جريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني
إن حسن سير الإدارة الحاكمة ونزاهاتها من المهام الأساسية التي يجب أن تقوم بها الدولة، ومن أجل تحقيق ذلك تختار الدولة من بين أفرادها موظفين يتولون القيام بهذه المهمة مقابل أجر، وعلى الموظف أثناء أدائه لهذه المهمة أن يلتزم الحدود التي ينظمها العقد المبرم بينه وبين الدولة وخصوصًا عدم حصوله أو طلبه أي مقابل إضافي من صاحب المصلحة متى لجأ إليه لقضاء مصلحته، وطلب الموظف الحصول على مقابل من الجمهور لقضاء مهام وظيفته؛ يتحقق معه قيام جريمة الرشوة، وسوف نتناول في هذا المقال جميع ما يتعلق بجريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني، وذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
ثانيًا: دليل تحريم جريمة الرشوة من القرآن الكريم والسنة
ثالثًا: عوامل انتشار جريمة الرشوة
رابعًا: الحكمة من تجريم الرشوة
خامسًا: ما هية أركان جريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني
سادسًا: ما هية عقوبة جريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني
سابعًا: السوابق القضائية المتعلقة بجريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني
وسوف نقدم شرحًا تفصيليًا لكل من العناصر الرئيسية السابقة، فيما يلي:
أولًا: تعريفات مهمة
هناك بعض التعريفات المهمة المتعلقة بجريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني، وتتمثل في الآتي:
١. جريمة الرشوة
هي قيام موظف أو شخص عام تابع لمؤسسة ما يأخذ مالًا أو هدية أو وعد ًا أو أمرًا فيه منفعة له مقابل القيام بواجباته في وظيفته التي يجب أن يقوم بها دون أي مقابل.
٢. الموظف العام
“هو كل موظف عمومي في السلك الإداري أو القضائي، وكل ضابط من ضباط السلطة المدنية أو العسكرية أو فرد من أفرادها، وكل عامل أو مستخدم في الدولة أو في إدارة عامة”، وذلك وفقًا لنص (المادة ١٦٩) من قانون العقوبات الأردني.
٣. الراشي
وهو صاحب المصلحة الذي يقدم مال أو منفعة غير مستحقين أو الوعد بأي منهما لموظف أو مكلف بخدمة عامة سواء بحق أو دون حق لتيسير أموره.
٤. المرتشي
هو الموظف أو المكلف بخدمة عامة الذي يخل بواجبات وظيفته ومقاصدها المشروعة مقابل القيام بعمل أو الامتناع عن عمل يدخل في مجال وظيفته أو دائرة اختصاصه وهو الذي يطلب أو يقبل الفائدة من الراشي أو مجرد الوعد بها.
٥. الوسيط
هو كل شخص يتدخل بين الراشي والمرتشي ممثلًا أحدهما لدى الآخر في القيام بدوره لإتمام جريمة الرشوة.
ثانيًا: دليل تحريم جريمة الرشوة من القرآن الكريم والسنة
هناك أدلة كثيرة على تحريم جريمة الرشوة من القرآن الكريم والسنة، ومنها الآتي:
١. دليل تحريم جريمة الرشوة من القرآن الكريم
قال تعالى: ” ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون”
٢. دليل تحريم جريمة الرشوة من السنة النبوية
عن عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: “لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي”
ثالثًا: عوامل انتشار جريمة الرشوة
هناك بعض العوامل التي تؤثر في انتشار ظاهرة الرشوة منها عوامل أخلاقية ونفسية واجتماعية واقتصادية، وذلك على النحو التالي:
١. العامل الأخلاقي
“تتجلى أهمية هذا العامل في انعدام الـوازع الأخلاقي وانعدام الضمير المهني لدي الموظف وعدم التفاني فـي أداء العمل الملقي على عاتقه، والذين يسقطون في بـراثن الرشـوة لا يأبهون بأهمية الأخلاق ولا صحوة الضمير؛ بل ينظرون إليهـا علـى أنها تقاليد تافهة لا يجب الوقوف عندها.
