مدى اعتبار مضمون العقد ركن من أركانه
العقد كمصدر من مصادر الالتزام هو قانون المتعاقدين وشريعتهم التي تحكم العلاقة بينهم فهو ينظم العلاقة بين طرفي العقد ليحدد واجبات وحقوق كلا منهما، ولقد أفرد له المشرع الأردني حماية خاصة تكفل للمتعاقدين حرية التعاقد واختيار شروط هذا العقد والمعقود عليه والأصل وفقا للقانون المدني الأردني أن ينعقد العقد بمجرد اقتران الإيجاب بالقبول فلم تشترط المادة (78) من القانون المدني الأردني لانعقاد العقد سوى هذا الشرط ،غير أن العقد هو صورة من صور التعبير عن الإرادة لذلك يشترط لصحة انعقاده أن ينشأ خاليا من عيوب الإرادة مستوفيا لكافة أركانه وهي الرضا والأهلية والمحل السبب ولقد ظهر حديثا في القانون الفرنسي شرط مستحدث لصحة العقد وهو ما يعرف بمضمون العقد والذى جاء به المشرع الفرنسي كبديل عن ركني المحل والسبب.
الأمر الذي وجب معه البحث في مدى اعتبار مضمون العقد ركن من أركانه وفقا لقواعد القانون المدني الأردني وسوف نتعرض خلال هذا المقال إلى مدى اعتبار مضمون العقد ركن من أركان العقد على النحو التالي: –
أولا: العقد في القانون الأردني
ثانيا: -أركان العقد وفقا للقانون الأردني
رابعا: -التمييز بين مضمون العقد ومضمون الالتزام
خامسا: -مدي اعتبار مضمون العقد ركن من أركان العقد
سابعا: -تدخل المشرع في تحديد مضمون العقد
أولا: العقد في القانون الأردني
لقد عرف الشرع الأردني العقد وفقا لنص المادة (78) على إنه ” العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الأخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كلا منهما بما وجب عليه للأخر”
ولقد عرف بعض الفقهاء العقد على أنه ” توافق إرادتين على إنشاء التزام أو نقله أو هو اتفاق إرادتين على إنشاء حق أو نقله أو إنهائه ” [1]
ثانيا: -أركان العقد وفقا للقانون الأردني
يشترط لقيام العقد صحيحا توافر أركانه وشروطه ولقد حدد المشرع الأردني أركان العقد الصحيح وفقا لنص المادة (167) فقرة (أ) والتي نصت على إنه ” العقد الصحيح هو العقد المشروع بأصله ووصفه وأن يكون صادر من أهله مضافا إليه محل قابل لحكمه وله غرض قائم وصحيح ومشروع وأوصافه صحيحة ولم يقترن به شرط مفسد ”
وباستقراء نص المادة السابقة يتضح أن المشرع الأردني استلزم لصحة العقد توافر الشروط الأتية: –
1 – الرضا
وهو تلاقي إرادتين عن طريق اقتران الإيجاب الصادر من أحد الأطراف بالقبول الصادر من الطرف الآخر ويفسد الرضا إذا شابه عيب من عيوب الإرادة مثل الإكراه، أو الغلط، أو الغش، أو التدليس، أو الغبن وغيرها من عيوب الإرادة التي نص عليها المشرع الأردني.
2-الاهلية
والأصل أن كل شخص يكون أهلا للتعاقد ولقد رتب القانون البطلان على انتفاء الأهلية اللازم توافرها لإبرام العقود فالصغير الغير مميز ليس له الحق في التصرف في ماله وتكون جميع تصرفاته باطلة. [2]
3-السبب
عرفت المادة (165) فقرة (1) من القانون المدني الأردني ركن السبب على إنه ” السبب هو الغرض المباشر المقصود من العقد” ويشترط في ركن السبب عد شروط أهمها: –
- أن يكون صحيحا قائما.
- أن يكون مشروع ومباح.
- ألا يخالف النظام العام.
- أن يكون فيه منفعة لعاقديه ويفترض أن هذه المنفعة قائمة وموجودة ما لم يقم الدليل على غير ذلك.
