دعوى عدم نفاذ التصرف

دعوى عدم نفاذ التصرف

تعتبر دعوى عدم نفاذ التصرف أحد أهم وسائل الدائن في الحفاظ على حقه في الضمان العام على جميع أموال مدينه التي يجوز الحجز والتنفيذ عليه، وتظهر أهمية هذه الدعوى عندم يعمد المدين إلى التصرف بأمواله تصرفا قانونيا يخرجها من ملكيته ما يؤدي الى الإضرار بالدائنين خاصة في الحالات التي يترتب على هذا التصرف عدم إحاطة أموال المدين بجميع الدين وعدم كفايتها لسداده.

وفي خلال هذا المقاول سوف نتناول هذه الدعوى القضائية بالتفصيل على النحو الآتي :

أولا: تعريف دعوى عدم نفاذ التصرف وأهميتها

ثانيا :  شروط دعوى عدم نفاذ التصرف

ثالثا: دعوى عدم نفاذ تصرفات المدين المشهر إعساره

رابعا: الأثار المترتبة على قبول دعوى عدم نفاذ التصرف

خامسا: بعض الاجتهادات القضائية بدعوى عدم نفاذ التصرف

 

أولا: تعريف دعوى عدم نفاذ التصرف وأهميتها

أثار الفقه القانوني العديد من التعريفات لمفهوم هذه الدعوى واطلق البعض  عليها مسمى آخر وهو الدعوى البوليصية  ومن هذه التعريفات أنها : ( وسيلة لمراقبة تصرفات المدين الذي اختلت أحواله فبات عاجزا عن الوفاء بما عليه من ديون ). [1]

كما عرفها البعض بأنها : (دعوى يرفعها دائن باسمه الخاص ليدفع بها عن نفسه نتائج غش مدينه، إذا عمد هذا الأخير الى التصرف في أمواله إضرارا بحقوق دائنيه وبموجب هذه الدعوى يصبح التصرف الذي أبرمه المدين والمشوب بالغش غير نافذ في مواجهة دائنيه، بحيث يعود المال إلى الضمان العام تمهيدا للتنفيذ عليه والدعوى البوليصية من الطرق الوسطى ما بين الطرق التحفظية والطرق التنفيذية ).[2]

  • وترتيبا على هذه التعريفات يمكننا القول أن دعوى عدم نفاذ التصرف هي دعوى خول القانون للدائن رفعها أمام القضاء ليقضي بعدم نفاذ التصرف الصادر من المدين في مواجهته، إذا ثبت انطواء هذا التصرف على غش أو تدليس بقصد الإضرار بحقوق الدائن لدى المدين والتأثير على حقه في الضمان العام على جميع أموال المدين ، ما عدا الأموال التي استثنيت بنص قانوني.

فالمدين قد يقوم بالعديد من التصرفات القانونية في فترة معينة تلحق ضررا بالغا بالمدين وتجعله لا يتمكن استيفاء حقه من المدين، خصوصا في الحالات التي يكون تصرف المدين قد أدى إلى نقص  أمواله بقدر كبير، يجعل من المستحيل على المدين استيفاء حقه كاملا، ويزداد الأمر خطورة عندما يتزاحم الدائنون أو يكون المدين معسرا وغير قادر على الوفاء بالتزاماته أو لا تكفي أمواله في الأصل بالوفاء بكامل ديونه، لذا وضعت التشريعات القانونية في الدول المختلفة نصوصا تجيز للدائن طلب إبطال هذا التصرف الضار الصادر من المدين في أمواله، إذا  طلب الدائن ذلك صراحة في صورة دعوى موضوعية أمام القضاء وهي الدعوى محل هذا المقال.

  • وإذا كان المشرع قد وضع العديد من الوسائل القانونية لحماية حق الضمان العام، مثل حق الحجز على أموال المدين و الدعوى الغير مباشرة، إلا  أن دعوى عدم نفاذ التصرف تختلف عن هذه الوسائل كونها تواجه موقفا إيجابيا صادرا عن المدين مبنيا على غش وتدليس، بخلاف الدعوى الغير مباشرة أو الحجز على أموال المدين التي يكون موقف المدين فيها سلبي.

– و الجدير بالذكر أن هذه الدعوى تحقق العديد من الفوائد  والتي تجعلها من الأهمية بمكان للأسباب الآتية :

1- الحفاظ على الضمان العام للمدين: تعتبر قاعدة ضمان جميع أموال المدين للالتزامات المترتبة عليه من القواعد المستقر عليها، إذ من خلالها يمكن للدائن الحجز على جميع أموال  مدينه لاستيفاء حقه، ولا شك أن دعوى عدم نفاذ التصرف لها أهمية كبيرة في الحفاظ على هذا الضمان، وذلك بمنع نقصان مال المدين الضامن لحق الدائن وبالتالي الحفاظ على مبدأ الضمان العام لأموال المدين.

