نظرية البطلان في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني
حاول المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات المدنية أن يُنظم البطلان بصورة تتفق وأهميته العملية مستعينًا في ذلك بالتشريعات القانونية المقارنة، وعلى الرغم من ذلك نجد أن هناك بعض الأحكام جاءت غير منسجمة مع الواقع العملي لهذه النظرية، مثل اشتراط الضرر للحكم بالبطلان بدلًا من تحقق الغاية من الإجراء، والذي استعانت به بعض القوانين المقارنة، وسوف نتناول جميع ما يتعلق بنظرية البطلان في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني من خلال هذا المقال، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:
ثالثًا: موقف المشرع الأردني من عبارات البطلان
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريف البطلان
“يُعرف البطلان على أنه: “جزاء يرتبه المشرع أو تقضي به المحكمة بغير نص إذا افتقد العمل القانوني أحد الشروط الشكلية”. ويُعرف أيضًا على أنه: “عيب قانوني قد يصيب بعض التصرفات والعقود ويأتي البطلان بمعنى زوال مفعول معاهدة أو اتفاق دولي نتيجة ظروف خارجة عن إرادة الطرفين الموقعين، بحيث بقضي على الهدف المتوخى من عقدها ويتعذر معها تنفيذ الالتزامات الواردة فيها”. بالتالي فإن الإجراء الباطل هو: “إجراء عديم القيمة يجب عدم التعويل عليه حتى يصحح أو يجدد على النحو الصحيح”([1]).
وقد اتفق الفقه والقضاء على ضرورة توافر الشروط التالية لتحقيق البطلان:
- وجود عيب في الإجراء المتخذ، بحيث يتم بصورة لا تتطابق مع الشكل الذي رسمه المشرع وحدده مسبقًا.
- ألا يُنتج الإجراء آثاره ولا يحقق الغاية المرجوة منه وليس بالإمكان تصحيحه.
ثانيًا: أنواع البطلان
تثير مشكلة البطلان في القانون المدني خلافًا كبيرًا بين الفقهاء؛ فمنهم من ذهب إلى القول بوحدة البطلان، ومنهم من ذهب إلى القول بتعدد البطلان، وسوف نتناول هذا العنصر من خلال تقسيمه إلى بطلان متعلق بالنظام العام، وبطلان غير متعلق بالنظام العام، وذلك على النحو التالي:
1. بطلان متعلق بالنظام العام
ويترتب على البطلان المتعلق بالنظام العام ما يلي:
- تستطيع المحكمة الحكم به من تلقاء نفسها، وقد ينص القانون صراحةً على منح المحكمة هذه السلطة. وقد استقر على ذلك اجتهاد محكمة التمييز فقضت: “أن اختصاص المحاكم الأردنية الدولي من النظام العام في حال عدم حضور المدعى عليه وكانت المحاكم الأردنية غير مختصة”.
- إن هذا النوع من البطلان يجوز إثارته في أي مرحلة من مراحل التقاضي؛ حفاظًا على النظام العام، حيث إن القاعدة شُرعت ابتداءً للحفاظ على النظام العام، فأي مخالفة له يجوز إثارتها في أي مرحلة من مراحل التقاضي، وقضت محكمة التمييز بأنه: “حيث إن اختصاص المحاكم الأردنية هو من النظام العام لأنه يمس بسيادة الدولة لذلك فإن إثارة هذا الدفع أمام محكمة التمييز لأول مرة يكون موافقًا للقانون”.
- لكل ذي مصلحة الحق في التمسك بالبطلان المتعلق بالنظام العام، ويستوي الأمر سواءً أكان المتمسك بالبطلان طرفًا أصليًا في الدعوى، أم متدخلًا وسواءً كان هو الذي قام بالعمل الباطل أو تسبب به، سندًا لنص (المادة 25) من قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه: “ولا يجوز التمسك بالبطلان من الخصم الذي تسبب فيه وذلك كله فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها بالبطلان بالنظام العام”.
واستقر اجتهاد محكمة التمييز على أن ولاية المحاكم الأردنية هي ولاية عامة سندًا لنص (المادة 102) من الدستور الأردني بنصها على أنه: “تمارس المحاكم النظامية في المملكة الأردنية الهاشمية حق القضاء على جميع الأشخاص في جميع المواد المدنية والجزائية بما فيها الدعاوى التي تقيمها المحكمة أو تُقام عليها….”، وبالتالي فإن هذه القاعدة تعتبر من النظام العام، ومن ثم فلا يجوز معها الاتفاق على نزع هذا الاختصاص، ويعد باطلًا بطلانًا مطلقًا كل اتفاق يخالف ذلك ولكل ذي مصلحة أن يتمسك به.
