رقابة محكمة التمييز في تفسير العقود وفقاً للقانون الأردني

رقابة محكمة التمييز في تفسير العقود وفقاً للقانون الأردني

إن محكمة التمييز الأردنية هي أعلى سلطة قضائية في المملكة ، وهي محكمة قانون وليست محكمة موضوع إلا في حالات محددة بنص القانون والمتعلقة بقضايا الجنايات الكبرى ومحكمة آمن الدولة وقضايا محكمة الشرطة ، وباعتبارها أعلى سلطة قضائية فهي تتولى الرقابة على الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى والثانية والمطعون بها استئنافا ومن ثم تمييزاً، ومن أنواع الرقابة التي تمارسها محكمة التمييز: رقابة محكمة التمييز على تسبيب الحكم الجزائي، رقابة محكمة التمييز على أسباب الحكم المطعون فيه، رقابة محكمة التمييز على الوقائع والقانون في الدعوى الجزائية، رقابة محكمة التمييز على ركن الخطأ في المسؤولية التقصيرية، رقابة محكمة التمييز في تفسير العقود وفق القانون الأردني وهذا النوع الأخير من الرقابة هو موضوع مقالنا هذا، حيث سنتناول أحكام رقابة محكمة التمييز في تفسير العقود وفقاً  للقانون المدني الأردني  لسنة 1976 وتعديلاته، وذلك على النحو التالي:

جدول المحتويات:

المقصود بتفسير العقود عن طريق القضاء

مدى توافق قاعدة العقد شريعة المتعاقدين مع حق الرقابة الممنوح لمحكمة التمييز في تفسير العقود.

محل تفسير العقد

الهدف من تفسير العقود

أنواع تفسير العقود

تفسير العبارات الواضحة في العقد

أصول التفسير القضائي للعقود

رقابة محكمة التمييز الأردنية في تفسير العقود

موقف محكمة التمييز الأردنية في تفسير العقود

وسائل الرقابة التي تمارسها محكمة التمييز في تفسير العقود

متى تبسط محكمة التمييز رقابتها على قاضي الموضوع في تفسير العقود؟

 

المقصود بتفسير العقود عن طريق القضاء

يقصد بتفسير العقود عن طريق القضاء هو التوضيح الذي يصدر عن القضاء في المجلس القضائي عند طرح نزاع المتعلق بالعقد أمامه، وهذا التوضيح يتناول بيان كل غموض في الألفاظ والتوفيق بين عبارات العقد، والوقوف على نية المتعاقدين.

والعقد الذي يقصد به التفسير هو العقد الذي يرتبط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الأخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزامات معينة [1].

والتفسير بشكل عام ما هو إلا العملية الذهنية التي يعمل مفسر العبارة على توضيحها بما يزيل الغموض عنها، بحيث تتبين إرادة المتعاقدين الحقيقية وهذا يعتمد بشكل كبير على مضمون العقد وأي عناصر آخرى خارجية عنه ومرتبطة به[2].

مدى توافق قاعدة العقد شريعة المتعاقدين مع حق الرقابة الممنوح لمحكمة التمييز في تفسير العقود.

إن العقود مصدر من مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني، وإن كانت هذه العقود تتبع القاعدة العامة والتي مفادها العقد شريعة المتعادين، أي أن الأحكام والشروط التي يتضمنها العقد تنظم باتفاق الأطراف المتعاقدة، حيث جاء بنص المادة 241 من القانون المدني الأردني أنه: إذا كان العقد صحيحاً لازماً فلا يجوز لأحد المتعاقدين الرجوع عنه ولا تعديله ولا فسخه إلا بالتراضي أو التقاضي أو بمقتضى نص القانون.

إلا أن بعض العقود قد تكون شروطها أو أحكامها يكتنفها بعض الغموض الذي يحتاج إلى تفسير، أو قد يغفل أطراف العقد عن ذكر بعض المسائل الجوهرية، مما يجعل محكمة الموضوع تمارس دورها في تفسير العقود، وضرورة الرقابة على هذا التفسير للتأكد من مطابقته للقانون، فتفسير محكمة الموضوع للعقود يخضع للطعن ولا يكون قطعي فالخطأ وارد، والعدالة تقتضي فرض الرقابة في تفسير العقود.

فقاعدة العقد شريعة المتعاقدين لا تتناقض مع حق تفسير العقود والرقابة على هذا التفسير، فهذا الحق يطبق عند غموض العقود اللازمة، والتي لا يجوز نقضها أو تعديلها إلا باتفاق أطرافها أو للأسباب التي يقرها القانون، أما العقود ذات الأحكام والشروط الواضحة فلا مجال لمخالفة قاعدة العقد شريعة المتعاقدين.

