المواجهة التشريعية لظاهرة التحرش السيبراني

المواجهة التشريعية لظاهرة التحرش السيبراني

أدى انتشار شبكة الإنترنت فيج ميع أنحاء العالم وتمكن  الملايين من الأشخاص في الولوج إليه واستعماله الى  ارتكاب العديد من الجرائم التي لم يكن يتصور ارتكابها  عن بعد، ومن هذه الجرائم جريمة التحرش التي كان يصعب تصور حصولها  إلا في وجود الجاني  والمجني عليه في ذات المكان، إلا أنه مع ظهور الإنترنت و زيادة عدد مستخدميه تلاحظ  ارتكاب هذه الجريمة عبر الإنترنت، وقد اطلق عليها الفقه القانوني الحديث مصطلح (التحرش السيبراني)  إشارة الى ارتكابها بواسطة الإنترنت.

وفي خلال هذا المقال سوف نتناول المواجهة التشريعية لظاهرة التحرش السيبراني على التفصيل الآتي:

أولا :تعريف التحرش السيبراني

ثانيا : أسباب شيوع التحرش السيبراني

ثالثا : المواجهة التشريعية لظاهرة التحرش السيبراني

رابعا: بعض التوصيات الهامة المتعلقة بمواجهة التحرش السيبراني

 

أولا :تعريف التحرش السيبراني :

يعرف التحرش لغة بأنه  : حرش من الحرش والتحريش : إغراؤك الإنسان والأسد ليقع بقرنه، قال الجوهري : التحريش الإغراء بين القوم وكذلك بين الكلاب .

وفي الحديث : أنه – صلى الله عليه وسلم – نهى عن التحريش بين البهائم، هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها .[1]

ويعرف  الفقهاء التحرش بأنه : ( ﻣﺤﺎوﻟﺔ اﺳﺘﺜﺎرة اﻷﻧﺜﻰ ﺟﻨﺴﻴا دون رﻏﺒﺘﻬﺎ وﻳﺸﻤﻞ اﻟﻠﻤﺲ أو اﻟﻜﻼم أو اﻟﻤﺤﺎدﺛﺎت اﻟﺘﻠﻔﻮﻧﻴﺔ أو ﻏﺮف اﻟﻤﺤﺎدﺛﺎت أو اﻟﻤﺠﺎﻣﻼت اﻟﻐﻴﺮ المرئية  ).[2]

  • وقد عرفه الفقيه بيكو بأنه : ( سلوك عدواني ذو طبيعة جنسية يرتبط بالخوف الذى يستمد أساسه من استغلال النفوذ وعلاقته بالسلطة والإحساس بالعجز أمام سلطة المتحرش ) [3]

–  وترتيبا على ذلك فيمكننا القول أن التحرش السيبراني هو : (هو التحرش عبر الإنترنت ويتمثل بالمضايقات أو الإهانة أو التهديد عبر الإنترنت سواء عبر استخدام البريد الإلكتروني، والرسائل الفورية، و مواقع الويب، و مواقع التواصل الاجتماعي لإزعاج فرد أو مجموعة بطريقة أو أخرى من خلال الهجمات الشخصية بإضافة تعليقات ، أو إرسال رسائل بريد إلكتروني مسيئة جنسياً أو قاسية أو حتى مضايقة الآخرين من خلال النشر على المدونات أو مواقع التواصل الاجتماعي).[4]

ثانيا : أسباب شيوع التحرش السيبراني :

للتحرش السيبراني أسبابا متعددة، تتنوع باختلاف مجالات الحياة، ﻓﻤﻨﻬﺎ  ﻣﺎ ﻫﻮ اﻗﺘﺼﺎدي واﺟﺘﻤﺎﻋﻲ وﺗﺮﺑﻮي وﻧﻔﺴﻲ وﻗﺎﻧونى ودﻳﻨﻲ، على التفصيل الآتي :

