الدفع بعدم الاختصاص في المسائل الجزائية في القانون الأردني
اهتمت التشريعات المختلفة المدنية منها والجزائية بمسألة الاختصاص القضائي، واعتبرت القواعد العامة أن الاختصاص من مسائل النظام العام التي يجوز التمسك بها ولو لأول مرة أمام محكمة التمييز، وفي نطاق المسائل الجزائية تحظي أحكام الاختصاص بأهمية بالغة نظرا لتعدد الجهات القضائية التي تنظر المسائل الجزائية وقد راعى المشرع ذلك بشدة فوضع أحكام ملزمة للجهات القضائية تلزمها بالفصل فقط فيما يدخل في اختصاصها الجزائي وإحالة ما يخرج عن اختصاصها الى المحكمة المختصة
وقد أجاز المشرع الأردني للخصوم الدفع بعدم الاختصاص وطلب إحالة الدعوى الجزائية الى المحكمة المختصة و أوجب على القضاء بحث هذا الدفع والرد عليه قبل الفصل في الموضوع وفي خلال هذا المقال سوف نتناول هذا الدفع ونطاقه وأحكامه على التفصيل الآتي :
أولا: ماهية الدفع بعدم الاختصاص وصوره
ثانيا: الدفع بعدم الاختصاص أمام المدعي العام في مرحلة التحقيقات
ثالثا: الدفع بعدم الاختصاص أمام محكمة الموضوع
رابعا: الدفع بعدم الاختصاص أمام محكمة التمييز
خامسا: بعض الاجتهادات القضائية فيما يتعلق بالدفع بعد الاختصاص في المسائل الجزائية
أولا: ماهية الدفع بعدم الاختصاص وصوره
– يعرف الدفع في العموم بأنه: : ( وسيلة قانونية تجيز للمدعي عليه مواجهة ما قدمه المدعي من وقائع أو أدلة أو وثائق تفيد رد الدعوى أو تأسيس قناعة لدى القاضي بعدم أحقية المدعي في طلبه).
– ويقصد بالاختصاص الجزائي بأنه: ( هو مباشرة ولاية القضاء في نظر الدعوى في الحدود التي رسمها القانون ) .
ولما كان المشرع قد أناط للعديد من الجهات القضائية داخل الدولة بالفصل في المنازعات القضائية، إلا أنه في سبيل الحيلولة دون حصول تنازع في الاختصاص بين هذه الجهات عند نظر الدعوى القضائية، قد وضع معايير وأحكام خاصة بالاختصاص بحيث من خلالها يسهل على المحكمة والمتقاضين معرفة المحكمة المختصة بالفصل في النزاع القائم، إضافة إلى تمكين الأطراف والمحكمة ذاتها من الوقوف على مدى اختصاص المحكمة من نظر النزاع، بحيث إذا رأى أحد الخصوم أو المحكمة عدم اختصاصها بنظر النزاع نوعيا أو محليا دفع بعد اختصاص المحكمة الذي إن ثبت موافقته لصحيح القانون قضت ، بعدم اختصاصها وأحالت الدعوى القضائية إلى المحكمة المختصة.
وترتيبا على ذلك يمكننا تعريف الدفع بعد الاختصاص بأنه : الدفع الذي يبديه أحد الخصوم بقصد منع المحكمة التي تنظر الدعوى المعروضة عليها من نظرها والفصل فيها، نظرا لخروج الدعوى عن حدود الولاية القضائية للمحكمة طبقا لقواعد الاختصاص القضائي.
ويعتبر الدفع بعدم الاختصاص من الدفوع الشكلية التي يجب إبدائها قبل إبداء الدفوع الموضوعية، كما أنه دفعا لا يقصد منه تقرير حق أو نفيه في الدعوى القضائية، بل يهدف إلى إخراج النزاع من المحكمة التي تتولى نظر الدعوى.
الدفع بعدم اختصاص المحكمة الجزائية
- وفي مجال القضاء الجزائي يمكننا القول إن الدفع بعدم اختصاص المحكمة الجزائية المعروض عليها الجريمة بالفصل فيها يعني خروج الجريمة محل الدعوى الجزائية عن اختصاص المحكمة الجزائية التي أسند إليها الفصل فيها كأن تكون الجريمة جناية وتعرض أمام المحكمة الصلحية، أو أن تكون الجريمة من جرائم الأحداث أو الجرائم العسكرية أو الشرطية وتعرض أمام المحاكم العادية.
