ضوابط الاستشهاد بالمصنفات في ضوء قانون حق المؤلف
حرص المشرع الأردني على تقرير الحماية اللازمة لحقوق المؤلف على مصنفه سواء حقوقه المالية أو المعنوية وفي سبيل تحقيق ذلك أصدر المشرع الأردني قانون حماية حقوق المؤلف والذي تضمنت نصوصه العديد من الأحكام اللازمة لتفعيل حماية حق المؤلف، و مع ذلك فقد أورد المشرع الأردني بعض من الاستثناءات على حق المؤلف في حماية مصنفه ومن هذه الاستثناءات حق الاستشهاد بالمصنف اذا وجد احد مبررات الاستشهاد ودون الانتظار حتى الحصول على تصريح أو إذن من المؤلف .
وفي خلال هذا المقال سوف نتناول ضوابط الاستشهاد بالمصنفات في ضوء قانون حماية حق المؤلف على التفصيل الآتي :
أولا : مفهوم المصنفات وحق الاستشهاد بها ومبررات هذا الحق
ثانيا: الصور القانونية للاستشهاد بالمصنفات
ثالثا: الضوابط الموضوعية اللازمة لجواز الاستشهاد بالمصنفات الأدبية
رابعا: الضوابط الشكلية لجواز الاستشهاد بالمصنفات الأدبية
خامسا: بعض الاجتهادات القضائية الخاصة بحق الاستشهاد وضوابطه
أولا : مفهوم المصنفات وحق الاستشهاد بها ومبررات هذا الحق
عرفت المادة ( 2 ) من قانون حق المؤلف المصنف الفني بقولها : ( كل إبداع أدبي أو فني أو عملي والمحمي وفقا لأحكام المادة ( 3 ) من هذا القانون ).
كما عرفه بعض الفقه بأنه : ( جميع الصور والابتكارات الفكرية الأصلية التي يتم التعبير عنها في شكل قابل للاستنساخ أو بمعنى آخر جميع صور الإبداع الفكري في مجالات الأدب والفنون والعلوم ).[1]
وقد حمى المشرع الأردني هذه المصنفات وفرض لها الحماية اللازمة التي تمنع غير مؤلفها من استخدام تلك الحقوق إلا بإذن مالكها وتمنع نسبتها إليه، كما يرى البعض أنه ومع التطور التكنولوجي ووجود معظم المصنفات الأدبية والفنية على شبكات الإنترنت يجعلها تتمتع بهذه الحماية بمجرد وجودها على شبكة الإنترنت، دون الحاجة إلى تسجيل المؤلف في الدولة التي يتم التعدي فيها على حقوق المؤلف.[2]
- وإذا كانت المصنفات الأدبية والفنية بجميع صورها سواء المقروءة منها أو المسموعة أو المصنفات البصرية، مثل المنتجات الفيلمية تتمتع بهذه الحماية ويترتب على خرق هذه الحماية قيام المسئولية على الفاعل سواء المسئولية المدنية أو الجزائية، إلا أن المشرع ولاعتبارات عديدة وضع بعض الاستثناءات على حقوق المؤلف المقررة له على مصنفه الأدبي أو الفكري، ومن هذه الاستثناءات حق الاستشهاد بهذه المصنفات، والذي سنتناوله بالشرح والتأصيل على النحو الآتي:
يعرف الاستشهاد لغة بأنه الاستناد على آراء وأقوال الآخرين وكتاباتهم لتدعيم رأي أو وجهة نظر محددة وفي الاصطلاح إقامة الدليل على الدعوى. [3]
- ويعرف الفقه حق الاستشهاد بالمصنفات على أنه : جواز نسخ أو قل فقرات معينة من مؤلف أو مصنف أدبي أو فني بقصد تدعيم رأي الكاتب، أو توضيح فكرته، أو بغر توجيه النقد إليها أو لأغراض التعليم، أو الإقناع أو إنشاء تقرير على مصنف يتمتع بالحماية القانونية لحقوق المؤلف. [4]
– وقد ساق الفقه القانوني العديد من المبررات لحق الاستشهاد بالمصنفات الفنية باعتباره استثناء على الأصل العام ومن أهم هذه المبررات :
1- أن الاستشهاد بالمصنفات الفنية والأدبية يحقق إثراء في معرفة وثقافة المجتمع ويساعد في زيادة الخبرات العلمية وتوثيقها، وهي مصلحة عامة وضرورية وهي بطبيعتها هذه تكون مقدمة على مصلحة المؤلف الخاصة، وأن كان الاستشهاد يجب أن يكون بقدر بسيط ودون التعدي على حق المؤلف، حيث يٌشترط على المستشهد أن يلتزم احترام حق المؤلف والإشارة إلى مؤلفه بالتفصيل.