أ- أسباب اقتصادية : يوجد العديد من الأسباب الاقتصادية التي كانت لها دورا في انتشار التحرش السيبرانى، مثل ﺗﺪﻫﻮر اﻟﻮﺿﻊ اﻻﻗﺘﺼﺎدي وﻣﺴﺘﻮى اﻟﻤﻌﻴﺸﺔ، مع ارتفاع معدلات الفقر، وزيادة معدلات البطالة بين الشباب وانتشار الفراغ، وصعوبة الزواج؛ نظرا لارتفاع التكاليف وغلاء المهور؛ أدى كل هذا إلى سعى الشباب لإفراغ رغباتهم الجنسية في صورة غير مشروعة.[5]

ب- أسباب تربوية : ويعتبر من الأسباب التربوية التي كانت عاملا لزيادة التحرش السيبراني، وهذا أمر يسرى على أغلب الأسر؛ لعدم وجود الثقافة اللازمة؛ لتعليم الأولاد أمر التربية الجنسية تعليما صحيحا، كذلك تجاهل الأطفال عند ممارسة الحق الزوجي؛ مما يجعله يفكر في ماذا يحدث ؟، ولماذا يخبئون عنه ذلك ؟، فتثار في ذهنه ملكة الفضول؛ فيسعى إلى التقليد مع صغره؛ فيكن ذلك داعيا لتحقق التحرش السيبراني في القريب العاجل . [6]

ج- أسباب قانونية :  هناك العديد من الأسباب التي تشجع على تحقق ظاهرة التحرش السيبراني بصورة مبسطة، مثل غياب الحماية القانونية اللازمة للضحية؛ خاصة مع صعوبة العثور على الجناة بسهولة، وحتى مع صدور بعض القوانين التي تحمى وتجرم التحرش، فإنه قد يقابلك عائقا آخر، يتمثل في انعدام التوعية اللازمة للمستهدفين بصدور بعض النصوص القانونية التي تحميهم، فيكون ذلك دافعا إلى سكوتهم وعدم لجوئهم للقضاء.

وكذلك من الأسباب التي تساعد على انتشار هذه الجريمة؛ عدم تحقق الحماية الأمنية اللازمة على الإنترنت، من الوصول السريع للجناة، وعدم الوصول للأدلة بيسر وسهولة؛ مع العلم بأن الجاني يأخذ كافة احتياطاته قبل ارتكابه للتحرش : من مسح الأدلة وتفنيد كل الدلائل التي قد تكون سببا في إدانته، فضلا عن إحجام بعض الضحايا  التقدم بشكوى؛ لما يثار في نظره من عدم كفاية الأدلة، وصعوبة الحصول عليها بسهولة.

د- أسباب دينية :  ويرجع ذلك إلى  ضعف الوازع الديني، وقلة مراقبة الإنسان نفسه وضميره وخوفه من خالقه قبل كل شيء، فضلا عن إشباع الحاجات من خلال استيراد مواد إعلامية غربية، أغلبها يقوم على الإباحية والجنس، أضف إلى ذلك الاختلاط بين الجنسين، ومبادلات العواطف بدون أي حياء، وإطلاق البصر وتبادل أرقام الهواتف، والدخول على الحسابات الشخصية لبعضهم البعض، مع نشر الصور بكل سهولة وحفظها والتلاعب فيها بكل بساطة.

ثالثا : المواجهة التشريعية لظاهرة التحرش السيبراني

أدى انتشار التكنولوجيا بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي؛ أدى إلى انتشار الجرائم بصورة كبيرة؛ خاصة مع الجرائم التي تجد البيئة الخصبة لنفسها في ظل وجود الإنترنت، فالتحرش كجريمة وجدت لنفسها البيئة الخصبة مع وجود الإنترنت والمواقع الإباحية ومواقع التواصل الإجتماعى؛ حتى صارت بشكلها المستوحش تحت ما يسمى بالتحرش السيبرانى.

ومع أن المشرع الأردني كان وما زال دائما يسير نحو خطوات جادة تقوم على تحجيم الجرائم منذ ولادتها ونشأتها؛ إلا أن الأمر من ناحية القوانين لم يصل إلى النتيجة المرضية بعد.