- والدفع بعدم الاختصاص قد يكون أساسه عدم اختصاص المحكمة نوعيا للفصل في الدعوى الجزائية كما قد يكون أساسه عدم اختصاص المحكمة مكانيا للفصل في الدعوى الجزائية على النحو الاتي :
أ- الدفع بعدم الاختصاص النوعي :
و يقصد به الاختصاص الذي يتحدد للمحكمة بناء على طبيعة النزاع المعروض عليها، حيث أسند المشرع لكل محكمة اختصاص نوعيا بعدد من الجرائم بناء على نوعها، فنجد أن المشرع قد أسند لمحاكم الصلح الفصل في بعض الجرائم على سبيل التحديد وهي جرائم المخالفات وبعض الجنح حيث نصت المادة ( 3 ) من قانون محاكم الصلح على : ( تختص محكمة الصلح بالنظر في المخالفات والجنح جميعها والتي لم يعين القانون محاكم أخرى للنظر فيها) .
ثم اخرج بعض الجرائم الجنحية عن ولايتها وأسند الفصل فيها إلى محكمة البداية، إضافة إلى بعض الجنايات، حيث نصت المادة ( 4 ) من قانون تشكيل المحاكم النظامية وتعديلاته على : ( أ. تشكل محاكم تسمى ( محاكم البداية ) في المحافظات أو الألوية أو أي مكان آخر بمقتضى نظام يحدد فيه الاختصاص المكاني لكل منها وتؤلف كل محكمة من رئيس وعدد من القضاة .
ب. يكون لمحاكم البداية : 1. بصفتها البدائية : صلاحية القضاء في جميع الدعاوي الحقوقية والدعاوي الجزائية التي لم تفوض صلاحية القضاء فيها لأي محكمة أخرى.
- بصفتها الاستئنافية: صلاحية النظر في: أ. الطعون الموجهة إلى الأحكام المستأنفة إليها الصادرة عن محاكم الصلح.
ب. الطعون الموجهة إلى القرارات الصادرة عن رؤساء التنفيذ القابلة للطعن بموجب قانون التنفيذ .
ج. الطعن في أي حكم يقضي أي قانون آخر باستئنافه إلى المحاكم البدائية .
ج. تنشأ في محكمة البداية غرفة قضائية للنظر في الدعاوى الحقوقية وغرفة قضائية أخرى للنظر في الدعاوى الجزائية ، ولرئيس محكمة البداية إنشاء غرف قضائية متخصصة ضمن كل من الغرفة الحقوقية أو الغرفة الجزائية وفي محكمة الصلح ضمن محكمة البداية ومحاكم الصلح التابعة لها إذا كان حسن سير العمل القضائي يستدعى ذلك ، وتضم كل غرفة هيئة واحدة أو اكثر وفقا لما يحدده رئيس محكمة البداية بحسب الحاجة ) .
– كما أخرج بعض الجنايات عن ولاية محكمة البداية وأسند الفصل فيها إلى محكمة الجنايات الكبرى حيث نصت المادة (4) من قانون محكمة الجنايات الكبرى على: (أ. تختص المحكمة بالنظر في الجرائم التالية حيثما وقعت في المملكة:
1. جرائم القتل المنصوص عليها في المواد (326) و (327) و (328) و (330) و (338) من قانون العقوبات المعمول به.
2. جرائم الاغتصاب وهتك العرض والخطف الجنائي المنصوص عليها في المواد من (292) إلى (302) من قانون العقوبات المعمول به.
3. الشروع في الجرائم المبينة في البندين (1) و (2) من هذه الفقرة.
ب. لا يقبل الادعاء بالحق الشخصي أمام المحكمة وللمتضرر الحق في اللجوء إلى المحكمة النظامية المختصة .
ج. تستمر المحكمة في النظر في دعاوى الادعاء بالحق الشخصي المنظورة لديها قبل نفاذ أحكام هذا القانون المعدل).
– كما اخرج المشرع بعض الجرائم من نطاق اختصاص القضاء العادي وجعل الاختصاص فيها لمحاكم خاصة، كجرائم أمن الدولة حيث نصت المادة (3) من قانون محكمة الدولة على الجرائم لتي تختص نوعيا بنظرها بقولها: (أ. على الرغم مما ورد في أي قانون آخر تختص محكمة امن الدولة بالنظر في الجرائم المبينة أدناه التي تقع خلافاً لأحكام القوانين التالية أو ما يطرأ عليها من تعديل يتعلق بهذه الجرائم أو ما يحل محلها من قوانين :1. جرائم الخيانة المنصوص عليها في المواد من (110) إلى (117) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته .
2. جرائم التجسس الواقعة خلافاً لأحكام المواد (14) و(15) و(16) من قانون حماية أسرار ووثائق الدولة رقم (50) لسنة 1971.
3. جرائم الإرهاب المنصوص عليها في المواد من (147) إلى (149) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته وجرائم الإرهاب الواقعة خلافاً لأحكام قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006 وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (46) لسنة 2007 وتعديلاته .
4. جرائم المخدرات الواقعة خلافاً لأحكام قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (11) لسنة 1988 وتعديلاته.
5. جرائم تزييف العملة وتشمل جرائم تزوير البنكنوت والجرائم المتصلة بالمسكوكات والمنصوص عليها في المواد من (239) إلى (252) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته .
ب. إذا تبين للنائب العام لدى محكمة امن الدولة وجود تهم تخرج عن اختصاص محكمة امن الدولة فله إن يحيلها بالتلازم إلى محكمة امن الدولة للفصل بها .
ج. تستمر محكمة أمن الدولة في النظر في جميع الجرائم غير المنصوص عليها في الفقرة (أ) من هذه المادة المحالة إليها من قبل نيابة أمن الدولة قبل العمل بهذا القانون المعدل على إن يتم ذلك من هيئة جميع قضاتها مدنيون ، بما في ذلك النظر في التسويات التي تمت بالاستناد إلى قانون الجرائم الاقتصادية ).
إلى جانب ما قرره المشر ع من اختصاص للمحاكم العسكرية والشرطية بخصوص الجرائم العسكرية والجرائم الشرطية، واختصاص محكمة الأحداث نوعيا بنظر الجرائم التي ينسب ارتكابها لأحد الأحداث، ولا شك أن هذا التوزيع في الاختصاص يرجع إلى سمة في الجريمة وميزة تميزها عن غيرها من الجرائم ما استدعى التمييز في الاختصاص النوعي بين الجهات القضائية المختلفة السابق ذكرها.
ب- الدفع بعدم الاختصاص المحلي (المكاني) : - وهو الدفع الذي يوجه أحد الخصوم بقصد إنكار حق المحكمة التي تنظر الدعوى في الفصل فيها لأسباب ترجع إلى انعقاد الاختصاص لمحكمة أخرى تقع في نطاق مكاني أو إقليمي أخر، فهو دفع يقصد منه إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة مكانيا والتي تتحدد وفق مكان وقوع الجريمة وغيرها من قواعد قررها القانون، وقد تناولت المادة ( 5 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أحكام الاختصاص المكاني حيث نصت على : ( 1. تقام دعوى الحق العام على المشتكى عليه أمام المرجع القضائي المختص التابع له مكان وقوع الجريمة أو موطن المشتكى عليه أو مكان إلقاء القبض عليه ولا أفضلية لمرجع على أخر ألا بالتاريخ الأسبق في إقامة الدعوى لديه .
2. في حالة الشروع تعتبر الجريمة أنها وقعت في كل مكان وقع فيه عمل من أعمال البدء في التنفيذ ، وفي الجرائم المستمرة يعتبر مكاناً للجريمة كل محل تقوم فيه حالة الاستمرار. وفي جرائم الاعتياد والجرائم المتتابعة يعتبر مكاناً للجريمة كل محل يقع فيه أحد الأفعال الداخلة فيها.
3. إذا وقعت في الخارج جريمة من الجرائم التي تسري عليها أحكام القانون الأردني ولم يكن لمرتكبها محل إقامة معروف في المملكة الأردنية الهاشمية ولم يلق القبض عليه فيها فتقام دعوى الحق العام عليه أمام المراجع القضائية في العاصمة.
4. يجوز إقامة دعوى الحق العام على المشتكى عليه أمام القضاء الأردني إذا ارتكبت الجريمة بوسائل إلكترونية خارج المملكة وترتبت أثارها فيها ، كليا أو جزئيا ، أو على أي من مواطنيها ).