4-المحل
ولقد اشترط المشرع الأردني توافر ركن المحل بمقتضي نص المادة (175) من القانون المدني الأردني والتي نصت على إنه ” يجب أن يكون لكل عقد محل يضاف إليه ”
ولقد عرف المستشار أنور طلبه المحل على إنه كل ما يلتزم به المدين سواء كان عملا أو امتناع عن عمل ويدخل في القيام بالعمل نقل الحق العيني. [3]
ثالثا: -المقصود بمضمون العقد
لم يتناول المشرع الأردني فكرة مضمون العقد كفكرة أساسية في نصوص وبنود القانون المدني وإن كانت لا تختلف كثيرا عما قرره المشرع الأردني بركني المحل والسبب اللذان تم النص عليهما بمقتضي نصوص القانون المدني الأردني.
وقد برزت فكرة مضمون العقد وفقا لما استحدثه المشرع الفرنسي في التعديل الأخير بناء على الأمر الصادر في 10/2/2016، حيث اعتمدت فكرة مضمون العقد على دمج ركني المحل والسبب بأن اشترط المشرع الفرنسي بمقتضي نص المادة 1128 أنه يشرط لصحة العقد أن يكون مضمون العقد مشروعا، كما أن المشرع الفرنسي قد أكد على ذات المعنى بمقتضي نص المادة 1162 حيث اشترط ألا يخالف مضمون العقد النظام العام. [4]
ولقد عرف بعض الفقهاء مضمون العقد على إنه ” الالتزامات التي تساعد طرفي العقد من تحقيق الهدف من التعاقد والتي على أساسها تتحقق النتيجة المرجوة من التعاقد والوسائل المستخدمة في تنفيذ تلك الالتزامات وتحقيق تلك النتيجة”[5]
ومضمون العقد وفقا لهذا الاتجاه يرتبط بالهدف من التعاقد حيث لا يتحقق هذا الهدف إلا عن طريق تنفيذ الالتزامات الواردة بالعقد واستخدام الوسائل المشروعة والمختلفة في تحقيقها.
كما عرفه جانب أخر من الفقه على إنه ” التوفيق بين أهداف العقد وبين النظام والآداب العامة وعدم الأخلال بالالتزامات العقدية الواردة بالعقد وتنفيذ تلك الأهداف بالوسائل المشروعة بطريقة تحقق النتيجة المطلوبة من تلك الالتزامات من خلال مفهوم قانوني واحد هو مضمون العقد ”
رابعا: -التمييز بين مضمون العقد ومضمون الالتزام
تتداخل فكرة مضمون العقد مع فكرة مضمون الالتزام حيث تتشابه معها في بعض الأوجه وتختلف معها في أوجه أخري على النحو التالي: –
1- أوجه التشابه بين مضمون الالتزام ومضمون العقد
يتشابه مضمون الالتزام مع مضمون العقد في الأوجه الآتية: –
- من حيث إن معيار تحديد كل منها هو معيار ذاتي يتم تحديده عن طريق الإرادة المشتركة للعاقدين.
- الغاية من كل منهما هي تحديد الالتزامات ومعرفة كل طرف من أطراف العقد الحقوق والواجبات المتبادلة. [6]
2- أوجه الاختلاف بين مضمون العقد ومضمون الالتزام
يختلف مضمون الالتزام مع مضمون العقد في الأوجه الآتية
- من حيث النطاق يعتبر مضمون العقد أشمل من مضمون الالتزام حيث يشمل مضمون العقد كل ما تضمنه العقد والأهداف المرجو تحقيقها والوسائل المستخدمة في تحقيق تلك الأهداف بينما يقتصر مضمون الالتزام على ما يتضمنه الالتزامات الواردة بالعقد فقط.
- من حيث القيود الواردة على كل منهما حيث يتقيد مضمون العقد بالمشروعية وعدم مخالفة النظام العام بينما يتقيد مضمون الالتزام بإرادة المتعاقدين والقواعد التي تحكم الالتزامات المختلفة حسب نوع الالتزام.
- من حيث الجزاء المترتب على وجود عيب بأي منهما حيث يترتب على مخالفة مضمون العقد للقواعد العامة البطلان بينما يترتب على مخالفة مضمون الالتزام للقواعد جزاءات مختلفة حسب نوع الإخلال بالالتزامات الواردة بالعقد ومنها على سبيل المثال جزاء الفسخ في حالة عدم سداد الثمن في عقد البيع أو المطالبة بالتعويض عند وجود عيب بالمبيع.