ومع تعدد المحاولات التي تسير في هذا الشأن من تطوير للمنظومات الأمنية، وتأهيل لرجال الأمن السيبراني تأهيلا خاصا، والقيام بإنشاء إدارات خاصة بالأمن السيبرانى، والعمل على تنظيم المؤتمرات التي تساعد في ذلك؛ إلا أن ذلك لا يؤتى ثماره في صورة مثلى؛ إلا من خلال التشريعات التي تعالج المشكلة من جذورها.

وعلى الجانب الآخر تنتشر الجرائم الإلكترونية وتزداد ضراوة واشتعالا وخطورة؛ وبالأخص جريمة التحرش السيبرانى؛ فكان لابد للتشريعات من مواجهة ذلك مواجهة صارمة؛ حتى يتم ملاحقة الجناة، وإنقاذ المجتمع من خطر محقق؛ خاصة مع حداثة الجريمة وتطورها المتلاحق، وقلة التشريعات العقابية المعنية بشأنها؛ لذلك فسنقوم بتسليط الضوء بإيجاز على المواجهة التشريعية لجريمة التحرش السيبراني من قبل المشرع الأردني من خلال الآتي :

1- معالجة قانون العقوبات الأردني لجريمة التحرش :

حيث نجد أن قانون العقوبات الأردني وتعديلاته على مدار السنين الماضية، قام على قدميه واقفا في مواجهة كافة الجرائم المستحدثة ؛ لكنه لم يقم بالوجه الكافي في مواجهة جريمة التحرش العادي أو الإلكتروني، لكننا سنلقى الضوء على كل المواد التي تتعلق بجريمة التحرش بنوعيه؛ محاولين تكييف النصوص والمواد على هذه الجريمة :

  • بتسليط الضوء على قانون العقوبات الأردني وتعديلاته نجد أن بداية معالجته لهذه الجريمة كانت مع نص المادة رقم (305) والتي جاءت بعنوان وجاء فيها الآتي : ( يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من داعب بصورة منافية للحياء :
  1. شخصا لم يكمل الثامنة عشرة من عمره ذكرا كان أو أنثى .
  2. شخصا ذكراً كان أو أنثى اكمل الثامنة عشرة من عمره دون رضا).
  • فمن هذه المادة يتضح لنا أن المشرع قام بوضع عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة؛ إذا ما قام شخص ما بمداعبة أي شخص ذكرا كان أو أنثى وكان هذا الشخص الواقع عليه الفعل لم يكمل الثامنة عشرة من عمره. ولقد فصل المشرع في أمر المداعبة  واشترط أن تكون المداعبة على صورة تنافى للحياء،  بل إن المادة نفسها جاءت بعنوان [مداعبة منافية للحياء]  فاشترط المشرع أن تكون صورة الفعل منافية للآداب العامة أو تؤدي إلى إفساد الأخلاق العامة.
    ولم يكتف المشرع بوقوع الفعل على من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره فحسب، بل وقع العقوبة أيضا؛ حتى ولو كان الشخص الواقع عليه الفعل قد أكمل الثامنة عشرة من عمره لكن بشرط أن تكون المداعبة المنزوعة الحياء قد تمت بدون رضاه.
  •  ومع أن المادة (305 ) لم تدل بدلو كبير وكاف في شأن جريمة التحرش السيبرانى؛ إلا أنها أضافت إضافة ليست بالهينة؛ لكن ذلك يستدعينا للبحث أكثر وأكثر؛ علنا نجد ما يروى ظمأنا وهو ما تحقق نسبيا مع المادة رقم (306) عقوبات، والتي جاءت على النحو التالي : ( يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر كل من عرض فعلا منافيا للحياء أو وجه أي عبارات أو قام بحركات غير أخلاقية على وجه مناف للحياء بالقول أو الفعل أو الحركة أو الإشارة تصريحا أو تلميحا باي وسيلة كانت متى وقع الاعتداء على:

  1. شخص لم يكمل الثامنة عشرة من عمره .
  2. شخص ذكر كان أو أنثى اكمل الثامنة عشرة من عمره دون رضا).
  • والناظر إلى هذا النص يجد أن هذه المادة قد توسعت في التوضيح والتفصيل  على عكس المادة (305 )؛ فنص المشرع فيها على توقيع عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر على كل من قام بعرض ما ينافى الحياء وذلك عن طريق الآتي :
  • توجيه عبارات غير أخلاقية على وجه ينافي الحياء.
  • القيام بحركات غير أخلاقية على وجه ينافي الحياء [ قولا أو فعلا أو حركة عن طريق الإشارة بالتصريح أو بالتلميح وذلك بأي وسيلة كانت ].