٢. العامل النفسي
للرشوة جذور نفسية تنعكس في دور المواطن الـذي يضطر لتقديم الرشوة حيـث يفضـل روح الانهزاميـة واختصـار الطريق وتجنب الدخول في مواجهة الإدارة التي يعرف مسبقًا بأنهـا تملك وسائل خاصة للانتقام منه”([1]).
٣. العامل الاجتماعي
وهو مجموعة من الظروف التي تحيط بالمرتشي تجعله يتخذ سلوكًا مضادًا للمجتمع، فالمجتمع الذي يسود فيه الجهل والفقر وانعدام الوازع الديني والخلقي والضمير المهني، وانتشار الفوارق الطبقية؛ فإنه لا مفر سوف يعـرف الرشـوة وتصبح شيئًا معتادًا لقضاء الحاجات.
٤. العامل الاقتصادي
يتمثل هذا العامل في ارتفاع مستوى المعيشة مع عدم الزيادة في رواتب وأجور المـوظفين زيادة تتناسب مع ارتفاع هذه الأسعار مما أدى إلى انتشار الرشوة.
رابعًا: الحكمة من تجريم الرشوة
“إن المصلحة القانونية المهددة بارتكاب جريمة الرشوة هي حسن أداء الوظيفة العامة؛ وبالتالي ضمان نزاهتها، والاتجار في أعمال الوظيفة يهبط بهـا إلى مستوى السلع ويجردها من سموها باعتبارها خدمات تؤديها الدولة لأفراد الشعب والنتائج المترتبة على ذلك وخيمة العواقب بالنسبة للفـرد وبالنسـبة للمجتمع على حد سواء، فالرشوة خرق لمبدأ المساواة بين الأفـراد المتسـاوين فـي المركـز القانوني حيث تؤدي خدمات مرافق الدولة إلى من يدفع المقابل للموظف العام، وتحجب هذه الخدمات أو تعطل عن الأفراد غير القادرين عن أداء ذلك المقابل، وتفشي مثل تلك الظاهرة من شأنه أن يهدر ثقة المواطنين الأسوياء في نزاهة الجهاز الإداري للدولة من ناحية، وأن يدخل في ذهن المواطنين غيـر الأسوياء الاعتقاد بقدرتهم على شراء ذمة الدولة من خلال موظفيها من ناحية أخرى، وذلك من أخطر ما يصيب الأداة الحكومية في دولة من الدول، ويمكن القول إن الرشوة مدخل للانحراف بالوظيفة العامة أو من فـي حكمها وفساد موظفيها، فهي انحراف بالوظيفة حيث تجعل الأولوية فـي أداء الخدمة المطلوبة للأفراد أكثرهم مالًا وتأثيرًا بينما الأصل أن الأولوية في أداء الخدمة ينعقد للأفراد الذين تتوافر فيهم شروط الانتفاع بها”([2]).
خامسًا: ما هية أركان جريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني
تحقق جريمة الرشوة بتوافر صفة الجاني والركن المادي والمعنوي على النحو الآتي:
١. توافر صفة خاصة في الجاني
نظرًا لأن جريمة الرشوة تهدف إلى حماية الوظيفة العامة من الاتجار بها؛ فيجب أن يكون المرتشي موظفًا عامًا أو من في حكمه، والموظف العام “هو كل موظف عمومي في السلك الإداري أو القضائي، وكل ضابط من ضباط السلطة المدنية أو العسكرية أو فرد من أفرادها، وكل عامل أو مستخدم في الدولة أو في إدارة عامة”، وذلك وفقًا لنص (المادة ١٦٩) من قانون العقوبات الأردني.
٢. الركن المادي لجريمة الرشوة
الركن المادي لجريمة الرشوة يتمثل في طلب أو قبول أو أخذ أو وعد أو عطية للقيام بأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عن القيام بعمل من أعمال وظيفته، وبناءًا على ذلك فالركن المادي لجريمة الرشوة ينحصر في الصورة الآتية:
أ. الأخذ
وهذه الصورة هي الأكثر وقوعًا للرشوة في العمل وتحقق بتقاضي الموظف مقابل للقيام بأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه أو الإخلال بواجبات وظيفته، أي الحصول على الفائدة من القيام أو الامتناع عن الفعل محل التجريم، ويستوي أن يأخذ الموظف الفائدة بنفسه أو بطريقة غير مباشرة عن طريق وسيط، والاخذ هنا واقعة جنائية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات.