2–  وسيلة منتجة في مواجهة غش وتدليس المدين: اعتبر البعض أن دعوى عدم نفاذ التصرف وسيلة قوية لمواجهة غش وتدليس المدين وما يترتب عليه من ضرر للدائن، فجعلها بمثابة الجزاء على تصرفه الغير مشروع ومحاولته الإضرار بضمان الدائن، خاصة وأن الحكم في هذه الدعوى بعدم نفاذ التصرف فعليا ينتج أثره لصالح الدائن في مواجهة المدين والمتصرف إليه، إلا أن العلاقة التعاقدية بين المدين والمتصرف إليه تبقى قائمة وبالتالي يكون للمتصرف إليه أن يعود على المدين بدعوى تنفيذ الالتزامات أو بالمسئولية المدنية، وهو لا شك ما يضع المدين في موقف متأزم خاصة إذا كان قد تسلم من المتصرف إليه مبلغا ماليا مقابل هذا التصرف المقضي بعدم نفاذه.

3- تعتبر هذه الدعوى أيضا أحد الوسائل الاستثنائية التي يجوز فيها طرف من خارج العلاقة التعاقدية أن يطعن على التعاقد ويطلب عدم نفاذه، خاصة وأن الدائن لا ينازع في ملكية الشيء المتصرف فيه بل يطعن على تصرف المدين نفسه، فأجاز القانون وعلى سبيل الاستثناء للدائن أن يرفع باسمه هو وفي مواجهة المتصرف إليه من المدين هذه الدعوى لتقضي المحكمة فيها بعدم نفاذ التصرف.

4- أن تقرير المشرع لحق الدائن في إقامة هذه الدعوى يجعل المدين حذرا في إبرام مثل هذه التصرفات، إذ أن مآلها سيكون حتما الى بطلانها في مواجهة الدائن، خاصة إذا انطوت هذه التصرفات على غش أو تدليس بقصد الإضرار بالدائن، فهي وسيلة جديرة لأن يحافظ الدائن على حقه في الضمان العام ، كما  أنها تساعد في الحفاظ على حق باقي الدائنين في الضمان العام إذا لم يكونوا خصوما في هذه الدعوى، حيث جعل المشرع الأردني تقرير عدم نفاذ التصرف الصادر من المدين محل استفادة لجميع الدائنين وليس فقط للدائن رافع الدعوى وهو ما أكدته المادة ( 373 ) من القانون المدني الأردني بقولها : : ( متى تقرر عدم نفاذ التصرف استفاد من ذلك جميع الدائنين الذين يضارون به).

ثانيا :  شروط دعوى عدم نفاذ التصرف

تختلف شروط دعوى عدم نفاذ التصرف باختلاف أطراف هذه الدعوى فهناك شروط خاصة بالدائن رافع الدعوى، وكذلك شروط راجعة الى التصرف ذاته محل هذه الدعوى، وشروط متعلقة بالمدين نفسه، وهو ما سوف نتناوله على التفصيل الآتي:

1– الشروط المتعلقة بالدائن: يشترط للدائن حتى يستفيد من حق عدم نفاذ تصرفات المدين في مواجهته أن يكون حقه لدى المدين ثابتا بالفعل، أي أن يكون دينه لدى الدائن مستحق الأداء في الحال، وذلك إذا كان تصرف المدين في عقد من عقود المعاوضات، أما إذا كان تصرف المدين واردا على عقد من عقود التبرع كالهبة مثلا فلا يشترط أن يكون الدين مستحق الأداء في الحال لإقامة دعوى عدم نفاذ التصرف، وقد نصت المادة ( 371 ) من القانون المدني على : ( إذا طالب الدائنون المدين الذي أحاط الدين بماله بديونهم فلا يجوز له التبرع بماله ولا التصرف فيه معاوضة ولو بغير محاباة، وللدائنين أن يطلبوا الحكم بعدم نفاذ تصرفه في حقهم . ولهم أن يطلبوا بيع ماله والمحاصة في ثمنه وفقا لأحكام القانون).