فقام المشرع بحصر أغلب الأفعال التي تنطوي على كل ما ينافي الحياء، عن طريق الأقوال أو الأفعال أو الحركات أو الإشارات وذلك بأي وسيلة تقوم على تحقيق ذلك، وذلك إذا ما تم وقوع الاعتداء على شخص لم يكمل الثامنة عشرة من عمره، أو كان الشخص قد أكمل الثامنة عشرة من عمره ووقع عليه الفعل دون رضا، ويستوى هاهنا الأمر  إذا كان الشخص  ذكرا أم أنثى.

  • وتوسع المشرع بوضعه كلمة (وسيلة) المشار إليها في المادة (306) في لفظة [ بأي وسيلة كانت ]، وهذا ما يجعل من وسائل الإنترنت محلا لهذا الكلام؛ لأنها وسائل تؤدى لارتكاب الجريمة، ويدخل أيضا في لفظة وسيلة الوسائل غير الإلكترونية؛ إذا كانت تحقق وجود الجريمة، لكنه مهما كان فإن سلطة تقدير الوسيلة من عدمه يرجع إلى القاضي.

أما عن العقوبة المنصوص عليها في هذه المادة  فللقاضي السلطة التقديرية في النزول بها أو الوصول إلي الحبس ستة شهر حسبما يحدد القاضي؛ استنادا لسلطته التقديرية ومقدار الجرم والضرر الواقع أمامه، ولم يكتف المشرع بهذه العقوبة فحسب بل ضاعفها على الشخص المعاود  للفعل والمرتكب للجرم، فنص في المادة (306) مكرر ما يفيد الآتي : ( مضاعفة العقوبات المنصوص عليها في المادتين (305) و(306) في أي من الأحوال التالية :
1. إذا كان الفاعل ممن نصت عليهم المادة (295) عقوبات وعم على النحو التالي (اذا كان الفاعل بالنسبة للمعتدى عليها هو أحد أصولها سواء كان شرعيا أو غير شرعي ،أو كان هو أحد محارمها  أو كان هو القائم على تربيتها أو رعايتها، أو كان له سلطة شرعية أو قانونية عليها، كذلك إذا كان الفاعل رجل دين أو مدير مكتب استخدام أو عاملا فيه؛ إذا ما أساء استعمال السلطة التي بين يديه أو استمد بعض التسهيلات التي تساعده بسبب هذه السلطة.
2. إذا كان المجني عليه احد الأشخاص المشار اليهم في المادة (297) عقوبات وهم على النحو التالي ( الشخص الذى لا يستطيع المقاومة بسبب عجز جسدي أو بسبب إعاقة جسدية  أو نفسية أو ذهنية، أو بسبب ما تم استعماله تجاه المجني عليه من المخادعات.

  1. إذا اقترفها شخصان فأكثر؛ تتم مضاعفة العقوبة) .
    هذا ولقد كان من الأجدر بالمشرع أن يضيف بعض المواد التي تقوم على ذكر التحرش السيبراني أو التحرش العادي؛ توسعا وشمولا لهذه الجريمة، ومجابهة ومواجهة لها قبل أن تصل إلى قدر أكبر من الخطورة والانتشار أكثر مما نراه؛ خاصة مع انتشارها وتطور الإنترنت بصورة غير طبيعية.