متى تثور مسألة تفسير العقود؟

عند حصول نزاع بين أطراف العقد حول تنفيذه.

محل تفسير العقد

إن تفسير العقود يتربط بمبدأ حسن النية في تنفيذ العقد، فلا يؤخذ بحرفية الألفاظ الواردة في العقد، وإنما يُبحث عن نية المتعاقدين المشتركة في تنفيذ التزامات العقد بكل أمنة وصدق وحيادية، وهذا هو محل تفسير العقد، البحث في نية المتعاقدين وليس الوقوف على حرفية الألفاظ الواردة في العقد، ويشمل محل تفسير العقد نطاق العقد الذي يشمل بنوده ويشمل ما يعتبر من مستلزمات العقد وفقاً للقانون والعرف والعدالة.

الهدف من تفسير العقود

إن الهدف من تفسير العقود هو كشف وتوضيح اللبس والغموض الذي يعتري العقد، وتحديد مضمون العقد في جملته، وإزالة أي إشكاليات تكتنف بنوده، من أجل الوصول إلى الإرادة الحقيقية المشتركة للطرفين، بما يحقق العدالة لأطراف العقد، فتفسير العقود يحدد التزامات كل من المتعاقدين والذي بدوره يزيل أي إشكالية في تنفيذه مما يعني المحافظة على مبدأ استقرار المعاملات التي يعتبر ركيزة أساسية لتحقيق التقدم والازدهار في المعاملات المدنية والتجارية.

أنواع تفسير العقود

يقسم تفسير العقود إلى أنواع وهي:

1_ تفسير تشريعي: هو التفسير الذي يصدر عن المشرع للنصوص القانونية الغامضة التي يعتريها النقص أو الخطأ المادي في التشريع، حيث يقوم المشرع بوضع نصاً مماثلاً للنص القانوني الأصلي يوضح فيه الغموض، حيث أن المشرع هو من أصدر القانون وهو الأقدر على تفسيره.

2_ تفسير فقهي: هو التفسير الصادر عن فقهاء القانون متمثل باستخلاص الأحكام وهو تفسير نظري وهو غير ملزم للقضاء.

3_ تفسير قضائي: هو التفسير الذي يقوم به القاضي عندما يُطبق قانوناً يتخلله الغموض أو الإبهام على إحدى الدعاوى المرفوعة أمامه حتى يسهل فهمه وتبين أحكامه، وهذا التفسير يكون ملزماً في الدعوى التي صدر بشأنها في المحكمة ذاتها، وهذا التفسير هو أكثر التفسيرات شيوعاً فالتفسير القضائي لا يتمتع بقوة الإلزام، بل أن التفسير الصادر عن محكمة التمييز له التزام أدبي [3].

تفسير العبارات الواضحة في العقد

الأصل أن العبارات الواضحة في العقد لا يجوز تفسيرها وتحريف مدلولها لوضحه، وفي حال أراد القاضي تفسير العبارات الواضحة تفسيراً مغايراً لمدلولها الواضح فيجب أن يبين في حكمه الأسباب التي أدت لتفسير العبارات الواضحة تفسيراً مغايراً، أي أن يبين الظروف التي جعلته يعدل المعنى إلى غيره، وإلا كان حكمه مشوباً بالقصور والتسبيب، ويخضع هذا التفسير لرقابة محكمة التمييز.

ولكن إذا كانت العبارة واضحة واكتنفها مع ذلك غموض في دلالاتها على إرادة المتعاقدين، فإن الأمر يصبح بحاجة إلى تفسير[4].

ما يستند إليه القاضي عند تفسير العقود

القواعد القانونية باعتبارها أساس النظام القانوني كله، فيستند إليها القاضي للبحث عن النية المشتركة للمتعاقدين وطبيعة التعامل وعبارات العقد، ومن هذه القواعد قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومبدأ حسن النية، كما يستند القاضي في التفسير إلى العرف، وقواعد تفسير احتياطية وغيرها كالشروط المألوفة.

كما على القاضي الأخذ بقاعدة الشك يفسر لمصلحة المدين عند تفسير العقود، وذلك في حال تعذر عليه الوقوف على النية المشتركة للمتعاقدين، عليه أن يأخذ بقاعدة الأصل براءة الذمة.

