معين أن يشتريه لنفسه ويكون الشراء للموكل ولو صرح بانه يشتريه لنفسه .
- ولا يجوز للوكيل بالشراء أن يبيع ماله لموكله ).
- وهو ما يعني حق الموكل في المطالبة قضائيا بوقوع شراء الوكيل لصالحه وليس لصالح الوكيل نفسه، إلا أن ذلك الالتزام العام قد وردت عليه بعض الاستثناءات والتي يجوز للوكيل إذا وجدت أن يشتري ما وكل فيه لصالح نفسه، ومن أهمها أن يشتري في وجود الموكل مع تصريحه بالشراء لنفسه دون اعتراض الموكل، أو أن يشتري بغبن فاحش، أو أن يشتري بثمن يزيد عن الثمن الذي حدده الموكل للشراء به، وقد نصت المادة ( 850 ) من القانون المدني على 🙁 1. إذا عين الموكل الثمن واشترى الوكيل بما يزيد عليه .
- إذا اشترى الوكيل بغبن فاحش .
- إذا صرح بشراء المال لنفسه في حضور الموكل ) .
- ويلاحظ أن هذه الاستثناءات قد جاءت على سبيل الحصر فلا يجوز التوسع في تفسيرها أو الزيادة عليها.
ب- التزامات الوكيل بالبيع
إذا أناب الموكل غيره في بيع شيء يملكه فإن هذه الوكالة ترتب على الوكيل عدة التزامات إضافة إلى الالتزامات العامة السابق ذكرها ومنها :
1– التزام الوكيل بعدم البيع لنفسه وعدم البيع لأصوله أو فروعه إلا إذا أذن له الموكل
و هو من الالتزامات الهامة التي قررها المشرع المدني على الوكيل حيث رأى المشرع ضرورة أن ينئ الوكيل بنفسه من مظنة الانتفاع على حساب موكله، وذلك بمنعه من شراء ما أوكله غيره في بيعه، كما يُمنع من أن يبيع ما وكل ببيعه إلى أحد أصوله أو فروعه أو أن يبيع ما وكل في بيعه ممن يؤدي البيع إليه إلى حصول الوكيل على منفعة، إلا أن المشرع ولاعتبارات حفظ أموال الموكل وفي ذات الوقت تحقيق عقد الوكالة أجاز البيع للأصول أو الفروع، إذا كان البيع قد تم بثمن يزيد عن ثمن المثل ويستثنى من ذلك إذا حدد الموكل ثمن معين للمبيع فلا يجوز للوكيل البيع لأصول أو فروعه بأقل منه حتى لو كان الثمن يزيد عن ثمن المثل، وقد نصت المادة ( 853 ) من القانون المدني على : ( 1. لا يجوز للوكيل بالبيع أن يشتري لنفسه ما وكل ببيعه .
- وليس له أن يبيعه إلى أصوله أو فروعه أو زوجه أو لمن كان التصرف معه يجر مغنما أو يدفع مغرما إلا بثمن يزيد عن ثمن المثل .
- ويجوز البيع لهؤلاء بثمن المثل إذا كان الموكل قد فوضه بالبيع لمن يشاء ).
رابعا: بعض الاجتهادات القضائية المتعلقة بالتزامات الوكيل في التشريع الأردني
1- الحكم رقم 7670 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-12-29 حيث جاء فيه : ( وبما أنّه لم يرد ضمن الخصوص المُوكل به في الوكالة المُعطاة له من مُوكّله تخويله إياه بالمُطالبة بالضرر المعنوي وإنما انحصر فقط بالضرر المادي المعطوف على العطل والضرر وحيث يُشترط لصحة الوكالة أن يكون المُوكَّل به معلوماً وقابلاً للنيابة وفقاً للمادة (834/1/ج) من القانون المدني وبما أنّه اقتصر على أمور مُعينة فليس للوكيل إلا مُباشرة الأمور المعينة فيها وفقاً للمادة (836/1) من القانون ذاته الأمر الذي ينبني عليه أن تكون المُطالبة به (الضرر المعنوي) في لائحة الدعوى تُعدّ تجاوزاً عن حدود الوكالة وهو لا يجوز قانوناً وفقاً للمادة (840) من القانون ذاته فإن هذا السبب يرد على الحكم المطعون فيه مما يتعين نقضه بهذا الخصوص) .