2- معالجة قانون الجرائم الإلكترونية لجريمة التحرش :

قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27 لسنة 2015، من القوانين التي  كانت له اليد العليا في مواجهة هذه الجرائم المتطورة والحديثة بالنسبة للمجتمعات التي لم تعرف عنها شيئا من قبل، وهو ما يظهر بشكل جلي من خلال التسمية التي أطلقها المشرع عليه، ولقد تضمن هذه القانون ثماني عشرة مادة تقوم على معالجة عوار الجرائم الإلكترونية، لكن بالبحث والاستقراء لم نجد إلا مادة واحدة متعلقة بالتحرش السيبراني، وهي المادة رقم (9) من قانون الجرائم الإلكترونية، والتي جاءت بعنوان (الأعمال الإباحية والاستغلال الجنسي) وقد جاءت على النحو التالي :  حيث جاء في فقرتها الأولى ما يلى : ( أ‌. يعاقب كل من ارسل أو نشر عن طريق نظام معلومات أو الشبكة المعلوماتية قصدا كل ما هو مسموع أو مقروء أو مرئي  يتضمن اعمالا إباحية أو تتعلق بالاستغلال الجنسي لمن لم يكمل الثامنة عشرة من العمر بالحبس مدة لا تقل عن ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن (300) ثلاثمائة دينار ولا تزيد على (5000) خمسة آلاف دينار.(

من أجل القضاء على الإباحية والاستغلال الجنسي، وإنقاذا للمجتمعات من خطر داهم؛ قام المشرع في الفقرة الأولى من المادة (9) بوضع عقوبة  تقضي بتوقيع عقوبتي الحبس والغرامة معا – وجعلت  الحبس لا تزيد مدته عن سنة ولا تقل عن ثلاثة أشهروالغرامة لا تقل عن (300) ثلاثمائة دينار ولا تزيد على (5000) خمسة آلاف دينار – وذلك على كل من قام بإرسال أو نشر ما يتضمن الإباحية أو يساعد في انتشار الاستغلال الجنسي قاصدا عن طريق المسموع أو المقروء أو المرئي المتضمن على الإباحية والاستغلال الجنسي، وكان هذا التعدي قد قام علي من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره، وتحقق هذا التعدي عن طريق نظام معلومات أو الشبكة العنكبوتية للمعلومات المتمثلة في الإنترنت، ومن خلال المادة نرى تحقق أركان الجريمة من ركن قانوني وركن مادي وركن معنوي، لكن المشرع لم يكتف بالفقرة الأولى من المادة فحسب، بل توسع وأضاف فقرتين أخريين، فجاءت الفقرة الثانية من المادة (9) تتضمن الآتي : (ب‌. يعاقب كل من قام قصدا باستخدام نظام معلومات أو الشبكة المعلوماتية في إنشاء أو إعداد أو حفظ أو معالجة أو عرض أو طباعة أو نشر أو ترويج أنشطة أو أعمال إباحية لغايات التأثير على من لم يكمل الثامنة عشرة من العمر أو من هو معوق نفسيا أو عقليا، أو توجيهه أو تحريضه على ارتكاب جريمة، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن (1000) الف دينار ولا تزيد على (5000) خمسة آلاف دينار).

فقام المشرع في هذه الفقرة بتشديد العقوبة شيئا فشيئا؛ تناسبا مع شدة الجرم الواقع وظروف المجنى عليه، فجعل مدة الحبس لا تقل عن سنتين، وأما الغرامة فصارت ما بين الألف دينار كحد أقل ولا تزيد عن (5000) خمسة آلاف دينار كحد أعلى، وتلك العقوبة على كل من قام بقصده باستخدام نظام المعلومات المتمثل في الإنترنت أو ما يشابه في استخدام الأنشطة القائمة على الإباحية وكذلك الأعمال الإباحية من خلال الإنشاء أو الإعداد أو الحفظ أو المعالجة أو العرض أو الطباعة أو النشر أو الترويج؛ من أجل التأثير على كلا من : (من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره – صاحب الإعاقة النفسية – صاحب الإعاقة العقلية)أو قام الجاني بتوجيهم لارتكاب الجريمة أو قام بتحريضهم على ارتكاب الجريمة؛ فيعاقب بالعقوبات السابقة، ولم يكتف المشرع بهاتين الفقرتين بل أضاف فقرة ثالثة جاء فيها : ( ج. يعاقب كل من قام قصدا باستخدام نظام معلومات أو الشبكة المعلوماتية لغايات استغلال من لم يكمل الثامنة عشرة من العمر أو من هو معوق نفسيا أو عقليا، في الدعارة أو الأعمال الإباحية بالأشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (15000) خمسة عشر الف دينار).