  • أما في حالة ثبوت إعسار المدين أو دخوله في حالة الإعسار إذا صدر منه هذا التصرف فلا يتقيد الدائن في رفعه لدعوى عدم نفاذ التصرف في حالة كان التصرف بعقد من عقود المعاوضات بأن يكون الدين حالا بل يجوز رفعها حتى لو كان الدين مؤجلا، ذلك لأن الغاية التي تغياها المشرع من إقامة الدعوى هو الحفاظ على الضمان العام للدائن  وبإحاطة الدين بجميع أموال المدين ما يفقر المدين ويجعله معسرا، فكان لا بد من منح هذا الحق للدائن دون التقيد بشرط حلول أداء الدين،  وهو ما عبرت عنه المادة ( 370 ) من القانون المدني بقوله : ( 3. دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في حق الدائن: إحاطة الدين بمال المدين:
    إذا أحاط الدين حالا أو مؤجلا بمال المدين بان زاد عليه أو ساواه فانه يمنع من التبرع تبرعا لا يلزمه ولم تجر العادة به وللدائن أن يطلب الحكم بعدم نفاذ هذا التصرف في حقه) .
  • والجدير بالذكر في هذا المقام أن المشرع الأردني اعتد بالإعسار على إطلاقه في هذه الحالة، دون تقييده بالإعسار القانوني فقط وبالتالي فيجوز للدائن أن يرفع دعوى عدم نفاذ  التصرف إذا كان إعسار المدين فعليا، ومن الأمثلة على ذلك إذا كان حق الدائن معلقا على شرط فاسخ أو مقترنا بأجل فاسخ بحيث يكون الدين ثابتا في ذمة المدين حتى تحقق الشرط الفاسخ فإذا تحقق سقط الدين وبالتالي يجوز للدائن رفع دعوى عدم نفاذ التصرف حفاظا على ضمانه العام إذا لم يتحقق الشرط الفاسخ ليتمكن من استيفاء حقه، على خلاف إذا ما كان حق الدائن معلقا على شرط واقف أو مقترنا بأجل واقف بحيث لا يثبت حقه إلا  بحلول الأجل أو  بوقوع الشرط فلا يجوز في هذه الحالة للدائن رفع دعوى عدم النفاذ.[3]

  • ويشترط أيضا أن يتوافر في حق الدائن أن يكون سابقا  في الوجود على التصرف القانوني الصادر من المدين، إذ أن المشرع ما أجاز للدائن إقامة دعوى عدم النفاذ إلا لكون المدين قد قصد بفعله الإضرار بالدائن وبضمانه العام باستخدام وسائل الغش والتدليس، ولا شك أن كل ذلك ينتفي ولا يتحقق إذا ثبت أن تصرف المدين كان في وقت سابق على ثبوت حق الدائن في ذمة المدين، ومع ذلك فقد اتجه بعض الفقه الى تقرير حق الدائن في رفع دعواه بعدم نفاذ تصرف المدين في مواجهته رغم نشوء واقعة الدين في وقت لاحق على صدور التصرف من المدين، وذلك إذا ظهر من واقع الحال أن المدين تصرف هذا التصرف قبل فترة وجيزة من نشوء حق الدائن وقصد من تصرفه إضرار المدين، مثل أن يقوم الدائن ببيع أمواله ثم بعد فترة وجيزة يوقع على عقد القرض، إلا  أنه يبقى عبء إثبات ذلك الغش والتدليس على الدائن. [4]

2- الشروط المتعلقة بالتصرف المطعون فيه:   يجب أن يتوافر في تصرف المدين عدة شروط حتى يمكن وقف نفاذ هذا التصرف من قبل الدائن ومن أهم هذه الشروط :

1- أن ينطوي تصرف المدين على سوء نية، وهو يكون ذلك إذا كان مبنيا على غش وتدليس منه بقصد الإضرار بضمان الدائن العام في أمواله.

2- أن يكون التصرف المطعون عليه تصرفا قانونيا، أي أن يكون فعل المدين في صورة عمل قانوني سواء كان بيعا، أو هبة، أو غيرها من التصرفات القانونية، وعلى ذلك فإذا كان تصرف المدين تصرفا ماديا وليس قانونيا فلا محل لطلب عدم نفاذ هذا التصرف المادي، فإذا تسبب المدين بفعله الخاطئ بالحاق ضرر بالغير فإن حق المضرور في التعويض يصبح محققا في ذمة المدين، و يصبح هو أيضا دائنا للمدين وبالتالي فلا يجوز للدائن الأول أن يرفع ضد الدائن الثاني دعواه بعدم نفاذ التصرف كونه تصرفا ماديا وليس تصرفا قانونيا.