خامسا: -مدي اعتبار مضمون العقد ركن من أركان العقد
لقد أقر المشرع الفرنسي فكرة مضمون العقد كركن من أركان العقد، ولكن اختلف الفقه في الأثر القانوني لاعتبار مضمون العقد ركن من أركان العقد وانقسم الفقه إلى نظريتين الأولي تؤيد فكرة الاستغناء عن ركني المحل والسبب واستبدالهم بركن مضمون العقد، والأخرى تذهب إلى فكرة الدمج بين ركن المحل وركن السبب ليكون هناك مضمون العقد وهناك رأي أخير يذهب إلى وجود ترادف بين ركني المحل والسبب وبين ركن مضمون العقد على النحو التالي: –
1- نظرية الاستغناء عن ركني المحل والسبب واستبدالهم بركن مضمون العقد
يري أنصار هذا الرأي حذف ركني المحل والسبب والاستعاضة عنهم بركن مضمون العقد، ولكن هذا الاتجاه قد لاقي معارضة كبيرة لعدة أسباب هي: –
- أن عنصري المحل والسبب قد أورد لهما المشرع تعريفات واضحة محددة ولكل منهما قواعد تحكمه يمكن الالتجاء اليها في حالة مخالفة العاقدين لهذين الركنين.
- أن كلا من السبب والمحل يعتبر عمل من أعمال الإرادة ويكون لكا منهما شروط وأهداف بينما مضمون العقد هو ركن مستقل بذاته وليس بديلا عن ركني السبب والمحل.
- أن كلا من ركني المحل والسبب قد يمكن تحديدهما بسهوله إذا أنهم من الأفكار القانونية المعروفة على وجه التحديد أما مضمون العقد فهو مصطلح فضفاض لم يتم تحديده على وجه الخصوص.
2- فكرة الدمج بين ركني المحل والسبب
ويري أنصار هذا الرأي أن المشرع لم يستغني عن ركني المحل والسبب واستبدلهم بمضمون العقد، بل أن المشرع قد دمج بين فكرة المحل والسبب وبين مضمون العقد ليصبح ركنا جديدا من أركان العقد ويترتب على هذه الفكرة عدة نتائج أهمها: –
- كافة القواعد القانونية المترتبة على مخالفة ركن المحل والسبب يمكن تطبيقها على مضمون العقد.
- أن المحل عنصر من عناصر مضمون العقد.
- الشروط التي فرضها المشرع الفرنسي على مضمون العقود تعتبر متممه للشروط الواردة على المحل والسبب.
3- فكرة الترادف بين المحل والسبب ومضمون العقد
ويذهب مؤيدي هذا الاتجاه إلى أن مصطلح مضمون العقد هو شرط جديد ينضم لشرطي السبب والمحل حيث إن محل العقد وسببه هما من الأركان الأساسية للعقد وصحة انعقاده كذلك فإن الشروط التي استلزمها المشرع لصحة السبب أو المحل أو القيود الواردة على كلا منهما تختلف عما هو عليه مصطلح مضمون العقد. [7]
سادسا: -شروط صحة مضمون العقد
لم يتم وضع شروط محددة لمضمون العقد كركن من أركان العقد وإن كان يمكن استخلاصها من نصوص القانون الفرنسي التي نصت على مضمون العقد كركن من أركانه حيث نصت المادة (1128) من القانون الفرنسي على إنه ” يكون ضروريا لصحة العقد رضاء الأطراف المتعاقدين أهليتهم للتعاقد مضمون مشروع ومؤكد ”
ومقتضي نص المادة (1162) من ذات القانون والتي نصت على إنه ” لا يجوز أن يخالف العقد النظام العام لا بشروطه ولا بهدفه ……”
وباستقراء نصوص المواد السابقة يتضح أن المشرع الفرنسي لم يشترط لصحة مضمون العقد سوي أن يكون مشروعا ويتفق مع النظام العام ولا يخالف الآداب العامة كما يلي: – [8]
1- عدم مخالفة مضمون العقد للنظام العام
يترتب على مخالفة مضمون العقد للنظام العام بطلان العقد ويقصد بالنظام العام القواعد والقوانين التي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة سواء كانت تلك المصلحة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ويكون احترام تلك القواعد العامة أمر واجب ويعتبر مصطلح النظام العام مصطلح فضفاض يتسع للكثير من القواعد العامة.