2- يساعد الاستشهاد بالمصنفات إلى زيادة شهرة هذه المصنفات وانتشارها وهو أمر يحقق فائدة مزدوجة لكلا الطرفين، فبينما يستفيد الباحث من هذا الاستثناء ويتمكن من الاقتباس من المصنف دون مسائلة قانونية، فإن مالك الحقوق الأدبية والمالية على المصنف يحقق استفادة كبيرة أيضا من زيادة شهرة مصنفه، والتي بالطبع ستؤدي إلى زيادة الإقبال على شراء المصنف نفسه وكذلك الأعمال الأخرى للمؤلف.
3- يساعد الاستشهاد إلى توسيع مدارك الباحث بحيث يتمكن من خلال الاستشهاد بالمصنفات الفنية والأدبية إلى إنتاج عمل إبداعي متنوع ومختلف عن غيره مستعينا بما توصل إليه من استشهادات من مصنفات أخرى، مما ينتج عنه مؤلف آخر جديد يعرض فكرة أو جهة نظر مختلفة أو يؤيد فكرة كانت محل شك.
ثانيا: الصور القانونية للاستشهاد بالمصنفات
يقسم الاستشهاد بالمصنفات إلى استشهاد بمصنفات أدبية واستشهاد بمصنفات مسموعة، أو مرئية ومسموعة ولكل من هذه الاستشهادات صور مختلفة تختلف بطبيعة المصنف وما إذا كان مصنفا أدبيا مكتوبا أو مصنفا مسموعا أو مسموعا ومرئيا على التفصيل الآتي:
أ- الاستشهاد بالمصنفات الأدبية
يقصد بالمصنفات الأدبية بانها المصنفات التي تحتوي على صور إبداع المؤلف الذهني والفكري، وتعبر عن شخصيته بشكل متفرد في أحد ميادين العلوم أو الآداب بغض النظر عن شكل هذه المصنفات ومن أشهرها المصنفات المكتوبة. [5]
– ومن أهم صور الاستشهاد بالمصنف الأدبي هي اقتباس أو نقل جزء منه أو نسخه وهو ما سنتناوله بالتفصيل على النحو الآتي :
الصورة الأولى: اقتباس أو نقل جزء من المصنف الأدبي
يقصد بالاقتباس من المصنف الأدبي أي أخذ جزء معين من المصنف الكتابي بقصد تحليله، أو نقده، أو لتدعيم رأي معين به، [6] ويعتبر الاقتباس من المؤلفات المكتوبة هو أحد اهم واشهر صور حق الاستشهاد والذي أجازته الاتفاقيات والتشريعات ومنها ما قررته المادة ( 10 / 1 ) من اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية والتي أجازت نقل بعض المقتطفات من المصنف المشمول بالحماية حيث جاء نصها : ( يسمح بنقل مقتطفات من المصنف الذي وضع في متناول الجمهور على نحو مشروع، بشرط أن يتفق ذلك وحسن الاستعمال وأن يكون في الحدود التي يبررها الغرض المنشود، ويشمل ذلك نقل مقتطفات من مقالات الصحف والدوريات في شكل مختصرات صحفية )
كذلك ما قرره المشرع الأردني في المادة ( 17 /د من قانون حق المؤلف حيث نصت على : ( يجوز استعمال المصنفات المنشورة دون إذن المؤلف شريطة أن لا يتعارض ذلك مع الاستغلال العادي للمصنف ولا يسبب ضرراً غير مبرر بالمصالح المشروعة لصاحب الحق في أي من الحالات التالية:……
د. الاستشهاد بفقرات من المصنف في مصنف آخر بهدف الإيضاح أو الشرح أو المناقشة أو النقد أو التثقيف أو الاختبار وذلك بالقدر الذي يبرره هذا الهدف على أن يذكر المصدر واسم مؤلفه).
- والجدير بالذكر أن المشرع الأردني لم يوضع حدود الاقتباس وبالتالي فيجوز الاقتباس والنقل من المصنف الأدبي بشرط أن يمتثل الناقل أو المقتبس بما تفرضه الأمانة العلمية من آداب تتمثل في أن يتم الإشارة إلى كل فقرة تم اقتباسها أو نقلها، وذكر مصدرها وبيانات المصنف المأخوذة منه بشكل دقيق، وأن يكون الاقتباس للأغراض العلمية أو الثقافية التي تحقق إثراء المحتوى الأدبي بشكل عام.