  • فالفقرة الأولى كان الفعل يتضمن إرسال ونشر المسموع والمقروء والمرئي المتضمن على أعمال إباحية، ثم زادت خطورة الفعل في الفقرة الثانية ليتضمن ترويج الأنشطة والأعمال الإباحية بالإنشاء والعرض والطباعة ……إلــــخ؛ فزادت العقوبة على ذلك من قبل المشرع، ثم جاءت الفقرة الخاتمة لتتكلم عمن يكون في قصده استخدام هذه  الشبكات المحتوية على المعلومات؛ بغاية استغلال من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره في أعمال الدعارة المنافية للآداب أو استغلال أصحاب الإعاقات النفسية والعقلية من أجل نشر الإباحية أو استخدامهم في أعمال الدعارة؛ فوقع المشرع عقوبة الأشغال الشاقة، بالإضافة إلى توقيع الغرامة التي لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (15000) خمسة عشر الف دينار، ونرى أن المشرع حاول جمع كافة الأقوال والأفعال التي تتكيف على جريمة التحرش؛ إلا أنه لم يذكر التحرش صراحة، خاصة مع عدم تفسيرنا للمواد القانونية إلا في أضيق الحدود، وكذلك إعمالا لمبدأ أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص قانوني.

3- معالجة قانون الاتصالات لجريمة التحرش:

ويعتبر قانون الاتصالات إضافة جديدة يضيف لما ذكرنا من قبل، ويوسع دائرة المساءلة للجناة، ويضيق عليهم فرص ارتكاب الجرائم، ويضع قدما في إظهار جريمة التحرش بالصورة التي نراها الآن، والبداية مع المادة (75) من قانون الاتصالات والتي جاء فيها الآتي : ( أ‌ . كل من اقدم، باي وسيلة من وسائل الاتصالات، على توجيه رسائل تهديد أو إهانة أو رسائل منافية للآداب أو نقل خبرا مختلقا بقصد إثارة الفزع يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن (300) دينار ولا تزيد على (2000) دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين .

ب. كل من قام أو ساهم بتقديم خدمات اتصالات مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفقرة(ا) من هذه المادة بالإضافة الى تطبيق الأحكام المنصوص عليها في المادة (40) من هذا القانون) .

تتناول هذه المادة صنفين ممن تقع عليهم المساءلة الجنائية وهما [ مقدمي الخدمة ومستخدمي الخدمة ] فتنص على أن كل من قام باستخدام وسيلة من وسائل التواصل والاتصالات، من أجل توجيه رسائل يكون مضمونها التهديد والتخويف والفزع أو كانت الرسائل تحمل في طياتها الإهانة – وذلك بأي وسيلة من وسائل التواصل – فيدخل هنا التليفون والكمبيوتر والأجهزة التي تحقق نفس الغرض، وكذلك يدخل أيضا في التجريم من قام بإرسال الرسائل التي تخالف النظام العام والآداب بأي وسيلة تواصل تقوم علي ذلك، وكذلك أيضا مما يدخل في التجريم، نقل الأخبار المكذوبة والمصطنعة؛ بقصد التخويف وإثارة البلبلة والفزع، وهذه الأفعال السابقة تكون راجعة لمقدم الخدمة؛ فإذا ما تم منه ذلك فتكون عقوبته الحبس والغرامة كما نصت المادة، ويرجع تحديد الوسيلة وتقدير العقوبة للقاضي وسلطته التقديرية.

ولم يكتف المشرع بالعقوبة الأصلية، بل أضاف عقوبة تكميلية في الفقرة الثانية، وذلك إذا كان مقدم الخدمة هو من قام بالمساهمة وتقديم خدمات اتصالات تخالف النظام العام أو الآداب العامة.