2- أن يتفق مضمون العقد مع الآداب العامة
تتشابه فكرة الآداب العامة وفكرة النظام العام من حيث التطبيق حيث إن الآداب العامة هي سلوكيات أدبية الزم الناس أنفسهم على اتباعها دون النص عليها في قواعد قانونية فهي سلوكيات اجتماعية وهي تكمل فكرة النظام العام في الحفاظ على المصلحة العليا للمجتمع ولم يتم النص صراحة على شرط اتفاق مضمون العقد مع الآداب العامة وإن كان قد جمع بين مفهوم النظام العام والآداب العام في المادة 6 من القانون المدني الفرنسي.
سابعا: -تدخل المشرع في تحديد مضمون العقد
قد يكون تدخل المشرع في تعديل مضمون العقد بصورة مباشرة أو قد يكون بصورة غير مباشرة على النحو التالي: –
1- تدخل المشرع بصورة مباشرة في تحديد مضمون العقد
يكون تدخل المشرع المباشر في تحديد مضمون العقد عن طريق القواعد القانونية الأمرة التي يجب على المتعاقدين اتباعها وقد يكون هذا التدخل في كامل بنود العقد مثل عقد العمل حيث يتدخل المشرع لفرض شروط وبنود على كامل عقد العمل لحفظ حقوق العمال ذلك أن جميع الالتزامات الجوهرية في عقد العمل يتم تحديدها من قبل المشرع. [9]
والحالة الأخرى تكون في حالة فرض قيد معين على جزئية معينة في العقد مثل تحديد مدة زمنية معينة للتعاقد لا يجوز للمتعاقدين تجاوز هذه المدة.
2- تدخل المشرع الغير مباشر في تحديد مضمون العقد
ويكون هذا التدخل عن طريق إعطاء المشرع للقاضي سلطة تقديرية في تعديل بنود العقد سواء عن طريق تعديل الالتزامات مثل دعوي إنقاص الثمن.
ولم ينص المشرع الأردني على ركن مضمون العقد وإن كان مضمون العقد هو مصطلح مرادف لركني السبب والمحل اللذين قد تعرض لهم المشرع الأردني تفصيلا وأورد لهم كافة القواعد والقوانين التي تحكمهما.
أعداد أستاذ / كريم عبد السلام
مراجعة وتدقيق الدكتور/ سامي معوض
[1] – البيئة القانونية للأعمال – المحاضرة 3 -العقد كمصدر من مصادر الالتزام –دكتور عصام هزيمة ص 1
[2] – المواد 116-117 من القانون المدني الأردني
[3] – شرح القانون المدني-المجلد الأول – المستشار أنور طلبه ص 670
[4] – مستقبل ركن مضمون العقد على ضوء القانون الفرنسي – مجلة البوغاز للدراسات القانونية والقضائية – العدد المزدوج 23-24 يناير 2023 ص 145
[5] – فكرة مضمون العقد وأثر استحداثها على شروط صحة العقد إعداد/ مني نعيم جعاز إشراف / الدكتور جليل حسن الساعدي ص350
[6] – فكرة مضمون العقد وأثر استحداثها على شروط صحة العقد إعداد/ مني نعيم جعاز إشراف / الدكتور جليل حسن الساعدي ص352
[7] – مستقبل ركن مضمون العقد على ضوء القانون الفرنسي – مجلة البوغاز للدراسات القانونية والقضائية – العدد المزدوج 23-24 يناير 2023 ص148
[8] – مجلة الفكر القانوني والسياسي-المجلد السادس العدد الثاني 2022 مفهوم ومشروعية مضمون العقد في القانون الفرنسي ص1426
[9] – تحديد مضمون العقد بين حرية الإرادة وقيود المشرع – مجلة الندوة للدراسات القانونية إعداد/ الأستاذة / معداوى نجية أستاذ كلية الحقوق جامعة لونيسي على – الجزائر ص118