2– الحكم رقم 6353 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2023-06-11 حيث جاء فيه : ( وبما أن الوكالة المذكورة لم تقتصر على توكيل المميز ضده الأول بالبيع بل اشتملت كذلك على توكيله بالهبة وجاءت عبارات الوكالة بصيغة مطلقة فإن مؤدى ذلك أن هذه الوكالة تخوّل الوكيل (المميز ضده الأول) ببيع الحصص الموكل بها إلى أصوله أو فروعه أو لزوجه أو لمن يشاء وبالثمن الذي يراه مناسباً حتى لو كان هذا الثمن يقّل كثيرًا عن ثمن المثل كما يملك الوكيل بموجب تلك الوكالة أن يهب تلك الحصص لمن يشاء دون عوض وينبني على ذلك أنه لا يحق للمميزة المطالبة بإبطال عقدي البيع رقمي (3403/2008) و (3404/2008) المبرمين فيما بين المميز ضده الأول من جهة والمميز ضدهما الثاني والثالثة من جهة أخرى بالاستناد لأحكام المادة (853) من القانون المدني سالفة الذكر بحجة أن الثمن المسمى الوارد في عقدي البيع المذكورين يقل كثيرًا عن ثمن المثل وعلّة ذلك أن الوكيل (المميز ضده الأول) يملك بموجب الوكالة العدلية الخاصة رقم (4667/2007) أن يهب حصص موكله بقطعتي الأرض لمن يشاء ودون عوض وبالتالي يكون من حقه – من باب أولى- وبموجب الوكالة المذكورة أن يبيع تلك الحصص لمن يشاء حتى ولو كان لأحد أصوله أو فروعه أو زوجه أو لمن كان التصرف معه يجر مغنماً أو يدفع مغرماً ولو كان الثمن المسمى يقل كثيراً عن ثمن المثل ذلك أن من يملك الأكثر (الهبة) يملك الأقل (البيع بثمن يقل عن ثمن المثل) ولأن التوكيل بالهبة يعتبر بمثابة إذن سابق من الموكل بالبيع بأقل من ثمن المثل.
وبالبناء على ما تقدم فإن المميز ضده الأول (الوكيل) لم يتجاوز حدود الصلاحيات الممنوحة له من موكله بموجب الوكالة الخاصة المشار إليها حينما قام بإبرام عقدي البيع موضوع الدعوى مع المميز ضدهما الثاني والثالثة وبالتالي فإن هذين العقدين صحيحان مما يجعل من مطالبة المميزة بإبطالهما لا تستند إلى أساس قانوني سليم وهي مستوجبة الرد ).
3– الحكم رقم 2268 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-09-13 حيث جاء فيه : ( وفي ذلك نجد أن إيداع الشيك لدى البنك لغايات تحصيله يجعل من البنك المذكور وكيلاً عن المدعية وأن ذلك يلزم البنك أن يبذل في تنفيذ ما وكل به العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة إذا كانت الوكالة بلا أجر وأن يبذل فيها عناية الرجل المعتاد إذا كانت بأجر طبقاً لأحكام المادة (841/1 و 2) من القانون المدني).
4- الحكم رقم 3692 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-11-13 حيث جاء فيه : ( ومن جهة أخرى ومن حيث تكييف الدعوى واعتبار المبلغ المطالب به بحكم الوديعة فنجد أن محكمة الاستئناف أيضاً قد استعملت صلاحياتها القانونية بذلك وجاء ذلك متفقاً وأحكام المادة (846) من القانون المدني والتي اعتبرت المال الذي يقبضه الوكيل لحساب موكله في حكم الوديعة ).
5- الحكم رقم 594 لسنة 2006 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2006-11-01 حيث جاء فيه: ( 2. يستفاد من المادة ( 856 ) من القانون المدني أنها تلزم الوكيل بان يوفي الموكل بالمعلومات الضرورية عما وصل إليه تنفيذ الوكالة وأن يقدم إليه الحساب عنها وعليه فإن قيام المدعى عليه (الطاعـن) بأعمال الإدارة لعقار المدعين يلزمه بتقديم الحساب عما قام به لأنه يعتبر وكيلاً عنهم فإن قصر فلا يبقى أمام الموكلين إلا المطالبة بإجراء المحاسبة . وحيث أن المدعى عليه أقر بقبضه الأجور كما سبق الإشارة إلى ذلك ولكنه لم يقدم أية بينة تثبت وفاءه لما قبضه من أجور فيكون ملزماً بأداء ما اقر به من الأجور المقبوضة للجهة المدعية ).
إعداد: محمد إسماعيل حنفي
[1] [1] إسماعيل عبد النبي شاهين ، مدى مسئولية الوكيل في عقد الوكالة ، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، ص 13
[2] السرحان ، 1996 ، ص 132
[3] السنهوري ، الوسيط ، ج7، 1964 ، 456
[4] عدنان سرحان ، 1996 ، ص 145