3- أن يترتب على تصرف المدين إدخاله في حالة إعسار أو إفقار بأن يصبح مال المدين بعد هذا التصرف غير كافيا للوفاء بمال الدائنين وينقص من الضمان العام لهم، وبالتالي فلا يعول على التصرف الذي يزيد من التزامات المدين أمام الغير بل يعول على التصرف الذي يؤدي الى انقاص مال المدين مثل التبرع والهبة والكفالة والإقرار. [5]

وقد نصت المادة ( 372 ) من القانون المدني في هذا الشأن على : ( إذا ادعى الدائن إحاطة الدين بمال المدين فليس عليه إلا  أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون وعلى المدين نفسه أن يثبت أن له مالا يزيد على قيمة الديون).

ونصت  المادة ( 283 ) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني في معرض شرحها للنص السابق بقولها : ( أريد بهذا النص تيسير الإثبات على الدائن – هو من اشق ما يصادفه في هذه الدعوى فاكتفي من الدائن بإثبات مقدار ما في ذمة المدين من ديون فمتى أقام هذا الدليل كان على المدين أن يثبت أن له مالا يزيد على قيمة ديونه .(

4- أن يكون المال المتصرف فيه من الأموال التي يجوز الحجز عليها من قبل الدائن، فاذا كان المال محل التصرف من الأموال التي استثناها القانون من جواز الحجز أو  التنفيذ فلا يجوز للدائن في هذه الحالة إقامة دعواه بطلب منع تصرف المدين، لأن هذه الموال لا يتحقق فيها شرط الإضرار بالمدين  ولا تدخل في الضمان العام لأمواله المقرر في القواعد العامة.

5- ألا يمر على تصرف المدين ثلاث سنوات دون أن يقيم الدائن دعواه بعدم نفاذ تصرف المدين، ويتم احتساب هذه المدة من وقت علم الدائن بسبب عدم نفاذ التصرف، إذ قرر المشرع عدم جواز سماع الدعوى بمرور هذه المدة كما لا يجوز سماع الدعوى في أي حال إذا مر على وقوع التصرف خمسة عشرة عاما بحيث إذا علم الدائن بسبب عدم نفاذ التصرف بعد وقوعه بخمسة عشرة عاما فلا يجوز سماع الدعوى ولا يعمل بمدة الثلاث سنوات وفي ذلك فقد نصت المادة ( 374 ) من القانون المدني الأردني على : (  لا تسمع دعوى عدم نفاذ التصرف بعد انقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه الدائن بسبب عدم نفاذ التصرف ولا تسمع في جميع الأحوال بعد انقضاء خمس عشرة سنة من وقت صدور التصرف).

3- الشروط المتعلقة بالمدين

يجب  أن يكون المدين قد توافر لديه سوء النية أثناء إبرامه لهذا التصرف و ذلك بأن يكون قد قصد من تصرفه الإضرار بالدائن وتهديد ضمان العام له، فقد يلجا الدائن الى الاستدانة أو الاقتراض بشكل مبالغ فيه أو متلاحق، أو أن يقوم  بهبة أمواله المحاطة بدين الدائن ما يؤدي الى تزايد الالتزامات المالية عليه، ويعجر عن الوفاء بحقوق الدائنين، وبالتالي فإن المدين بهذا التصرف يلحق الضرر بالدائنين ما يجعلهم يلجئون الى دعوى عدم نفاذ هذه التصرفات، أما إذا كان تصرف المدين لا يؤدي الى إفقاره أو تهديد الضمان العام للدائن، ولا يضر بمصلحتهم في استيفاء ديونهم فيصبح تصرفه صحيحا ولا تقبل دعوى المنع من  التصرف.

ولا شك أن شرط سوء نية المدين شرط أساسي في دعوى عدم نفاذ التصرف، فبرغم علم المدين بما للدائن من حق لديه إلا  أنه يتصرف في ماله تصرفا ضارا بحق الدائن الثابت في ذمته قبل تصرفه، فيكون الباعث على هذا التصرف مبنيا على سوء النية مما يشكل العنصر النفسي لهذه الدعوى والذي يقابل العنصر المادي فيها المتمثل في الضرر الذي لحق بالدائن.[6]

  • والجدير بالذكر أن المشرع الأردني لم يتناول شرط سوء نية المدين صراحة في المادة ( 371 ) بل اعتبر مجرد علم المدين بانشغال ذمته بحق الدائن ورغم ذلك يبرم تصرفا ينقص من أمواله ما يؤكد توافر سوء النية لديه، وبالتالي فإن شرط ثبوت سوء نية المدين شرط أساسي بحيث إذا انتفى هذا الشرط لا تقبل دعوى عدم نفاذ التصرف، ويبقى على الدائن عبء إثبات توافر هذا الشرط في حق المدين وهو امر ليس بهين كونه ينطوي على بواعث نفسيه خفية، ومع ذلك فإن مفهوم نص المادة ( 371 ) قد جعل قرينة علم المدين بإعساره كافيا لتحقق سوء نيته. [7]