سلطة القاضي في تفسير العقود

لم يأت التوسع الواضح في سلطة القضاء في مجال العقود مرة واحدة، ولأول مرة دفع لنظرية الظروف الطارئة، فبفعل العوامل المبتذلة والمتنوعة داخل العقد والعوامل المتغيرة خارجية، وفي مجموعة مناسبات واجه القضاء أنواعاً عقدية استدعت تدخلاً أدى إلى تجاوز الإرادة العقدية مستنداً في حالات منها إلى نظرية استثنائية واضحة المعالم وأحياناً أخرى مرتكزاً على مبادئ عليا تحكم العقد في مرحلة نشوئه ومرحلة تنفيذه، وهذا التجاوز للإرادة العقدية أضاف إلى سلطة القاضي في تفسير العقد بوصفه نظري تقليدية سلطة جديدة تكميلية من تعديل العقد [5].

وفي الواقع العملي السلطة الممنوحة للقضاء في البحث عن الإرادة العقدية أدت عملياً وخلافاً للمبدأ إلى تجاوز القضاء لتلك الإرادة، وبناء على ذلك يمكن لنا القول أن السلطة الواسعة التي أعطيت للقضاء عند تفسير العقد هي نفسها قد أدت إلى تجاوز القضاء غاية التفسير واصطناع إرادة غير حقيقية أو موجودة، ففي السلطة التقديرية وتعدد الوسائل نواة  إحلال الإرادة القضائية في مكان الإرادة العقدية، فمن خلال التفسير  قد يتوصل القضاء إلى تعديل العقد والتدخل في مضمونه، فالعمل القضائي إذن في دائرة التفسير ليس دائماً عملاً متكاملاً مع الإرادة العقدية فقد لا يؤدي إلى التطبيق الكلي للإرادة فيعدل العقد بحجة تفسيره ويضيف إليه بحجة إعمال الإرادة العقدية [6].

أصول التفسير القضائي للعقود

1_ إجلاء طبيعة العقد وإجراء التكييف والوصف الدقيق لبنوده ووصولاً إلى بيان الإرادة الحقيقية لأطرافه.

2_ تفسير العقد ببيان مدى ملائمته للقواعد الآمرة وتحديد نطاقه: من المعروف أن القاضي في تفسيره للقاعدة القانونية الخاصة الصادرة عن المشرع لا ينشغل بالنظر في مدى دستوريتها أو ملاءمتها للقانون الأعلى منها مرتبة [7].

رقابة محكمة التمييز الأردنية في تفسير العقود

بعد أن تعرفنا على المقصود بتفسير العقود وعلى القواعد القانونية التي يتبعها القاضي عند تفسيره لعقد موضوع النزاع المعروض عليه، سنتعرف على رقابة محكمة التمييز الأردنية في تفسير العقود، فالمعروف من الناحية القانونية أن محكمة التمييز محكمة قانون وليست محكمة موضوع فهيا تفرض رقابتها على الأحكام القضائية من حيث مدى مطابقتها لأحكام القانون وعدم مخالفته دون التطرق لموضوع النزاع.

فيقتصر بحثها على مسألة ما إذا كانت المحكمة قد أنزلت حكم القانون الصحيح أم أنها مسحتها أو رتبت عليها ما لا تنتجه عقلاً[8].

موقف محكمة التمييز الأردنية في تفسير العقود

أخذت محكمة التمييز الأردنية من خلال الاجتهادات القضائية بالعديد من القواعد القانونية التي يجب على القاضي اتباعها عن تفسير العقود وهذه القواعد هي:

1_ الأخذ بظاهر العبارات الواضحة في العقد وعدم الانحراف عنها إلا إذا بُين بأسباب واضحة ومقنعة سيي الانسياق لمعنى آخر.

2_ الأخذ بالنية الباطنة إذا كانت تمثل النية المشتركة للمتعاقدين.

3_البحث في النية المشتركة للمتعاقدين من خلال الأخذ بعبارات العقد كوحدة واحدة، والتأكيد على محكمة الموضوع بصحة الاستدلال والتسبيب.

4_ تكييف العقد وتحديد وصفه القانوني، لأن بيان طبيعة العقد من مسائل القانون التي لا يستقل بها قاضي الموضوع.

وسائل الرقابة التي تمارسها محكمة التمييز في تفسير العقود

1_ مراقبة تطبيق قواعد التفسير فإذا تبين لمحكمة التمييز أن محكمة الموضوع قد خالفت تطبيق قواعد التفسير تقرر نقض الحكم.

2_مراقبة تكييف العقد وتحديد وصفه القانوني، فقد استقر الفقه والاجتهاد لمحكمة التمييز حق التدخل إذا أخطأت محكمة الموضوع في تأويلها وتفسيرها للعقود[9].