رابعا: بعض التوصيات الهامة المتعلقة بمواجهة التحرش السيبراني

  1. العمل على وجود نصوص تشريعية دقيقة عن التحرش العادي والسيبراني؛ لأن هناك أفعال في دولة تعد تحرشا وهى في دولة أخرى لا تعد تحرشا.
  2. القيام بالدراسة الكافية لكافة الجرائم التي تعتمد اعتماد كليا على الشبكات المعلوماتية ووسائل التواصل، وخاصة جريمة التحرش السيبراني.
  3. توفير المهارات اللازمة لهيئات البحث والتحقيق وعمل الدورات المؤهلة لهم، وذلك لسهولة الكشف عن مثل هذه الجرائم.
  4. ضرورة التعاون الدولي، والقيام بالتواصل مع الدول المتقدمة لمحاربة جريمة التحرش السيبرانى، وعمل الدورات المشتركة بين المملكة الأردنية وبين الدول الأخرى؛ لمواكبة الزحف التكنولوجي المرعب وتحجيم مثل هذه الجرائم.
  5. العمل على توثيق هوية كل فرد يقوم باستخدام الشبكات المعلوماتية ووسائل الاتصال؛ حتى لا تكون إخفاء هويته دافعا لتحقيق غرضه الإجرامي.
  6. القيام بدورات التوعية الشاملة لكل أرجاء المملكة الأردنية، ولجميع الطوائف المجتمعية من الصغار حتي الكبار، من خلال كل منصة إعلامية في الدولة.
  7. توعية النساء والأطفال وأصحاب الإعاقات بالتبليغ عن كل سلوك إباحي أو يندرج تحت التحرش بكل أنواعه.
  8. تدريس مواد خاصة بمثل هذه الجرائم في المدارس والجامعات خاصة الكليات العسكرية، مثال مادة تسمى ( ضوابط الإنترنت ).
  9. قيام الدولة بتبني جهازا خاصا يتكون من فريق متطور؛ لمعرفة هذه الجرائم وما تحتويه من صعوبات لأنها داخلة في نظام إلكتروني معقد.

إعداد الأستاذ: بدر عبد الفتاح.

 

[1] لسان العرب لابن منظور – أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري

[2]أ ﻣﺴﺎﻋﺪ ﺑﻦ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﻦ أﺣﻤﺪ اﻟﻄﻴﺎر، ﻋﻮاﻣﻞ اﻟﺘﺤﺮش اﻟﺠﻨﺴﻲ ﺑﻴﻦ اﻟﻄﻼب ﰲ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ اﻻﺑﺘﺪاﺋﻴﺔ ﻣﻦ وﺟﻬﺔ  ﻧﻈﺮ اﻟﻤﺮﺷﺪ اﻟﻄﻼﺑﻲ…- ﻛﺠﺰء ﻣﻦ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎت اﻟﺤﺼﻮل ﻋﻠﻰ درﺟﺔ اﻟﻤﺎﺟﺴﺘﻴﺮ ﰲ ﻋﻠﻢ اﻻﺟﺘﻤﺎع- ﻛﻠﻴﺔ اﻟﻌﻠﻮم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ- ﺟﺎﻣﻌﺔ اﻹﻣﺎم ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ سعود الإسلامية، 1432/1433 ، ص 7

[3] د. نبيل صقر، الوسيط في جرائم الأشخاص، دار الهدى، عين مليلة،  الجزائر . 2009 ص 329

[4] سلمان الغتم ، المواجهة التشريعية لظاهرة التحرش السيبراني: دراسة مقارنة، رسالة ماجستير ، كلية القانون جامعة عمان العربية ، 2020 ، ص 7

[5] أ/ ﻣﺤﻤﻮد ﻋﻮدة، ﻋﻠﻲ ﻟﻴﻠﺔ: ﺗﺎرﻳﺦ ﻣﺼﺮ اﻻﺟﺘﻤاعى – دار  الحريري للنشر – 2000م- صـ 281

[6] أ/ ﻃﻠﻌﺖ رﺿﻮان:  ﻧﺪوة ﺣﻮل ﺟﺮﻳﻤﺔ اﻟﺘﺤﺮش – مجلة الزهور 2009 صـ 7

 

 

Scroll to Top