ثالثا: دعوى عدم نفاذ تصرفات المدين المشهر إعساره

لم يتوقف تناول دعوى عدم نفاذ التصرف في نطاق  القانون المدني وحده بل تناولها المشرع بالتفصيل في نطاق  قانون الإعسار، والذي عنى ببيان أحكام تصرفات المدين الصادرة منه بعد شهر إعساره قانونا وفي مدة محددة سابقة على شهر الإعسار، والملاحظ أن المشرع قد تشدد في هذا القانون في  مسألة صدور أي تصرف من المدين أو من وكيل الإعسار متعلق بأموال  ذمة الإعسار، سواء في المرحلة التمهيدية للإعسار  أو بعد شهر الإعسار فعلا، حيث نص في المادة ( 19 ) من قانون الإعسار على : ( لا يجوز للمدين أو وكيل الإعسار بيع أموال ذمة الإعسار أو التصرف فيها خلال المرحلة التمهيدية، ويستثنى من ذلك ما يلي:

أ. التصرفات الجارية ضمن العمل المعتاد.

ب. بيع الأموال التي تعتبر ضرورية لاستمرار النشاط الاقتصادي أو للحصول على السيولة اللازمة لاستمراره في حال تعذر الحصول على الائتمان.

ج. بيع الأموال التي لا تعتبر ضرورية لاستمرار النشاط الاقتصادي إذا جرى بيعها بسعر السوق وإذا كانت أموالا غير منقولة يجب أن لا يقل ثمن بيعها عن (90%) من ثمن المثل .

د. يجوز بيع جزء من النشاط الاقتصادي في أي وقت خلال المرحلة التمهيدية شريطة مراعاة ما يلي:

  1. أن يكون من غير المحتمل أن يؤثر البيع سلبا على فرص إعادة تنظيم باقي النشاطات وهيكلة النشاط الاقتصادي بشكل جوهري.
  2. أن يكون السعر المعروض مساويا لسعر السوق.

ه. باستثناء ما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة ( يجب الحصول على موافقه مسبقه من المحكمة على إجراء

التصرفات المنصوص عليها في هذه المادة ( وللمحكمة أن تستمع لأقوال لجنة الدائنين وممثلي العاملين لدى المدين).

  • ثم جاء المشرع في المادة ( 33 / ا / ب / ج / د ) من ذات القانون ليقرر إمكانية القضاء بعدم نفاذ تصرفات المدين المعسر التي يبرمها في السنة السابقة على تاريخ شهر الإعسار إذا توافرت في هذه التصرفات بعض الشروط كالإضرار بذمة الإعسار، أو منح  التصرف أحد الأطراف معاملة تفضيلية غير مبررة وحددت المادة  حالات وشروط عدم نفاذ تصرف المدين المعسر في هذه الحالة على التفصيل حيث نصت على : ( أ. تكون التصرفات التي يبرمها المدين خلال السنة السابقة لتاريخ إشهار الإعسار غير نافذة إذا ألحقت ضررا بذمة الإعسار أو منحت معاملة تفضيلية غير مبررة لأي من دائني المدين ولوكيل الإعسار المطالبة بعدم نفاذها.

ب.1. يعتبر الضرر بذمة الإعسار متحققا إذا أبرم المدين تصرفا يحقق له عائدا أقل بكثير من البدل الذي تحقق للطرف الآخر.

  1. يعتبر تصرف المدين تفضيليا غير مبرر إذا قام المدين بعمل من شأنه أن يجعل أحد الدائنين في وضع أفضل من غيره من الدائنين في إجراءات الإعسار.

ج. على وكيل الإعسار أن يثبت وقوع الضرر بذمة الإعسار من المدين وتعتبر الحالات التالية ضررا واقعا على ذمة الإعسار:

  1. الهبة أو أي تصرف بدون عوض.
  2. سداد التزام غير مضمون وغير مستحق الأداء قبل تاريخ إشهار الإعسار.
  3. إبرام تصرفات لصالح أحد الأشخاص ذوي الصلة به.
  4. منح ضمانات لدين سابق أو دين جديد حل محل دين سابق إذا كان الدين السابق غير مضمون أو مضمون بضمانة أقل قيمة من الضمانات الممنوحة.
  5. سداد دين مضمون غير مستحق الأداء قبل إشهار الإعسار.