ثانيا: الدفع بعدم الاختصاص أمام المدعي العام في مرحلة التحقيقات
يعتبر الدفع بعدم الاختصاص من الدفوع التي يجوز الدفع بها أمام المدعي العام أثناء إجراء التحقيقات حيث وضع المشرع أحكاما عامة للاختصاص المكاني للمدعي العام ومنها ما قررته المادة ( 18 ) من قنون أصول المحاكمات الجزائية بقولها :
( في الأحوال المبينة في المواد ( 7-13) من قانون العقوبات يقوم بالوظائف المذكورة في المادة السابقة المدعي العام التابع له موطن المشتكي عليه أو مكان إلقاء القبض عليه أو موطنه الأخير ) ،
وبالتالي إذا خالف المدعي العام قواعد الاختصاص المكاني المقررة أو الاختصاص النوعي فيكون لأطراف الخصومة سواء المتهم أو المدعي الحق الشخصي الدفع بعدم اختصاص المدعي العام بإجراءا التحقيق، ومن ثم فإذا تبين له صحة هذا الدفع وجب عليه أن يقرر عدم اختصاصه بإجراء التحقيق ويحيله إلى الجهة المختصة، كما يجوز للمدعي العام إن يقرر ذلك دون أن يبدي أحد اطراف الخصومة هذا الدفع، ويرجع السبب في ذلك إلى ما استقرت عليه القواعد العامة في اعتبار الاختصاص الجزائي بجميع أنواعه من النظام العام الذي لا يجوز مخالفته، ويجوز إصدار قرار بعدم الاختصاص دون أن يدفع به أحد الأطراف خاصة وأن هذه القواعد قد تقررت لمصلحة المجتمع وضمان حسن سير العدالة ما يعني جواز إبداء هذا الدفع في أي مرحلة من مراحل الدعوى الجزائية.
- والجدير بالذكر أنه يجب على المدعي العام الفصل في الدفع بعدم الاختصاص خلال مدة لا تزيد عن أسبوع، كما يعد القرار الصادر بعدم الاختصاص من قبيل القرارات القضائية التي يجوز للمشتكي عليه الطعن عليها بالاستئناف أمام النائب العام خلال مدة يومين من تاريخ تبليغه بالقرار، ولا يترتب على الطعن على هذا القرار وقف إجراءات التحقيق وقد نصت المادة (67) على: (1. إذا ادلى المشتكى عليه أثناء التحقيق بدفع يتعلق بعدم الاختصاص أو بعدم سماع الدعوى أو بسقوطها أو بان الفعل لا يؤلف جرما أو لا يستوجب عقاباً وجب على المدعي العام بعد إن يستمع إلى المدعي الشخصي إن يفصل في الدفع خلال أسبوع من تاريخ الإدلاء به .
- ويكون قراره بهذا الشأن قابلاً للاستئناف للنائب العام خلال يومين من تاريخ تبليغه المشتكى عليه ولا توقف هذه المراجعة سير التحقيق ) .
– وفي هذه الحالة يجب على المدعي العام أن يقوم بإحالة الدعوى الجزائية إلى المدعي العام المختص وفقا لما قررته المادة ( 60 ) حيث نصت على : ( إذا رفعت الشكوى إلى مدعي عام غير مختص أودعها بقرار منه إلى المدعي العام المختص ).
ثالثا: الدفع بعدم الاختصاص أمام محكمة الموضوع
لما كانت القواعد العامة قد اعتبرت الاختصاص في المسائل الجزائية من النظام العام الذي لا يجوز مخالفته، فإن ذلك يقتضي جواز إبداء الدفع بعدم الاختصاص ليس فقط أمام جهات التحقيق بل يجوز أيضا إبدائه أمام المحكمة ناظرة الدعوى وهو ما يمسى بالدفع المباشر، وكما اشرنا سابقا فإن المشرع لم يترك مسألة الاختصاص في المسائل الجزائية بدون تنظيم بل بذل جهدا كبيرا في تنظيمها بالقدر الذي يمنع تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية وبعضها البعض، وبالتالي إذا دفع المشتكي عليه بعدم اختصاص محكمة الجنايات الكبرى في نظر الدعوى الجزائية كون الفعل لا يشكل جريمة من الجرائم التي أوكل المشرع لمحكمة الجنايات الكبرى حصرا الفصل فيها فإنه يتعين على محكمة الموضوع الفصل فيه قبل النظر في موضوع الدعوى، بحيث إذا ثبت لها أن الفعل لا يشكل جريمة من الجرائم التي تختص بها أعملت قواعد الاختصاص وأحالت الدعوى الجزائية إلى المحكمة التي أناط المشرع اختصاصها بالفصل فيها.