2. بطلان غير متعلق بالنظام العام
إذا ترتب البطلان على مخالفة قاعدة مقررة لحماية مصلحة خاصة لأحد الخصوم فإنه والحالة هذه لا يعد بطلانًا متعلقًا بالنظام العام، ويمكن القول إن غالبية أشكال البطلان في القانون مقررة للمصلحة الخاصة، ويترتب على البطلان غير المتعلق بالنظام العام بعض النتائج وهي:
- لا يمكن للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، فهذا البطلان مقرر لحماية مصلحة خاصة لشخص أو أشخاص معينين، وبالتالي لا تستطيع المحكمة إثارته من تلقاء نفسها، رغم ما يشوب الإجراء من عيب، وإنما يتوقف ذلك على تمسك صاحب المصلحة بالبطلان، حيث جاء إنه من المقرر إعلان الأوراق القضائية في النيابة بدلًا من إعلانها للشخص المراد إعلانه في موطنه وإن كان لا يصح اللجوء إليه قبل قيام المعلن بالتحريات الكافية الدقيقة عن محل إقامة المعلن إليه، إلا أن بطلان الإعلان لعدم كفاية هذه التحريات لا يجوز أن يتمسك به إلا من شُرع هذا البطلان لمصلحته، ذلك أن بطلان الخصومة لعدم إعلان أحد الخصوم إعلانًا صحيحًا هو بطلان نسبي مقرر لمصلحة من شُرع لحمايته وليس متعلقًا بالنظام العام”([2]).
- لا يجوز أن يتمسك به إلا الخصم الذي شُرع هذا البطلان لمصلحته، سندًا لنص (المادة 25) من قانون أصول المحاكمات المدنية: “لا يجوز أن يتمسك بالبطلان إلا من شُرع البطلان لمصلحته”، فعلى سبيل المثال فإن المدعى عليه الذي يبلغ لائحة الدعوى وقائمة البينات في الدعاوى الخاضعة لتبادل اللوائح ومضت المدة القانونية المقررة لتقديم جوابه وبيناته على الدعوى هو وحده الذي يستطيع أن يحتج ببطلان التبليغ إذا لم تُراعى أصول التبليغ أو كان نقص في أحد بينات ورقة التبليغ وهذا ما استقر عليه اجتهاد محكمة التمييز.
- زوال البطلان غير متعلق بالنظام العام إذا تنازل عنه من شُرع البطلان لمصلحته، سندًا لنص (المادة 25) من قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه: “ويزول البطلان إذا نزل عنه صراحةً أو ضمنًا من شُرع لمصلحته، وذلك فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها بالنظام العام”.
نصت (المادة 110) من نفس القانون على أنه: “الدفع بالبطلان غير المتصل بالنظام العام وسائر الدفوع المتعلقة بالإجراءات غير المتصلة بالنظام العام والدفع بعدم الاختصاص المكاني أو بوجود شرط التحكيم يجب إبداؤها معًا قبل إبداء أي دفع إجرائي آخر أو طلب دفاع في الدعوى، وإلا سقط الحق فيها كما يسقط حق الطاعن في هذه الدفوع إذا لم يبدها في لائحة طعنه، ويجب إبداء جميع الوجوه التي يُبنى عليها الدفع المتعلق بالإجراءات غير المتصل بالنظام العام معًا وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها”، وذلك على عكس البطلان المتعلق بالنظام العام والذي يجوز إثارته في أية حالة تكون عليها الدعوى.
وقد جاء في أحد قرارات محكمة التمييز ما يلي: “إن الدفع بمرور الزمن بعد صدور القانون المدني ونفاذه أصبح من حق الخصوم وليس من النظام العام، ويُستفاد من نص (المادة 109) من قانون أصول المحاكمات المدنية أن للخصم قبل التعرض لموضوع الدعوى أن يطلب من المحكمة إصدار الحكم بالدفع بمرور الزمن بشرط تقديمها دفعة واحدة، وفي طلب مستقل يُستفاد من (المادة 110) من الأصول المدنية أن الدفع بالبطلان غير المتصل بالنظام العام وسائر الدفوع المتعلقة بالإجراءات غير المتصلة بالنظام العام يجب إبداؤها معًا قبل إبداء أي دفع إجرائي آخر أو طلب دفاع في الدعوى وإلا سقط الحق فيها. وإذا لم تدفع المدعى عليها الدعوى بمرور الزمن في إجابتها على لائحة الدعوى وقبل الدخول في الأساس ولم تتقدم بطلب مستقل فيكون حقها بالتمسك بهذا الدفع سقط كونها لم تثره أمام محكمة الدرجة الأولى.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الأردني لم يوضح خطته في تقسيم الدفوع، فبعض النصوص لم تفرق بين دفوع متعلقة بالنظام العام ودفوع غير متعلقة بالنظام العام ودفوع شكلية ودفوع موضوعية.