د. تعتبر الحالات الواردة في البندين (1) و(2) من الفقرة (ج) من هذه المادة ( غير قابله لإثبات العكس، على أن للمدين إثبات أن التصرفات المنصوص عليها في البنود (3) و(4) و(5) من الفقرة (ج) من هذه المادة ( لم تلحق ضررا بذمة الإعسار).

ومع ذلك  أجاز المشرع الأردني تصرفات المدين خلال مدة السنة  السابقة على شهر إعساره إذا ثبت أن هذا التصرف قد صدر منه بحسن نية ودون رغبة في الإضرار بدائنيه، وأن يكون التصرف من التصرفات المعتادة له ولا ينبئ عن رغبته في الإضرار بالضمان العام لدائنيه أو في ذمة الإعسار حيث نصت المادة               ( 33 / هــ ) على : ( هـ. على الرغم مما ورد في أحكام الفقرة (أ) من هذه المادة ( لا يجوز الحكم بعدم نفاذ التصرفات التالية : 1. التصرفات التي يبرمها المدين بحسن نية، بعد إجراء تسوية للديون مع دائنيه جميعهم لغايات تسيير أعماله مع وجود ما يدفع للاعتقاد بأن التصرف سيعود بالنفع على أعمال المدين.

  1. التصرفات التي يبرمها المدين في سياق أعماله المعتادة.
  2. الكفالات وحقوق الضمان الخاضعة للحماية بموجب القواعد الخاصة التي تسري على العقود المالية).
  • والجدير بالذكر أن المشرع ومن حيث اصل منح وكيل الإعسار وحده حق رفع دعوى عدم نفاذ التصرف باعتباره المسئول الأول عن حماية أموال ذمة الإعسار، إلا  أن المشرع وتحقيقا لهذه الحماية بشكل فعلي أجاز للدائنين إشعار وكيل الإعسار بصدور تصرف من المدين ضار بهم وبذمة الإعسار ليشرع في رفع دعوى عدم النفاذ، فإذا تأخر أو امتنع عن رفع الدعوى لمدة تزيد عن شهرين من وقت إعلانه فيجوز للدائنين  رفع هذه الدعوى بصفتهم وعلى نفقتهم وتحت مسئوليتهم، كما منح المشرع صفة الاستعجال لدعاوى دم نفاذ التصرف التي يقيمها وكيل الإعسار أو الدائنين ضد المدين المعسر بحيث أوجب الفصل فيها خلال مدة لا تتجاوز الستة أشهر، حيث نصت المادة ( 34 ) من قانون الإعسار الأردني على : ( أ. يتولى وكيل الإعسار حق إقامة دعوى عدم نفاذ التصرف خلال إجراءات الإعسار.

ب. على الرغم مما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة، للدائنين إشعار وكيل الإعسار بوجود تصرف من التصرفات المنصوص عليها في المادة ( (33) من هذا القانون فإذا لم يقم دعوى عدم نفاذ التصرف خلال مدة شهرين من تاريخ إشعاره فللدائن إقامة الدعوى على نفقته ومسؤوليته.

ج. تقام دعوى عدم نفاذ التصرف على المدين و أطراف التصرف وإذا انتقل المال للغير أو أصبح تحت حيازته فيتوجب اختصامه.

د. تختص المحكمة بالنظر في دعاوى عدم نفاذ التصرف وتخضع هذه الدعاوى للإجراءات المستعجلة المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية وعلى المحكمة البت فيها خلال مدة لا تتجاوز ستة اشهر) .

رابعا: الأثار المترتبة على قبول دعوى عدم نفاذ التصرف

يترتب على قبول المحكمة المختصة طلب الدائن أو  وكيل الإعسار  الحكم بعدم نفاذ التصرف العديد  من الأثار والتي تتنوع بتنوع اطراف هذه الدعوى على النحو الآتي :

أ– الآثار المترتبة على الحكم الصادر بعدم نفاذ التصرف بالنسبة للدائن : يعتبر الأثر الأهم والأكثر قوة جراء قبول طلب الدائن بالقضاء بعد نفاذ تصرف مدينه، هو أن يعود الشيء أو المال محل هذا التصرف إلى ذمة المدين مرة أخرى، أو عودته إلى ذمة الإعسار إذا كان المدين قد تم شهر إعساره، وبالتالي  يصبح المال جزء من الضمان العام للدائن  في أموال المدين بعد خروجه منه، وما يترتب على  ذلك من جواز الحجز والتنفيذ عليه، وهذا الأثر كما قررنا سابقا لا يستفيد منه الدائن رافع الدعوى فحسب، بل يكون لجميع  الدائنين الاستفادة من هذا الحكم وبالتالي يكون لهم الحق في الحجز والتنفيذ على المال المقضي بعدم نفاذ تصرف المدين فيه.