الصورة الثانية: نسخ جزء من المصنف الأدبي
ويقصد بالنسخ تثبيت المحتوى المادي لمصنف على دعامة سواء في صورته الأصلية أو معدلا بقصد نقله أو توصيله للغير. [7]
- والنسخ بهذه الصورة أصبح مثار خلاف فقهي حول مدى مشروعيته واعتباره تابعا لحق الاستشهاد أم أنه من قبيل الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، حيث اتجه بعض الفقه إلى اعتبار النسخ أحد صور الاستشهاد باعتبار النسخ يتم فيه قطع ونقل جزء أو عدة أجزاء من المصنف، إلا أنه في ذات الوقت لا يمكن اعتبار نسخ المصنف الأدبي بشكل كامل من قبيل الاستشهاد بل يعتبر تعدي على حق المؤلف يستوجب مسائلة مرتكبه جنائيا.[8]
بينما اتجه الرأي الآخر إلى اعتبار النسخ صورة مشروعة من صور الاستشهاد ما دام قصد منه استعمال المصنف بشكل خاص، ودون الحاق ضرر بحقوق المؤلف المقررة على مصنفة، ومن الصور التي ساقها أصحاب هذا الراي تدعيما لرايهم في اعتبار النسخ صورة من صور الاستشهاد أن يكون النسخ قد وقع على محاضرات أو كتابات في مجالات اقتصادية أو قانونية تم نشرها في أحد الصحف أو المجلات. [9]
- وترتيبا على ذلك فيمكننا القول أن النسخ إذا قصد منه تحقيق أحد أهداف الاستشهاد كأن يكون بقصد تدعيم وجهة نظر محددة أو المقارنة، أو النقد يصبح صورة مشروعة من صور الاستشهاد، أما إذا قصد من النسخ نسخ كامل لمصنف الأدبي وتوزيعه أو تسويقه فيكون من قبيل الاعتداء على حقوق المؤلف الفكرية.
والجدير بالذكر أن المشرع الأردني قد فرق بين النسخ والاقتباس، حيث أجاز نسخ المصنف واستنساخه إذا رغب الناسخ استعماله بشخصه بشرط ألا يترتب على ذلك الحاق ضرر بحقوق المؤلف وهو بلك قصد بالنسخ نسخ كامل المصنف، أما الاقتباس فقد قصد منه الاستشهاد ببعض فقرات أو أجزاء المصنف بغرض دراستها أو تحليلها أو نقدها وفد نصت المادة ( 17 / ب/ د ) من قانون حق المؤلف على : ( يجوز استعمال المصنفات المنشورة دون إذن المؤلف شريطة أن لا يتعارض ذلك مع الاستغلال العادي للمصنف ولا يسبب ضرراً غير مبرر بالمصالح المشروعة لصاحب الحق في أي من الحالات التالية :
ب. الاستعانة بالمصنف للاستعمال الشخصي الخاص وذلك بعمل نسخة واحدة منه بواسطة الاستنساخ أو التسجيل أو التصوير أو الترجمة أو التوزيع الموسيقي .
د. الاستشهاد بفقرات من المصنف في مصنف آخر بهدف الإيضاح أو الشرح أو المناقشة أو النقد أو التثقيف أو الاختبار وذلك بالقدر الذي يبرره هذا الهدف على أن يذكر المصدر واسم مؤلفه ).
ب- الاستشهاد بالمصنفات المرئية والمسموعة المرئية
يعرف المصنف السمعي أو السمعي المرئي بأنه : ( أي مصنف معد للسمع والنظر بحيث يتكون من مجموعة من الصور المرتبطة ببعضها المصحوبة بأصوات، والمسجلة على دعامة ملائمة وتعرض بواسطة أجهزة أو بأي طريقة من طرق العرض ).[10]
ويظهر دور ضوابط الاستشهاد في هذا النوع من المصنفات عندما يرغب المستخدم لأحد تلك المصنفات والمملوكة بالطبع لغيره في التعديل أو في اقتباس أو في نسخ جزء من هذا المصنف وإدخاله في مصنف مسموع أو مرئي ومسموع آخر وعما إذا كان يجب أن يحصل على موافقة مالك الحقوق الملكية الفكرية من عدمه ولبيان ذلك يجب أن نبين صور الاستشهاد في هذا النوع من المصنفات على النحو الاتي :
الصورة الأولي: الاقتباس من المصنف المسموع أو المرئي المسموع
ويقصد بالاقتباس في هذا النوع من المصنفات وضع مقطع من المصنف المسموع أو المرئي المسموع كجزء من مقطع مرئي آخر بقصد الاستشهاد به أو تحليله أو دراسته أو نقده، ويبقى هذا النوع من الاقتباس جائزا ما دام المقطع تم وضعه كجزء مدمج في المصنف الجديد لا يمكن فصله عنه.[11]
ورغم عدم نص التشريع الأردني على حق الاستشهاد بالمصنفات السمعية أو البصرية السمعية، إلا أنه يمكننا القول أن هذا النوع من الاقتباس يبقى جائزا مالم يتجاوز الغرض من الاستشهاد وللضرورة وللمبررات التي لأجلها قرر حق الاستشهاد.
