رقابة محكمة التمييز على تعديل العقود وفقاً للقانون الأردني

رقابة محكمة التمييز على تعديل العقود وفقاً للقانون الأردني

إن محكمة التمييز الأردنية هي جهة قضائية عليا تعتلي هرم القضاء الأردني، وهي محكمة قانون تمارس دورها الرقابي على الأحكام القضائية من حيث مدى توافقها مع نصوص القوانين والتشريعات الأردنية، وتعد محكمة التمييز محكمة موضوع في حالات محددة والمتعلقة بقضايا الشرطة وآمن الدولة ومحكمة الجنايات الكبرى، وقد سبق وأن تحدثنا في مقال سابق عن الدور الرقابي الذي تمارسه محكمة التمييز في تفسير العقود، حيث أن العقود وإن كانت تخضع للقاعدة العامة وهي العقد شريعة المتعاقدين إلا أنه قد ينشئ خلاف بين الأطراف المتعاقدة على العقد فيما يتعلق بتفسير بعض بنوده وعباراته، أو قد يغفل أطراف العقد عن ذكر بعض المسائل الجوهرية، وهنا يأتي دور القضاء في تفسير العقود والذي لا يجب أن يتم إلا في حال غموض عبارات العقد وعدم وضوح معناها أو أنها واضحة المعنى لكنها كثيرة الدلالات.

 

وعند قيام القاضي بتفسير العقد لابد أن يكون تفسيره مبنياً على عدة قواعد قانونية ومنها مبدأ حسن النية في البحث عن إرادة المتعاقدين وغيرها من القواعد التي تحدثنا عنها بشكل مفصل في مقال سابق  بعنوان رقابة محكمة التمييز في تفسير العقود وفقاً للقانون الأردني، وحيث يخضع تفسير قاضي لموضوع  للعقود لرقابة محكمة التمييز، حيث لا تمارس محكمة التمييز دورها الرقابي إلا في حال تجاوز القاضي في تفسيره للعقد أو أخطى في تأويله، فالأصل أن سلطة قاضي الموضوع في تفسير العقود لا رقابة لمحكمة التمييز عليها، وأن رقابة محكمة التمييز في تفسير العقود مشروطة بتجاوز القاضي في التفسير بحيث يكون مبنياً على الخطأ والتأويل ، ويكون القاضي قد أخطئ في التفسير عندما يفسر عبارات واضحة المعنى والمدلول في العقد أو فسر دون أن يتبع حكمه بأسباب الاستدلال والتسبيب.

 

وسنتحدث في هذا المقال عن دور محكمة التمييز الرقابي في تعديل العقود، وذلك على النحو التالي:

جدول المحتويات:

المقصود بتعديل العقود

ما يشتمل عليه تعديل العقود

رقابة محكمة التمييز الأردنية على تعديل العقود

العلاقة بين تفسير العقد وتعديله

 

المقصود بتعديل العقود

إن تعديل العقود الذي تُفرض رقابة محكمة التمييز عليه هو التعديل القضائي الذي به تُفرض إرادة السلطة القضائية وهي سلطة تقديرية في فرض بنود جديدة على العقد المنازع فيه أو تعديل بعض بنوده بما يترتب على هذا التعديل فرض التزامات ومنح حقوق جديدة.

 

وقد عُرف التعديل القضائي للعقود على أنه: هو التعديل القضائي للتعاقد بفرض التزامات جديدة ذات مدى مختلف أو مقدار متفاوت عن المقدار والمدى الذي جرى تجديده في التعاقد، وكل ذلك بإرادة خارجية مصدرها السلطة التقديرية للقضاء التي تختلف في مداها باختلاف الوسيلة المعتمدة للتعديل [1].

 

ما هو السبب وراء تعديل العقود؟

حدوث ظروف طارئة وجديدة أخلت بالتوازن التعاقدي، بحيث أصبحت الالتزامات والحقوق التعاقدية مرهقة وبتالي يكون العقد مهدد بالزوال.

 

الهدف من تعديل العقود؟

إن الهدف من تعديل العقود هو المحافظة على استمرار الالتزام التعاقدي، واستبعاد كل إمكانية لزواله بما يتفق مع أهداف أي نظرية للظروف الاستثنائية وبما يتفق مع الهدف الاجتماعي والاقتصادي من مؤسسة التعاقد [2].