3_ مراقبة سلطة القاضي في تطبيق القانون على العقد، لم يوضح المشرع فيما إذا كان القانون الواجب التطبيق في تفسير العقود هو القانون المدني أم القانون الخاص، وعليه ترك الحرية للقاضي بتطبيق القانون الأنسب والأقرب للمسائلة المتعلقة بالعقد موضوع النزاع، ويعد القانون الخاص هو الأولى بالتطبيق نظراً للمبدأ القانوني المستقر لدى الاجتهاد القضائي والقائل بأن القانون الخاص يقيد العام وإذا لم يساعد القانون الخاص القاضي وكان العقد محل الاستكمال من العقود المسماة يعود القاضي لأحكام العقد المسمى في القانون المدني، وإن لم يجد فيطبق أحكام النظرية العامة للعقد في القانون المدني، وإن لم يجد فيطبق أحكام النظرية العامة للعقد المدني[10]، وفي حال لم يكن العقد من العقود المسماة فيرجع إلى أحكام القواعد العامة المباشرة، وفي حال لم يجد فيقوم بتطبيق القواعد التي تم النص عليها بالنسبة لأقرب العقود للعقد المراد تكميله من العقود المسماة [11].

 متى تبسط محكمة التمييز رقابتها على قاضي الموضوع في تفسير العقود؟

قضت محكمة التمييز في حكم لها : حيث أنه لمحكمة الموضوع سلطة تفسير العقود دون رقابة عليها في ذلك من محكمة التمييز إلا أن ذلك مشروط بأن يكون التفسير بما يكون أوفى بمقصود عاقديها وهو القصد المشترك الذي انصرفت إليه إرادة العاقدين وقت إبرام العقد وكان تفسيرها ما تحتمله عبارات العقد دون خروج فيها على المعنى الظاهر لها في جملتها فإذا انحرفت بتفسيرها عن المعنى الظاهر الواضح والمعبر عن القصد المشترك للعاقدين عن طريق التأويل الخاطئ ودون أن يكون هناك أسباب تبرره فهو إنحراف وتشويه للعقد ومبرر لبسط محكمة التمييز رقابتها على مثل هذا التفسير الخاطئ، وحيث أن محكمة الاستئناف قد ذهبت بتفسيرها الخاطئ لعبارات الاتفاق وما ورد بها من شروط على اعتبارها عقد استثمار خاضع للقانون المدني خلافاً للواقع من أنه عقد إيجار ويطبق وفقاً لما ورد به من شروط إعمالاً لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين فيكون ما توصلت له بهذا الجانب مستوجباً النقض [12].

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] جبر غازي شطناوي، الثقافة القانونية في حياتنا، عمان، دار الثقافة، 2021، ص 207.

[2] عبد الحكم عبد البصير فوده، النظرية العامة في تفسير العقد في القانون المدني المصري المقارن، أطروحة دكتوراة منشورة مقدمة لجامعة الإسكندرية، جامعة الإسكندرية، الإسكندرية، مصر، 1985، ص 17.

[3] رضوان يوسف رضوان بطاينة، رقابة محكمة التمييز في تفسير العقود وفق القانون الأردني، رسالة ماجستير- جامعة عمان العربية، عمان، 2022، ص 19.

[4] أنور سلطان، مصادر الالتزام، عمان، المكتب القانوني، 2005، ص 388. ر

[5] عوض أحمد الزعبي، مرجع سابق، 2003، ص 34. ي

[6] حمدي، مرجع سابق، ص 87. قانون العمل.

[7] سعيد يوسف البستاني، الجامع في القانون الدولي الخاص، بيروت، منشورات الحلبي القانونية، 2009، ص 561.

[8] عوض أحمد الزعبي، أصول المحاكمات المدنية، الجزء الأول _ التنظيم القضائي_ الاختصاص، عمان، دار وائل للنشر، 2003، ص 136.

[9] تمييز حقوق أردنية، رقم 3478/2005، منشورات عدالة.

[10] حمدي، عبد الرحمن، منصر، سهير، مبادئ القانون نظرية الحق، مصادر الالتزام وأحكامه، بيروت، دار الفكر العربي، ص 153.

[11] مصطفى الجمال، السعي إلى التعاقد مظاهره وآثاره القانونية، القاهرة، دار الجامعية، 2000، ص 173.

[12] تمييز حقوق أردنية، رقم 4756/2019، منشورات عدالة.

Scroll to Top