الصورة الثانية: النسخ من المصنف المسموع أو المرئي المسموع
ويعرف النسخ في هذا النوع من المصنفات بأنه استنساخ صورة طبق الأصل من المصنف السمعي أو المرئي السمعي وتخزينه بأي وسيلة كتخزينه إلكترونيا، ومن أهم صور النسخ أن يقوم الناسخ بتصوير المصنف وتسجيله بالفيديو أو تسجيله صوتيا فقط. [12]
والأصل أن استنساخ المصنفات لا يكون إلا بشكل جزئي ولتحقيق أغراض الاستشهاد بها، أما الاستنساخ الكامل للمصنفات وخصوصا المصنفات المسموعة أو المرئية المسموعة لا يجوز إلا بغرض الاستعمال الشخصي أي أن يكون الناسخ يستعمله لأغراضه الشخصية كالدراسة أو الترفيه، وهذا الحق أجازته المادة (17/أ ) من قانون حقوق المؤلف بقولها : ( يجوز استعمال المصنفات المنشورة دون إذن المؤلف شريطة أن لا يتعارض ذلك مع الاستغلال العادي للمصنف ولا يسبب ضرراً غير مبرر بالمصالح المشروعة لصاحب الحق في أي من الحالات التالية :
أ. تقديم المصنف أو عرضه أو إلقاؤه أو تمثيله أو إيقاعه إذا حصل في اجتماع عائلي خاص أو في مؤسسة تعليمية أو ثقافية أو اجتماعية على سبيل التوضيح للأغراض التعليمية ، ويجوز للفرق الموسيقية التابعة للدولة إيقاع المصنفات الموسيقية ، ويشترط في ذلك كله أن لا يتأتى عنه أي مردود مالي ، وأن يتم ذكر المصدر واسم المؤلف ).
ولا شك أن إجازة المشرع لحق الناسخ في استنساخ المصنف لاستعماله الشخصي راجعا إلى أن الاستعمال الشخصي لن يلحق بالمؤلف ضررا، بل هو حق أصيل للمستخدم ولا يمثل بحال منافسة غير مشروعة إلا إذا تجاوز المستخدم حق الاستخدام الشخصي,
– ونظرا للمستجدات والتطورات التي طرأت في مجال المصنفات السمعية والمصنفات المرئية والسمعية فقد ورد في ندوة الويب التي والتي عقدها المعهد القضاء الأردني عام 2004 عدة مبادئ هامة منها :
1- حيث أجازت استعمال مقتطفات من المصنف المشمول بالحماية إذا قصد من هذا الاستعمال تحقيق أغراض مشروعة ومنشودة بشرط أن يكون الاستخدام مبررا ويتوافر فيه حسن النية المادة ( 10 / 1 ) من اتفاقية برن.
2- أنه يجب تقيد حق الاستنساخ بحيث يكون المقصود تحقيق أهداف مهمة كالأهداف التعليمة أو تلبية حاجة الجمهور بشرط ألا يؤدي ذلك إلى الحاق ضرر بحق المؤلف.
3- استثناء ترجمة المصنفات السمعية والسمعية البصرية من القيود الواردة على حق المؤلف إذا كان الغرض من النسخ أو الترجمة استفادة أصحاب الإعاقات السمعية أو البصرية من المصنف المحمي، وعلى ذلك فيجوز استثناء الترخيص بترجمة المصنف باستخدام طريقة برايل وبالحروف الكبيرة أو بطريق التسجيل الصوتي بقصد سد احتياجات أصحاب الإعاقات السمعية أو البصرية.