- ومن ذلك ما نصت عليه المادة ( 180 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية بقولها :
( إذا وجدت المحكمة إن الفعل يشكل جريمة جناية، قضت بعدم اختصاصها، واذا اصر المدعي العام على قراره الظني، عند توديع الدعوى إليه عندئذ يحل الخلاف على الاختصاص بطريقة تعيين المرجع ويبقى لها حق إصدار مذكرة التوقيف عند الحاجة ).
– كما حددت المادتين ( 322 و 323 )
من ذات القانون الإجراءات الواجب اتبعاها في حالة حصول تنازع حول الاختصاص في المواد الجزائية، حيث نصت المادة ( 322 ) على : ( 1. يحل الخلاف على الاختصاص بطريق تعيين المرجع إذا وقعت جريمة وشرعت في رؤيتها محكمتان أو باشر تحقيقها مدعيان عامان باعتبار إن الجريمة عائدة لكل منهما أو إذا قرر كل من المدعي العام أو المحكمتين عدم اختصاصه لتحقيقها أو رؤيتها أو قررت محكمة عدم اختصاصها لرؤية دعوى أحالها عليها المدعي العام أو النيابة العامة ونشا عما ذكر خلاف على الاختصاص أوقف سير العدالة من جراء انبرام القرارين المتناقضين في القضية نفسها .
2. يجري حكم هذه المادة إذا وقع الخلاف بين محكمة عادية ومحكمة استثنائية أو بين محكمتين استثنائيتين أو بين المدعين العامين لديها ).
ونصت المادة (323) على: (1. يجوز للنيابة العامة والمدعي الشخصي والمشتكى عليه إن يطلبوا تعين المرجع باستدعاء يقدمونه إلى محكمة التمييز .
2. أما إذا كان الطلب يتعلق بخلاف على الاختصاص بين محكمتين أو مدعين عامين أو محكمة ومدع عام تابعين لمحكمة استئنافية واحدة فيقدم الطلب إلى هذه المحكمة ).
رابعا: الدفع بعدم الاختصاص أمام محكمة التمييز
لم يتوانى المشرع الأردني في تقرير حق المشتكي عليه في إبداء الدفع بعدم الاختصاص ولو لأول مرة أمام محكمة التمييز باعتبار أن الوقوف على مدى اختصاص المحكمة وإن كان مقررا لصالح المشتكي عليه فإن محكمة الموضوع أيضا يجب أن تتيقن من توافر اختصاصها النوعي والشخصي والمكاني في نظر الدعوى، بحيث إذا تين لها عدم اختصاصها أحالتها إلى المحكمة المختصة، وبالتالي فإذا لم تولي محكمة الموضوع الأهمية اللازمة لبحث اختصاصها من عدمه سواء من تلقاء نفسها أو بواسطة نظرها للدفع بعدم الاختصاص الذي يدفع به المشتكي عليه، فإن قرارها يكون مشوبا بعيب الخطأ في تطبيق القانون كون قواعد الاختصاص بأنواعه من النظام العام التي لا يجوز إغفالها.
– وترتيبا على ذلك فقد أجاز المشرع الأردني الطعن بالتمييز على الأحكام الجزائية إذا شابها عيب صدورها من محاكم غير مختصة وعددتها كأحد أسباب قبول الطعن بالتمييز على الأحكام الجزائية إذا صح ثبوتها فنجد المادة ( 274 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد نصت على ( لا يقبل التمييز إلا للأسباب التالية :……..
ثالثاً : مخالفة قواعد الاختصاص أو تجاوز المحكمة سلطتها القانونية ).
خامسا: بعض الاجتهادات القضائية فيما يتعلق بالدفع بعد الاختصاص في المسائل الجزائية
1- الحكم رقم 862 لسنة 2023 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
الصادر بتاريخ 2023-07-27 حيث جاء فيه : ( وحيث إن سبب الطعن يتعلق بمخالفة الإجراءات التي أوجب قانون أصول المحاكمات الجزائية مراعاتها والمتعلقة بالاختصاص المكاني لمحكمة صلح جزاء عمان التي نظرت الدعوى موضوع الطعن فإن محكمتنا تجد أن الثابت من خلال لائحة الشكوى والتعهد بصحة البيانات الموقع من المشتكي المرفق بها أن عنوان المستدعي / المشتكى عليه خلف حسن عقلة قواقزة هو (عمان – إشارات وادي صقرة – الحدائق – مقابل مستشفى الاستشاري – عمان) رقم (270) فإن محكمة صلح جزاء عمان نظرت الدعوى كونها المختصة مكانياً بنظرها على أساس هذا العنوان الوارد للمشتكى عليه .