ب- – الأثار المترتبة على الحكم الصادر بعدم نفاذ التصرف بالنسبة للمدين: يترتب على صدور هذا الحكم أن يصبح تصرف المدين هو والعدم سواء، ويعود المال إلى ذمته ولا يجوز له بأي حال مطالبة المتصرف إليه بثمن هذا التصرف، أو أن يطالبه بالوفاء بالالتزامات التي ترتب على هذا التصرف المقضي بعدم نفاذه كطلبه سداد باقي الثمن أو غيره من التزامات المتفق عليها بين الطرفين.

ج- – الآثار المترتبة على الحكم الصادر بعدم نفاذ التصرف بالنسبة للمتصرف إليه:  تبقى العلاقة بين المتصرف إليه  والمدين المتصرف قائمة وتحكمها العلاقة القانونية التي أنشأها العقد الذي ابرم بينهما، بحيث يكون للمتصرف إليه الرجوع على المدين لمطالبته بتنفيذ التزاماته أو بالفسخ مع التعويض أو استرداد ما تم دفعه على حسب الأحوال، كما أن المتصرف إليه يبقى مالكا لما يتبقى من المال المتصرف فيه بعد استيفاء الدين حقه، وله في سبيل ذلك التمسك بحقه في تملكه أو الرجوع على المدين بدعوى المسئولية التعاقدية  لنكوله عن تنفيذ التزامه،  كما أن المتصرف إليه يصبح دائنا للمدين إلا  أنه لا يجوز له مزاحمة أو مشاركة الدائنين السابقين في الحجز في التنفيذ على أموال المدين.

خامسا: بعض الاجتهادات القضائية بدعوى عدم نفاذ التصرف

1- الحكم رقم 5422 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-12-29 حيث جاء فيه  : ( وبما أنه من الثابت أن تصرف المدين (المدعى عليه الأول /المميز نعيم) بأمواله بموجب عقدي البيع المشار إليهما آنفاً لابنة المدعى عليه الثاني (المميز نديم) جاء بتاريخ لاحق على إقامة المدعية (المميز ضدها) لدعواها رقم (161/2017) لدى لجنة تقدير أتعاب المحاماة في نقابة المحامين وعلى صدور القرار بالدعوى المذكورة واكتسابه الدرجة القطعية كما جاء لاحقاً كذلك على طرح القرار للتنفيذ لدى دائرة تنفيذ عمان بموجب القضية التنفيذية رقم (5099/2019).

وحيث إنه وبمقتضى أحكام المادة (372) من القانون المدني فإنه يتوجب على المدين نفسه أن يثبت أن لديه أموالاً تزيد عن قيمة الديون المترتبة بذمته وإن محكمة الاستئناف وبصفتها محكمة موضوع وبما لها من حق تقدير ووزن البينة وترجيح بينة على أخرى عملاً بالمادتين (33 و34) من قانون البينات توصلت بقرارها الطعين إلى أن المدين (المدعى عليه الأول نعيم) لم يثبت أن لديه أموالاً تزيد على قيمة الدين المحكوم به للمدعية الأمر الذي ينبني عليه أن شروط دعوى عدم نفاذ تصرفات المدين المنصوص عليها بالمادتين (370و 371) من القانون المدني متوافرة بالدعوى الماثلة وأن المدعية (المميز ضدها) محقة بمطالبتها بعدم نفاذ تصرفات المدين (المميز الأول نعيم) بحقها وبالتالي فإن أسباب التمييز لا ترد على القرار المطعون فيه).

2- الحكم رقم 3569 لسنة 2022 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-12-06  حيث جاء فيه  : ( وحيث إن تصرف المدين (المدعى عليه الأول) بالشقة المشار إليها آنفاً وبيعها للمدعى عليه الثالث (المميز ضده نضال) بموجب عقد البيع رقم (2496/2014) من شأنه أن يلحق الضرر بالدائن (المدعي/المميز) فإن هذا التصرف غير نافذ بحقه مادام أن المدين لم يثبت أن لديه أموالاً تزيد عن قيمة الدين باعتبار أن عبء إثبات ذلك يقع على المدين وينبني على ذلك أن شروط دعوى عدم نفاذ تصرفات المدين الواردة في المواد (370 و 371 و 372) من القانون المدني متوافرة في الدعوى الماثلة وأن المدعي (المميز) محق بمطالبته بعدم نفاذ تصرفات مدينه (المدعى عليه الأول) وبما أن محكمة الاستئناف توصلت إلى نتيجة مغايرة مما يجعل قرارها المطعون فيه واقعاً في غير محله ومخالفاً للقانون وأسباب التمييز ترد عليه مما يستوجب نقضه.)