ثالثا: الضوابط الموضوعية اللازمة لجواز الاستشهاد بالمصنفات الأدبية
وتتمثل الضوابط الموضوعية في أن يكون الاستشهاد مبررا وأن يتوافر لدى المستشهد حسن النية وأن يتوقف الاستشهاد عند مجرد اخذ بعض الفقرات الو المقتطفات وأن يكون الغرض منه ابتكار مصنف جديد وسوف نتنازل كل ضابط من هذه الضوابط الموضوعية بالتفصيل على النحو الاتي:
أ- أن يكون الاستشهاد مبررا : أي أن يكون الهدف المنشود من وراء الاستشهاد يبرر حدوثه كونه استثناء عن الأصل العام الذي يقضي بحماية حقوق المؤلف، والهدف المنشود أو الغرض الذي يصلح أن يكون مبررا للاستشهاد هو الغرض التعليمي أو النقدي أو الإعلامي، وفقا لما قررته اتفاقية برن وقانون حماية حقوق المؤلف.
ب- توافر حسن النية لدى المستشهد: يجب أن يتوافر لدى المقتبس أو الناقل أو المترجم حسن النية اللازم، والذي يتمثل في انتفاء أي غرض أو باعث غير مشروع في استشهاده بالمصنف سواء كان الغرض ضارا بالمؤلف نفسه، أو بمصنفه أو يمثل منافسة غير مشروعة، أي ألا يؤدي استعمال المصنف إلى الإضرار بالحقوق المالية أو المعنوية المقررة للمؤلف على مصنفه، ولما كان حسن النية من الأمور النفسية الخفية فإن الوقوف على توفرها من عدمه يخضع للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع باعتبارها مسألة موضوعية تدخل في صميم اختصاصه، فالقاضي إذا عرض عليه دعوى متعلقة بإساءة استخدام حق الاستشهاد وعدم توافر حسن النية لدى المستشهد فله أن يستنبط من خلال ظروف الواقعة وما تحيط به من مجريات ما إذا كان ضابط حسن النية متوفر من عدمه وقد نصت المادة ( 10 / 1 ) من اتفاقية برن على هذا الضابط بقولها (… يشترط أن يتفق ذلك وحسن الاستعمال )
ج – أن يتوقف الاستشهاد عند الاستشهاد ببعض الفقرات والمقتطفات القصيرة
والمقصود بهذا الضابط أن يكون الاستشهاد واردا على أجزاء محددة وفقرات معدودة من المصنف، بحيث يستخدمها المستشهد في توضيح فكرة ما، أو تدعيم وجهة نظر معينة، أو نقد ما ورد في الجزء المقتبس، وهو بذلك ضابط يهتم بحجم الفقرات المقتبسة من المصنف وعددها، وإذا كان المشرع الأردني لم يتناول هذا الضابط صراحة إلا أن مفهوم المادة ( 17/ د ) من قانون حماية حق المؤلف يشير إلى أن الاستشهاد بالمصنف يجب أن يكون للحد الذي يبرره وهو ما يعني عدم التوسع في الاستشهاد بما يزيد عن هذا الحد.
د- أن يكون الاستشهاد بهدف ابتكار مصنف جديد
والمقصود بذلك أن يكون المستشهد قد لجأ إلى الاقتباس أو النقل من المصنف بقصد تضمين الجزء المقتبس بداخل مصنف جديد من ابتكاره الشخصي يعالج مسالة قريبة من التي يعالجها المصنف المقتبس منه، أو يوضحها أو يدعمها أو ينتقدها، وهو بذلك يصلح أن يكون ضابطا لمقدار ما يتم الاستشهاد به من المصنف بحيث يجب أن يكون الجزء المستشهد به أقل بكثير من الجزء الذي ابتكره و أبدعه المستشهد ويمثل في حقيقته إبداعي وابتكار فني، وأن الفقرات المأخوذة من المصنفات المملوكة للغير لا تمثل إلا جزء بسيط من المصنف المبتكر والجديد.
إذ بهذا الضابط تظهر أهمية الاستشهاد من جهة ومن جهة أخرى عدم مجاوزته للحد الذي يخرجه عن الغرض منه، وبانتفاء هذا الضابط يكون المستخدم للمصنف لم يستخدمه بغرض الاستشهاد أو لمبرراته، بل استخدمه بشكل يمثل تعدي على حقوق المؤلف المادية أو المعنوية والإفتئات عليها، إذ يكون الاستشهاد بالمصنف قد خرج عن ضابط الابتكار الجديد وأصبح بمثابة التقليد أو النسخ للمصنف المأخوذ منه، وهو ما يشكل جريمة التعدي على حقوق المؤلف و يمثل صورة من صور المنافسة الغير مشروعة، وقد نصت المادة ( 51 ) من قانون حقوق المؤلف في هذا الشأن على : ( أ . يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة اشهر ولا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن الف دينار ولا تزيد على ستة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين:
- 1. كل من باشر بغير سند شرعي أحد الحقوق المنصوص عليها في المواد ( 8،9،10،23) من هذا القانون.