ولما كان ذلك وحيث إن دعوى الحق العام التي تقام على المشتكى عليه أمام المرجع القضائي المختص التابع له مكان وقوع الجريمة أو موطن المشتكى عليه أو مكان القبض عليه وإنه لا أفضلية لمرجع على آخر إلا بالتاريخ الأسبق في إقامة الدعوى لديه وذلك على مقتضى المادة (5/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية فإن محكمة صلح جزاء عمان تكون وبناءً على ما أشرنا إليه هي المختصة بنظر الدعوى مكانياً ويكون قرار محكمة بداية جزاء عمان بصفتها الاستئنافية القاضي برد الدفع بعدم الاختصاص المكاني لمحكمة صلح جزاء عمان واقعاً في محله وليس فيه ما يخالف القانون مما يتعين رد سبب الطعن لعدم وروده على القرار المطعون فيه ) .
2- الحكم رقم 1414 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
الصادر بتاريخ 2021-06-15 حيث جاء فيه : ( وبالنسبة للسبب الأول من أسباب التمييزات الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسابع والذي يخطئ فيه المميزون محكمة أمن الدولة بمخالفة قواعد الاختصاص ورد الدفع بعدم الاختصاص الذي أثاره وكلاء الدفاع.
ورداً على ذلك نجد أنه يستفاد من نصوص المواد (99 و100 و101) من دستور المملكة الأردنية الهاشمية أنه خول المشرع الأردني إنشاء المحاكم الخاصة بقوانين خاصة تحدد اختصاصاتها وكيفية تشكيلها وطرق الطعن في أحكامها ويستفاد من نصي
المادتين( 2 و3 ) من قانون محكمة أمن الدولة رقم (17 لسنة 1959 وتعديلاته) أن محكمة أمن الدولة هي محكمة خاصة أنشئت بقانون خاص صادر استناداً لأحكام الدستور.
وحيث أن محكمة أمن الدولة محكمة خاصة بالمعنى المقصود بالدستور وتمارس حق القضاء على الأشخاص المدنيين والعسكريين المتهمين بأي من الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها وتختص بنظرها وفصلها وفق أحكام المادة (3) من قانونها وتطبق إجراءاتها وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون العقوبات والقوانين الخاصة التي تدخل ضمن اختصاصها ومنها قانون منع الإرهاب رقم (55 لسنة 2006).
وحيث إن الجريمة الأولى التي أسندت للمتهمين (المميزين) وهي جناية القيام بعمل إرهابي من شأنه تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر وإلقاء الرعب بين الناس وترويعهم وتعريض حياتهم للخطر باستخدام سلاح بالاشتراك تشكل مخالفة لأحكام القانون المذكور والتي تتفق نصوصه مع ما ورد في المادة (101/2) من الدستور الأردني التي أناطت النظر في جرائم الإرهاب بشكل عام إلى محكمة أمن الدولة والتي لم تنزع اختصاص المحكمة المذكورة من نظر جرائم الإرهاب الأمر الذي يغدو معه اختصاص محكمة أمن الدولة بنظر هذه الدعوى اختصاص أصيل وثابت ويجد سنده في نصوص القانون الخاص بها وقانون منع الإرهاب المتفقين مع نصوص الدستور الأردني بتعديلاته التي أقرت عام 2011 هذا من جهة) .
3- الحكم رقم 504 لسنة 2012 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
الصادر بتاريخ 2012-06-10 حيث جاء فيه : ( وبالنسبة للسبب الثاني من أسباب التمييز الثاني الدائر حول الطعن في مخالفة قواعد الاختصاص. وفي ذلك نجد من الرجوع إلى أوراق الدعوى والبينات المقدمة فيها أن محكمة الجنايات الكبرى قد توصلت في قرارها المطعون فيه أن المتهم المميز وقت ارتكابه للجناية المسندة إليه كان حدثاً.
وحيث إن محاكمة الحدث تخرج عن اختصاص محكمة الجنايات الكبرى وتدخل ضمن اختصاص محكمة البداية بصفتها محكمة أحداث وتخضع الأحكام الصادرة بمقتضى قانون الأحداث للاعتراض والاستئناف والتمييز وفقاً لأحكام المادة (17) من قانون الأحداث.
وحيث إن محكمة الجنايات الكبرى انتهت إلى خلاف ذلك فيكون قرارها مخالفاً للقانون ومستوجب النقض لورود هذا السبب عليه ) .
إعداد: محمد إسماعيل حنفي