ثالثًا: موقف المشرع الأردني من عبارات البطلان
ثار جدل حول المقصود بعبارة “النص على البطلان” أوساط القانونين الأردنيين، وتنوعت الآراء في تفسير هذه العبارة، فأمام نص (المادة24) من قانون المحاكمات المدنية على أنه: “يكون الإجراء باطلًا إذا نص القانون على بطلانه أو إذا شابه عيب جوهري ترتب عليه ضرر للخصم. ولا يُحكم بالبطلان رغم النص عليه إذا لم يترتب على الإجراء ضرر للخصم”.
وبالتالي يتضح لنا من نص المادة سالفة الذكر عدم أخذ المشرع الأردني بمذهب موحد للبطلان، ولكنه دمج بين عدة مذاهب؛ مما أدى إلى تناقض الآثار القانونية والتأثير على قضاء المحاكم، فكان موقف المشرع الأردني غير واضح من هذه العبارة.
ويمكن تفسير ذلك في اتجاهين؛ الأول: أن المشرع الأردني قد قصد في المادة سالفة الذكر بعبارة “النص على البطلان” هو النص الصريح على لفظ البطلان، ويظهر هذا بصورة جلية من خلال تطبيق محكمة التمييز (للمادة16) من قانون أصول المحاكمات المدنية التي نصت على أنه: “يترتب البطلان على عدم مراعاة مواعيد وإجراءات التبليغ وشروطه المنصوص عليها في المواد السابقة”، فجاء النص على البطلان في هذه المادة بعبارة صريحة ترتب البطلان.
حيث تنص (المادة 21) أصول مدنية على أنه: “يساعد المحكمة في جلساتها في جميع إجراءات المحاكمة وتحت طائلة البطلان كاتب يتولى تدوينها…”، وتنص (المادة 22) على أنه: “لا يجوز تحت طائلة البطلان للمحضرين ولا للكتبة وغيرهم من موظفي المحاكم أن…”، وتنص (المادة 133) على أنه: “يقع باطلًا عمل القاضي أو قضاءه في الأحوال المشار إليها في المادة السابقة ولو تم باتفاق الخصوم، وإذا وقع هذا البطلان في حكم صدر من إحدى هيئات التمييز جاز للخصم أن يطلب منها إلغاء الحكم…”.
هذا بالإضافة إلى تضمن قانون أصول المحاكمات المدنية العديد من النصوص المشتملة على الجزاء الجزائي، ومثال ذلك ما ورد في (المادة 72) على أنه: “تحكم المحكمة على من يتخلف من موظفيها أو من الخصوم عن إيداع المستندات، أو عن القيام بأي إجراء من إجراءات المرافعات، في الميعاد الذي حددته المحكمة، بغرامة لا تزيد عشرين دينار”، وتنص (المادة 85) على أنه: “إذا لم يودع من كُلف من الخصوم المبلغ الواجب إيداعه خلال المهلة المعينة.. ويحق للمحكمة أيضًا أن تتخذ من عدم إيداع المبلغ من قِبل الخصم المكلف بالإيداع دليلًا على تنازله عن إثبات الواقعة التي طلب إجراء الخبرة من إثباتها”.
“هذا إضافة إلى ما استقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية، حيث جاء بأحد قراراتها ما يلي: “إذا خلا إعلام الحكم الحقوقي الموجه للمدعى عليه من أية مشروحات من المحضر بما يفيد أنه سعى إلى تبليغ المطلوب تبليغه بالذات وبذل الجهد لهذه الغاية، فإن مثل هذا التبليغ يكون باطلًا سندًا لأحكام (المادة 16) من القانون ذاته، لأن مثل هذا التبليغ يترتب عليه الضرر بالخصم، عملًا بأحكام (المادة 24) من القانون المشار إليه، ويكون الاستئناف المقدم منهم مقدمًا على العلم ومقبولًا شكلًا”([3]).