- 2. كل من عرض للبيع أو للتداول أو للإيجار مصنفاً غير مشروع أو نسخاً منه أو أذاعه على الجمهور بأي طريقة كانت أو استخدمه لتحقيق أي مصلحة مادية أو أدخله إلى المملكة أو أخرجه منها مع علمه بأنه غير مشروع أو إذا توافرت الأسباب والقرائن الكافية للعلم بذلك .
- 3. لغايات تطبيق أحكام البند (2) من هذه الفقرة يعتبر وجود نسخ من المصنفات غير المشروعة في محل أو مؤسسة تجارية دليلاً على وجودها لغايات البيع أو التداول أو الإيجار.
ب. وفي حالة تكرار أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (ا) من هذه المادة ( يحكم على مرتكبها بالحد الأعلى لعقوبة الحبس وبالحد الأعلى للغرامة وللمحكمة في هذه الحالة الحكم بإغلاق المؤسسة التي ارتكبت فيها الجريمة لمدة لا تزيد على سنة أو وقف ترخيصها لمدة معينة أو بصورة نهائية).
رابعا: الضوابط الشكلية لجواز الاستشهاد بالمصنفات الأدبية
يقصد بالضوابط الشكلية للاستشهاد بالمصنفات أي السلوكيات والقواعد الشكلية التي يجب اتباعها من قبل المستشهد لتطبيق القواعد الموضوعية للاستشهاد. [13]
ومن أهم الضوابط الشكلية التي يجب توافرها ليتوافر حق الاستشهاد وقيامه بشكل صحيح وموافق للقانون الضوابط الأتية :
1- أن يكون المصنف قد تم نشره: ويقصد بذلك أن يقوم المؤلف بعرض مؤلفه على الجمهور بالشكل الذي يمكنهم من قراءته أو مشاهدته أو الاستماع إليه بغض النظر عن طريقة هذا العرض ما دامت مقبولة ومتعرف عليها وقد نصت المادة ( 33 / أ ) من قانون حماية حق المؤلف على : ( أ . يعتبر المصنف منشوراً من تاريخ وضعه في متناول الجمهور لأول مرة ولا ينظر في ذلك إلى إعادة نشره ألا إذا ادخل المؤلف عند إعادة نشره تعديلات أساسية يمكن اعتباره معها مصنفاً جديداً .
ب. إذا كان المصنف يتكون من عدد من الأجزاء أو المجلدات نشرت منفصلة في أوقات مختلفة فيعتبر كل جزء أو مجلد مصنفاً مستقلاً وذلك بالنسبة إلى تاريخ النشر) .
ويرى جانب من الفقه أن مجرد نشر المؤلف لمصنفه وإتاحته للجمهور فإن الجمهور يكتسب عليه بعض الحقوق ومن أهمها حق نقد المصنف والاستشهاد به، [14] وهو أيضا يتوافق مع ما قررته المادة ( 10/1 ) من اتفاقية برن من جواز نقل مقتطفات نت المصنف إذا ما وضع في متناول الجمهور بشكل مشروع.
- والجدير بالذكر أن المادة ( 10/ 1 ) قد أجازت النقل والاستشهاد إذا كان المصنف قد تم نشره بشكل مشروع وهو ما يعني أنه لا يجوز استعمال حق الاستشهاد إذا كان المؤلف ومالك الحقوق الملكية الفكرية للمستشهد لم ينشره ولم يأذن بنشره، وإنما تم الوصول إليه بطرق غير مشروعة أو تم تسريبه دون إرادة مؤلفه.
2- احترام المستشهد للحقوق الأدبية للمؤلف على مصنفه: ويقصد باحترام حقوق المؤلف الأدبية على مصنفه أن يولي المستشهد الاحترام للمؤلف في شخصه باعتباره صاحب الفكرة الإبداعية التي اشتملها مصنفه، وفي ذات الوقت أن يولي المستشهد الحماية اللازمة للمصنف ذاته بالنظر إلى قيمته الذاتية التي يتمتع بها، [15] وقد أورد المشرع الأردني بعض من صور حماية الحق الأدبي للمؤلف على مصنفه إذ نص في المادة ( 8 ) من قانون حق المؤلف على : ( يتمتع المؤلف بحقوق أدبية غير قابلة للتقادم أو التصرف فيها أو التنازل عنها، وهي :أ . الحق في أن ينسب إليه مصنفه وأن يذكر اسمه على جميع النسخ المنتجة كلما طرح المصنف على الجمهور ألا إذا ورد ذكر المصنف عرضا أثناء تقديم أخباري للأحداث الجارية .