ب. القبول
وتتم الرشوة في هذه الصورة بقبول الموظف وعدًا بالحصول على الفائدة نتيجة قيامه بعمل معين أو بالامتناع عنه أو الإخلال بواجبات وظيفته، والقبول يعني الحصول على شيء في المستقبل وليس في الحال؛ لأنه ينصرف إلى الوعد بالعطية وليس إلي العطية الحاضرة، وتقوم جريمة الرشوة في هذه بمجرد الموافقة على الحصول على منفعة ما، أي حتى وإن لم يحصل الموظف علي الفائدة المتفق عليها، وقد لا يقم الراشي بتنفيذ الوعد الذي أعطاه للمرتشي فيما بعد.
ت. الطلب
وتتم الرشوة في تلك الصورة بطلب الموظف العام من صاحب الحاجة عطية أو وعدًا لقاء قيامه بالمطلوب والجريمة تتم بمجرد حصول الطلب أما قبول صاحب الحاجة له فهو أثر من آثار الجريمة.
٣. الركن المعنوي
جريمة الرشوة كغيرها من الجرائم تتطلب ركنًا معنويًا وهو القصد الجنائي ويتوافر القصد الجنائي بتحقق عنصرين هما العلم والإرادة، أي بمجرد علم المرتشي عند الطلب أو القبول بالوعد أو العطية أو الفائدة أنه يفعل ذلك لقاء القيام بعمل أو الامتناع عن عمل من أعمال الوظيفة أو بالإخلال بوجباته وأنه مقابل الاتجار بوظيفته أو استغلالها بغض النظر عن نوع المنفعة التي يأخذها سواء كانت مبلغًا ماديًا أو هدية أو منفعة غير مادية قبل الحصول على خدمة ما، ولا يشترط أن يستلم المرتشي أو الموظف الرشوة بشكل شخصي، فقد تعطى لأي أحد من معارفه مثل زوجته أولاده.
سادسًا: ما هية عقوبة جريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني
لقد نص قانون العقوبات الأردني على عقوبات لكلًا من المرتشي والراشي ومن يقوم بعرض الرشوة على النحو الآتي:
١. عقوبة المرتشي
تتمثل عقوبة المرتشي وفقًا لما جاء في قانون العقوبات الأردني في الآتي:
“أ. كل موظف وكل شخص ندب إلى خدمة عامة سواء بالانتخاب أو بالتعيين وكل شخص كلف بمهمة رسمية كالمحكم والخبير والسنديك طلب أو قبل لنفسه، أو لغيره هدية، أو وعدًا، أو أية منفعة أخرى ليقوم بعمل حق بحكم وظيفته عوقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة تعادل قيمة ما طلب أو قبل من نقد أو عين”، وذلك وفقًا لنص (المادة ١٧٠) من قانون العقوبات الأردني.
“ب. كل شخص من الأشخاص المذكورين في المادة السابقة طلب أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعدًا أو أية منفعة أخرى ليعمل عمل غير حق أو ليمتنع عن عمل كان يجب أن يقوم به بحكم وظيفته، عوقب بالأشغال المؤقتة وبغرامة تعادل قيمة ما طلب أو قبل من نقد أو عين”، وذلك وفقًا لنص (المادة ١٧١) من قانون العقوبات الأردني.
٢. عقوبة الراشي
تتمثل عقوبة الراشي وفقًا لما جاء في قانون العقوبات الأردني في الآتي:
” أ. يعاقب الراشي أيضًا بالعقوبات المنصوص عليها في (المادتين ١٧٠و١٧١).
ب. يعفى الراشي والمتدخل من العقوبة إذا باحا بالأمر للسلطات المختصة أو اعترفا به قبل إحالة القضية إلى المحكمة”، وذلك وفقًا لنص (المادة ١٧٢) من قانون العقوبات الأردني.