 

ما يشتمل عليه تعديل العقود

1_ تعديل محتوى العقد باستبدال بند متفق عليه بآخر بأمر قضائي.

بتمتع القاضي بسلطة تقديرية مطلقة في فرض الحقوق وفي تقدير ما يفرضه دون الالتفات إلى المصدر الذي يعطيه تلك السلطة، ويكون المصدر القانون نفسه فيأتي عمل القاضي تطبيقاً له.

هل يمنع القاضي من تعديل العقود؟

في بعض النصوص القانونية قد يمنع القاضي من حق تعديل بعض العقود وفرض الموجبات، وقد يكون المصدر قواعد الاختلاف والإنصاف والعدالة أو التطورات الاقتصادية الحاصلة التي تبرز إخضاع العقد عن طريق تعديله لسلطة القضاء لكي يأتي متكيفاً مع الأوضاع المستجدة، وفي مختلف هذه الحالات يكون التعديل قد حصل بفعل السلطة الاستنسابية أو التقديرية المنطلقة للإدارة القضائية [3].

2_ تعديل العقد بالاستناد إلى نظرية الظروف الطارئة.

إن الظروف الطارئة هي الظروف أو الحوادث التي تطرأ على العقد بعد تكوينه مما تجعل تنفيذه مرهقاً إرهاقاً شديداً، وعليه يتدخل القاضي لتعديل العقد من خلال الموازنة بين مصلحة الطرفين المتعاقدين ورد الالتزام إلى الحد المعقول، فالقاضي وهو يختار في حدود سلطته التقديرية الطريق المناسب لمعالجة الموقف لا يرفع كل خسارة عن عتاق المدين ويحملها للدائن لكنه يحد من فداحة هذه الخسارة التي ستصيب المدين ويصل بها الحد المعقول بتحميل المدين الخسارة المألوفة التي كان يمكن توقعها عادة وقت التعاقد وتقسيم ما يزيد على ذلك من خسارة غير مألوفة بين المتعاقدين وذلك مراعاة للموازنة بين مصلحة كل منهما [4].

3_ تعديل عقود الإذعان

إن عقد الإذعان هو من العقود التي تتكون بنوده برضى أحد أطرافه دون الطرف الآخر، فلا يسمح للطرف الآخر مناقشة بنوده أو تعديلها، وعادة ما تكون عقود الإذعان موجه لمجموعة من الأشخاص، وتهدف بتقديم خدمة عامة ومن أمثلة عقود الإذعان عقود توريد الكهرباء/ الماء/ المرافق العامة، وتعرف عقود الإذعان بأنها عقود احتكار،

فهل يحق للطرف الضعيف في هذا العقد أن يطلب تعديل بعض بنوده؟

نصت المادة 204 من القانون المدني الأردني على أنه: إذا تم العقد بطريق الإذعان، وكان قد تضمن شروطاً تعسفية جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط أو أن يعطي الطرف المذعن منها، وذلك وفقاً لما تقتضي به العدالة، ويقع باطلاً كل اتفاق خلاف ذلك.

وعليه سنداً لهذا النص فإن عقود الإذعان قابلة للتعديل بما للقاضي من سلطة تقديرية وذلك بما فيه مصلحة للطرف المذعن، كما قد يتدخل المشرع مباشرة لرفع التعسف الذي يقع على الطرف المذعن دون وجود حاجة لتدخل القضاء، كما هو الحال في عقد العمل، حيث يتدخل المشرع لمصلحة العامل والأمر نفسه بالنسبة للمستهلك [5].

فالقاضي يجب أن ينظر إلى الطرف الضعيف وموقفه من الشروط التعسفية، فإذا كانت إرادته ضعيفة وكان دورها في العقد مجرد التسليم، فقد قام مبرر تدخله، حتى ولو كان منتبهاً إليها، عالماً بما شابها من تعسف، إذ لن يستطيع رغم هذا العلم أن يفعل شيئاً سوى الإذعان لها.