ب. الحق في تقرير نشر مصنفه وفي تعيين طريقة النشر وموعده .
ج . الحق في إجراء أي تعديل على مصنفه سواء بالتغيير أو التنقيح أو الحذف أو الإضافة .
د . الحق في دفع أي اعتداء على مصنفه وفي منع أي تشويه أو تحريف أو أي تعديل آخر عليه أو أي مساس به من شانه الإضرار بسمعته وشرفه على أنه إذا حصل أي حذف أو تغيير أو إضافة أو أي تعديل آخر في ترجمة المصنف، فلا يكون للمؤلف الحق في منعه ألا إذا اغفل المترجم الإشارة إلى مواطن هذا التعديل أو ترتب على الترجمة مساس بسمعة المؤلف ومكانته الثقافية أو الفنية أو إخلال بمضمون المصنف.
هـ. الحق في سحب مصنفه من التداول إذا وجدت أسباب جدية ومشروعة لذلك ويلزم المؤلف في هذه الحالة بتعويض من آلت إليه حقوق الاستغلال المالي تعويضا عادلا).
- ومن أهم التطبيقات لهذ الضابط أن يلتزم المستشهد بنسبة ما تم اقتباسه من المصنفات إلى مؤلفيها بحيث يسهل على القارئ التمييز بين ما كتبه المؤلف بنفسه، وما اقتبسه من المصنفات الأخرى إلى جانب أن هذا الأمر يحقق الاحترام الواجب لحق المؤلف الأدبي لمصنفه والذي يجب على المستشهد مراعاته، وقد نصت المادة ( 17 / د ) من قانون حماية حق المؤلف على هذا الضابط بقولها : ( يجوز استعمال المصنفات المنشورة دون إذن المؤلف شريطة أن لا يتعارض ذلك مع الاستغلال العادي للمصنف ولا يسبب ضرراً غير مبرر بالمصالح المشروعة لصاحب الحق في أي من الحالات التالية :
د. الاستشهاد بفقرات من المصنف في مصنف آخر بهدف الإيضاح أو الشرح أو المناقشة أو النقد أو التثقيف أو الاختبار وذلك بالقدر الذي يبرره هذا الهدف على أن يذكر المصدر واسم مؤلفه). إذ اشترطت في نهايتها أن يذكر المستشهد مصدر المصنف مصدر الاستشهاد واسم مؤلفه .
3– احترام حقوق الناشر: يعتبر حق نشر المصنف من الحقوق الأصيلة للمؤلف لا يشاركه فيه أحد ويكون له الحق وحده في نشر المؤلف على نفقته الخاصة، أو أن يتعاقد مع دار نشر تقوم بدور الناشر للمصنف في صورة عقد النشر وذلك في مقابل جزء من أرباح توزيع المصنف أو على حسب ما يتفق عليه الطرفان.
ويقصد بهذا الضابط أن الناشر يتمتع بذات الحقوق التي يتمتع بها المؤلف من حيث حقه في المطالبة بحماية المصنف واحترام حقوق الاستشهاد به وغيرها من حقوق مكفولة للمؤلف من حيث الأصل، كما يجب على المستشهد أن يذكر حين الاستشهاد بأحد المصنفات اسم دار النشر التي تولت طباعة ونشر هذا المصنف، وتظهر أهمية هذا الحق في الحالات التي يقوم المستشهد بذكر دار نشر غير دار النشر الحقيقية التي طبعت و نشرت المصنف، إذ قد يترتب على ذلك إلحاق ضرر مادي و معنوي بالناشر والذي يعتبر في بعض الحالات من قبيل المنافسة الغير مشروعة، والملاحظ أن المشرع الأردني لم يتناول هذا الضابط ولم يشير إليه بشكل مباشر، إلا أنه وتطبيقا للقواعد العامة المقررة في القانون المدني وخاصة في المادة ( 256 ) منه فيجوز للناشر المطالبة بالتعويض بناء على مخالفة هذا الضابط إذا لحق به جراء مخالفته ضررا حيث نصت المادة ( 256 ) من القانون المدني على : ( كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر ).
خامسا: بعض الاجتهادات القضائية الخاصة بحق الاستشهاد وضوابطه
1– الحكم رقم 621 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2018-03-01 حيث جاء فيه : ( وعن السبب التاسع عشر الذي انصب على تخطئة محكمة الاستئناف عندما لم تراعِ ما نصت عليه المادة (17) من قانون حماية حق المؤلف التي أجازت استعمال المصنفات المنشورة دون إذن المؤلف وفقاً لشروط وحالات حددتها المادة .