٣. عقوبة من عرض الرشوة
يعاقب من عرض الرشوة وفقًا لما جاء في قانون العقوبات الأردني بالآتي:
“من عرض على شخص من الأشخاص الوارد ذكرهم في (المادة 170) هدية أو منفعة أخرى أو وعده بها ليعمل عملًا غير حق أو ليمتنع عن عمل كان يجب أن يقوم به، إذا لم يلق العرض أو الوعد قبولًا بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة من عشرة دنانير إلى مائتي دينار، وذلك وفقًا لنص (المادة ١٧٣) من قانون العقوبات الأردني
سابعًا: السوابق القضائية المتعلقة بجريمة الرشوة في قانون العقوبات الأردني
لقد جاء في الحكم رقم( 2524) لسنة ٢٠٢٢م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية، بتاريخ١٠/١٠/٢٠٢٢م بما نصه: “إن قيام المتهمين وهما موظفان عامان من مرتب الأمن العام إدارة السير وأثناء وظيفتهما الرسمية لضبط مخالفات السير بأخذ مبالغ مالية من سائقي صهريج نقل الماء مقابل تركه وشأنه وعدم مخالفته وضبطه كونه غير حاصل على تصريح أمني ومنتهي الترخيص؛ فإن ذلك يشكل بحقهما سائر أركان جناية الرشوة بحدود (المادة 171/1) من قانون العقوبات بالإضافة إلى مخالفتهما أحكام (المادة 37/4) من قانون الأمن العام وحيث توصل القرار المميز إلى هذه النتيجة؛ فإنه أصاب صحيح القانون وأسباب الطعن لا تنال منه ويتعين ردها ونؤيده”
كما وردَ في الحكم رقم( 2472) لسنة ٢٠١٩م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية، بتاريخ ٣/١١/٢٠١٩م بما نصه: “ وحيث إن البين من أوراق الدعوى :أولًا: إن المميز موظف في وزارة الصناعة والتجارة، ثانيًا: إنه طلب أو قبل مبلغ (1500) دينار من الشاهد محمد الزغول دون وجه حق، ثالثًا: إن القصد الجرمي توافر في فعل المميز بطلب الرشوة من الشاهد محمد الزغول واتجاه إرادته الحرة والواعية إلى الحصول على مبلغ (1500) دينار وبذلك توافرت في فعله كافة أركان وعناصر جناية الرشوة بحدود( المادة 171) من قانون العقوبات وبدلالة المواد (2 و 3 و 4) من قانون الجرائم الاقتصادية وكما انتهى لذلك قرار الحكم المميز من حيث النتيجة باعتبار أن محكمة الدرجة الأولى قضت بتجريمه والحكم عليه عملًا بأحكام (المادتين 171 و 76) من قانون العقوبات مع أن المحكمة قضت ببراءة المتهم (مصطفى هلال لافي الخوالدة) مما اقتضى التنويه، وبنـــاءًا على ما تقدم وحيث إن القرار المميز جاء معللًا ومسببًا التعليل الوافي والكافي محمولًا على أسبابه متفقًا مع مقتضيات المادة (237) من قانون أصول المحاكمات الجزائية مما يجعل أسباب التمييز غير واردة ويتعين رده”
هذا بالإضافة إلى ما جاء في الحكم (رقم 203) لسنة 2021م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية، الصادر ٤/٢/٢٠٢١م بما نصه: “إن الأفعال الصادرة عن المتهم الذي يعمل ضابطًا في جهاز الأمن العام وهو موظف عام بالمعنى القانوني وقيامه بقبول أخذ مبالغ مالية من شخص مطلوب قضائيًا مقابل تزويده بالمعلومات حول المداهمات والطلبات وتمكينه من التواري عن الأنظار وهذا العمل عمل غير محق؛ فإنه يشكل جناية الرشوة بحدود (المادة ١٧١) من قانون العقوبات بالإضافة إلى باقي التهم المسندة إليه وحيث توصلت محكمة الأمن العام لهذا الوصف القانوني لهذه الأفعال فإنها قد أصابت صحيح القانون وأن العقوبة المفروضة على المميز هي العقوبة المقررة قانونًا بعد استخدام الأسباب المخففة التقديرية مما يتعين رد التمييز”.
إعداد/ محمد محمود
[1] د/ منتصر النوايسة، جريمة الرشوة في قانون العقوبات، (ص ١٣٨).
[2] د. أسامة حسين محي الدين عبد العال، جريمة الرشوة: دراسة تحليلية، (ص٨٩٢).