وقد بينت محكمة التمييز أن القاعدة المقررة في قانون أصول المحاكمات المدنية أن المحكمة التي أتمت إجراءات الدعوى هي التي تصدر الحكم، وإن تغيب أحد قضاتها تتولى هيئة جديدة تفهيم القرار الموقع من الهيئة السابقة، وليس للهيئة الجديدة أن تصدر حكمًا بالدعوى قبل أن تتلى المعاملات، وعليه فإذا كانت الهيئة التي أصدرت الحكم لم تقم بإجراءات الدعوى ولا تتلى عليها معاملات الدعوى فيكون الحكم صادر عن محكمة مشكلة تشكيلًا مخالف للقانون.
ونجد أن المشرع الأردني قد أعطى صاحب الحق بالتمسك بالبطلان، في حال النص الصريح عليه، قرينة قانونية بوقوع الضرر، فالإجراء الشكلي يكون باطلًا في حالة النص على البطلان متى خالف الشكل المنصوص عليه، ودون الحاجة لإثبات عدم تحقق الغاية من الشكل، فإذا كان النص بالبطلان صريحًا، فإن المشرع يكون قد وضع قرينة بسيطة مفاداها أن مخالفة الشكل تؤدي إلى عدم تحقق الغاية منه، فما على مدعى البطلان والحالة هذه إلا إثبات وجود عيب شكلي في الإجراء، وبالتالي تقوم القرينة على عدم تحقق الغاية.
ويظهر هذا بصورة واضحة من تطبيق محكمة التمييز لهذا المعيار في الحالات التي نص فيها المشرع صراحةً على البطلان، إذا أعملت آثار البطلان بمجرد تحققه أو تمسك الخصم به، ولكن خلو نص (المادة 24) سالفة الذكر من عبارة “النص الصريح على البطلان” هي ما أثار الجدل وأدى إلى الخلط بين مذهبين من مذاهب البطلان، فلا يستقيم نص (المادة 24) بالأخذ بالمذهبين معًا، أي مذهب العيب الجوهري ومذهب تحقق الضرر للخصم.
وتأييدًا لوجهة النظر السابقة نجد أن المشرع الأردني قد أعمل آثار عبارة النص الصريح مع خلو النص منها، ففي (المادة 16) من قانون أصول المحاكمات المدنية أعطى للمتمسك بالبطلان قرينة قانونية تعفيه من إثبات الضرر، فيكون للخصم الآخر الذي من مصلحته عدم الحكم بالبطلان أن يثبت أن الغاية من الشكل قد تحققت، رغم العيب الذي شاب الإجراء، حيث إن الأصل هو إثبات استيفاء العمل الإجرائي لعناصره الشكلية.
وكذلك تطبيق محكمة التمييز لذلك، فلولا عبارة النص الصريح على البطلان في (المادة 16) وغيرها من المواد التي نصت على البطلان صراحةً، لما استطاعت ترتيب آثار البطلان وكان الأولى بها أن توحد العمل بهذا الاتجاه بأن تقضي بالبطلان في جميع الحالات، لأن نص (المادة 24) لم يحدد النص على البطلان، ومثال ذلك (المادة 80) حيث نصت على أنه: “يُدون كاتب الضبط محضر المحاكمة بخط اليد أو بواسطة أجهزة الحاسوب أو الأجهزة الإلكترونية ويوقع عليه مع قضاة المحكمة مع بيان اسمه كاملًا في آخر كل صفحة وتاريخ الجلسة وأسماء القضاة والمحامين والوقائع التي تأمر المحكمة بتدوينها”، وجاء فيه: “يُستفاد من نص (المادة 80) من قانون أصول المحاكمات المدنية أنها نصت على أن يقوم كاتب الضبط والمحكمة بالتوقيع على محضر المحاكمة، إلا أنها لم ترتب البطلان على مخالفة هذا الإجراء”([4]).
ولا يعدو تطبيق محكمة التمييز لذلك عن كونه: خروج عن النص ومخالفته صراحةً، حيث إن نص (المادة 24) لم تفرق بين النص الصريح على البطلان والنصوص الناهية والآمرة. وطبقت محكمة التمييز خلاف ذلك بأن قضت بالبطلان في حال النص الصريح ولم تقضي به في حال النصوص الآمرة والناهية.
إعداد/ محمد محمود
([1]) د. محمد عبد الغفور، ميسون علي، نظرية البطلان في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، (ص98).
([2]) عبد الحميد الشواربي، البطلان المدني والإجرائي والموضوعي، (ص563).
([3]) د. محمد عبد الغفور، ميسون علي، نظرية البطلان في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، (ص101).
([4]) د. محمد عبد الغفور، ميسون علي، نظرية البطلان في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، (ص101-102).