تجد محكمتنا ومن خلال الرجوع إلى أحكام المادة (17) من قانون حماية حق المؤلف بجميع بنودها ( أ و ب و ج و د ) أنها لا تنطبق على واقعة الدعوى .
كما أن المادة في بدايتها نصت على ( يجوز استعمال المصنفات المنشورة دون إذن المؤلف شريطة أن لا يتعارض ذلك مع الاستغلال العادي للمصنف ولا يسبب ضرراً غير مبرر للمصالح المشروعة لصاحب الحق وحيث إن نشر المصنف قد سبب ضرراً بالمميز ضدهم الأمر الذي يوجب التعويض ويكون الاستعمال المبرر على النحو التالي وعرضه في اجتماع عائلي خاص) (الاستعانة بالمصنف للاستعمال الشخصي الخاص) ( استعماله وسيلة إيضاح ) ( الاستشهاد من المصنف بمصنف آخر بهدف الإيضاح ) ).
- 2- الحكم رقم 40706 لسنة 2009 – استئناف عمان الصادر بتاريخ 2009-08-30
- ( وعن السبب الرابع من أسباب الاستئناف نجد أن المادة (17) من قانون حماية حق المؤلف قد أجازت استعمال المصنف المنشور دون إذن المؤلف وفق شروط وحالات حددتها المادة المذكورة فيها :
أ 0 تقديم المصنف أو عرضه أو إلقاؤه أو تمثيله أو إيقاعه إذا حصل في اجتماع عائلي خاص أو في مؤسسة تعليمية أو تضامنيه أو اجتماعية على سبيل التوضيح للأغراض التعليمية 000 ) .
كما جاء في الفقرة (ج) (الاعتماد على المصنف وسيلة للإيضاح في التعليم بواسطة المطبوعات أو البرامج 000) وحيث أن مثل هذه الإجازة لا تعطي لمن استعمل المصنف أن يسقط اسم صاحبة (المؤلف) من على المصنف ولا تجيز للمستعمل أن يضع اسمه وبأي شكل على المصنف سواء استخدم عبارة تأليف أو إعداد أو غيرها من الكلمات وبالتالي فإن الإجازة الواردة في المادة (17) لا تنطبق على فعل الأظناء ما دام أنهم قاموا بإنتاج مصنف جديد يحمل أسماءهم ولا يكفي الإشارة للمصنف المستعمل في المقدمة وإنما الأمانة العلمية تقتضي الإشارة للاقتباس في مكانه) .
إعداد: محمد إسماعيل حنفي
[1] صقر تركي، حماية حقوق المؤلف بين النظرية والتطبيق، منشورات اتحاد لعرب، دمشق، 1996، ، ص 198
[2] إسماعيل غانم، م محاضرات في النظرية العامة للحق، مكتبة عبدالله وهبة، 1996، ص 13
[3] معجم الجامع العربي – عربي
[4] نواف كنعاد، حق المؤلف، النماذج المعاصرة لحق المؤلف ووسائل حمايته، دار الثقافة، 2009، ص271
[5] محمد حسن عبدالله، حقوق الملكية الفكرية، ط1، الأفاق المشرقة للنشر والتوزيع، الأردن، 2011، ص 57
[6] امرح علي رشيد أبو حجيلة، ضوابط الاستشهاد بالمصنفات في ضوء قانون حق المؤلف دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، 2023، ص 24
[7] محمد الأزهري، حماية حقوق المؤلف في القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضا، ص 88
[8] بعد الحفيظ بلقاضي، مفهوم حق المؤلف وحدود حمايته جنائيا، 19997، الدار البيضاء، ط1، ص 355
[9] نور الدين الشرقاوي، حقوق المؤلف والحقوف المجاورة، مطبعة فضالة المحمدية، ط1، 2002، ص 123
[10] محمد حسام محمود لطفي، المرجع العلمي في الملكية الأدبية والفنية في ضوء أراء الفقه وأحكام القضاء، 1992، القاهرة، ص 113
[11] محمد أبوبكر، المبادئ الأولية لحقوق المؤلف، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2005 ، ص 41
[12] دليا لييزيك، حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ترجمة محمد حسام لطفي، ط1، ص 230
[13] عوض الزعبي ، مدخل إلى علم القانون، إثراء للنشر والتوزيع، ط4، ص 75
[14] عبد السعيد الشرقاوي، حقوق الملكية الفكرية، ط1، مطبعة الجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1995، ص 249
[15] يوسف أحمد النوافلة، الحماية القانونية لحق المؤلف، ط1، دار الثقافة للشرو التوزيع، عمان، ص 200