رقابة محكمة التمييز الأردنية على تعديل العقود

إن محكمة التمييز تمارس رقابتها على تعديل العقود بذات القواعد التي تتبعها في الرقابة على تفسير العقود، وعليه فإن محكمة التمييز لا يكون لها أي دور رقابي على سلطة القاضي في تعديل العقود إلا إذا أخطى القاضي بتفسير عبارات العقد وتعديله بحيث لم يتبع مبدأ حسن النية في البحث عن إرادة المتعاقدين وأن السبب الكامن وراء تعديل العقود هو ظهور ظروف جديدة جعلت تنفيذ العقد مرهقاً، وفي حال لم يتبع القواعد المطبقة في تعديل العقد في حالة الظروف الطارئة وهي العمل على الموازنة بين مصلحة الأطراف المتعاقدة بحيث يعمل على توزيع الخسارة العقدية الناتجة عن الظروف الطارئة إلى الحد المعقول بحيث يوازن بين مصلحة الدائن والمدين فلا يحمل المدين عبء الخسارة كاملة، بل يقوم بتحميله  الخسارة المألوفة التي كان يمكن توقعها عادة وقت التعاقد وتقسيم ما يزيد على ذلك من خسارة غير مألوفة بين المتعاقدين وذلك مراعاة للموازنة بين مصلحة كل منهما، وفي حال عرض نزاع على القاضي يتعلق بعقد إذعان، جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط أو أن يعفي الطرف المذعن منها، وذلك وفقاً لما تقتضي به العدالة ، فعلى القاضي أن يحترم قاعدة الشك يفسر لصالح المدين ولصالح الطرف الضعيف في عقود الإذعان.

العلاقة بين تفسير العقد وتعديله

لا شك أن هناك ارتباط بين تعديل العقد وتفسيره متى ما كان النزاع المعروض على القاضي يتضمن تعديل العقد وليس فقط تفسير إرادة المتعاقدين وإن كان تفسير إرادة المتعاقدين قد يتجه أحياناً إلى تعديل العقد بناءً على التفسير الذي توصل إليه القاضي،

 

فلكي يتمكن القاضي من تعديل العقد لا بد أن يقوم بتفسير العقد والوقوف على أركانه ووصفه وصفاً دقيقاً وتكيفه والتحقق من إرادة المتعاقدين وفقاً للبحث في مبدأ حسن النية في البحث عن إرادة المتعاقدين ، ومبدأ سلطان الإرادة، فمتى وجد القاضي أن العقد لا يحتاج لأي تفسير وأنه واضح العبارات والدلالات وإن إرادة  المتعاقدين قد اتجهت إلى إحلال بنوده إلا انه  هناك ظروف استجدت على العقد بحيث جعلت الالتزام مرهقاً، أو تبين للمحكمة أن يجب إعمال نظرية الظروف الطارئة لتعديل العقد أو أن العقد من عقود الإذعان ففي هذه الحالات للقاضي سلطة إحلال إرادته القضائية محل الإرادة التعاقدية فيما يتعلق بالبنود محل التعديل بشرط إتباع القواعد القانونية العامة والتي تقوم على أن يكون التعديل وفقاً لنصوص قانونية يمكن أن تكون سنداً للتعديل ، وتحقيق الموازنة بين أطراف العلاقة التعاقدية.

فلا يلجأ لتطبيق قواعد العدالة إلا حيث يشير له النص بذلك، فلا مجال للاجتهاد في محل النص وذلك من خلال التطبيقات القضائية المختلفة ومنها أحكام محكمة التمييز الأردنية في كثير من اجتهاداتها[6].

[1] حسام الدين الأهواني، النظرية العامة للالتزامات، القاهرة، دار النهضة العربية، 1995، ص 44.

[2] سمير عبد السيد تناغو، النظرية العامة للقانون، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1968، ص 78.

[3] مصطفى الجمال، السعي إلى التعاقد مظاهره وآثاره القانونية، القاهرة، دار الجامعة، 2000، ص 34.

[4] عبد المنعم بدراوي، النظرية العامة للالتزامات في القانون المصري مصادر الالتزام، القاهرة، مكتبة سيد وهبة، 1975، ص 33.

[5] عدنان ابرأهم السرحان، نوري أحمد خاطر، شرح القانون المدني، مصادر للحقوق الشخصية، عمان، الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2000، ص 73.

[6] رضوان يوسف رضوان بطاينة، رقابة محكمة التمييز في تفسير العقود وفق القانون الأردني، رسالة ماجستير_ جامعة عمان العربية، 2022، ص 73.

Scroll to Top