3- الحكم رقم 6770 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2022-03-30 حيث جاء فيه  : ( وفي ذلك فإن المستفاد من استقراء المواد ( 370 و 371 و 372) من القانون المدني والباحثة في دعوى عدم نفاذ تصرف المدين بحق دائنيه أنها اشترطت لتوافر هذه الدعوى والحكم بعدم نفاذ تصرف المدين بحق دائنيه الشروط التالية :

أن تكون ذمة المدين خالية من كل نزاع وحال الأداء أو مؤجله ………

وأما الشرط الثاني أنه أيضاً متوافر ذلك أن نفقة الصغار بموجب الاتفاقية قد استحقت بذمة المدين / المميز خليل منذ عام 2009 وبواقع 2850 ديناراً شهرياً وأن المذكور قد باع حصته في الشقة رقم ( 101) من البناء المقام على قطعة الأرض رقم ( 1618) رقم 15 خربة الصويفية بموجب عقد بيع سجل لدى دائرة التسجيل مما يعني أن المميز خليل قد تصرف في حصصه في الشقة مدار البحث بعد علمه بانشغال ذمته وثبوت هذا الانشغال بالذمة وبذا فإن هذا الشرط متوافر .

وأما عن الشرط الثالث فإن عبء إثبات أن لدى المدين أموالاً تزيد على ديونه يقع عليه وحيث مقدار الدين المترتب بذمة المدين خليل / المميز ثابت كما سبق بيانه وأن المذكور لم يقدم البينة على أن لديه أموال تزيد على مقدار هذا الدين وبذا يكون هذا الشرط متوافراً .

وأما عن الشرط الرابع والذي يدور حول أن يكون تصرف الدائن بماله أو بجزء منه ينطوي على إضرار للمدين وبصورة تمنع المدين من استيفاء دينه فإن هذا الشرط متوافر لأن البيع الذي قام به المدين على حصصه في الشقة من شأنه أن يحول دون استيفاء الدين المحكوم به جزئياً أو كلياً في ضوء عدم ثبوت وجود أموال أخرى لاستيفاء الدين وعليه وفي ضوء ما سبق فإن دعوى عدم نفاذ تصرف المدين ببيع حصته في الشقة موضوع الدعوى لزوجته نداء تكون متوافرة في الدعوى الحاضرة)  .

4قرار محكمة التمييز الأردنية رقم 3084 لسنة 2002 الصادر بتاريخ  17-1-2003 والذي عرف دعوى عدم نفاذ التصرف بقوله  :  ( الدعوى التي يباشرها الدائن تجاه مدينه لمنعه من التصرف بأمواله شريطة أن يثبت الدائن حجم ومقدار الدين وبالمقابل فإن على المدين أن يثبت أن له مال يزيد عن قيمة الدين وأن الهدف من هذه الدعوى هي أن يتمكن الدائن من ممارسة حقه في التنفيذ على أموال مدينه”

5- حكم محكمة التمييز رقم  959 لسنة 1995 حيث جاء فيه  : (  يكفي لتوفر سوء النية والعلم به أن يكون المدين معسرا وان يعلم المتصرف له بهذا الإعسار)
إعداد: محمد إسماعيل حنفي

[1]  صلاح الدين ناهي، أحكام الالتزام دراسة تحليلية موازنة، مجلة نقابة المحامين، ملحق خاص ، رقم 19 ، 1985  ص 103

[2]  يوسف فتحيةـ دعوى عدم نفاذ تصرف المدين في القانون المدني الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 1986، ص 4

[3] الحكيم، عبد المجيد والبكري، عبد الباقي والبشير ، محمد طه، القانون المدني وأحكام الالتزام، بيروت ، مكتبة السنهوري،  ص 98

[4] محمد شكري سرور ، موجز الأحكام العامة للالتزام في القانون المدني المصري، دار النهضة ،  ، ص 99

[5] السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني الجديدـ نظرية الالتزام، ج2 دار النهضة العربية، القاهرة ، 1978 ، ص 82

[6] السنهوري، شرح القانون المدني ، النظرية العامة للالتزام، دار أحياء التراث العربي، بيروت  1986 ، 84

[7] محمد شكري سرور،  مرجع سابق ، ص 110

Scroll to Top